ورقة موقف من إدارة الصراع إلى اختبار الإنفاذ "هل يملك الأردن ترف الانتظار؟... قراءة في كلفة الضم الزاحف، والتهجير الصامت، وحكومات إسرائيلية متعصبة لنهجها"
الملخص التنفيذي
بينما اتسع الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، تظهر المرجعيات القانونية الرافضة للاستيطان والضم والتهجير، تمضي الوقائع الميدانية في اتجاه معاكس يقوّض الشروط المادية لقيام الدولة الفلسطينية. وبين رصيد شرعيٍّ متنامٍ وقدرة إنفاذ محدودة، تتحدد ملامح المرحلة الراهنة، وتتبلور الأسئلة التي تعالجها الورقة بصيغة تقريرية متوازنة.
أبرز الخلاصات:
- التغيير الحكومي في إسرائيل لا يعني تلقائيًا تغيير السياسات؛ فثمة فارق جوهري بين تبدّل الواجهة السياسية وتبدّل المشروع الذي تحكمه.
- أعاد السابع من أكتوبر ترسيخ الأمن معيارًا حاكمًا للوعي السياسي الإسرائيلي، فضاقت مساحة التسوية وارتفعت كلفة الخطاب المعتدل.
- الدور الأمريكي عامل مؤثر وليس حاسمًا بذاته، إذ تحكمه حسابات داخلية ومصالح استراتيجية تحدّ من سقف الضغط.
- لا تتحول الاعترافات الدولية إلى أثر ملموس إلا بمقدار ارتباطها بأهداف محددة، وأساس قانوني واضح، وتنسيق بين دول قادرة على التنفيذ.
- يشكّل التهجير والقدس والدولة الفلسطينية منظومة مترابطة تمسّ الأمن الوطني الأردني مباشرة، وتجعل كلفة الانتظار كلفة تراكمية.
- تقتضي الواقعية الاستراتيجية التمييز بين الوقائع والتقديرات، وبين الخطاب والقرار، وبناء تقديرات موقف تستند إلى سيناريوهات متعددة ومؤشرات رصد.
أولًا: المدخل — مرحلة تتجاوز حدود المواجهة
تقف القضية الفلسطينية عند منعطف تتجاوز تداعياته حدود المواجهة المباشرة، فتطال مستقبل الدولة الفلسطينية، وطبيعة التوازنات الإقليمية، ومدى قدرة النظام الدولي على حماية القانون والحقوق، فضلًا عن انعكاساتها المباشرة على الأمن الوطني الأردني. ومع استمرار الحرب وتداعياتها، وتصاعد السياسات الإسرائيلية المرتبطة بالاستيطان والضم والتهجير، وانحسار الآفاق العملية للتسوية، لم يعد السؤال منحصرًا في كيفية احتواء الصراع أو الحد من امتداداته، إذ صار متصلًا بمدى القدرة على تغيير المسار الذي يعيد إنتاجه، ومنع تحوّل الوقائع المفروضة على الأرض إلى معادلات سياسية وجغرافية يتعذر التراجع عنها.
وتتمثل الإشكالية في اتساع الفجوة بين المرجعيات القانونية والسياسية التي تؤكد الحقوق الفلسطينية، والوقائع الميدانية التي تقوّض إمكان ترجمتها إلى تسوية قابلة للحياة. فعلى الرغم من اعتراف أكثر من 140 دولة بفلسطين، واتساع رقعة المواقف الرافضة للاستيطان والضم والتهجير، لا تزال القدرة على تحويل هذه المواقف إلى ضغط مؤثر موضع تساؤل. وهنا ينتقل التحدي من حشد التأييد الدولي إلى البحث في الأدوات التي تجعل ذلك التأييد عاملًا فاعلًا في تغيير السلوك السياسي، بدل بقائه في حدود التصريحات والمواقف الدبلوماسية.
وتقارب الورقة الملفات المطروحة بوصفها منظومة متداخلة لا قضايا منفصلة؛ إذ تتقاطع فيها حسابات القوى الكبرى مع التحولات داخل إسرائيل، والانقسامات العربية، ومحاولات إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في الأراضي الفلسطينية ومحيطها. وتعتمد في ذلك تمييزًا منهجيًا ثلاثيًا بين الوقائع الثابتة والتقديرات التحليلية والسيناريوهات المحتملة، ولا تتوخى التنبؤ القطعي بمآلات الصراع بقدر ما تسعى إلى بناء قراءة تستوعب تعدد الاحتمالات.
ويقوم البناء السردي للورقة على مسار متدرّج: يبدأ من الداخل الإسرائيلي وقواعده السياسية والدستورية، ثم يمتد إلى العامل الأمريكي والمسار الإقليمي، فالميدان وما يشهده من تحولات، فالإطار القانوني الدولي، فالبيئة العربية والفلسطينية، وصولًا إلى دلالات الخطاب الملكي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم انعكاسات ذلك كله على الأردن، وينتهي بسيناريوهات ومؤشرات رصد وخلاصات استراتيجية.
السؤال الناظم: ما الذي يحوّل الشرعية الدولية من رصيد سياسي قائم إلى قوة قادرة على تغيير الوقائع؟
ثانيًا: الداخل الإسرائيلي — تبدّل الوجوه وثبات المسار
هل تغيّر صناديق الاقتراع مسار الدولة، أم تعيد إنتاج النهج ذاته بواجهة مختلفة؟
الانتخابات المقبلة: استفتاء على المعيار لا على الأشخاص
لا تقتصر دلالة الانتخابات الإسرائيلية المقبلة على التنافس بين الأحزاب أو احتمالات صعود قيادة جديدة وتراجع أخرى؛ فهي تلامس طبيعة المشروع السياسي الإسرائيلي، وكيفية نظر المجتمع إلى الأمن والاستقرار، وحدود استخدام القوة، ومستقبل العلاقة مع الفلسطينيين ومحيط إسرائيل الإقليمي. ومن ثَمّ يتركز السؤال الأكثر إلحاحًا فيما إذا كان الناخب سيعيد النظر في النهج الذي سارت عليه حكوماته، أم سيمنحه تفويضًا جديدًا لمواصلة السياسات ذاتها، وإن تبدلت الوجوه والشعارات والتحالفات.
ولا تستقيم قراءة المشهد إذا اختُزلت في شخص رئيس الحكومة أو طبيعة الائتلاف الحاكم؛ فالمؤسسات والأحزاب والكتل البرلمانية عناصر مهمة، لكنها لا تفسّر وحدها التحولات الأعمق في المجتمع. ويقتضي الفهم الأدق فحص حصيلة السياسات المتبعة، وكيفية تقديمها للجمهور بوصفها إنجازات وطنية أو ضمانات أمنية، وأثر ذلك في تصورات الناخبين لمستقبل الدولة وموقعها في الإقليم. ويندرج في هذا الإطار ما يعدّه اليمين منجزات استراتيجية، من تفكك بعض مراكز القوة العربية أو إضعافها، وتغير موازين القوى المحيطة بإسرائيل؛ وهو ما يطرح سؤالًا عن الكيفية التي سيقيّم بها الناخب هذه الحصيلة.
وعليه، لا تكمن المسألة فيما إذا كان المجتمع الإسرائيلي سيعاقب حكومة بعينها على إخفاقاتها أو يمنحها فرصة أخرى، إنما فيما إذا كانت معايير الحكم على الأداء السياسي قد تغيّرت أصلًا. فإذا ظل الأمن المعيار الأشد تأثيرًا في خيارات الناخبين، فقد لا تفضي الانتقادات الموجهة إلى الحكومة إلى تحول في النهج الاستراتيجي؛ أما إذا غدت كلفة السياسات القائمة، وما تخلّفه من اضطراب ومخاطر ممتدة، عاملًا حاسمًا في التقييم، فقد تنشأ مساحة مختلفة للنقاش السياسي. وفي الحالتين، يبقى أي استنتاج بشأن اتجاهات المجتمع مرهونًا بالوقائع الانتخابية ومواقف القوى السياسية، ولا يصح افتراض أن تبدّل الحكومة سيقود تلقائيًا إلى تبدّل الرؤية تجاه الفلسطينيين أو إلى استعادة فرص التسوية.
ما بعد السابع من أكتوبر: الأمن بوصفه مرجعية للوعي السياسي
شكّل السابع من أكتوبر نقطة ارتكاز في إعادة تشكيل الخطاب السياسي داخل إسرائيل. فقد بات المجتمع أكثر تأثرًا بمفاهيم الخوف والتهديد والانتقام، وفرضت هذه البيئة قيودًا على قدرة التيارات السياسية، بما فيها تلك المختلفة مع اليمين الحاكم، على تبنّي خطاب لا ينسجم مع المزاج العام الذي تشكّل في أعقاب الأحداث. ووفق هذه القراءة، لا يعني التنافس بين اليمين واليسار، أو بين الأحزاب المتنافسة، اختلافًا جوهريًا في مقاربة القضايا الأمنية ما دامت تلك القضايا محكومة بسقف سياسي واجتماعي متشدد.
