>

توقيت حادثة الكرك يثير تساؤلات في ظل الجدل الأميركي الإسرائيلي حول المسيحيين في المنطقة... الأمن الوطني وتوظيف الهوية الدينية وصناعة السرديات السياسية ورقة تحليلية لمؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير

لا تُقرأ الحوادث الأمنية الكبرى بمعزل عن السياقات السياسية والإعلامية التي تتزامن معها، خصوصًا حين تقع في منطقة تتشابك فيها الصراعات الدينية والهوياتية مع حسابات النفوذ الإقليمي والدولي. وفي هذا الإطار، تثير الحادثة الإرهابية التي شهدتها محافظة الكرك تساؤلات تتجاوز تفاصيلها الأمنية المباشرة، بالنظر إلى توقيتها في مرحلة يتصاعد فيها الجدل داخل بعض الأوساط الأميركية والإسرائيلية بشأن أوضاع المسيحيين في بلاد الشام، وطبيعة العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، وموقع إسرائيل ضمن التصورات الدينية والسياسية لقطاعات من المسيحيين الغربيين.

وتزداد حساسية هذا التداخل في الحالة الأردنية؛ إذ يقوم النموذج الوطني على تاريخ من التعايش بين المسلمين والمسيحيين، وعلى حضور المسيحيين بوصفهم جزءًا أصيلًا من النسيج الاجتماعي والثقافي والسياسي. ومن ثم، فإن أي اعتداء يستهدف أفرادًا بسبب انتمائهم الديني، إن ثبتت هذه الدوافع، فإنه يمثل تطاولًا على مبدأ المواطنة المتساوية ويستهدف الثقة التي تشكل أحد مرتكزات الاستقرار الوطني.

وعليه، تتمثل المسألة في كيفية التعامل مع الحادثة من دون الوقوع في استنتاجات متسرعة، وفي الوقت نفسه من دون إغفال السياقات الإقليمية والإعلامية التي قد تحيط بها. فالمقاربة المتوازنة تقتضي إبقاء التحقيق الأمني في مساره المستقل، وتحليل الخطاب السياسي والإعلامي في مسار موازٍ، ثم التمييز بين ما تثبته الوقائع وما تطرحه القراءات من احتمالات وأسئلة تستحق البحث.

أولًا: توقيت الحادثة بين دلالات السياق وحدود الاستنتاج

يكتسب توقيت حادثة الكرك أهمية تحليلية بالنظر إلى تزامنها مع نقاشات متزايدة في بعض المنصات الأميركية والإسرائيلية بشأن أوضاع المسيحيين في المنطقة، وبشأن الفوارق المفترضة بين أنماط التعايش الديني في الدول العربية ذات الغالبية المسلمة وبين الأوضاع التي يعيشها المسيحيون الفلسطينيون تحت الاحتلال الإسرائيلي. غير أن هذا التزامن، على أهميته في قراءة البيئة الإعلامية المحيطة، لا يكفي بمفرده لإثبات وجود صلة بين الحادثة وتلك النقاشات، كما لا يتيح تحديد الجهة المسؤولة عنها أو استنتاج دوافعها السياسية أو الدينية.

ويقتضي التحليل الرصين التمييز بين ثلاثة مستويات متمايزة: وقوع الحادثة بوصفه واقعة أمنية تستوجب التحقيق، والتوقيت الذي ظهرت فيه ضمن سياق سياسي وإعلامي محدد، ثم الطريقة التي قد تُفسر بها الحادثة أو تُوظف بعد وقوعها. فالخلط بين هذه المستويات يفضي إلى بناء استنتاجات لا تسندها الأدلة، وقد يحول الأسئلة المشروعة إلى اتهامات تفتقر إلى أساس موثق.

ومع ذلك، فإن التحفظ على الاستنتاجات لا يعني إلغاء أهمية السياق. فالأحداث الأمنية تقع داخل بيئات سياسية واجتماعية وإعلامية تتفاعل معها، وقد تؤثر هذه البيئات في طريقة تلقي الحدث وتفسيره، وفي الجهات التي تسعى إلى توظيفه ضمن خطاب أوسع. ومن هنا، يمكن أن يكون التزامن مدخلًا لتحليل كيفية استقبال الحادثة وتداولها، والرسائل التي قد تُبنى حولها، ومدى انسجام تلك الرسائل مع سرديات سياسية قائمة سلفًا.

