ورقة موقف: خطاب جلالة الملك في نيويورك.. ما الذي حمله من رسائل وأثاره من تفكير تجاه مرحلة مختلفة عمّا سبقها؟... أسئلة الأردن الصعبة تجاه قضايا العرب والأمن القومي وحرب الرواية صادرة عن مؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير
مقدمة
يقف الأردن أمام مرحلة إقليمية لا تشبه ما سبقها؛ مرحلة لم تعد فيها الأزمات محكومة بحدودها الجغرافية، ولا التهديدات قابلة للعزل داخل ساحاتها الأصلية، فيما تتقاطع الحرب، والسياسة، والمياه، والطاقة، والحدود، والديموغرافيا، والإعلام في مشهد واحد يعيد تشكيل الشرق الأوسط على نحو متسارع. وفي قلب هذا المشهد، يجد الأردن نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: دولة محدودة الموارد، واسعة الانكشاف الجغرافي، لكنها تمتلك في المقابل تاريخًا طويلًا من الاستقرار، وشبكة من العلاقات الإقليمية والدولية، وموقعًا سياسيًا جعلها طرفًا حاضرًا في أكثر الملفات حساسية في المنطقة.
ومن هنا، فإن قراءة المرحلة تبدأ من سؤال في غاية الأهمية: ماذا يعني ما حدث للأردن، وما الذي ينبغي أن يتغير في طريقة الدولة والمجتمع في قراءة المخاطر والاستعداد لها؟.
تأتي هذه الورقة في سياق تحولات متلاحقة بدأت تتجاوز نمط الأزمات التقليدية، خصوصًا مع الحرب على غزة وما تبعها من تداعيات سياسية وأمنية وإنسانية وإقليمية، وما رافق ذلك من تصاعد التوترات في ساحات متعددة، وتبدل في موازين القوى، وإعادة ترتيب للتحالفات والمصالح، وتنامٍ في أهمية الجغرافيا بوصفها أداة سياسية وأمنية واقتصادية.
وفي هذا السياق، تكتسب الرسائل التي حملها خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في الأمم المتحدة أهمية خاصة؛ ليس فقط باعتبارها تعبيرًا عن الموقف الأردني من القضية الفلسطينية والأزمات الإقليمية، وإنما بوصفها قراءة لمجمل التحولات التي تعصف بالمنطقة، وتحذيرًا من استمرار إدارة الأزمات دون معالجة جذورها، ودعوة إلى إعادة الاعتبار للحلول السياسية والقانون الدولي والحقوق الأساسية للشعوب.
وتحاول هذه الورقة الانتقال من قراءة الخطاب إلى قراءة البيئة التي يتحرك فيها الأردن. فهي تبحث في قدرة الدولة على ترجمة الرؤية السياسية إلى فعل مؤسسي، وفي ضرورة بناء جبهة داخلية أكثر تماسكًا، وفي العلاقة بين الإصلاح السياسي والاستعداد الوطني، كما تتوقف عند التحولات في جنوب سوريا وما يمكن أن تحمله من تداعيات على الحدود والمياه والأمن.
ويحتل ملف المياه مساحة مركزية في هذه القراءة، باعتباره أحد أكثر الملفات التصاقًا بالأمن الوطني الأردني. فالجغرافيا المائية لا تنفصل عن الجغرافيا السياسية، والسيطرة على مصادر المياه والسدود والآبار ومسارات التدفق يمكن أن تصبح، في ظروف معينة، جزءًا من معادلات النفوذ وإعادة تشكيل المجال الجغرافي.
وفي موازاة ذلك، تطرح الورقة مسألة الحدود بوصفها مفهومًا يتجاوز الوجود العسكري إلى بناء عمق استراتيجي قائم على السكان، والتنمية، والاستثمار، والبنية التحتية، والخدمات. فحماية الحدود ترتبط بقدرة المناطق الحدودية على أن تكون جزءًا حيًا من الدولة واقتصادها ومجتمعها.
