ورقة موقف بعنوان "اليمن بين صراع النفوذ و أزمة الوحدة"
إعداد: أسامة الزغلول
مقدمة:-
في ظل تصاعد وتيرة الأحداث في اليمن، واستمرار الاشتباكات بين الأطراف المتصارعة تعود الأزمة اليمنية إلى صدارة المشهد الإقليمي، و تداخل متزايد بين العوامل الداخلية والتطورات الإقليمية والدولية المحيطة بها.
تأتي هذه التطورات في سياق إقليمي دقيق ودولي حرج، إذ تتزامن مع تداعيات الحرب الأمريكية–الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز واستمرار حرب الإبادة على قطاع غزة، إلى جانب مواقف جماعة أنصار الله من التطورات الإقليمية، ولاسيما الحرب الدائرة بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى.
وتشهد الساحة اليمنية نزاعًا داخليًا وتدخلًا خارجيًا منذ عام 2011، مرورًا بتدخل قوى التحالف العربي عام 2015، وصولًا إلى التهدئة التي بدأت عام 2022 وما تبعها من خطوات، أبرزها تبادل الأسرى عام 2023. كما ارتبطت التطورات اليمنية في السنوات الأخيرة بالسياق الإقليمي الأوسع، ولاسيما بعد دخول جماعة أنصار الله على خط المواجهة الإقليمية أثر اندلاع الحرب في غزة، واتخاذها مواقف داعمة لإيران .
ويبرز في المشهد الراهن تطور لافت في مسار الأزمة، يتمثل في تصاعد الاشتباكات بين الحكومة اليمنية وجماعة أنصار الله (الحوثيين)، بالتزامن مع إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي" رشاد العليمي" التعبئة لعملية عسكرية تحت شعار «فجر اليمن»[1]، في محاولة لاستعادة السيطرة على المناطق الخاضعة للحوثيين.
ويعيد هذا التطور الصراع اليمني إلى صدارة الاهتمام، بما يحمله من تداعيات محتملة على الأمن الإقليمي وحركة الملاحة والتوازنات القائمة داخل اليمن، وتتزامن هذه التطورات مع الحرب الأمريكية- الإيرانية وتواصل الحرب في قطاع غزة، مما يجعل التصعيد في اليمن جزءًا من بيئة إقليمية أوسع.
كما يرتبط التصعيد الأخير بالتطورات المتعلقة بحركة الطيران والمطارات والملاحة، وما تبعها من تصريحات ومواقف لجماعة أنصار الله بشأن استهداف المطارات وربط ذلك بالمواجهة الإقليمية الأوسع، ويستند هذا التطور إلى جملة من الحسابات المتداخلة، منها رغبة أطراف إقليمية ودولية في إعادة ترتيب المشهد اليمني والحد من نفوذ إيران وأذرعها الإقليمية ، فضلًا عن المخاوف من دور جماعة أنصار الله في تهديد أمن الملاحة والتجارة الدولية.
وفي المقابل، ترتبط هذه التطورات بحسابات الأطراف اليمنية الداخلية، ورغبة كل طرف في تحسين موقعه السياسي والعسكري قبل أي تسوية جديدة، ولا يمكن قراءة عودة التصعيد في اليمن بوصفها تطورًا داخليًا منفصلًا، بل في إطار التفاعل بين الصراع اليمني والحسابات الإقليمية والدولية.
ومن شأن هذا التصعيد :
- أن يعيد تشكيل موازين القوى داخل اليمن.
- ويؤثر في فرص العودة إلى مسار التهدئة.
- انعكاساته المحتملة على أمن الملاحة في البحر الأحمر والتجارة الدولية.
حسابات اللاعبين في الداخل
تتشكل خارطة النفوذ في الساحة اليمنية من مجموعة من القوى السياسية والعسكرية التي تمتلك نفوذًا وقدرةً على التأثير في مسار الأحداث الداخلية، ويأتي في مقدمتها الحكومة اليمنية بقيادة رشاد العليمي إلى جانب غرفة العمليات المشتركة وما تضمه من قوى وتشكيلات عسكرية، و يمثل التجمع اليمني للإصلاح أحد أبرز المكونات السياسية الداعمة للحكومة، لما يمتلكه من حضور سياسي وشبكات نفوذ داخل المشهد اليمني.