وتبرز هنا أهمية التمييز بين الأمن بوصفه حاجة مشروعة لأي مجتمع، والأمن بوصفه مبررًا مفتوحًا لتوسيع العمليات العسكرية، أو تعطيل التسويات، أو التعامل مع الحقوق الفلسطينية باعتبارها مصدر تهديد دائم. فقد قام الخطاب الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر على فكرة "الاضطرار الأمني"، أي تصوير التحركات العسكرية والتصعيد الإقليمي خيارات تفرضها الضرورة ولا تترك مجالًا واسعًا للاعتراض أو التفاوض. ولا يُوجَّه هذا الخطاب بالدرجة الأولى إلى المجتمع الدولي، بقدر ما يُستخدم في مخاطبة الداخل الإسرائيلي وتثبيت سردية مفادها أن الدولة تواجه تهديدات مستمرة، وأن توسيع نطاق القوة استجابة لا غنى عنها لضمان أمنها.
وتكمن خطورة هذا المنطق في أنه قد يحوّل "الاستثناء الأمني" إلى قاعدة دائمة، ويجعل استمرار الصراع جزءًا من تعريف الأمن ذاته، بدلًا من أن يكون الأمن مدخلًا إلى إنهاء الصراع ومعالجة أسبابه. فحين تُقدَّم كل تسوية باعتبارها مخاطرة، وكل تنازل سياسي باعتباره تهديدًا، وكل مطالبة بالحقوق باعتبارها تحديًا أمنيًا، تتقلص المساحة المتاحة أمام الحلول السياسية، ويغدو استمرار المواجهة أقرب إلى سياسة قائمة بذاتها.
الانزياح اليميني وأزمة التمثيل
لا يُفسَّر رسوخ اليمين في إسرائيل بنتائج الانتخابات وحدها، ولا بشخصية رئيس الحكومة والائتلافات المتشكلة حوله؛ فالمسألة أعمق من انتقال السلطة بين الأحزاب، وتتصل بتحولات اجتماعية وسياسية تراكمت على مدى عقود وأعادت تشكيل أولويات الناخب وتصوراته عن الأمن والسلام والعلاقة بالفلسطينيين. وتُعدّ موجات الهجرة من الاتحاد السوفييتي السابق منذ تسعينيات القرن الماضي، إلى جانب تطورات سياسية وانتخابية أخرى، من العوامل التي غيّرت البيئة التي تتحرك فيها الأحزاب، وإن كان تحديد الوزن الدقيق لكل عامل يستوجب دراسة مستقلة تستند إلى بيانات انتخابية واجتماعية.
وقد انعكس هذا الانزياح في تراجع القوى التي ارتبطت تاريخيًا بمسار التسوية؛ فحزب العمل، الذي كان يتمتع بحضور برلماني واسع في مراحل سابقة، تقلّص تمثيله، وانحسرت قوى أخرى كانت جزءًا من المشهد المرتبط باتفاقيات السلام. ويترتب على ذلك أن الرهان على عودة اليسار إلى موقع يتيح له إعادة توجيه السياسة تجاه الفلسطينيين لم يعد رهانًا مضمونًا، في ضوء ما أصاب بنية المنافسة الحزبية واتجاهات التصويت. ويضاف إلى ذلك أن الخلافات الحزبية الحادة تدور في جانب مهم منها حول طبيعة النظام السياسي، وصلاحيات المؤسسات، ودور القضاء، وحدود السلطتين التنفيذية والتشريعية، من دون أن يقابلها خلاف بالجدية ذاتها حول قيام دولة فلسطينية مستقلة. وبذلك يتعين التمييز بين معارضة الحكومة ووجود بديل يحمل مشروعًا مختلفًا في التعامل مع الفلسطينيين.
بيد أن هذه القراءة لا تعني أن المجتمع الإسرائيلي كتلة متجانسة تتحرك في اتجاه واحد حتمي؛ فاتجاهات التصويت تتأثر بالأمن والاقتصاد والهوية والدين والقيادة الحزبية وتطورات الصراع، وقد تعزز الأزمات القوى المتشددة في مرحلة، وتوسّع الاعتراض على سياساتها في مرحلة أخرى. ولذلك يُنظر إلى صعود اليمين بوصفه اتجاهًا يستوجب التحليل والمتابعة، لا مسارًا لا يقبل التغيّر. والأطروحة الجوهرية هنا أن فرص السلام تتحدد بمدى قدرة الأحزاب على بناء قاعدة شعبية ترى في التسوية مكسبًا أمنيًا وسياسيًا لا تنازلًا يهدد الدولة.
البنية الدستورية والانتخابية: أثر القواعد في المخرجات
لا تمتلك إسرائيل دستورًا مكتوبًا موحدًا بالمعنى التقليدي، فهو يستند نظامها الدستوري إلى مجموعة من القوانين الأساسية التي تنظّم السلطات العامة وبعض الحقوق والبنى المؤسسية. ويرتبط هذا الواقع بالجدل الذي رافق تأسيس إسرائيل حول هويتها والعلاقة بين الطابع الديني والنظام الديمقراطي. غير أن المسألة تستدعي تمييزًا قانونيًا دقيقًا: فغياب دستور في وثيقة واحدة لا يعني غياب المنظومة الدستورية، كما أن وجود القوانين الأساسية لا يحسم بحد ذاته جميع الإشكالات المتعلقة بالتوازن بين الدين والدولة، أو بين مبدأ المساواة والطابع القومي للدولة. وقد تطور النظام عبر ترتيبات دستورية وتشريعية متراكمة، لا بوثيقة تأسيسية واحدة تحسم الخلافات نهائيًا.
وتجري الانتخابات وفق نظام التمثيل النسبي بالقوائم الحزبية المغلقة؛ إذ يصوّت الناخب لقائمة لا لمرشح بعينه، وتُوزَّع المقاعد بحسب النتائج والقواعد المنظِّمة، ثم تُوزَّع داخل القائمة وفق ترتيب المرشحين المعتمد. ويبلغ سن الانتخاب الثامنة عشرة، فيما يرتبط الترشح لعضوية الكنيست، بموجب القواعد العامة، ببلوغ الحادية والعشرين، مع مراعاة الشروط والاستثناءات القانونية. وتمنح هذه الآلية الأحزاب دورًا مركزيًا في اختيار المرشحين وصياغة البرامج وبناء التحالفات، وتجعل تشكيل الحكومة مرهونًا بقدرتها على تجميع دعم برلماني كافٍ.
وتترتب على هذه البنية نتائج سياسية بالغة الأثر: فالحزب ذو المقاعد المحدودة قد يمتلك نفوذًا يفوق حجمه الانتخابي إذا غدت مشاركته ضرورية لقيام الائتلاف، فيما قد تضطر الأحزاب الكبرى إلى تنازلات سياسية أو برنامجية للحفاظ على تماسكه. ومن ثَمّ لا تُقرأ نتائج الانتخابات بعدد الأصوات أو المقاعد وحده، بل بموقع كل حزب في مفاوضات تشكيل الحكومة وقدرته على التأثير في برنامجها وتوجهاتها. وإذا كان نظام الائتلافات المتعددة يتيح تمثيل اتجاهات متنوعة، فإنه قد يمنح كذلك الأحزاب الأكثر تشددًا قدرة تفاوضية كبيرة عندما تكون أصواتها حاسمة في ضمان الأغلبية، فيتحول وزن الحزب داخل الائتلاف إلى أداة تأثير في ملفات جوهرية، كالاستيطان والضم والأمن ومستقبل التسوية، حتى لو لم يكن صاحب أغلبية شعبية.
خلاصة المحور: لا يكفي تحديد الحزب المتصدّر لفهم السياسة الإسرائيلية المقبلة؛ فالشركاء الذين يحتاج إليهم، وشروطهم، وحجم تأثيرهم في قرارات الاستيطان والضم والأمن، عناصر لا تقل أهمية عن نتيجة الاقتراع.
