السلوك السياسي لحركة حماس بعد السابع من أكتوبر
إعداد : أسامة الزغلول
تتناول هذه الورقة سلوك حركة حماس السياسي بعد السابع من أكتوبر، والتحولات التي طرأت على ممارساتها وخطابها السياسي، وتعاطيها مع القضايا الرئيسية، وإعادة ترتيب أولوياتها في المرحلة المقبلة.
ويُعدّ السابع من أكتوبر نقطة تحوّل رئيسة في مسار حركة حماس، إذ أفضت التطورات التي أعقبت هذا التاريخ إلى تغييرات واسعة في البيئة السياسية والأمنية التي تتحرك ضمنها الحركة، الأمر الذي يجعل دراسة التحولات في سلوكها وأثرها في مسار القضية الفلسطينية أمرًا مهمًا.
وتنبع أهمية هذه القضية من تأثيرها في مسار القضية الفلسطينية والمشهد الفصائلي، في ظل المستجدات والتغيرات التي أسهمت في تحول سلوك الحركة، سواء على مستوى التعامل مع الأطراف الإقليمية والدولية، أو إدارة قطاع غزة، أو الموقف من مسألة السلاح، وما يرتبط بذلك من إعادة ترتيب للأولويات السياسية.
وتسعى الورقة إلى تحليل سلوك حركة حماس السياسي بعد السابع من أكتوبر، وبيان الأسباب والظروف التي أسهمت في تشكيل هذا السلوك، إلى جانب بحث الدور الذي تسعى الحركة إلى القيام به في المرحلة المقبلة، استنادًا إلى مواقفها وتصريحاتها وخطابها السياسي.
وتأتي هذه الورقة في ضوء المستجدات والمقابلة التي أُجريت مؤخرًا مع رئيس المكتب السياسي المنتخب حديثًا الدكتور خليل الحية والتي تناولت توجهات الحركة وتطلعاتها للمرحلة المقبلة[1]، إلى جانب اللقاءات التي أُجريت مع الجانب الأمريكي والتفاهمات التي توصلت إليها الحركة مع الوسطاء،كما تسعى الورقة إلى تحليل مدى انعكاس هذه التطورات على سلوك الحركة، وما إذا كانت تعكس استجابة للواقع الجديد، أو قدرًا من المرونة في التعامل مع قضايا كانت تُعدّ من الثوابت في سياستها.
السياق التاريخي:
تأسست حركة المقاومة الإسلامية «حماس» عام 1987 بالتزامن مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى[2]، وعرّفت نفسها منذ انطلاقتها بوصفها امتدادًا لجماعة الإخوان المسلمين في فلسطين[3]، مستندةً إلى مرجعية إسلامية شكّلت إطارًا ناظمًا لرؤيتها السياسية والتنظيمية.
وقد أكدت الحركة في ميثاقها أن الإسلام يمثل منهجها الذي تستمد منه أفكارها ومفاهيمها وتصوراتها، وإليه تحتكم وتسترشد في ممارستها[4]، وانعكس هذا الإطار الفكري على طبيعة سلوكها، إذ جمعت منذ تأسيسها بين العمل المقاوم والعمل الاجتماعي والتنظيمي والسياسي.
وعلى المستوى الداخلي، سعت الحركة إلى بناء قاعدة اجتماعية وسياسية واسعة من خلال نشاطها في المؤسسات الطلابية والنقابية والاجتماعية، الأمر الذي مكّنها من ترسيخ حضورها داخل المجتمع الفلسطيني.
وتطور هذا الحضور تدريجيًا إلى مشاركة مباشرة في المجال السياسي، وصولًا إلى الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006، التي حصلت فيها الحركة على 74 مقعدًا من أصل 132 مقعدًا[5].
وقد مثّل هذا الفوز تحولًا مهمًا في مسار الحركة، إذ انتقلت من فاعل مقاوم واجتماعي إلى فاعل سياسي رئيسي داخل النظام السياسي الفلسطيني، الأمر الذي فرض عليها التعامل مع قضايا الحكم والعلاقات الداخلية والخارجية إلى جانب دورها المقاوم.