لكن الانتقال من هذا المستوى التحليلي إلى الادعاء بوجود تدبير مسبق أو علاقة سببية يتطلب أدلة مستقلة، مثل نتائج التحقيقات، أو معلومات موثوقة بشأن التخطيط والتنفيذ، أو قرائن قابلة للتحقق تربط الفاعلين بدوافع محددة. وفي غياب ذلك، يبقى الحديث عن العلاقة بين الحادثة والسجال الأميركي الإسرائيلي في نطاق التساؤل والتحليل السياقي، لا في نطاق الوقائع المثبتة.

وهذه القاعدة ضرورة لحماية المجال العام من التضليل، ولصون الثقة بالمؤسسات الأمنية والقضائية، ومنع تحويل الحوادث المأساوية إلى مادة لتغذية الشكوك والانقسامات. فالمجتمع الذي يسعى إلى فهم المخاطر المحيطة به يحتاج إلى تحليل عميق، لكنه يحتاج بالقدر ذاته إلى الانضباط في الاستدلال والتمييز بين القرينة والفرضية والدليل.

ثانيًا: خصوصية التعايش الديني في الأردن ومكانة المسيحيين في النسيج الوطني

يشكل التعايش الإسلامي المسيحي في الأردن أحد المكونات التاريخية والاجتماعية للهوية الوطنية، وقد تجاوز، في جوانب واسعة منه، حدود العلاقة بين جماعتين دينيتين إلى إطار أرحب يقوم على المواطنة والانتماء المشترك والمشاركة في بناء الدولة. فالمسيحيون الأردنيون جزء من تكوينه التاريخي والثقافي والاقتصادي والسياسي، ولهم إسهامات ممتدة في التعليم والصحة والتجارة والثقافة والعمل العام، فضلًا عن حضورهم في الحياة الاجتماعية والوطنية.

وتنبع أهمية هذا النموذج من أن التعايش يتجسد في قدرة المجتمع على إدارة التنوع ضمن إطار من الحقوق والواجبات المشتركة، بحيث لا يصبح الانتماء الديني معيارًا لتحديد قيمة المواطن أو مدى انتمائه للدولة. فالمواطنة المتساوية لا تلغي الخصوصيات الدينية والثقافية، لكنها تمنع تحويلها إلى أساس للتمييز أو الإقصاء أو التراتبية الاجتماعية.

ومن هذا المنظور، فإن أي حادثة تستهدف المسيحيين بسبب دينهم، إذا ثبتت هذه الدوافع، تمثل اعتداءً على مبدأ وطني جامع، لا على فئة اجتماعية منفردة. فالخطر الحقيقي يمتد إلى محاولة بث الخوف بين مكونات المجتمع، وزعزعة الثقة المتبادلة، وإعادة تعريف العلاقة بين المواطنين من خلال منطق الانتماءات المتقابلة.

وفي هذا السياق، ينبغي ألا يؤدي الحرص على حماية صورة التعايش الأردني إلى التقليل من خطورة أي اعتداء أو التعامل معه بوصفه أمرًا عابرًا. فالمناعة المجتمعية تتعزز بالاعتراف بها والتحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها، بالتوازي مع رفض التعميم وتحميل جماعات دينية أو اجتماعية مسؤولية أفعال لم يثبت ارتباطها بها.

ثالثًا: من النقاش الديني إلى صناعة السرديات السياسية في الإعلام الأميركي

شهدت المنصات الإعلامية الأميركية، بما فيها برامج الحوار والبودكاست ذات الجمهور الواسع، اهتمامًا متزايدًا بموضوعات تتصل بالعلاقة بين الإسلام والمسيحية واليهودية، وبأوضاع الجماعات المسيحية في الشرق الأوسط، وبالدور الذي تؤديه إسرائيل في التصورات الدينية والسياسية لبعض التيارات المسيحية الغربية. ولا يمكن التعامل مع هذا الاهتمام باعتباره كتلة واحدة متجانسة؛ إذ تتباين دوافعه ومرجعياته بين الاهتمام بحقوق الإنسان، والنقاش اللاهوتي، والتنافس الحزبي، والتعبئة الأيديولوجية، ومحاولات التأثير في السياسة الخارجية الأميركية.