سيناريوهات تشكيل الحكومة: بدائل الأسماء وحدود التبديل
تتداول القراءات التحليلية احتمال ظهور حكومة إسرائيلية قادرة على تقديم نفسها دوليًا بوصفها أكثر استعدادًا للتسوية، لا بالضرورة نتيجة تحول جوهري في مواقف مكوناتها، وإنما استجابة لحسابات انتخابية وسياسية، ولحاجة إسرائيل إلى معالجة تداعيات سياساتها على علاقاتها بالقوى الدولية والإقليمية. ويستند هذا التقدير إلى أن الحكومات قد تلجأ، في لحظات الضغط، إلى إعادة تشكيل تحالفاتها أو تعديل خطابها، بحثًا عن توازن بين متطلبات البقاء الداخلي والحاجة إلى تحسين الصورة الخارجية.
وفي هذا السياق يبرز اسم غادي آيزنكوت، استنادًا إلى خلفيته العسكرية والأمنية وخبرته في الملفات الحساسة. بيد أن الخبرة العسكرية لا تعني بالضرورة امتلاك مشروع سياسي متكامل؛ إذ يتطلب الانتقال من المؤسسة الأمنية إلى قيادة ائتلاف حكومي القدرة على بناء التحالفات، وإدارة التناقضات الحزبية، وصياغة سياسات قابلة للتنفيذ في بيئة شديدة الاستقطاب. أما أفيغدور ليبرمان، فيُطرح اسمه في حال تعذّر تشكيل ائتلاف مستقر من دون قوى إضافية، استنادًا إلى خبرته السياسية وقدرته على المناورة داخل النظام الحزبي؛ غير أن الخبرة السياسية لا تعني تبنّي مقاربة أكثر انفتاحًا تجاه الحقوق الفلسطينية، وهو ما يستلزم قراءة مواقفه الفعلية لا الاكتفاء بموقعه المحتمل في معادلة التشكيل.
وتتصل بذلك سيناريوهات ائتلافية أخرى، أولها حكومة وحدة وطنية تضم قوى من اتجاهات مختلفة مع استبعاد الأحزاب العربية والتيارات اليمينية الأشد تطرفًا، بدافع ضمان الاستقرار الحكومي وتخفيف الضغوط الخارجية. وثانيها ائتلاف أوسع يضم قوى عربية ممثَّلة في الكنيست، بما يتيح تقديمه إلى المجتمع الدولي باعتباره أقدر على الانخراط في مسار سياسي. وكلا السيناريوهين افتراضي، يتوقف تحققه على نتائج الانتخابات ومواقف الأحزاب وشروط المشاركة ومدى الاستعداد لبرنامج مشترك. وحتى لو تحقق أي منهما، فلا يعني ذلك تلقائيًا تغيّر السياسات تجاه الفلسطينيين؛ إذ تُقاس مشاركة أي طرف بقدرتها الفعلية على التأثير في القرارات، لا بدلالتها الرمزية وحدها.
وتتجلى هنا مفارقة أساسية: فالشخصيات ذات الخلفيات الأمنية قد تملك قدرة على مخاطبة الجمهور في قضايا التهديدات الإقليمية، لكنها تظل مطالبة بإثبات القدرة على معالجة قضايا سياسية تتجاوز إدارة المخاطر المباشرة، وفي مقدمتها مستقبل الفلسطينيين، وحدود التسوية، وطبيعة العلاقة بالدول العربية. ولذلك تتحدد جدية أي تحول بما يُعرف بـالتحوّل في الواجهة لا في الجوهر، أي بالتمييز بين تغيير الخطاب وتغيير السياسات. فحضور مفردات الدولة الفلسطينية في الخطاب الانتخابي لا يعني أن قيامها صار خيارًا متفقًا عليه، وقد يعكس محاولة للتعامل مع ضغوط خارجية أو توظيفًا للقضية في المنافسة على تشكيل الحكومة. والفارق كبير بين إدراج المسألة الفلسطينية على جدول الأعمال الانتخابي وتبنّي تصور واضح لحدود الدولة وسيادتها وحقوق شعبها.
الخطابان الأمني والديني: تضييق مساحة التسوية
يستند الخطاب الأمني الإسرائيلي إلى الضرورة الأمنية، فيما يقوم الخطاب الديني على تصورات حصرية للأرض والتاريخ. ويؤدي الجمع بين الخطابين وظيفة تتجاوز تبرير السياسات القائمة، إذ يُضعف إمكان الفصل بين المطالب الأمنية القابلة للنقاش والادعاءات المطروحة بوصفها حقوقًا مطلقة لا تقبل التفاوض. وعندما تُقدَّم الأرض استحقاقًا دينيًا حصريًا، فيما تُصوَّر الحقوق الفلسطينية تهديدًا أمنيًا، يغدو السؤال عن المساحة المتبقية للحل السياسي سؤالًا جوهريًا.
فالتسوية تفترض الاعتراف بوجود طرفين لهما حقوق ومصالح وطنية لا يمكن تجاوزها، ووجود مساحة سياسية تتيح التفاوض على ترتيبات تحقق الأمن والحقوق معًا. أما إذا استُخدمت المرجعيات الدينية أو الاعتبارات الأمنية لإغلاق باب الاعتراف بالحقوق الفلسطينية، فإن العملية السياسية تتحول إلى إطار شكلي عاجز عن معالجة جذور الصراع. وهذا ما يفسّر القلق من غياب مؤشرات جدية على إنهاء الصراع مقابل الاكتفاء بإدارته، بما يسمح بتكرار الأزمات من دون الوصول إلى تسوية مستدامة. وتقتضي القراءة الدقيقة كذلك التمييز بين الرسائل الموجهة إلى المجتمع الدولي وتلك الهادفة إلى تشكيل الرأي العام الإسرائيلي؛ فحين تُبنى المواقف على مخاطبة الداخل، يبقى التأثير الخارجي محدودًا ما لم تقترن الضغوط الدبلوماسية بأدوات سياسية قادرة على تغيير الحسابات، ويصبح الخطاب السياسي الإسرائيلي مؤشرًا يُحلَّل في سياقه لا تصريحات إعلامية معزولة عن السياسات.
ثالثًا: العامل الأمريكي والمسار الإقليمي — حدود الرافعة الخارجية
إلى أي مدى تستطيع واشنطن إعادة تشكيل الحسابات الإسرائيلية، وما الذي يربط التطبيع بالتسوية؟
واشنطن: حسابات داخلية تحكم سقف الضغط
يصطدم الرهان على تحول جذري في السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل بحسابات داخلية لا يمكن تجاهلها. فالجماعات الإنجيلية المحافظة تشكّل جزءًا من قاعدة الدعم السياسي للرئيس دونالد ترامب، وتؤدي الاعتبارات الدينية دورًا في تشكيل مواقف قطاعات من هذه القاعدة تجاه إسرائيل. وتحدّ هذه الاعتبارات، إلى جانب المصالح السياسية والاستراتيجية، من احتمالات ممارسة ضغط أمريكي حاسم يدفع الحكومة الإسرائيلية إلى تغيير مسارها في القضايا الأساسية.
ولا تعني التباينات بين واشنطن وتل أبيب بالضرورة قدرة على التحول إلى ضغط فعلي؛ فالخلاف حول التفاصيل لا يستتبع اختلافًا حول أسس العلاقة أو حدود الضغط الذي يمكن بلوغه، كما يبقى السؤال قائمًا عن الدافع الذي قد يحمل الإدارة الأمريكية على تغيير موقفها ما دامت قاعدتها الداخلية لا ترى ضرورة لذلك. ويضاف إلى ذلك أن صعود تيارات أكثر انتقادًا للسياسات الإسرائيلية في بعض الأوساط الأمريكية، وما قد يفرضه تغيّر الإدارة من حسابات جديدة، قد يؤثران في وتيرة بعض التوجهات الإسرائيلية أو في حدودها، من دون أن يجعلا واشنطن قادرة بمفردها على تغيير طبيعة المشروع السياسي الإسرائيلي. فمدى التأثير يتوقف على الأدوات المستخدمة، واستعداد الإدارة لتحمّل كلفة الضغط، وقدرة الأطراف الإسرائيلية على المناورة أو مقاومة المطالب الخارجية.
رابعًا: الميدان — جغرافيا تُعاد صياغتها
هل تجاوزت الوقائع مرحلة التهديد إلى مرحلة تفكيك المقومات المادية للدولة الفلسطينية؟
الضفة الغربية: من التصعيد الأمني إلى تقويض المقومات المادية للدولة
تتجه قراءة التطورات في الضفة الغربية إلى أنها تتجاوز التوصيف بوصفها تصعيدًا أمنيًا أو موجة عنف مستوطنين، لتشير إلى مسار أوسع يتصل بالتهجير القسري والضم الفعلي للأراضي، وما قد يترتب عليهما من تقويض متدرّج للمقومات الجغرافية اللازمة لقيام دولة فلسطينية مستقلة. وتنبع أهمية هذا التمييز من أن التعامل مع عنف المستوطنين باعتباره سلسلة حوادث منفصلة قد يحجب أثره الفعلي في حياة الفلسطينيين وقدرتهم على البقاء على أرضهم؛ أما وضعه في سياق أوسع من السيطرة على الأرض وتوسيع المستوطنات وتقييد الحركة والتواصل الجغرافي، فيتيح قراءة أشمل لتداعياته على مستقبل التسوية. وبهذا المعنى، يُقيَّم ما يجري وفق اتجاهه التراكمي لا بحسب كل إجراء على حدة.