وعلى مستوى العلاقات الخارجية، اتسم السلوك السياسي للحركة قبل السابع من أكتوبر بالحذر في التعامل المباشر مع إسرائيل والولايات المتحدة، إذ كانت تميل إلى استخدام الوسطاء في الاتصالات المتعلقة بالقضايا السياسية والأمنية.
وفي المقابل، احتل البعد العربي والإقليمي موقعًا مهمًا في سياستها الخارجية، حيث سعت إلى بناء شبكة من العلاقات مع عدد من الدول والفاعلين الإقليميين.
وفي هذا السياق، استضاف الأردن المكتب السياسي للحركة حتى عام 1999، قبل انتقاله إلى سوريا، ثم توسع حضور الحركة الخارجي ليشمل قطر، إلى جانب علاقاتها واتصالاتها مع عدد من الدول والفاعلين في الإقليم وخارجه.
وشهدت علاقات الحركة الإقليمية تغيرات متأثرة بالتحولات السياسية في المنطقة، فقد أدى صعود قوى وحركات إسلامية إلى الحكم في عدد من الدول العربية خلال مرحلة الربيع العربي إلى تعزيز التقارب مع بعض الأطراف العربية، إلا أن التطورات اللاحقة أدت إلى إعادة ترتيب شبكة علاقاتها الإقليمية، وكان خروج الحركة من سوريا أحد أبرز التحولات في هذا السياق، إلى جانب حدوث توتر في علاقتها مع إيران خلال فترة معينة، قبل أن تعود العلاقات بين الطرفين إلى مسار أكثر استقرارًا[6].
وفي الوقت نفسه، حافظت الحركة على علاقاتها مع عدد من القوى المنضوية ضمن ما يعرف بمحور المقاومة، بما في ذلك حزب الله والحوثيين وفصائل المقاومة الإسلامية في العراق.
أما على مستوى الساحة الفلسطينية، فقد اتسم سلوك الحركة بالتنافس والتفاوض في آن واحد مع القوى السياسية الفلسطينية، وبخاصة حركة فتح، ورغم الخلافات السياسية والتنظيمية العميقة، استمرت قنوات الاتصال والحوار بين الطرفين بدرجات متفاوتة، خصوصًا في الملفات المرتبطة بإدارة قطاع غزة، والمصالحة الفلسطينية، ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني.
وأصبح موقع الحركة داخل الساحة الفلسطينية أحد المحددات الرئيسية لسلوكها السياسي، خصوصًا بعد سيطرتها على قطاع غزة وتحولها إلى فاعل أساسي في تحديد اتجاهات السياسة الفلسطينية.
كما شكلت المواجهات العسكرية المتكررة مع إسرائيل عنصرًا مؤثرًا في السلوك السياسي للحركة، إذ لم تنفصل المواجهة العسكرية عن الحسابات السياسية والعلاقات الإقليمية، وقد برز ذلك بصورة واضحة خلال معركة «سيف القدس» عام 2021، التي سعت خلالها الحركة إلى المبادرة في تحديد مسار المواجهة وربطها بالقدس والقضية الفلسطينية الأوسع، واستمر هذا التداخل بين الأدوات السياسية والعسكرية إلى أن جاء السابع من أكتوبر 2023 بوصفه نقطة تحول رئيسية في مسار الحركة وفي البيئة السياسية والإقليمية المحيطة بها.
ففي السابع من أكتوبر 2023 أطلقت الحركة عملية «طوفان الأقصى»، التي أحدثت تحولًا واسعًا في مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأعقبها رد عسكري إسرائيلي واسع على قطاع غزة، ولم تقتصر تداعيات الحرب على الساحة الفلسطينية بل امتدت إلى البيئة الإقليمية مع انخراط أطراف وفصائل مرتبطة بمحور المقاومة بدرجات مختلفة، إلى جانب اتساع الحراك السياسي والشعبي على المستويين العربي والدولي.
ونتيجة لذلك، وجدت الحركة نفسها أمام بيئة سياسية مختلفة عن تلك التي كانت تتحرك ضمنها قبل السابع من أكتوبر، الأمر الذي انعكس على طبيعة سلوكها السياسي وقنوات اتصالاتها.