وعسكريًا، تستند الحكومة إلى مجموعة من القوى والتشكيلات المتحالفة معها، وفي مقدمتها الجيش الوطني، وقوات العمالقة التي تمتلك قدرات عسكرية ونفوذًا في عدد من المناطق الجنوبية، إلى جانب المقاومة الوطنية، فضلًا عن القوى القبلية المحلية التي تشكل عنصرًا مهمًا في دعم العمليات العسكرية وتأمين مناطق النفوذ، وتشكل هذه القوى بمجموعها مكونات أساسية في المعسكر المناهض للحوثيين، وتملك قدرة متفاوتة على التأثير في مسار الصراع ومستقبل السيطرة على الأراضي اليمنية.
ومن طرف آخر؛ يشكل الحوثيون القوة والنفوذ الأكبر والقوة الصلبة، ويسيطرون على أجزاءَ كبيرةٍ من الساحل و يتحكمون في زمام الأمور في مناطق السيطرة والمدن ذات الثقل السكاني الكبير، ويتحالف معهم جناح من المؤتمر الشعبي و شبكة قبائل مسلحة .
أما الحكومة اليمنية فتهدف بعد مرور ما يزيد عن عقد من الصراع مع الحوثيين إلى إعادة السيطرة و حسم المعركة السياسية والعسكرية معه، من خلال استعادة مؤسسات الدولة و بسط سلطة الدولة الشرعية على كامل التراب الوطني والمدن اليمنية، وتحرير العاصمة صنعاء و استردادها من أيدي الحوثي، وإنهاء التهديدات الإقليمية للحوثيين التي تستهدف دول الجوار (مثل الهجمات على المملكة العربية السعودية) وحماية ممرات الملاحة البحرية الدولية في البحر الأحمر وباب المندب و حصر السلاح بيد الدولة.
وأما الحوثيون فإنهم يسعون إلى بسط نفوذهم على الساحل مما يؤثر على حركة التجارة العالمية ووضع الاقتصاد اليمني، وجاء رد زعيم أنصار الله "عبد الملك الحوثي" على عملية الحكومة في رفض التراجع أو الاستسلام، و ربط الضربات ضد المنشآت والمطارات السعودية بما وصفه «الحصار الاقتصادي والعسكري»، مع التهديد بمواصلة الرد بالمثل واستهداف مصالح دول التحالف، و التنسيق الإقليمي مع أطراف «محور المقاومة» واتهام الولايات المتحدة وبريطانيا بتقديم دعم عسكري و لوجستي مباشر لخصومه، و التمسك بـ«السيادة» على الأجواء والمنافذ الخاضعة لسيطرته، وهو ما يفسّر اشتراط تصاريح مسبقة للرحلات الإنسانية[2].
والتجمع اليمني للإصلاح لا يرى أن هناك أفق من التصالح مع الحوثيين، ويقف مع الحكومة اليمنية في ذلك، ويعتبر الوقوف إلى جانب الحكومة هو أولوية المرحلة، و يستند بذلك للمصلحة السياسية و بقائه من موقفه الذي يعتبر أفعال "الحوثي" انقلابًا على الشرعية، وأعلن الناطق باسم الإصلاح أن موقفهم مؤيد للعملية ودعا إلى الالتفاف حول الدولة ، وربط نجاحها بتوحيد القرار العسكري تحت وزارتي الدفاع والداخلية، وانخرط في التكتل الوطني لتنسيق الحشد السياسي[3].
وبعد تفكك المجلس الانتقالي فإن قوات العمالقة تعد القوة العسكرية الثالثة من حيث الكوادر والقوات و الدعم، و تسيطر على الساحل الجنوبي الذي له أهمية جيوسياسية عالية.