وفي هذا الإطار، برزت حلقة الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون التي تناولت التعايش الإسلامي المسيحي في الأردن، وصُورت في موقع المغطس، والتقى خلالها رجل أعمال مسيحي أردنيًا بارزًا، وقدمت الحلقة، وفق المادة المتاحة، صورة عن واقع التعايش في الأردن، وربطت ذلك بمقارنة مع أوضاع المسيحيين الفلسطينيين في ظل الاحتلال الإسرائيلي، وما يتعرضون له من ظروف وضغوط.

وتكمن أهمية هذه الحلقة في أن الإعلام يشارك أيضًا في ترتيب عناصره وتحديد زوايا النظر إليه. فاختيار المكان، وطبيعة الضيوف، والأسئلة المطروحة، والمقارنات المستخدمة، كلها عناصر تؤثر في الرسالة التي تصل إلى الجمهور. وقد يتيح هذا النوع من المحتوى تسليط الضوء على تجارب اجتماعية لا تحظى بحضور كافٍ في الإعلام الدولي، لكنه قد يتحول، في حالات أخرى، إلى جزء من منافسة سياسية على تعريف هوية المنطقة وتحديد الطرف الذي يُقدَّم بوصفه حاميًا للتعدد الديني أو مصدرًا للتهديد.

ولا تكمن الإشكالية في تناول العلاقة بين الأديان، أو في نقد الممارسات التي تضر بالجماعات الدينية، وإنما في احتمال اختزال واقع شديد التعقيد ضمن ثنائية مبسطة تضع المجتمعات في معسكرات دينية متقابلة. فالمسيحيون في الشرق الأوسط ليسوا جماعة واحدة متطابقة في تجاربها وتصوراتها السياسية، كما أن المجتمعات المسلمة ليست كيانات متجانسة يمكن إصدار أحكام شاملة عليها. وتتباين الأوضاع بين دولة وأخرى، بل داخل الدولة الواحدة، وفق عوامل تشمل طبيعة النظام السياسي، وسيادة القانون، والظروف الاقتصادية، والنزاعات المسلحة، ومستوى الحريات، والسياسات المتبعة تجاه الأقليات.

وعليه، فإن أي نقاش جاد بشأن أوضاع المسيحيين ينبغي أن يستند إلى معايير قابلة للفحص، تشمل سلامة الأفراد، وحرية العبادة، والحقوق المدنية، والتمثيل السياسي، والقدرة على المشاركة في الحياة العامة، ومدى الحماية من التمييز والعنف. أما تحويل هذه القضية إلى اختبار حضاري شامل بين الإسلام والمسيحية، فإنه يحجب العوامل السياسية والاجتماعية الفعلية، ويفتح المجال أمام التوظيف الأيديولوجي بدلًا من المعالجة الحقوقية.

رابعًا: اللقاءات السياسية والإعلامية وتقاطعات النفوذ

اكتسب النقاش المتصل بحلقة كارلسون بُعدًا إضافيًا بعد اللقاء الذي جمعه بالسفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، والذي تناول، وفق المادة المتاحة، الموضوع ذاته. ويعكس هذا التلاقي بين الإعلام والشخصيات السياسية أهمية القضية ضمن بعض دوائر النقاش الأميركي، لكنه لا يثبت، بمفرده، وجود تنسيق سياسي أو حملة منظمة، ولا يسمح باستنتاج أن الأطراف المعنية تتبنى بالضرورة الأهداف ذاتها.

فالعلاقة بين الإعلام والسياسة في الولايات المتحدة معقدة ومتعددة الاتجاهات. وقد تؤثر البرامج الإعلامية في ترتيب أولويات الجمهور، وتوفر منصات لمواقف لا تحظى بحضور مماثل في المؤسسات التقليدية، كما يمكن للمسؤولين السياسيين توظيف الاهتمام الإعلامي لتأكيد رؤى محددة أو مخاطبة قواعد انتخابية أو دينية بعينها. وفي المقابل، لا يعني ظهور مسؤول في نقاش إعلامي أنه يتبنى جميع مضامين البرنامج، أو أن كل قضية يجري تناولها تتحول تلقائيًا إلى أداة رسمية للسياسة الخارجية.