وتحتل المنطقة (ج) موقعًا مركزيًا في هذا النقاش. فاتساع السيطرة الإسرائيلية على الأراضي، بالتوازي مع عزل التجمعات السكانية الفلسطينية بعضها عن بعض، قد يفضي إلى واقع تصبح فيه المناطق الفلسطينية "جزرًا" منفصلة، تفتقر إلى التواصل الجغرافي اللازم لممارسة السيادة وإدارة الموارد والحركة والتنمية الاقتصادية. فقيام الدولة لا يتوقف على الاعتراف السياسي بها ولا على وجود مؤسسات محلية داخل التجمعات السكانية، وإنما يتطلب نطاقًا جغرافيًا يتيح ممارسة السيادة، وربط المدن والبلدات، وإدارة الموارد، وتطوير البنية التحتية، وضمان حركة السكان والبضائع. وإذا استمرت السياسات التي تعمّق التجزئة وتحدّ من وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم، اتسعت فجوة التمكين بين الاعتراف القانوني بالدولة وإمكان قيامها الفعلي.
ويستوجب الأمر في المقابل قدرًا من التحفظ المنهجي: فالأرقام المتداولة بشأن نسب الأراضي التي جرى الاستيلاء عليها أو الخاضعة لإجراءات استملاك تحتاج إلى تحقق مستقل من مصادرها، وتحديد دقيق للفترة الزمنية والنطاق الجغرافي المقصودين. كما يتعين التمييز بين القرارات والتشريعات المتعلقة بالضم وبين تنفيذها الفعلي ونطاق تطبيقها، لأن لكل مرحلة دلالاتها القانونية والسياسية. وأما القول باستحالة قيام دولة فلسطينية نتيجة التطورات الراهنة، فهو حكم استراتيجي شديد التشاؤم لا حقيقة محسومة، إذ يتوقف المستقبل على تطورات سياسية وقانونية وميدانية، وعلى قدرة الأطراف المعنية على وقف الإجراءات التي تقوّض فرص التسوية. ولا ينتقص هذا التحفظ من وجاهة السؤال المطروح: ماذا يحدث حين تتواصل الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية بالتوازي مع تغيرات ميدانية تقلّص مقوماتها الجغرافية؟
التهجير: من المشهد القسري إلى "التهجير الزاحف"
لا يُختزل التهجير في مشهد إجبار السكان على مغادرة مناطقهم تحت التهديد المباشر؛ فقد يتخذ شكلًا تدريجيًا عبر جعل الحياة غير قابلة للاستمرار، وتقويض مقومات البقاء، وتوسيع الضغوط الإنسانية والاقتصادية والأمنية. ويمكن وصف هذا النمط بــ"لتهجير الزاحف"، الذي ينقل النقاش من النظر إلى التهجير بوصفه حدثًا منفصلًا إلى النظر إليه احتمالًا مرتبطًا بمسار أوسع من التغييرات الميدانية والسياسية. وحين تستمر السيطرة على الأرض، وتتراجع فرص قيام الدولة، وتتآكل القدرة على بناء أفق سياسي واضح، تتعاظم الحاجة إلى رصد السياسات والوقائع التي قد تفضي إلى تغيير ديموغرافي أو جغرافي تدريجي.
على أن وصف أي تحرك محدد بأنه جزء من خطة تهجير يستلزم أدلة موثوقة، ولا يصح افتراض أن كل هجرة أو مغادرة فردية تحمل الدلالة نفسها أو تنتمي إلى المسار ذاته. كما لا تقف المسألة عند الحكومة الإسرائيلية الحالية أو شخص رئيسها، فهي ترتبط باتجاهات أوسع في السياسة الإسرائيلية وبغياب توافق داخلي يجعل قيام دولة فلسطينية هدفًا قابلًا للتحقق؛ وقد يستمر هذا المسار مع تغيّر القيادات ما دامت البنية الحاكمة للتعامل مع القضية الفلسطينية لا تشهد تحولًا جوهريًا.
القدس والوصاية الهاشمية
تحتل القدس موقعًا محوريًا في المعادلة، لارتباطها بالوصاية الهاشمية وبالمكانة الدينية والتاريخية للمقدسات الإسلامية والمسيحية. ويربط التحليل بين تصاعد الاقتحامات والإجراءات التي تستهدف المدينة وتراجع فرص التهدئة السياسية، إذ يضع استمرار هذه التطورات الأردن أمام مسؤولية وطنية ودبلوماسية مباشرة. وفي هذا الإطار، لا تنفصل حماية الوضع القائم في المقدسات عن الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، ولا عن الجهود الرامية إلى منع تحويل الإجراءات الأحادية إلى وقائع نهائية يصعب تغييرها لاحقًا.
الجنوب السوري وغزة: امتدادات الجغرافيا السياسية
تتصل المخاوف المطروحة باتجاهات السياسة الإسرائيلية في الإقليم باستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في مناطق من الجنوب السوري، واحتمال ضم أجزاء من الضفة الغربية، وتواصل الضغوط المرتبطة بالتهجير، وهي مسارات تُقرأ بوصفها مؤشرات محتملة على سعي إلى توسيع السيطرة الجغرافية وتعزيز النفوذ في المحيط الإقليمي. وفي الجنوب السوري تحديدًا، تشير بعض القراءات التحليلية إلى احتمال سعي إسرائيل إلى إقامة كيان درزي منفصل، يرتبط باستمرار وجودها العسكري وتوسّع سيطرتها في مناطق قريبة من جبل الشيخ والسويداء.
وتنبع أهمية هذه التطورات للأردن من أن أي تحول مستدام في بنية السيطرة جنوب سوريا قد يفرض تحديات أمنية وسياسية جديدة، ويؤثر في الترتيبات الإقليمية وحسابات دول الجوار. ويقتضي التعامل معها متابعة ميدانية وسياسية دقيقة، والتمييز بين التحركات العسكرية القائمة والسيناريوهات المحتملة، وتقدير انعكاساتها على أمن الحدود ومستقبل الاستقرار السوري. وتلتقي هذه المخاوف مع ملف التهجير في قطاع غزة والضفة الغربية؛ إذ إن تراجع فرص التسوية، وتوسّع السيطرة على الأرض، وتدهور الظروف المعيشية، قد تتفاعل فتنتج واقعًا أشد ضغطًا على الفلسطينيين.
خلاصة المحور: يُقاس مسار الضفة الغربية بحصيلته لا بحوادثه المفردة؛ فالسؤال الحاسم هو ما إذا كانت الوقائع المتراكمة تُبقي على الشروط المادية التي تجعل الدولة الفلسطينية ممكنة التحقق.
خامسًا: الإطار القانوني الدولي — من رأسمال الشرعية إلى اقتصاد الإنفاذ
لماذا لم تتحول الاعترافات والقرارات إلى ضغط مؤثر، وما الذي يلزم لتحويلها إلى إجراءات قابلة للتنفيذ؟
الاعتراف الدولي: شرعية لم تتحول بعد إلى تغيير في الميدان
ما الذي تغيّر فعليًا على الأرض بعد اعتراف أكثر من 140 دولة بفلسطين؟ وهل تمكنت هذه الاعترافات من تعديل السلوك الإسرائيلي أو دفع الحكومة إلى إعادة النظر في سياساتها تجاه الأراضي الفلسطينية، أم بقيت آثارها محدودة أمام استمرار الوقائع الميدانية؟ لا يستهدف هذا السؤال التقليل من القيمة السياسية والقانونية للاعترافات، إذ يسلّط الضوء على الفجوة بين تثبيت الحقوق في الخطاب الدبلوماسي وامتلاك الأدوات القادرة على تحويلها إلى واقع سياسي ملموس.