إن القوات المتصارعة إذ قسمنهما إلى طرفين فإن الحكومة ومن معها من القوى وعلى رأسها الإصلاح شعبيًا و قوات العمالقة عسكريًا يسعون إلى استعادة الأراضي التي فقدوها وبسط نفوذهم فيها، والحوثي يسعى إلى إحكام السيطرة على الساحل والضغط من خلال التحكم في حركة الملاحة.
حسابات اللاعبين الإقليميين
تلعب الدول الإقليمية دورًا مؤثرًا في مجريات الأحداث في اليمن، من خلال دعم القوى الداخلية سياسيًا وعسكريًا و لوجستيًا، و يجعل مصالح هذه الأطراف وحساباتها عاملًا أساسيًا في تحديد مسار الصراع ومستقبله، و تبرز قوى التحالف العربي تقودها "المملكة العربية السعودية" من جهة، و إيران بوصفها الطرفين الإقليميين الأكثر ارتباطًا بتوازنات الصراع اليمني.
أولًا: المملكة العربية السعودية والتحالف العربي
تأتي المملكة العربية السعودية في مقدمة قوى التحالف العربي، وتتمثل مصالحها في الوصول إلى يمن مستقر وموحد، لا يشكل مصدر تهديد لأمنها أو لأمن دول الخليج، إلى جانب الحد من قدرات الحوثيين والنفوذ الإيراني في اليمن.
وتتحرك الحسابات السعودية بصورة أساسية وفق اعتبارات أمنية واقتصادية وإقليمية؛ إذ يمثل أمن الحدود الجنوبية للمملكة أولوية، خصوصًا في ظل تعرض الأراضي والمنشآت الحيوية السعودية لهجمات خلال السنوات الماضية، و يرتبط الاستقرار اليمني بأمن البحر الأحمر و مضيق باب المندب، نظرًا إلى أهمية المنطقة لحركة التجارة والطاقة والملاحة الدولية.
وعلى المستوى الإقليمي، تسعى السعودية إلى الحد من تحول اليمن إلى ساحة نفوذ إيراني متقدمة على حدودها الجنوبية، ولذلك تدعم الحكومة اليمنية والقوى المناهضة للحوثيين، وتستخدم ثقلها السياسي والاقتصادي وعلاقاتها الإقليمية للتأثير في مسار الأزمة.
وتتمثل أدوات التأثير السعودية والتحالف في الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري، إضافة إلى العلاقات مع القوى اليمنية المختلفة والقدرة على التأثير في المسارات التفاوضية، إلا أن قدرة التحالف على تحقيق أهدافه تبقى مرتبطة بمدى قدرته على التعامل مع تعقيدات المشهد الداخلي، و قدرة الحوثيين العسكرية والسياسية المتزايدة نسبيًا.
ثانيًا: إيران
تمثل إيران الطرف الإقليمي المقابل للتحالف العربي، ويعد الحفاظ على نفوذها داخل اليمن، وتعزيز موقع الحوثيين باعتبارهم طرفًا رئيسيًا في المعادلة السياسية والعسكرية من أهم أولوياتها في اليمن.
وتنبع أهمية اليمن بالنسبة إلى طهران من موقعه الجغرافي ومن قدرته على التأثير في أمن الخليج والبحر الأحمر والممرات البحرية الدولية، و يوفر وجود حليف قوي لها في اليمن قدرة على ممارسة ضغط غير مباشر على السعودية، ويمنحها ورقة إضافية في التفاعلات الإقليمية.
وتعتمد إيران بصورة أساسية على علاقتها بالحوثيين ودعمهم سياسيًا وعسكريًا، بما يساعدهم على الحفاظ على قدراتهم وموقعهم في المعادلة اليمنية، ويتيح استمرار هذا النفوذ لطهران هامشًا للمناورة في مواجهة خصومها الإقليميين، إلا أن فعاليته تبقى مرتبطة بقدرة الحوثيين على الحفاظ على نفوذهم الداخلي، وبطبيعة التحولات في العلاقات الإقليمية.