غير أن أهمية هذه اللقاءات تكمن في قدرتها على إبقاء بعض الموضوعات ضمن دائرة الاهتمام العام، وعلى منحها دلالات تتجاوز مضمونها المباشر. وعندما يتعلق النقاش بالمسيحيين في الشرق الأوسط، فإن تأثيره المحتمل يمتد إلى تصورات الجمهور الأميركي عن المنطقة، وإلى فهمه لطبيعة النزاعات فيها، وإلى المواقف من إسرائيل والفلسطينيين والدول العربية.

ويستدعي ذلك الانتباه إلى الفارق بين الدفاع عن حقوق المسيحيين بوصفها حقوقًا إنسانية أصيلة، وبين توظيف معاناتهم لإنتاج سردية سياسية تمنح طرفًا بعينه شرعية أخلاقية مطلقة أو تحجب الانتهاكات التي تقع على جماعات أخرى. فحماية الحقوق لا ينبغي أن تخضع لاعتبارات الاصطفاف السياسي؛ إذ لا تفقد معاناة المدنيين الفلسطينيين أهميتها بسبب هويتهم الدينية، كما لا تقل أهمية حماية المسيحيين في الأردن أو غيره بسبب توظيف بعض الأطراف لهذه القضية في سجالاتها السياسية.

ومن ثم، فإن القراءة الأكثر اتزانًا لا تفترض وجود مخطط موحد لمجرد تزامن ظهور الموضوع في برامج إعلامية ولقاءات سياسية، لكنها تتابع كيفية انتقال الخطاب بين المنصات، والرسائل التي يعاد تأكيدها، ومدى ارتباطها بمواقف معلنة أو سياسات موثقة. وبهذه الطريقة يمكن تحليل تقاطعات النفوذ من دون الوقوع في التهويل أو تبني فرضيات لا تتوافر أدلة كافية لإسنادها.

خامسًا: "التراث اليهودي المسيحي" وموقع إسرائيل في بعض التيارات الغربية

يمثل مفهوم "التراث اليهودي المسيحي" أحد المفاهيم المؤثرة في الخطاب السياسي والثقافي الغربي، ولا سيما في بعض الأوساط الأميركية المحافظة. غير أن هذا المفهوم ليس ذا دلالة واحدة لدى جميع مستخدميه؛ فقد يُستعمل للإشارة إلى جذور دينية وأخلاقية مشتركة، أو إلى سردية ثقافية عن نشأة الحضارة الغربية، أو بوصفه إطارًا لتحديد هوية سياسية في مواجهة تصورات أخرى. وفي بعض التيارات المسيحية، يتصل هذا المفهوم أيضًا بتصورات لاهوتية تمنح إسرائيل مكانة خاصة ضمن فهم ديني للتاريخ والأحداث المعاصرة.

وتتباين هذه التصورات بين الطوائف والمدارس الدينية والتيارات السياسية، ولذلك لا يصح تعميم موقف واحد على المسيحيين الغربيين جميعًا، أو افتراض أن العلاقة بين الإيمان المسيحي ودعم إسرائيل علاقة متطابقة لدى كل الجماعات. فالمواقف المسيحية من إسرائيل والفلسطينيين تتراوح بين الدعم السياسي والديني، والدعوة إلى حماية إسرائيل مع انتقاد سياساتها، والتضامن مع الفلسطينيين، والتمسك بمقاربات حقوقية وقانونية لا تجعل الانتماء الديني أساسًا لتحديد الموقف.

وتبرز الإشكالية عندما يُستخدم الخطاب الديني لتقديم النزاعات السياسية المعقدة باعتبارها مواجهة حضارية أو دينية شاملة. ففي هذه الحالة، يمكن أن تتراجع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال والحقوق والسيادة والقانون الدولي، لتحل محلها تصنيفات ثنائية تعيد توزيع الأدوار الأخلاقية وفق الهوية الدينية. ويؤدي ذلك إلى تهميش التجارب التاريخية المتنوعة للمسيحيين في المنطقة، وإلى إغفال أن النزاعات المعاصرة تتأثر بعوامل سياسية وعسكرية واقتصادية تتجاوز الانتماء الديني للأطراف المعنية.