وفي ظل استمرار الحرب وارتفاع كلفتها السياسية والإنسانية، اتجهت الحركة إلى توسيع نطاق اتصالاتها السياسية، والاعتماد بصورة أكبر على قنوات الوساطة الإقليمية والدولية.
وبرز في هذا السياق الدور الذي اضطلعت به كل من قطر ومصر ولاحقًا تركيا، في إدارة الاتصالات والوساطات المتعلقة بوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى والمحتجزين، كما شهدت هذه المرحلة فتح قنوات اتصال غير مباشرة مع الولايات المتحدة[7]، وهو ما يمثل تحولًا في نمط إدارة الحركة لعلاقاتها مع القوى الدولية، مقارنةً بموقفها السابق الذي اتسم بدرجة أكبر من التحفظ تجاه التواصل المباشر معها.
وفي الوقت ذاته، شهد سلوك الحركة تجاه الساحة الفلسطينية الداخلية قدرًا من إعادة الانفتاح السياسي، من خلال استئناف أو توسيع الاتصالات مع منظمة التحرير الفلسطينية وقيادات حركة فتح والتيارات الفلسطينية المختلفة[8].
ويعكس ذلك إدراكًا لأهمية التوافق الفلسطيني في تحديد مستقبل قطاع غزة وترتيبات المرحلة التالية للحرب، فضلًا عن محاولة الحركة الحفاظ على موقعها داخل النظام السياسي الفلسطيني وعدم عزلها عن الترتيبات السياسية المتعلقة بمستقبل القضية الفلسطينية.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن السلوك السياسي لحركة حماس بعد السابع من أكتوبر شهد تحولًا في أدوات إدارة العلاقات السياسية وقنوات الاتصال أكثر من كونه تحولًا معلنًا في مرجعيتها الفكرية، فقد انتقلت الحركة إلى نمط أكثر مرونة في التعامل مع الوسطاء والفاعلين الإقليميين والدوليين، ووسعت نطاق اتصالاتها ليشمل أطرافًا كانت العلاقة معها محدودة أو غير مباشرة، بالتوازي مع إعادة تنشيط الحوار مع القوى الفلسطينية الداخلية.
وعليه، فإن التحول الأبرز في سلوك الحركة يتمثل في الانتقال من نمط سياسي يقوم بدرجة أكبر على الاعتماد على شبكات علاقات إقليمية محددة، إلى نمط أكثر تعددًا في القنوات والوسطاء والفاعلين. ويمكن تفسير هذا التحول في ضوء البيئة السياسية والاستراتيجية التي فرضتها الحرب بعد السابع من أكتوبر، وما نتج عنها من تغير في موقع الحركة داخل النظام الفلسطيني، وفي علاقاتها الإقليمية والدولية، وفي طبيعة الترتيبات المرتبطة بمستقبل قطاع غزة والقضية الفلسطينية. ومن ثم، فإن هذا التحول يطرح تساؤلًا تحليليًا حول ما إذا كان يمثل تكيفًا براغماتيًا مع البيئة الجديدة أم إعادة تموضع أوسع في السلوك السياسي للحركة.
أولًا: على مستوى العلاقة مع الجانب الأمريكي
شكّل لقاء الفريق المفاوض لحركة حماس، برئاسة الدكتور خليل الحية، مع المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، أحد أبرز المستجدات في السلوك السياسي للحركة في تعاملها مع الجانب الأمريكي، ولاسيما أن الحركة كانت قد اتخذت خلال الحرب موقفًا شديد الانتقاد للولايات المتحدة، واعتبرتها شريكًا في المسؤولية عن مجريات الحرب، ووجّهت إليها اتهامات سياسية مباشرة.
ولا يمكن النظر إلى انتقال الحركة إلى طاولة التفاوض مع الجانب الأمريكي بوصفه مجرد تواصل عابر، بل يمكن قراءته بوصفه تحولًا في نمط تعاملها السياسي مع أحد الفاعلين الأكثر تأثيرًا في مسار الحرب ومخرجاتها، ويعكس هذا التحول قدرًا من المرونة السياسية والبراغماتية في إدارة العلاقات الدولية، إذ غلبت اعتبارات المصلحة السياسية وإمكانية التأثير في مسار الأحداث على الاعتبارات الأيديولوجية التي كانت تحكم الخطاب تجاه الولايات المتحدة خلال مراحل سابقة من الصراع.