كما تتوقف الورقة عند واحد من الملفات الأقل حضورًا في النقاش التقليدي للأمن الوطني، ألا وهو: الرواية الإعلامية، ففي زمن الحروب الهجينة والمعلومات المتسارعة، أصبحت المعركة تتدور حول تفسير الحدث، ومن يمتلك القدرة على تقديم روايته، ومن يستطيع الوصول إلى الجمهور قبل أن تتشكل الروايات المضادة. ولذلك تبرز الحاجة إلى انتقال الإعلام الوطني من رد الفعل إلى التخطيط، ومن التعامل مع كل أزمة بوصفها حادثة منفصلة إلى بناء سردية وطنية متماسكة قادرة على الشرح والإقناع داخليًا وخارجيًا.
وفي الجانب السياسي والقانوني، تفتح الورقة النقاش حول اتفاقية وادي عربة ومفهوم إعادة تقييمها في ضوء التحولات التي شهدتها المنطقة منذ توقيعها عام 1994. ولا تتعامل الورقة مع هذا الطرح باعتباره نتيجة محسومة، وإنما تضعه في إطاره الصحيح باعتباره سؤالًا يحتاج إلى قراءة سياسية وقانونية واستراتيجية دقيقة: ماذا تغير؟... وما الذي بقي؟... وما المصالح التي أصبحت أكثر أهمية؟... وما الخيارات المتاحة أمام الأردن؟... وما كلفة كل خيار وتداعياته؟.
وبذلك، لا تسعى هذه الورقة إلى تقديم إجابات قطعية بقدر ما تحاول إعادة ترتيب الأسئلة التي تفرضها المرحلة. فهي تنطلق من أن الأمن الوطني لم يعد ملفًا واحدًا تديره مؤسسة واحدة، فهو يمثل منظومة متداخلة تشمل السياسة والدبلوماسية والمياه والحدود والاقتصاد والإعلام والمجتمع والقدرة على الاستعداد.
إن الفكرة المركزية التي تنتظم حولها هذه الورقة هي أن الأردن لا يستطيع التحكم في جميع المتغيرات المحيطة به، لكنه يستطيع أن يرفع قدرته على التعامل معها. وبين الأمرين مسافة واسعة تصنعها المؤسسات، والمعلومة، والتخطيط، والوعي، والاقتصاد، والدبلوماسية، والقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية بناء دولة تكون أكثر استعدادًا لها قبل وقوعها؛ دولة تستطيع أن تقرأ التحولات مبكرًا، وتحدد مصالحها بدقة، وتحافظ على خياراتها، وتدير مواردها، وتحمي حدودها، وتشرح روايتها، وتستخدم أدواتها السياسية والدبلوماسية بمرونة دون التفريط بثوابتها.
الفصل الأول: خطاب نيويورك في لحظة مفصلية.. ما الذي قدمه؟... وما الذي قرأه الجمهور؟
تُستمد الأهمية السياسية لخطاب جلالة الملك عبد الله الثاني في نيويورك من توقيته ومضامينه والسياق الإقليمي الذي جاءت فيه رسائله؛ إذ يتزامن الخطاب مع مرحلة تتشابك فيها الحرب على قطاع غزة، والتحولات المتسارعة في الضفة الغربية، والتطورات المرتبطة بالساحة السورية، مع محاولات أوسع لإعادة ترتيب موازين النفوذ ومسارات الطاقة والتجارة والاتصال بين الشرق الأوسط ومحيطه الدولي. وفي ظل هذا التداخل، يصبح الخطاب أبعد من مجرد عرض للموقف الأردني، ليغدو محاولة للتنبيه إلى مخاطر تشكّل وقائع سياسية وأمنية جديدة قد يصعب احتواؤها أو التراجع عنها بعد ترسيخها على الأرض.
وتنبع خصوصية الموقف الأردني من أن المملكة لا تتعامل مع هذه التحولات بوصفها أزمات منفصلة أو أحداثًا تجري خارج حدودها، فهي تطورات مترابطة تتقاطع انعكاساتها مع أمنها الوطني واستقرارها ومصالحها الاستراتيجية. كما أن المسارات التي تتشكل في فلسطين وسوريا، وما يرتبط بها من ترتيبات إقليمية وممرات تجارية وشبكات للطاقة وإعادة توزيع للنفوذ، لا تبقى محصورة في ساحاتها المباشرة، وتمتد آثارها إلى الدول المجاورة، وفي مقدمتها الأردن، الذي يفرض عليه موقعه الجغرافي أن يكون شديد الحساسية تجاه أي تغيير جوهري في البيئة المحيطة به.