كما أن اختزال المسيحيين في الشرق الأوسط ضمن موقع واحد في معادلة الصراع يحرمهم من حقهم في التعبير عن مصالحهم وتنوع مواقفهم. فالمسيحيون الفلسطينيون، على سبيل المثال، يعيشون ضمن سياق وطني يتصل بالأرض والحقوق والاحتلال، ولا يمكن فصل أوضاعهم عن القيود والضغوط التي تطال المجتمع الفلسطيني عمومًا. وفي الأردن، يتشكل حضور المسيحيين ضمن تجربة وطنية مختلفة، ترتبط بمؤسسات الدولة وبنية المجتمع ومسار العلاقات بين المواطنين.

سادسًا: المسيحيون الفلسطينيون بين واقع الاحتلال ومخاطر التوظيف السياسي

إن تناول أوضاع المسيحيين في فلسطين يستلزم وضع تجربتهم ضمن سياقها الوطني والسياسي، لا فصلها عن واقع الاحتلال وما يرتبط به من قيود على الحركة والعمل والحياة اليومية، ومن ضغوط اقتصادية واجتماعية تؤثر في المجتمع الفلسطيني بمختلف مكوناته. فالمسيحيون الفلسطينيون جزء أصيل من تاريخ فلسطين وحاضرها، وأوضاعهم لا يمكن فهمها من خلال مؤشرات دينية مجردة، وإنما عبر دراسة الظروف التي يعيشونها، والقيود التي تواجههم، والآثار التي تتركها السياسات الميدانية في قدرتهم على البقاء والمشاركة في الحياة العامة.

ويحمل هذا البعد أهمية خاصة عند مناقشة القدس والأراضي الفلسطينية؛ إذ إن الحفاظ على الحضور المسيحي في المنطقة يرتبط، إلى جانب حرية العبادة وحماية المؤسسات الدينية، بصون الحقوق الوطنية والإنسانية للسكان، وضمان إمكانية الوصول إلى أماكن العبادة، والحفاظ على الممتلكات، وتوفير شروط الحياة الاقتصادية والاجتماعية. فالتراجع السكاني أو الهجرة لا يمكن تفسيرهما بعامل واحد، كما لا يجوز استخدامهما لإنتاج أحكام عامة على دين أو مجتمع من دون دراسة الأسباب المتداخلة التي تقف وراءهما.

وفي الوقت نفسه، فإن حماية المسيحيين الفلسطينيين لا ينبغي أن تُقدَّم بوصفها مسألة منفصلة عن حماية الفلسطينيين المسلمين، أو أن تُستخدم لتقسيم المجتمع الفلسطيني إلى فئات تتنافس على الاعتراف بمعاناتها. 

ومن هنا، فإن أي خطاب يضع إسرائيل تلقائيًا في موقع الحامي للمسيحيين، استنادًا إلى مقارنات انتقائية أو إلى تصورات دينية مسبقة، يحتاج إلى إخضاعه للفحص في ضوء الوقائع والسياسات الفعلية. 

إن المقاربة الحقوقية المتوازنة تتيح الاعتراف بالتجارب المختلفة، وتمنع استغلال معاناة المسيحيين في فلسطين أو الأردن لتبرير سياسات تضر بحقوق الآخرين. كما تعيد النقاش إلى جوهره: حماية الإنسان من العنف والتمييز، وصون حرية المعتقد، وإنهاء الظروف السياسية التي تقوض الأمن والكرامة، بعيدًا عن الانتقائية التي تجعل الحقوق موضوعًا للتعبئة حين تخدم مصالح سياسية محددة.