فالاعتراف بالدولة يمثّل إقرارًا سياسيًا بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم، ويعزز المكانة الدولية للقضية، لكنه لا يؤدي تلقائيًا إلى إنهاء الاحتلال أو وقف التوسع الاستيطاني أو فرض تسوية على الطرف الرافض لها. ومن هنا تتبدى الحاجة إلى مرحلة تعقب مرحلة حشد الاعترافات، تنتقل فيها الدول من إعلان المواقف إلى توظيف ما تمتلكه من أدوات اقتصادية وسياسية ودبلوماسية وقانونية للتأثير في السياسات الإسرائيلية. وتكتسب الاعترافات قيمتها الاستراتيجية الكاملة حين تُدمج في مسار أوسع يربط الشرعية الدولية بالمساءلة، ويحدد تبعات مخالفة القانون الدولي. وبذلك يُقاس الرصيد الدبلوماسي المتراكم بأثره في تغيير الوقائع، لا بعدد الدول التي أعلنت اعترافها.
القانون الدولي: التمييز بين مصادر الالتزام
تتمحور المسألة القانونية حول فجوة لا حول فراغ؛ فالأزمة لا ترتبط بغياب القواعد أو عدم وضوح جميع الالتزامات الدولية، بقدر ما ترتبط بالمسافة الفاصلة بين وجود هذه القواعد والقدرة على ضمان احترامها وإنفاذها. وتتيح التفرقة بين مصادر الالتزام بناء حجة قانونية أدق: فقرارات مجلس الأمن تتباين طبيعتها وآثارها القانونية بحسب مضمونها والأساس الذي صدرت بموجبه؛ وتؤدي قرارات الجمعية العامة أدوارًا سياسية وقانونية مهمة وإن لم تكن جميعها ملزمة بالدرجة نفسها؛ أما الآراء الاستشارية الصادرة عن محكمة العدل الدولية فتقدم تفسيرًا قانونيًا بالغ الأهمية، لكنها تختلف من حيث طبيعتها الإجرائية عن الأحكام الصادرة في القضايا النزاعية بين الدول.
وتتصل المسألة كذلك بميثاق الأمم المتحدة وما ينظّمه من تدابير لحفظ السلم والأمن الدوليين. فالمادة 41 تتناول التدابير التي لا تتطلب استخدام القوة المسلحة، ومنها قطع العلاقات الاقتصادية ووسائل الاتصال والعلاقات الدبلوماسية؛ فيما تتعلق المادة 42 بإجراءات قد تشمل استخدام القوة إذا رأى مجلس الأمن أن التدابير المنصوص عليها في المادة 41 لا تفي بالغرض أو ثبت عدم كفايتها. وتتناول مواد أخرى، منها 40 و43 و44، جوانب مختلفة من إجراءات المجلس والترتيبات المرتبطة بتنفيذ قراراته. ولا يعني ورود هذه المواد أن بمقدور كل دولة اتخاذ جميع التدابير المنصوص عليها منفردة، إذ يتوقف التطبيق على طبيعة الإجراء، والاختصاص القانوني، والسياق الذي يُتخذ فيه.
العقوبات والعزل: من الدعوة العامة إلى الأداة المحددة
تناول الخطاب الملكي أمام الجمعية العامة أدوات يملكها المجتمع الدولي لحمل إسرائيل على القبول بتسوية سياسية، ومنها العقوبات وتجميد الأصول وفرض القيود والعزل الدبلوماسي. ويكتسب هذا الطرح أهميته من أنه ينقل النقاش من الدعوات العامة إلى احترام القانون الدولي إلى مستوى أكثر تحديدًا، إذ يضع أمام الدول سؤالًا عن مدى استعدادها لاستخدام أدوات سبق أن وظّفتها في أزمات دولية أخرى حين رأت أن سلوك دولة ما يستدعي إجراءات تتجاوز الإدانة السياسية.
ويبرز في هذا السياق تمييز بين مستويين: إجراءات تستهدف أنشطة محددة مرتبطة بالاستيطان، وعقوبات أوسع قد تطال قطاعات أو مؤسسات أو مصالح إسرائيلية بصورة مباشرة. ولكل مستوى نطاقه القانوني والسياسي وكلفته وآثاره والجهات التي تتحمل تبعاته، كما تتباين فرص بناء توافق دولي حوله. وقد ركزت تحركات اتخذتها مجموعة من الدول على بضائع وخدمات مرتبطة بالمستوطنات، وهو مسار يمثل خطوة أولى نحو إخضاع النشاط الاستيطاني للمساءلة بدل التعامل معه نشاطًا اقتصاديًا منفصلًا عن سياقه القانوني والسياسي؛ بيد أن تحديد الدول المعنية وطبيعة إجراءاتها ونطاقها وتوقيتها يحتاج إلى تحقق مستقل قبل اعتماد أي قائمة بوصفها توصيفًا نهائيًا للسياسات الرسمية.
ولئن اتسعت الدعوات إلى العقوبات، فإن فاعليتها مشروطة بوضوح الأساس القانوني، وتحديد الجهة المخوّلة باتخاذ التدبير، ونطاقه، ومدى تناسبه مع الهدف المراد تحقيقه. وتبقى العقوبات غير المرتبطة بمطالب محددة أو الفاقدة لتوافق دولي كافٍ محدودة الأثر، فيما تمنح الإجراءات المبنية على أساس قانوني واضح، والمنسَّقة بين أطراف مؤثرة، والمقرونة بمؤشرات قابلة للقياس، الدبلوماسية قدرة أكبر على التأثير. ويمكن أن تتخذ هذه الخيارات صورًا متعددة: إجراءات وطنية تستهدف أنشطة بعينها، أو تدابير تنسّقها مجموعة من الدول، أو مسارات تستند إلى المؤسسات الدولية المختصة، وتختلف جميعها في أساسها القانوني وكلفتها السياسية والاقتصادية وقدرتها على إحداث أثر ملموس.
من إدارة الصراع إلى تسويته: مسؤولية المجتمع الدولي
تقوم التفرقة المحورية هنا بين إدارة الصراع وتسويته. فالإدارة تعني احتواء التصعيد، ومنع اتساع المواجهة، والمحافظة على قنوات الاتصال، وتخفيف الآثار الإنسانية والأمنية، من دون ضمان معالجة الأسباب الأساسية؛ أما التسوية فتتطلب الاتفاق على الحقوق والالتزامات، ومعالجة القضايا الجوهرية، وبناء ترتيبات سياسية وقانونية تنهي الصراع على أساس قابل للاستمرار. ولا تنتقص هذه التفرقة من ضرورة إدارة الأزمات، فقد تكون التدخلات الرامية إلى وقف العنف وحماية المدنيين خطوات عاجلة لا غنى عنها. لكن الإشكالية تنشأ حين تتحول التدابير المؤقتة إلى بديل دائم عن الحل السياسي، فتنجح الدبلوماسية في احتواء أزمة بعينها فيما تتواصل على الأرض تطورات تزيد التسوية صعوبة.
ويمتلك المجتمع الدولي أدوات متعددة للتأثير في السلوك الإسرائيلي، تشمل التحرك الدبلوماسي والقيود الاقتصادية والعزل السياسي والآليات القانونية الدولية. وإذ يستمر غياب التغيير رغم توافر هذه الأدوات، يُطرح السؤال عن الإرادة السياسية التي تحكم استخدامها، أي مدى استعداد الدول لتحمّل الكلفة السياسية والاقتصادية المترتبة عليه. وتقع على الدول الكبرى مسؤولية خاصة بحكم نفوذها السياسي والاقتصادي والأمني وقدرتها على التأثير في المؤسسات الدولية وفي علاقاتها الثنائية بإسرائيل؛ بيد أن ذلك لا يفترض وجود موقف موحد أو مصالح متطابقة بين الدول، فالتباينات السياسية والاستراتيجية قائمة وهي من أسباب تعثر بعض مسارات الضغط. ومن ثَمّ تتجه الخيارات العملية إلى بناء توافقات بين الدول التي تتقاطع مواقفها بشأن الحقوق الفلسطينية، والبدء بإجراءات مشتركة في المجالات الممكنة، بدل انتظار توافق شامل قد يتعذر تحقيقه، مع التمييز بين التدابير الداخلة في الاختصاص الوطني والإجراءات التي تتطلب قرارات أوسع، ولا سيما في إطار مجلس الأمن.
خلاصة المحور: لا تنقص المنظومة الدولية القواعد، وإنما آليات الإنفاذ؛ وتتحدد فاعلية الضغط بوضوح غاياته، وتناسب أدواته مع السلوك المراد تغييره، وتنسيق الأطراف القادرة على تنفيذه.