انعكاسات التنافس الإقليمي
تقاطع المصالح السعودية والإيرانية جعل اليمن ساحة لتنافس إقليمي يتجاوز حدود الصراع الداخلي، و يرتبط مستقبل الأزمة بدرجة كبيرة بمستوى الدعم الذي تحصل عليه الأطراف المحلية من القوى الإقليمية، وبقدرة هذه القوى على التأثير في موازين القوة داخل اليمن.
كما أن استمرار التنافس يفرض كلفة أمنية وسياسية واقتصادية على مختلف الأطراف، ويزيد من تعقيد الوصول إلى تسوية مستقرة، خصوصًا مع ارتباط الصراع اليمني بملفات أوسع تتعلق بمصالح الخليج المائية و تجارة الطاقة العالمية.
وفي المقابل، فإن أي تحول في مستوى العلاقات السعودية–الإيرانية، سواء باتجاه التهدئة أو التصعيد، يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على مسار الأزمة اليمنية، فالتقارب الإقليمي قد يفتح المجال أمام دعم مسار سياسي أكثر جدية، بينما يؤدي استمرار التنافس إلى بقاء اليمن ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية.
وعليه، فإن مستقبل الصراع اليمني لا يرتبط فقط بميزان القوى بين الحكومة والحوثيين، وإنما يتأثر أيضًا بمدى استعداد القوى الإقليمية للانتقال من إدارة الصراع عبر حلفائها المحليين إلى دعم تسوية سياسية قادرة على إنتاج حالة أكثر استقرارًا، بما يحافظ على وحدة اليمن ويحد من تحول أراضيه وممراته البحرية إلى ساحة دائمة للصراع الإقليمي.
ثروة اليمن و اقتصاده
تعد اليمن من الدول المهمة وذات مخزون للطاقة الإستراتيجية العالي والمواقع الجيو- سياسية المهمة؛ إذ أنها تملك خزان إستراتيجي نفطي وغازي يؤهلها لكي تكون دولة مصدرة له، إضافة إلى الموقع الجغرافي ذي المستوى العالي الأهمية.
النفط والغاز في المعادلة اليمنية : تمتلك اليمن احتياطيات نفطية تُقدَّر بنحو 3 مليارات برميل[4]،
كما تُقدَّر احتياطياتها من الغاز الطبيعي بنحو 16.9 تريليون قدم مكعب[5]، وتكتسب هذه الموارد أهمية إستراتيجية لكونها تمثل مصدرًا مهمًا للإيرادات العامة والعملات الأجنبية، و تكمن أهمية الاحتياطي النفطي في إمكانية تحويله إلى إيرادات من خلال الإنتاج والتصدير، بما يوفر للدولة موارد مالية تساعدها في تمويل الخدمات العامة ومؤسسات الدولة، و يمنح وجود حقول النفط وممرات نقله وموانئ تصديره أهمية اقتصادية وسياسية للمناطق التي تقع فيها.
أما الغاز الطبيعي، فتتجاوز أهميته كونه موردًا للتصدير، إذ يمكن استخدامه في توليد الكهرباء والصناعة والاستهلاك المحلي، بما يجعله موردًا يمكن أن يسهم في معالجة جزء من أزمة الطاقة ودعم الاقتصاد اليمني على المدى الطويل.
وتتركز معظم الموارد النفطية والغازية القابلة للإنتاج في المناطق الواقعة خارج سيطرة الحوثيين، ولاسيما في مأرب و شبوة وحضرموت، ففي مأرب توجد منشآت وحقول نفطية وغازية مهمة، فيما يضم حوض المسيلة في حضرموت عددًا من أبرز حقول النفط اليمنية، بينما تحتوي شبوة على حقول نفطية مهمة، إلى جانب منشأة بلحاف للغاز الطبيعي المسال.
وفي المقابل، يسيطر الحوثيون على مناطق واسعة في شمال وغرب اليمن، بما في ذلك موانئ رئيسة على البحر الأحمر، إلا أن الثقل الأكبر من حقول الإنتاج النفطية والغازية يقع خارج مناطق سيطرتهم.