ويتضح ذلك بصورة أكبر من خلال تعامل الحركة مع المقترح الذي طرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن غزة، بما يشير إلى استعدادها للتعامل مع المبادرات الأمريكية باعتبارها أدوات سياسية قابلة للتفاوض، بدلًا من رفضها بصورة مسبقة انطلاقًا من طبيعة العلاقة الأيديولوجية والسياسية مع واشنطن.
ومن هذا المنطلق، قد يفتح هذا التحول المجال أمام تطوير قنوات اتصال أكثر مباشرة بين الحركة والجانب الأمريكي مستقبلًا، كما يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية التعامل مع مراكز التأثير الفعلية في عملية صنع القرار المتعلقة بالقضية الفلسطينية.
وفي هذا السياق، يمكن فهم التواصل مع واشنطن باعتباره تجاوزًا نسبيًا لنمط العلاقات غير المباشرة الذي كانت الحركة تعتمد فيه بدرجة أكبر على حلفائها الإقليميين، وفي مقدمتهم إيران، في مقابل اعتماد الولايات المتحدة على إسرائيل بوصفها طرفًا مركزيًا في إدارة الملف.
وعليه، لا تبدو العلاقة مع الجانب الأمريكي في سلوك الحركة السياسي علاقة ثابتة أو محكومة بمحددات أيديولوجية غير قابلة للتغير، وإنما تتجه نحو نمط أكثر مرونة وتفاعلية تحكمه تطورات البيئة السياسية وحسابات المصلحة والقدرة على التأثير.
ويمكن اعتبار هذا التحول مؤشرًا على سعي الحركة إلى تجويد أدائها السياسي الدولي وتوسيع هامش حركتها الدبلوماسية، بما يتناسب مع موقعها المتغير داخل منظومة القرار الفلسطيني والإقليمي.
ثانياً:العلاقة مع القوى السياسية الفلسطينية
رحبت حماس في الإعلان الصادر من السلطة في عقد انتخابات رئاسية و تشريعية في الضفة الغربية وغزة، وأعلنت عن استعداد في المشاركة فيها من خلال مجموعة من الخيارات وعلى راسها قائمة وطنية مشتركة .
وأعلن حسام بدران، رئيس مكتب العلاقات الوطنية في حركة حماس، استعداد الحركة للمشاركة في الانتخابات ضمن أوسع ائتلاف وطني ممكن، مشيراً إلى اتصالاتها بمختلف القوى والفصائل والشخصيات الفلسطينية لتشكيل كتلة انتخابية واسعة على أساس برنامج سياسي متوافق عليه، بما يضمن توسيع التمثيل الوطني وتعزيز الشراكة في القرار، وإنهاء حالة التفرد، وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني من خلال الانتخابات التشريعية وانتخابات المجلس الوطني[9].
أبدت حماس مرونة عالية جد في التواصل مع القوى الفلسطينية من خلال فتح قنوات مع الكل الفلسطيني و على رأسها قيادات منظمة التحرير و الفصائل الأخرى، والتقت الحركة مع الفصائل من حركة الجهاد الإسلامي، وتيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وحركة الأحرار الفلسطينية، والجبهة الشعبية – القيادة العامة، ولجان المقاومة في فلسطين، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين،وبحثت القوى سبل تعزيز الوحدة الوطنية[10].
وأكدت القوى حقها في انتخاب ممثليه بحرية ونزاهة وشفافية في المجلسين التشريعي والوطني، ورفض التعيين والإقصاء والتفرد، اتفقت كما أعلن الأطراف على مواصلة التشاور بين القوى والفصائل والشخصيات الوطنية، والعمل على إنهاء الانقسام وإعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير على أسس ديمقراطية و تشاركية، وبلورة استراتيجية وطنية موحدة.