سادسًا: البيئة العربية والفلسطينية — قدرات متوافرة وتنسيق غائب
أين تقع القضية الفلسطينية في سلّم الأولويات العربية، وما حدود القدرة على بناء ضغط جماعي؟
الانقسام العربي وتعدد الأزمات
يؤثر الانقسام العربي في قدرة المنطقة على صياغة موقف جماعي تجاه التحولات الراهنة؛ فالخلافات بين الدول، وما يرافقها من تباينات في تقدير التهديدات والتحالفات والأولويات، تجعل بناء تكتلات سياسية قادرة على ممارسة ضغط متماسك أكثر صعوبة. وقد ازداد هذا الانقسام تعقيدًا بعد الحرب المرتبطة بإيران، بما يحدّ من فرص بلورة مقاربة عربية مشتركة. ويضاف إلى ذلك أن تعدد الأزمات الإقليمية، وتفاقم النزاعات الداخلية، وتراجع الاستقرار في عدد من الدول، شتّت الاهتمام السياسي العربي ووزّع الموارد والجهود على ملفات متزامنة؛ فالأزمات في سوريا ولبنان والعراق والسودان والصومال وغيرها لا تمثل تحديات منفصلة فحسب، بل تتداخل آثارها مع القدرة على بناء موقف جماعي إزاء القضايا الاستراتيجية المشتركة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
ولا يعني ذلك أن القضية الفلسطينية فقدت مكانتها السياسية والأخلاقية، ولا أن جميع الأطراف العربية تخلّت عنها؛ فجوهر الإشكالية يكمن في قدرة الدول العربية على تحويل مركزية القضية في الخطاب إلى برنامج عمل مشترك يحدد الأولويات والأدوات والمسؤوليات. فامتلاك موارد سياسية واقتصادية وجغرافية مهمة لا يتحول تلقائيًا إلى نفوذ جماعي من دون قدر من التنسيق حول الأهداف والأدوات. وتتعدد مجالات التلاقي الممكنة، ومنها رفض التهجير، ودعم الحقوق الفلسطينية، والحفاظ على المقدسات، ومنع توسع الصراع، وتعزيز المسارات الدبلوماسية التي تحد من فرض الوقائع الأحادية، على أن يظل نجاح التنسيق مرهونًا بإرادة سياسية واضحة وبقدرة الأطراف على إدارة خلافاتها بحيث لا تتحول إلى عائق دائم أمام المصالح المشتركة.
وتتصل فاعلية العقوبات والعزل الدبلوماسي اتصالًا وثيقًا بهذا التنسيق؛ فكلما اتسع نطاق التعاون، تراجعت كلفة الإجراءات على كل دولة منفردة وازدادت فرص التأثير في حسابات الطرف المستهدف، بينما قد يظل التحرك المنفرد محدود الأثر أو يرتّب على الدولة التي تتخذه أعباء تفوق قدرتها على التحمل. ويستدعي ذلك طرح سؤال عن طبيعة المشروع العربي نفسه: هل يقوم على إدارة الأزمات القائمة وتخفيف آثارها، أم يسعى إلى بناء قدرة عربية مستقلة نسبيًا على التأثير في القرارات الإقليمية والدولية؟ وفي المقابل، فإن استعادة الفاعلية العربية لا تعني إغفال الأزمات الداخلية أو التقليل من تعقيدها، إذ إن ضعف الدولة الوطنية وتفكك مؤسساتها واتساع النزاعات داخلها عوامل تقلّص قدرتها على التأثير الخارجي؛ وبذلك يرتبط استقرار الدول العربية ارتباطًا مباشرًا بقدرتها على الدفاع عن مصالحها المشتركة.
المأزق الفلسطيني: السلطة والقيادة وأدوات العمل
مثّل إنشاء السلطة الفلسطينية تحولًا في إدارة القضية؛ إذ انتقلت من مرحلة ارتبطت فيها الحركة الوطنية بأطر سياسية ونضالية خارج الأرض المحتلة، إلى واقع تعمل فيه السلطة ضمن قيود ترتبط بالاحتلال والسيطرة على الموارد والحركة والإيرادات. ووفق هذه القراءة، لم تتمكن السلطة، في المسار الذي تشكّل بعد اتفاقيات التسوية، من بناء قدرة سياسية مستقلة تتيح لها فرض مسار يفضي إلى دولة ذات سيادة، فيما واصلت إسرائيل توسيع سيطرتها على الأرض وتعميق الوقائع التي تحدّ من إمكانات الحل. ويصبح التحدي الفلسطيني بذلك مزدوجًا: ضغوط متواصلة على الأرض من جهة، وتراجع الأدوات السياسية والإقليمية القادرة على موازنتها من جهة أخرى.
وفي ضوء ذلك، تكتسب مسألة القيادة الفلسطينية وتجديد أدوات العمل السياسي أهمية مركزية؛ إذ يضعف استمرار الوضع القائم، من دون تجديد في القيادة أو في آليات التأثير، القدرة على إنتاج حالة سياسية مختلفة تستطيع الضغط من أجل إنهاء الاحتلال وتحقيق الحقوق الوطنية. ولا ينفصل أي تصور استراتيجي أردني للقضية الفلسطينية عن قدرة الفلسطينيين أنفسهم على بلورة مشروع سياسي فاعل، ولا عن وجود بيئة إقليمية ودولية تساند هذا المشروع بدل الاكتفاء بإدارة الأزمة وتخفيف آثارها من دون معالجة أسبابها البنيوية.
سابعًا: الخطاب الملكي في الأمم المتحدة — قراءة في الدلالات
هل يؤسس خطاب الملك عبدالله الثاني لمقاربة أردنية جديدة، أم يكتفي برفع سقف التشخيص؟
تتجاوز أهمية خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة كونه تعبيرًا عن الموقف الأردني من السياسات الإسرائيلية، لتشمل الأسئلة التي يطرحها بشأن مسؤولية المجتمع الدولي، وجدوى الاكتفاء بإدارة الصراع، وضرورة توظيف الأدوات السياسية والقانونية والاقتصادية المتاحة لإحداث تغيير ملموس. وتُقاس القيمة السياسية لأي خطاب، في العادة، بقدرته على إحداث تغيير في المواقف والسياسات لا ببلاغته أو بمدى تعبيره عن الغضب والإحباط، ومن هنا ينتقل النقاش من مضمون الخطاب إلى ما قد يترتب عليه من مراجعة للمقاربات الدبلوماسية، وإعادة تقييم لأدوات التأثير، وتحديد أوضح للمسؤوليات الدولية.
وتتيح القراءة التحليلية استخلاص ثلاث رسائل مركزية تتجاوز الإدانة السياسية، وتترابط فيما بينها:
- طبيعة ما يجري في الضفة الغربية: رفض اختزاله في تصعيد أمني أو عنف مستوطنين، والنظر إليه بوصفه مسارًا من التهجير القسري والضم الفعلي يقوّض تدريجيًا المقومات الجغرافية للدولة الفلسطينية.
- حدود الرهان على تغيّر الحكومات: انتقال التشخيص من تفسير تعثر التسوية بشخص رئيس الحكومة إلى التساؤل عن غياب حكومة إسرائيلية مستعدة لقبول تسوية تقوم على الدولة الفلسطينية. فالمقاربة التي ربطت التعثر ببنيامين نتنياهو، وتوقعت أن يفتح خروجه من السلطة الطريق أمام قيادة مختلفة، تضعف صلاحيتها مع استمرار سياسات الضم والاستيطان وتراجع القوى المؤيدة تاريخيًا لمسار التسوية.
- مسؤولية المجتمع الدولي: الانتقال من إدارة الصراع إلى العمل على حله، مع امتلاك أدوات سياسية وقانونية واقتصادية يمكن توظيفها لتحقيق ذلك.
وتكتسب الرسائل أهميتها من ترابطها؛ فتوصيف الوقائع الميدانية بوصفها ضمًا وتهجيرًا يفرض مراجعة الافتراضات التي تقوم عليها فرص التسوية، فيما يؤدي التشكيك في استعداد الحكومات الإسرائيلية لقبول الدولة الفلسطينية إلى إعادة النظر في جدوى انتظار التغيير الداخلي الإسرائيلي، ويحوّل تحميل المجتمع الدولي مسؤولية استمرار إدارة الصراع النقاش نحو الأدوات التي يمتلكها الفاعلون الدوليون ومدى استعدادهم لاستخدامها بدل تكرار الدعوات إلى السلام. وبهذا المعنى، يُقرأ الخطاب بوصفه انتقالًا من التحذير من السياسات الإسرائيلية إلى مساءلة البيئة السياسية والدولية التي تسمح باستمرارها.