وأصبحت الموارد النفطية والغازية جزءًا من الصراع على النفوذ، إذ تحولت حقول الإنتاج والمنشآت النفطية والغازية وخطوط النقل وموانئ التصدير إلى مواقع ذات أهمية إستراتيجية للأطراف المتنافسة، و يؤدي تعطل الإنتاج والتصدير إلى حرمان الدولة من جزء مهم من إيراداتها، وأضعف قدرتها على تمويل الخدمات العامة وإعادة بناء مؤسساتها، في الوقت الذي زاد فيه اعتماد الاقتصاد على مصادر محدودة للإيرادات.
كما أسهمت الموارد في تعزيز التنافس على مأرب وشبوة وحضرموت، باعتبارها مناطق تجمع بين الأهمية الاقتصادية والموقع الاستراتيجي، في حين جعلت السيطرة على موانئ التصدير والمنافذ البحرية جزءًا من حسابات القوى المحلية والإقليمية وبالتالي لم تعد قيمة الموارد مرتبطة بحجم الاحتياطي وحده، وإنما بالقدرة على الوصول إلى مناطق الإنتاج والتحكم بالبنية التحتية للطاقة والاستفادة من عوائدها.
ومن ثم، فإن النفط والغاز لم يكونا سببًا وحيدًا للصراع اليمني، لكنهما أصبحا أحد أهم مصادر القوة والنفوذ وأدوات تمويل الصراع، و ستشكل إدارة هذه الموارد وتوزيع عائداتها عاملًا مؤثرًا في أي تسوية سياسية مستقبلية، خاصة أن مسألة تقاسم الموارد ترتبط بصورة مباشرة بموازين القوة، وشكل العلاقة بين المركز والأطراف، وقدرة الدولة على تمويل مؤسساتها وإعادة الإعمار وتحقيق قدر من الاستقرار الاقتصادي والسياسي.
مكانة باب المندب التجارية
يمثل مضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية في العالم، نظرًا لوقوعه عند نقطة الاتصال بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، وارتباطه المباشر بمسار التجارة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس، وتمر عبره نسبة مهمة من حركة التجارة العالمية تقدر 12% ، كما يمثل أحد الممرات الرئيسة لنقل النفط والغاز بنسبة لا تقل عن 10% والسلع بين الأسواق الآسيوية والأوروبية .
وتمنح هذه الأهمية الجغرافية اليمنَ موقعًا استراتيجيًا متقدمًا في حركة التجارة والطاقة الدولية، إذ إن إشرافها على باب المندب يجعل استقرارها السياسي والأمني مرتبطًا بصورة مباشرة بأمن أحد أهم طرق الملاحة العالمية، و أي اضطراب أمني في المضيق يمكن أن ينعكس على حركة السفن وتكاليف النقل والتأمين، ويدفع بعض الشركات إلى تغيير مساراتها البحرية، وهو ما يرفع من الأهمية الجيوسياسية للموقع اليمني.
ولا تقتصر أهمية باب المندب على الجانب التجاري، بل تمتد إلى حسابات القوى الإقليمية والدولية؛ فالقوة التي تتمتع بنفوذ في المناطق المطلة على المضيق أو القريبة منه تمتلك قدرة أكبر على التأثير في أمن الملاحة وخطوط التجارة والطاقة. ولذلك أصبح باب المندب جزءًا من حسابات القوى المتنافسة في اليمن، كما يمثل أحد العوامل التي تفسر الاهتمام الإقليمي والدولي باستقرار البلاد وبموازين القوى فيها.
ومن ثم، فإن الموقع الجغرافي لليمن يمنحها أهمية إستراتيجية تتجاوز حجم اقتصادها ومواردها الطبيعية، ويجعل استقرارها وموقعها البحري جزءًا من معادلة أمن التجارة والطاقة في المنطقة، وفي المقابل، فإن عدم قدرة الدولة اليمنية على استثمار هذا الموقع بصورة اقتصادية وسياسية، أو استمرار حالة الانقسام والصراع، يحول هذه الميزة الجغرافية من مصدر محتمل للقوة الاقتصادية إلى أحد عناصر التنافس الإقليمي والدولي.