كما وأشار رئيس مكتب العلاقات الوطنية للحركة حسام بدران على أن الحركة ستبقى تتعامل بمرونة عالية و وفق منظور المصلحة الوطنية و توطيد العلاقة مع القوى وسد الفجوة وعدم التخلي عن حقوقها السياسية من المشاركة و التواجد في المشهد السياسي.
ويدل ذلك على اتجاه الحركة في الفترة القادمة تثبيت قواعد عمل مشتركة تضمن توافق وطني، و تحرص على تصفير المشكلات الداخلية قدر المستطاع و استعدادها الجلوس مع الرئيس الفلسطيني و حركة فتح للوصول إلى رؤية مشتركة.
ثالثاً: التنازل عن إدارة قطاع غزة
يمثل تنازل حركة حماس عن إدارة شؤون قطاع غزة عبر حكومتها [11]تحولًا مهمًا في طبيعة دورها السياسي داخل القطاع، إذ يؤسس لمرحلة جديدة بعد نحو 18 عامًا من توليها إدارة المؤسسات الحكومية وممارسة السلطة التنفيذية، ولا يمكن اعتبار هذا التحول إجراءً عابرًا، نظرًا لما قد يترتب عليه من إعادة صياغة لدور الحركة وموقعها في عملية صنع القرار داخل القطاع.
وكانت حركة حماس قد أحكمت سيطرتها الأمنية والإدارية على قطاع غزة عام 2007، فيما عُرف آنذاك بـ«الحسم»، في سياق الصراع السياسي والأمني مع حركة فتح، واعتبرت الحركة حينها أن ما قامت به يستند إلى الشرعية السياسية للحكومة المنتخبة برئاسة إسماعيل هنية[12]، الأمر الذي أدى إلى تعميق حالة الانقسام السياسي الفلسطيني.
وفي سياق ما بعد السابع من أكتوبر، يعكس التخلي عن الإدارة الحكومية تغيرًا في السلوك السياسي للحركة، من خلال الانتقال من ممارسة السلطة بصورة رسمية ومباشرة إلى الحفاظ على دورها السياسي والتنظيمي خارج مؤسسات الحكم.
ويمكن تفسير هذا التحول في ضوء المتغيرات التي فرضتها الحرب، ولاسيما الحاجة إلى تهيئة الظروف أمام وقف الحرب وإعادة الإعمار، وتجنب أن تصبح سيطرة الحركة المباشرة على مؤسسات القطاع عائقًا أمام الترتيبات السياسية والإدارية الجديدة.
وعليه، فإن التخلي عن الإدارة الحكومية لا يعني بالضرورة فقدان حركة حماس لنفوذها في القطاع، بقدر ما يمثل إعادة تموضع سياسي وتنظيمي يتكيف مع متطلبات المرحلة الجديدة، فاستمرار حضورها الشعبي والتنظيمي، إلى جانب امتلاكها قدرات ميدانية، يمنحها أدوات تأثير خارج إطار السلطة الرسمية. ومن ثم، يمكن فهم هذا التحول باعتباره انتقالًا من إدارة السلطة إلى إدارة النفوذ، بما يسمح للحركة بالحفاظ على حضورها السياسي وتأثيرها في مستقبل القطاع دون تحمل الأعباء المباشرة المترتبة على إدارة مؤسسات الحكم.
ختامًا: السلوك السياسي للحركة وأثره بعد السابع من أكتوبر
يتضح من خلال تحليل سلوك حركة حماس بعد السابع من أكتوبر حدوث تحولات مهمة في طريقة تعاملها مع البيئة السياسية المحيطة بها، سواء على المستوى الدولي أو الفلسطيني الداخلي. فعلى مستوى العلاقة مع الجانب الأمريكي، يمثل فتح قنوات اتصال مباشرة تحولًا في نمط السلوك السياسي للحركة، كما يعكس إقرارًا بوجود تأثير سياسي لا يمكن تجاهله في القضية الفلسطينية، وفي المقابل يكشف عن أهمية الدور الأمريكي وقدرته على التأثير في مسار القرار الإسرائيلي. كما أظهرت الحركة قدرة أكبر على الفصل بين البعد العقدي والاعتبارات المصلحية والسياسية، وهو ما يمكن اعتباره تطورًا في إدراكها لطبيعة التفاعلات الدولية ومحددات الفعل السياسي فيها.