ترجمة الدلالات إلى مسارات عملية محتملة
إذا ما اتجهت التطورات السياسية وتقديرات المصلحة الوطنية نحو بلورة مقاربة أردنية جديدة، فإنها قد تتخذ أربعة مسارات متكاملة:
- ربط الدبلوماسية بنتائج قابلة للقياس: كوقف التهجير، ومنع الضم، وحماية الوجود الفلسطيني على أرضه، وصون الأسس الجغرافية والسياسية لقيام الدولة، مع التمييز بين التحركات ذات المكاسب الرمزية والإجراءات المؤثرة فعليًا في السياسات القائمة.
- توسيع التنسيق الدولي بشأن الأدوات المتاحة: عبر تحديد الإجراءات الممكنة على المستويين الوطني والجماعي، وتوضيح أساسها القانوني، وبناء تحالفات قادرة على تنفيذها ومتابعتها، وقد يشمل ذلك مراجعة بعض أوجه التعاون الثنائي، وتدابير محددة بشأن الأنشطة المرتبطة بالاستيطان، وتكثيف التحرك داخل المؤسسات الدولية.
- اعتماد مؤشرات واضحة لتقييم التحولات الإسرائيلية: كالموقف من الضم والاستيطان، والاستعداد لقبول الدولة الفلسطينية، والالتزام بالقانون الدولي، والقرارات المتخذة على الأرض، بما يحدّ من الخلط بين تغير الخطاب وتغير السلوك.
- تعزيز التنسيق العربي حول المصالح المشتركة: بما يوزّع الأدوار والأعباء ويقلّل احتمال تعرض الدول التي تتحرك منفردة لضغوط غير متناسبة مع النتائج الممكنة.
ثامنًا: الأردن — منظومة المخاطر ومعادلة الكلفة
لماذا تتجاوز تداعيات الصراع حدود فلسطين لتطال الأمن الوطني الأردني؟
ثلاثية التهديد: التهجير والقدس والدولة الفلسطينية
ترتبط المملكة بالقضية الفلسطينية سياسيًا وجغرافيًا وتاريخيًا، وتتحمل مسؤوليات تتصل بحماية مصالحها الوطنية وبالوصاية الهاشمية على المقدسات وبالدفاع عن حل سياسي يضمن الحقوق الفلسطينية. ومن هذا المنطلق، لا تُقرأ التحولات الإسرائيلية باعتبارها تطورات خارجية لا تمس الأمن الوطني إلا بصورة غير مباشرة. وتبرز ثلاث قضايا هي الأشد اتصالًا بالمصالح الأردنية، يغذّي كل منها الآخر:
- التهجير: تتمثل خطورته في احتمال انتقال آثاره إلى الأردن، عبر ضغوط تتصل بالحدود أو محاولات إعادة تعريف القضية الفلسطينية على حساب حق الفلسطينيين في البقاء على أرضهم وإقامة دولتهم. ومن ثَمّ يندرج رفضه ضمن حماية الاستقرار الوطني ومنع فرض واقع ديموغرافي وجغرافي جديد يغيّر طبيعة الصراع ويحمّل الأردن تبعاته.
- القدس: يضع تصاعد الإجراءات التي تستهدف المدينة والمقدسات الأردن أمام مسؤولية وطنية ودبلوماسية مباشرة، ويربط حماية الوضع القائم بالدفاع عن الحقوق الفلسطينية.
- الدولة الفلسطينية: تمثل، وفق هذه الرؤية، عنصرًا أساسيًا في أي تصور مستدام للاستقرار الإقليمي، وفي حماية الأردن من محاولات نقل تبعات الصراع إلى أراضيه أو إعادة صياغة القضية بما ينتقص من حقوق شعبها. وبذلك يجعل أي تراجع في فرص الحل السياسي الوضع الأردني أكثر حساسية، لأن غياب الأفق السياسي قد يفتح المجال أمام مقاربات تسعى إلى تصدير الأزمة بدل حلها.
معادلة الكلفة: بين كلفة التحرك وكلفة الانتظار
يواجه الأردن معادلة دقيقة في تقدير كلفة الخيارات المتاحة. فمن جهة، قد يفرض الانخراط في مقاربة أكثر تشددًا تجاه إسرائيل أعباء سياسية واقتصادية ودبلوماسية يصعب على المملكة تحملها منفردة، في ظل تفاوت القدرات بين الدول وتعقيد العلاقات الدولية وارتباط المملكة بشبكة من المصالح والتحالفات. ومن جهة أخرى، قد يؤدي استمرار الامتناع عن خطوات مؤثرة إلى كلفة أكبر على المدى البعيد إذا تواصلت التطورات التي تهدد المصالح الأردنية وتضيّق المجال أمام حل سياسي.
وهنا تتجاوز المسألة حساب المكاسب والخسائر المباشرة إلى ما يمكن تسميته الكلفة الاستراتيجية التراكمية: فقد تتجنب الدولة مواجهة سياسية أو اقتصادية في المدى القصير، ثم تجد نفسها لاحقًا أمام واقع أشد صعوبة إذا استمرت السياسات المقلقة من دون أدوات فعالة للتأثير فيها. وفي المقابل، فإن اتخاذ إجراءات منفردة لا تراعي موازين القوى أو حدود القدرة الوطنية قد يعرّض الدولة لأعباء لا تتناسب مع النتائج الممكنة. ولهذا يرتبط جوهر المعادلة بتوزيع الأعباء: فكلما اتسع نطاق التنسيق مع الدول العربية والمجتمع الدولي، ازدادت فرص تخفيف الكلفة عن كل طرف، وأمكن الانتقال من ردود الفعل الوطنية المتفرقة إلى عمل جماعي يستند إلى أهداف واضحة.
تحصين الجبهة الداخلية
لا يقتصر تحصين الجبهة الداخلية على الجانب الأمني؛ فالقدرة الوطنية على مواجهة المخاطر ترتبط كذلك بالاستقرار الاقتصادي، وكفاءة المؤسسات، ووضوح الخطاب العام، وتوافر المعلومات الدقيقة، والقدرة على مواجهة الشائعات والاستقطاب، فضلًا عن بناء توافق وطني حول القضايا الاستراتيجية التي تمس مستقبل الأردن، وفي مقدمتها رفض التهجير، وحماية الحقوق الفلسطينية، والحفاظ على المصالح الوطنية والسيادة. وتمنح الجبهة المتماسكة الدولة قدرة أكبر على إدارة الضغوط، وتقلل فرص استغلال الأزمات الخارجية لإحداث انقسامات داخلية، وتوفر قاعدة لاستمرار السياسة الخارجية ضمن أولويات واضحة. وفي الوقت ذاته، لا يستطيع الأردن، مهما بلغت كفاءة مؤسساته، معالجة جميع التداعيات المحتملة منفردًا، ما يربط التحصين الداخلي ربطًا وثيقًا بالشراكات العربية والدولية.
الواقعية الاستراتيجية: ثبات المبادئ ومرونة الأدوات
تقتضي الواقعية، بمعناها الاستراتيجي، تقدير موازين القوى كما هي، وفهم العوامل التي تحرك الأطراف المختلفة، وتحديد المجالات القابلة للتأثير، من دون أن تعني التسليم بالسياسات القائمة أو اعتبارها قدرًا لا يتغير. ويتجسد هذا النهج في الجمع بين ثبات المبادئ (رفض التهجير، والدفاع عن القدس، والتمسك بحق الفلسطينيين في دولتهم) ومرونة الأدوات في اختيار المسارات الدبلوماسية والسياسية التي تخدم هذه الأهداف. كما يتطلب الفصل بين ما يمكن توقعه وما يمكن إثباته؛ إذ تظل التقديرات المتعلقة بنتائج الانتخابات الإسرائيلية، ومدى استعداد واشنطن للضغط، واتجاهات التهجير، وفرص تشكل تكتلات عربية، احتمالات تحتاج إلى متابعة مستمرة.
ولا تعني القراءة الاستراتيجية تبنّي أكثر السيناريوهات تشاؤمًا باعتباره نتيجة حتمية؛ فالمبالغة في التقدير قد تقود إلى استنتاجات غير دقيقة، مثلما قد يفضي التقليل من شأن المخاطر إلى تأخر الاستجابة لها. ومن ثَمّ يقوم النهج الأكثر اتزانًا على تقديرات موقف دورية تستند إلى معلومات موثوقة، وتختبر السيناريوهات البديلة، وتحدد المؤشرات التي تستدعي مراجعة السياسات أو تعديل الأولويات. وعلى هذا الأساس، لا يكون القرار الأردني أسيرًا لتوقعات نتائج الانتخابات الإسرائيلية أو الأمريكية؛ فهذه الانتخابات قد تفتح فرصًا وقد تنتج حكومات أقل أو أكثر تشددًا، لكنها لا توفر ضمانات مسبقة بشأن مستقبل الصراع، وتبقى الأولوية لسياسة ترتكز على المصالح الوطنية الثابتة، وتستثمر التحولات حين تتيح فرصًا حقيقية، وتحتفظ ببدائل عملية حين لا تتحقق التوقعات.