سابعًا: من التساؤلات إلى الاستجابة الوطنية المنضبطة

تفرض حادثة الكرك، في ضوء السياق المحيط بها، ضرورة التعامل مع مستويين متكاملين من الاستجابة. يتمثل المستوى الأول في المسار الأمني والقضائي، الذي ينبغي أن يتولى تحديد ملابسات الحادثة، ودوافعها، والجهات المسؤولة عنها، استنادًا إلى الأدلة والإجراءات القانونية. أما المستوى الثاني، فيتصل بالبيئة الإعلامية والاجتماعية التي تستقبل الحدث، وبكيفية منع توظيفه في نشر الشائعات أو تأجيج التوترات الدينية أو إضعاف الثقة بين مكونات المجتمع.

ويتطلب المسار الأمني تجنب استباق نتائج التحقيق، وعدم تحميل الحادثة دوافع لم تثبت، مع توفير المعلومات الموثوقة للرأي العام في الحدود التي لا تضر بسير الإجراءات. فغياب المعلومات يترك فراغًا يمكن أن تملأه روايات متضاربة، بينما يؤدي تداول الاستنتاجات غير المدعومة إلى إرباك النقاش العام، وإلحاق الضرر بسمعة أفراد أو جماعات، وربما التأثير في مسار فهم الواقعة.

أما المسار المجتمعي والإعلامي، فيقتضي ترسيخ خطاب واضح يرفض العنف الديني بكل أشكاله، ويمنع تعميم المسؤولية، ويفصل بين إدانة الجريمة وبين استغلالها للتحريض على جماعة دينية أو قومية. كما يستلزم التعامل مع المعلومات المتداولة على المنصات الرقمية بحذر، والتحقق من مصادرها، وعدم إعادة نشر المقاطع أو الادعاءات التي لا يمكن التأكد من صحتها.

وعلى المستوى التحليلي، ينبغي متابعة السجالات الأميركية والإسرائيلية ذات الصلة بالمسيحيين في المنطقة من خلال رصد مضمونها، وتحديد الجهات التي تشارك فيها، وفحص ما إذا كانت تتحول إلى مواقف سياسية أو مبادرات مؤسسية. ويجب أن يتم ذلك من دون افتراض وجود تنسيق خفي أو علاقة مباشرة بين هذه النقاشات والحادثة، ما لم تظهر أدلة موثوقة تدعم هذا الاستنتاج.

خاتمة: حماية التعايش ومنع تحويل الحوادث إلى أدوات استقطاب

تظل الأولوية لتحديد حقيقة ما جرى، وكشف المسؤولين عنه، ومحاسبتهم وفق القانون، مع حماية المجتمع من الشائعات والتعميمات والاستنتاجات المتعجلة. فالأمن الوطني يتحقق بمنع تحول الاعتداءات إلى أدوات لإضعاف الثقة بين المواطنين أو إثارة الانقسام على أساس ديني. 

وفي المقابل، فإن النقاش الدولي حول المسيحيين في الشرق الأوسط يستحق مقاربة تتجاوز الاستخدام الانتقائي للهوية الدينية، وتعيد الاعتبار إلى المعايير الحقوقية والقانونية التي ينبغي أن تسري على الجميع. فالمسيحيون الأردنيون جزء أصيل من المجتمع الوطني، والمسيحيون الفلسطينيون جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني وتاريخه، وحماية حقوق أي منهم لا ينبغي أن تكون مبررًا لتجاهل حقوق الآخرين أو تبرئة سياسات تنتهكها.

وبناءً على ذلك، فإن التعامل الرشيد مع حادثة الكرك يقتضي الجمع بين الحزم الأمني والانضباط في الاستنتاج، وبين حماية التعددية الدينية ومقاومة التوظيف السياسي للهوية، وبين متابعة السجالات الدولية والاستناد إلى الأدلة عند تقييمها. فالتزامن يطرح سؤالًا، لكنه لا يحسم الإجابة؛ والسياق يضيء جوانب من الحدث، لكنه لا يحل محل التحقيق. وبين هذين الحدين تتحدد مسؤولية الدولة والإعلام والمجتمع في حماية الحقيقة، وصون التماسك الوطني، ومنع تحويل المآسي الأمنية إلى وقود لمعارك سياسية أو دينية لا تخدم استقرار المنطقة ولا حقوق شعوبها.

صادرة عن مؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير

23/10/2026