ومن هنا، تكتسب الرسائل التي حملها الخطاب دلالة تتجاوز التحذير من تداعيات الحرب أو الدعوة إلى تسوية سياسية، لتلامس سؤالًا أكثر عمقًا: هل يجري التعامل مع أزمات المنطقة بوصفها مشكلات تستوجب حلولًا عادلة ومستدامة، أم يجري استثمارها لإعادة تشكيل الإقليم وفق موازين قوة جديدة لا تتساوى فيها مصالح الدول وشعوبها؟، ويبرز هذا السؤال في صلب الرؤية الأردنية التي تربط بين مركزية القضية الفلسطينية ومتطلبات الاستقرار الإقليمي، وترى أن تجاهل جذور الصراع قد يفتح المجال أمام ترتيبات أكثر تعقيدًا وأشد كلفة.
ثمانية عقود من الصراع... كيف اختُزلت القضية الفلسطينية؟
لا يمكن فهم دلالات الخطاب بمعزل عن المسار التاريخي للقضية الفلسطينية، التي تشكلت عبر عقود من الصراع والاحتلال والحروب والتهجير ومحاولات التسوية غير المكتملة. فمنذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وما رافقها من تصاعد المشروع الصهيوني والدعم البريطاني له، وصولًا إلى حرب عام 1948 وقيام إسرائيل وما ترتب على ذلك من نكبة الشعب الفلسطيني، دخل الشرق الأوسط في مسار طويل من المواجهات التي تجاوزت حدود النزاع على الأرض، لتصبح جزءًا من معادلة الأمن والاستقرار الإقليميين.
وعلى امتداد ما يقارب ثمانية عقود، لم تنجح التسويات المتعاقبة في إنهاء الصراع أو معالجة جذوره السياسية والتاريخية، فيما استمر الاحتلال وتبدلت الوقائع على الأرض، وتراجعت في مراحل مختلفة فرص الوصول إلى حل نهائي يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. وبذلك، فإن اختزال القضية في أزمة عابرة أو نزاع حدودي محدود لا يعبّر عن طبيعتها المركبة، ولا يحيط بامتداداتها الإقليمية التي جعلت منها إحدى القضايا الأكثر تأثيرًا في تشكيل العلاقات والتحالفات وموازين القوى في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، يبرز تحول جوهري في توصيف الصراع؛ فبعدما ارتبط لعقود بمفهوم الصراع العربي - الإسرائيلي، في إطار رؤية تعتبر أن الاحتلال والحقوق والأراضي العربية المحتلة تمثل عناصر مركزية في معادلة الاستقرار الإقليمي، أخذت القضية تُقدَّم تدريجيًا، في كثير من المسارات السياسية، باعتبارها صراعًا فلسطينيًا - إسرائيليًا. ولا يقتصر أثر هذا التحول على اللغة المستخدمة في توصيف النزاع، إذ يمتد إلى تحديد نطاق المسؤولية السياسية، والأطراف المعنية بالحل، وطبيعة الترتيبات التي يُفترض أن تفضي إلى إنهائه.
فحين تُختزل القضية في إطار ثنائي، يصبح من الأسهل التعامل معها بوصفها ملفًا تفاوضيًا يمكن تأجيله أو إدارته وفق مقتضيات الظروف السياسية، بدل النظر إليها باعتبارها قضية ترتبط بمستقبل المنطقة واستقرارها. كما أن هذا الاختزال قد يضعف إدراك التداعيات الأوسع لاستمرار الاحتلال، ويُبعد الأنظار عن حقيقة أن غياب الحل العادل لا يبقي المشكلة في حدودها الجغرافية، فهو يراكم عوامل التوتر ويعيد إنتاجها بأشكال متجددة.