خلاصة المحور: تتحدد القيمة الاستراتيجية للتشاؤم بقدرته على تحويل أخطر السيناريوهات إلى أسئلة عملية عن الاستعداد والخيارات، لا إلى حكم نهائي يغلق باب التحليل أو يلغي إمكان الفعل السياسي والدبلوماسي.
تاسعًا: السيناريوهات ومؤشرات الرصد
يعرض الجدول الآتي أربعة سيناريوهات تحليلية، لا تُقدَّم بوصفها تنبؤات، ولا يُفترض أنها متعاقبة أو متنافية؛ إذ قد يتزامن أكثر من سيناريو أو يتداخل بعضها ببعض. والغاية منها تمكين صانع القرار من ربط كل احتمال بمؤشرات يمكن رصدها، وبما يترتب عليه من دلالات أردنية.
السيناريو | التوصيف | مؤشرات الرصد | الدلالة بالنسبة إلى الأردن |
|---|---|---|---|
تبدّل الواجهة | قيام حكومة أوسع تمثيلًا أو أقل اعتمادًا على التيارات الأشد تطرفًا، بخطاب أكثر مرونة تجاه المجتمع الدولي، دون تحول جوهري في السياسات. | غياب التزام واضح تجاه الدولة الفلسطينية؛ استمرار الاستيطان والضم؛ تغير الخطاب دون قرارات ميدانية موازية. | تحسن شكلي في المناخ الدبلوماسي دون معالجة جذور الصراع؛ خطر الخلط بين الخطاب والسلوك. |
تحول فعلي مشروط | قيام ائتلاف يتبنى برنامجًا واضحًا بشأن إنهاء الاحتلال والدولة الفلسطينية، ويقبل الكلفة الداخلية لذلك. | موقف معلن من الضم والاستيطان؛ قرارات ميدانية ملموسة؛ آليات متابعة والتزام بالقانون الدولي. | نافذة تفاوضية تستلزم ربطها بأهداف محددة ومؤشرات قياس، وتنسيقًا عربيًا ودوليًا لتثبيتها. |
ترسّخ المسار اليميني | استمرار الاتجاهات المتشددة داخل الأحزاب والمؤسسات والرأي العام حتى مع تغير القيادات. | تشريعات وقرارات جديدة؛ تراجع قوى التسوية؛ هيمنة الخطاب الأمني والديني على النقاش العام. | استمرار الضغوط على الضفة والقدس؛ تراكم الوقائع؛ ارتفاع كلفة الانتظار. |
تسارع الوقائع الميدانية | توسع الضم الفعلي، وتصاعد التهجير الزاحف، وتغيرات في بنية السيطرة جنوب سوريا. | الانتقال من التشريع إلى التنفيذ؛ تقييد الحركة والتواصل الجغرافي؛ ضغوط معيشية؛ تحولات في السيطرة جنوب سوريا. | ضغوط حدودية وديموغرافية وسياسية محتملة على الأردن، وتحديات أمنية جديدة على حدوده الشمالية. |
عاشرًا: الخلاصات الاستراتيجية
تكشف المحاور المتقدمة عن إشكالية استراتيجية متكررة: اتساع الفجوة بين الاعتراف الدولي بالحقوق الفلسطينية والقدرة على حمايتها على الأرض، واستمرار الدعوات إلى التسوية بالتوازي مع تطورات ميدانية وسياسية تقوّض مقوماتها، وتوافر أدوات دولية للتأثير من دون توظيفها بالقدر الذي يغيّر حسابات الأطراف المعنية. ومن هذا الترابط يمكن استخلاص أربع نتائج رئيسية:
- انتقال الاختبار من الشرعية إلى الإنفاذ: لم تعد شرعية المطالب الفلسطينية وحدها موضع الاختبار، بل قدرة المجتمع الدولي على إنفاذها. فقد اكتسبت القضية رصيدًا دبلوماسيًا وقانونيًا مهمًا، لكنه يبقى محدود الأثر ما لم يُترجم إلى إجراءات تحمي الحقوق على الأرض وتحدّ من الضم والاستيطان.
- الفصل بين هوية الحكومة ومستقبل التسوية: التغيير الانتخابي قد يفتح فرصًا سياسية، لكنه لا يضمن تحولًا في المواقف الجوهرية؛ ولذلك يُستند في تقييم أي حكومة إلى قراراتها وممارساتها ومدى استعدادها لتسوية حقيقية، لا إلى خطابها أو إلى توقعات مرتبطة بالشخصيات التي تقودها.
- كلفة إدارة الصراع بلا معالجة أسبابه: استمرار هذا النهج قد يرسّخ وقائع تجعل التسوية أشد صعوبة؛ فالتغيرات الجغرافية في الضفة، والضغوط التي تهدد الوجود الفلسطيني، وتراجع التواصل الجغرافي، عوامل ترفع كلفة المعالجة كلما تأخرت.
- الجمع بين الدبلوماسية والقدرة على التأثير: تتطلب حماية المصالح الأردنية مواصلة التحرك الدولي، وتعزيز التنسيق العربي، وتطوير الأدوات القانونية والسياسية، وتحسين تقدير المخاطر، وتحصين الجبهة الداخلية والحفاظ على وضوح الأولويات الوطنية.
وتفرض هذه النتائج ثلاثة اتجاهات ذات أولوية في أي مقاربة مستقبلية: بناء استراتيجية ضغط دولية ذات أهداف محددة تربط الإجراءات الدبلوماسية والاقتصادية والقانونية بسلوكيات واضحة يراد تغييرها وبآليات متابعة ومؤشرات قياس؛ وتطوير تقدير أردني مستمر للتحولات الإسرائيلية والإقليمية يقوم على سيناريوهات متعددة ويميز بين تغير الحكومات وتغير السياسات؛ وتعزيز العمل العربي المشترك وتحصين الجبهة الداخلية بما يوزّع الأعباء ويربط التحرك الخارجي بقاعدة وطنية ومؤسسية قادرة على إدارة الضغوط.
وتطرح خلاصة المداخلات ثلاثة أسئلة لا تقدّم إجابات نهائية عن مستقبل الصراع، لكنها تفرض مراجعة أشد صرامة للسياسات والأدوات والافتراضات التي حكمت التعامل معه: ما جدوى الاستمرار في المقاربات نفسها إذا كانت الوقائع تتغير في اتجاه معاكس لأهداف التسوية؟ وما قيمة الاعترافات الدولية إذا لم تقترن بإجراءات تحمي الحقوق التي تعترف بها؟ وإلى أي مدى يمكن التعويل على تغير الحكومات الإسرائيلية إذا كانت السياسات الجوهرية لا تتغير بالقدر المطلوب؟
وفي المحصلة، فإن المستقبل ليس محسومًا سلفًا، والسيناريوهات الأخطر ليست حتمية؛ غير أن تجنبها يستلزم الانتقال من الاكتفاء بتشخيص المخاطر إلى بناء قدرة فعلية على التأثير في مسار الأحداث. فلا يكمن الاختبار الحقيقي في عدد الاعترافات الدولية، أو هوية الحكومة الإسرائيلية المقبلة، أو مستوى التصريحات الصادرة عن القوى الكبرى، وإنما في القدرة على إحداث تغيير في الوقائع التي تحكم الصراع. فالتسوية لا تتحقق بإعلان الرغبة فيها، والشرعية لا تفرض نفسها تلقائيًا على الوقائع، والضغط لا يغدو مؤثرًا ما لم يرتبط بأهداف واضحة وإرادة سياسية لتنفيذه؛ وبين إدارة أزمة تتكرر وتكريس واقع يصعب تغييره، تتحدد مسؤولية المرحلة المقبلة: الانتقال من انتظار التغيير إلى صناعة شروطه.
الخلاصة: الفارق بين إدارة الصراع والعمل على إنهائه هو الفارق بين احتواء تداعيات الأزمة مؤقتًا وبناء مسار سياسي قادر على معالجة أسبابها؛ وعلى هذا الفارق يتوقف استقرار المنطقة، وصون الحقوق الفلسطينية، وحماية المصالح الأردنية.
ملاحظة منهجية وبنود التحقق
استندت هذه الورقة إلى مداخلات سياسية واستراتيجية وقانونية، وصيغت الأجزاء المتصلة بالأسماء والسيناريوهات والتقديرات بوصفها احتمالات وقراءات تحليلية لا وقائع مؤكدة.
صادرة عن مؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير
17/10/2026