ويمثل باب المندب أحد أهم عناصر القوة الجيوسياسية لليمن، ويجعل أي تسوية للصراع اليمني ذات أبعاد تتجاوز الداخل اليمني، نظرًا لارتباطها بأمن الملاحة الدولية ومصالح القوى الإقليمية والدولية.
السيناريوهات
أولًا: استمرار حالة عدم الاستقرار والصراع دون حسم فعلي
يقوم هذا السيناريو على استمرار حالة الصراع في اليمن دون تمكن أي من الأطراف المتصارعة من تحقيق حسم عسكري أو سياسي نهائي، بما يؤدي إلى بقاء حالة عدم الاستقرار لفترة زمنية مفتوحة، وقد يترتب على استمرار الصراع عدد من التداعيات الاقتصادية، من أبرزها التأثير في أسعار النفط عالميًا نتيجة المخاوف المرتبطة بأمن الإمدادات وحركة الملاحة، فضلًا عن استمرار التنافس على الموارد النفطية ومناطق الإنتاج، وما يرتبط بها من فرص وعطاءات مستقبلية لاستخراج النفط وإعادة تشغيل القطاع النفطي.
ثانيًا: التوصل إلى تسوية سياسية جزئية
يقوم هذا السيناريو على نجاح الأطراف المتصارعة، بصورة مباشرة أو عبر وساطات إقليمية ودولية، في التوصل إلى اتفاق جزئي أو تسوية سياسية محدودة تفضي إلى خفض التصعيد ووقف جزءٍ من العمليات العسكرية، دون الوصول بالضرورة إلى حل شامل ونهائي للصراع، و يشكل هذا السيناريو مدخلًا لإعادة ترتيب الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية في اليمن بصورة تدريجية.
ثالثًا: تصاعد الصراع وتحوله إلى مواجهة إقليمية شاملة
يقوم هذا السيناريو على تصاعد حدة المواجهات في اليمن واتساع نطاقها بما يتجاوز حدود الصراع الداخلي، وصولًا إلى مواجهة إقليمية واسعة، الأمر الذي قد ينعكس بصورة مباشرة على أمن الخليج والأمن الإقليمي، وعلى حركة الملاحة والتجارة الدولية -لاسيما- في ظل الأهمية الإستراتيجية للممرات البحرية المرتبطة بالمنطقة.
السيناريو المرجح
يرجح الكاتب السيناريو الأول، والمتمثل في استمرار حالة عدم الاستقرار والصراع في اليمن دون الوصول إلى حسم فعلي، وذلك في ضوء صعوبة التوصل إلى اتفاق شامل بين أطراف الصراع، نتيجة اتساع الفجوة بين مطالب القوى الداخلية وتباين حساباتها السياسية والعسكرية.
كما أن تعدد المصالح الإقليمية المرتبطة بالملف اليمني يجعل الوصول إلى حسم نهائي أكثر تعقيدًا، في ظل سعي بعض القوى إلى الحفاظ على مستوى من التوازن يمنع فرض تسوية أحادية من طرف واحد.
وعليه، يُرجح استمرار حالة الصراع منخفض أو متوسط الحدة، مع إمكانية حدوث جولات متقطعة من التصعيد والتهدئة، إلى جانب استمرار التنافس على الموارد والمواقع الإستراتيجية، وعدم اتخاذ الدول الكبرى مواقف حاسمة لإنهاء هذا الصراع، مما يجعل الوصول إلى تسوية شاملة في المدى القريب أمرًا صعبًا .
[1] https://presidentalalimi.net/news2566.html
[2] https://masirahtv.net/video?id=311637
[3] https://alislah-ye.net/news_details.php?sid=12892
[4] https://www.worldometers.info/ar/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B7/%D9%86%D9%81%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86/
[5] https://www.worldometers.info/ar/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%A7%D8%B2/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%A7%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A8%D9%8A%D8%B9%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86/