ومن هذا المنطلق، تأتي مركزية القضية الفلسطينية في الخطاب الملكي بوصفها تأكيدًا على أن السلام الإقليمي لا يمكن أن يقوم على تجاوز القضية أو تهميشها، وأن استمرار الحرب والتوسع الاستيطاني ومحاولات تغيير الوقائع الديموغرافية والجغرافية لا يفضي إلى استقرار مستدام. وبالنسبة إلى الأردن، فإن هذه المسألة لا تنفصل عن حسابات الأمن الوطني، لأن أي تطورات تمس مستقبل الفلسطينيين أو تفتح الباب أمام التهجير القسري قد تترتب عليها تداعيات مباشرة على المملكة والمنطقة بأسرها.
السلام الذي لم يغيّر موازين القوة... هل انتهى زمن التسويات المرحلية؟
على الرغم من امتداد مسارات السلام والتفاوض لعقود، فإن النتائج المتحققة لم ترتقِ إلى مستوى إنهاء الصراع أو ضمان تسوية نهائية عادلة. فقد انطلقت اتفاقيات وترتيبات سياسية، وفي مقدمتها مسار أوسلو، من افتراض أن المرحلة الانتقالية يمكن أن تمهد لحل نهائي يقوم على وجود دولتين، بما يتيح إنهاء الاحتلال وتحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، بالتوازي مع ترتيبات تضمن الأمن والاستقرار.
غير أن استمرار المرحلة الانتقالية دون بلوغ غايتها، بالتزامن مع تغير الوقائع الميدانية وتوسع الاستيطان وتعقد البيئة السياسية، جعل مفهوم التسوية المرحلية موضع تساؤل متزايد. فالمشكلة لا تكمن في مبدأ التفاوض أو في وجود الاتفاقات السياسية بحد ذاته، وإنما في مدى قدرة هذه المسارات على تغيير الواقع الذي أنتج الصراع، وفي ما إذا كانت تقود إلى حل نهائي أم تتحول إلى آلية لإدارة النزاع وتأجيل استحقاقاته.
فالسلام الذي لا يعالج جذور الصراع، ولا يوقف الإجراءات التي تقوّض فرص التسوية، ولا يضمن الحقوق السياسية والأمنية للأطراف المعنية، يبقى معرضًا للتحول إلى إطار شكلي لا يبدل موازين القوة القائمة. وفي مثل هذه الحالة، قد تستمر العملية السياسية من حيث الشكل، فيما تتراجع فرص الحل من حيث المضمون، ويصبح الزمن عاملًا يُستثمر لترسيخ وقائع جديدة بدل أن يكون مساحة لبناء الثقة وإنجاز التسوية.
ومن هنا، فإن التمسك بحل الدولتين لا يعني، في جوهره، الاكتفاء باستعادة الصيغ التفاوضية السابقة، وإنما إعادة التأكيد على ضرورة وجود أفق سياسي قابل للتحقق، يستند إلى الحقوق المشروعة ويمنع تحويل المراحل الانتقالية إلى مسار مفتوح بلا نهاية. كما أن أي حديث عن السلام ينبغي أن يأخذ في الحسبان التحولات الإقليمية المتزامنة معه، لأن معالجة القضية الفلسطينية بمعزل عن البيئة الاستراتيجية المحيطة قد تترك أجزاء أساسية من الأزمة خارج نطاق الحل.
من مركزية فلسطين إلى إعادة بناء الإقليم
تتصل القضية الفلسطينية، في القراءة التي يقدمها الفصل، بتحولات أوسع في بنية الشرق الأوسط، حيث تتداخل المنافسة على النفوذ مع إعادة ترتيب العلاقات والتحالفات والممرات الاستراتيجية. فالمنطقة لا تواجه أزمة واحدة يمكن فصلها عن غيرها، فهي تشهد تفاعلًا بين ملفات فلسطين، وسوريا، والعراق، واليمن، وبين أدوار القوى الإقليمية المختلفة ومصالح القوى الدولية، ضمن فضاء يمتد من الخليج إلى البحر الأحمر والبحر المتوسط.