وعلى المستوى الفلسطيني الداخلي، فإن سعي الحركة إلى فتح قنوات اتصال جديدة مع مختلف القوى والفصائل، وبناء تفاهمات وشراكات قائمة على المصالح المشتركة، يعكس توجهًا نحو تعزيز العمل التوافقي وتوسيع دائرة الشراكة السياسية. ويشير ذلك إلى انتقال نسبي من نمط المنافسة السياسية المباشرة إلى محاولة بناء ترتيبات أكثر تشاركية، بما يعزز قدرة الحركة على الحفاظ على حضورها في النظام السياسي الفلسطيني.
أما تنازل الحركة عن إدارة قطاع غزة، فيمكن فهمه باعتباره تكيفًا مع متطلبات البيئة السياسية والإقليمية والدولية الجديدة، وليس بالضرورة تخليًا عن إرثها السياسي أو نفوذها داخل القطاع. فانتقال الحركة من إدارة مؤسسات الحكم بصورة مباشرة إلى ممارسة دور سياسي وتنظيمي خارجها يمثل إعادة تموضع في أدوات ممارسة النفوذ، خصوصًا في ظل استمرار امتلاكها عناصر قوة سياسية وتنظيمية وميدانية. وعليه، فإن التخلي عن الإدارة الحكومية لا يعني بالضرورة فقدان القدرة على التأثير في مستقبل القطاع، بل قد يمثل محاولة لتجنب الأعباء السياسية والإدارية التي فرضتها مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر.
أفضى السابع من أكتوبر إلى إحداث تحول في السلوك السياسي للحركة، بما يتناسب مع حجم الحدث وآثاره على القضية الفلسطينية، فقد دفعت التحولات التي أعقبت الحرب الحركة إلى إعادة النظر في بعض أدواتها السياسية، وتوسيع نطاق علاقاتها واتصالاتها، وإعادة ترتيب أولوياتها بما يتلاءم مع البيئة السياسية الجديدة.
كما أسهمت تداعيات الحرب في إعادة وضع القضية الفلسطينية في صدارة أجندة الفاعلين الإقليميين والدوليين، وفرضت متغيرات جديدة على حسابات الأطراف المختلفة، الأمر الذي يجعل سلوك الحركة بعد السابع من أكتوبر قابلًا للفهم بوصفه عملية تكيف سياسي مع بيئة إقليمية ودولية متغيرة، أكثر من كونه تحولًا جذريًا في هويتها السياسية أو أهدافها الأساسية.
المراجع والهوامش:-
- أبو عيد، عبد الله، وآخرون. (1997). دراسة في الفكر السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس): 1987–1996 (تحرير جواد الحمد وإياد البرغوثي). مركز دراسات الشرق الأوسط.
- صالح، محسن محمد. (2012). القضية الفلسطينية: خلفياتها التاريخية وتطوراتها المعاصرة (طبعة مزيدة ومنقحة). مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.
- الصمادي، ف. (2015، 7 سبتمبر). «حماس» و«الجهاد» تعيدان توصيف العلاقة مع إيران (قراءة تحليلية). مركز الجزيرة للدراسات. (https://studies.aljazeera.net/ar/reports/2015/09/20159785611917564.html?utm_source=chatgpt.com)
- حركة المقاومة الإسلامية (حماس). (1988، 18 أغسطس). ميثاق حركة المقاومة الإسلامية (حماس)."نص الميثاق ووثيقته" (https://www.palquest.org/ar/historictext/9672/%D9%85%D9%8A%D8%AB%D8%A7%D9%82-%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D9%85%D8%A7%D8%B3-%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86)
- لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية. (2006). الانتخابات التشريعية الفلسطينية الثانية: النتائج النهائية. لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية.( الانتخابات التشريعية 2006)
- حركة المقاومة الإسلامية (حماس). (2026). بيان صادر عن الحركة. الموقع الرسمي لحركة حماس.
- الحية، خليل. (2026، 26 سبتمبر). مقابلة خاصة مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خليل الحية [مقابلة]. التلفزيون العربي."مقابلة خليل الحية مع التلفزيون العربي" (