ويبرز في هذا السياق التحول الذي شهدته المنطقة منذ الثورة الإيرانية عام 1979، وما أعقبه من تمدد للنفوذ الإيراني في عدد من الساحات العربية. وقد أسهمت هذه التحولات في تعقيد التوازنات الإقليمية، وجعلت ساحات متعددة عرضة لتداخل المصالح والتنافس على النفوذ، بما انعكس على قدرة الدول العربية على المحافظة على استقرارها وأمنها ومجالات حركتها الاستراتيجية.
وفي ظل هذه البيئة، تتجاوز المخاطر حدود الصراع التقليدي على الأرض، لتشمل احتمال إعادة صياغة الإقليم وفق موازين قوة تمنح التفوق العسكري، والاقتصادي، والجغرافي دورًا حاسمًا في تحديد اتجاهات المستقبل. ومن هنا، فإن التحذير من الهيمنة أو التغول الإقليمي يرتبط بمخاوف أوسع من أن تتحول الأزمات القائمة إلى مدخل لفرض ترتيبات جديدة لا تراعي بالضرورة مصالح الدول المجاورة أو اعتبارات الاستقرار الجماعي.
وتتضاعف أهمية هذا التحليل حين تُقرأ القضية الفلسطينية ضمن سياق إعادة توزيع النفوذ، لأن استمرار الصراع دون تسوية قد يوفر بيئة تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع المشاريع الإقليمية المتنافسة، ويجعل الوصول إلى حل أكثر صعوبة. وبذلك، فإن الدفاع عن مركزية القضية الفلسطينية لا ينفصل عن ضرورة المحافظة على توازن إقليمي يمنع تحويل الأزمات إلى أدوات لإعادة رسم الخرائط السياسية والاستراتيجية على حساب استقرار المنطقة.
سوريا في قلب التحول... والطاقة في قلب الجغرافيا الجديدة
تحتل سوريا موقعًا حساسًا في معادلة التحولات الإقليمية، بسبب اتصالها بمسارات التجارة، والطاقة، والربط الجغرافي بين الشرق والغرب. فالجغرافيا السورية تتقاطع مع تصورات متعددة تتعلق بخطوط أنابيب النفط والغاز، والموانئ، والممرات البرية والبحرية، وإعادة بناء شبكات الاتصال الاقتصادي بين دول المنطقة والأسواق الدولية.
وفي هذا الإطار، يطرح الفصل احتمال ارتباط التحولات في الساحة السورية بإعادة توجيه بعض مسارات الطاقة، بما في ذلك التصورات المتعلقة بمرور خطوط النفط من شمال العراق عبر سوريا وتركيا باتجاه أوروبا، مقابل مسارات أخرى قد تتصل بالموانئ الإسرائيلية، ومنها ميناء حيفا، وهذه التصورات تكمن أهميتها في إظهار مدى التداخل بين الجغرافيا الاقتصادية والحسابات السياسية والأمنية.
فالممرات التجارية وخطوط الطاقة لا تؤدي وظيفة اقتصادية محضة، إذ يمكن أن تؤثر في مواقع الدول داخل شبكات المصالح الإقليمية، وفي طبيعة علاقاتها مع القوى الأخرى، وفي قدرتها على الاستفادة من حركة التجارة والعبور. ولذلك فإن أي تغيير جوهري في اتجاهات هذه المسارات قد يعيد توزيع الأدوار الاقتصادية والاستراتيجية بين دول المنطقة، ويمنح بعض المواقع الجغرافية أهمية إضافية، فيما قد يحد من فرص مواقع أخرى.
وفي هذا السياق، يصبح الأردن معنيًا بصورة مباشرة بما يجري في سوريا، بحكم موقعه عند تقاطع مسارات تربط العراق وسوريا ودول الخليج بالبحر المتوسط. فأي إعادة ترتيب للجنوب السوري، أو نشوء ترتيبات أمنية جديدة بالقرب من الحدود الأردنية، أو تغير في خطوط النقل والطاقة والتجارة، قد يحمل انعكاسات على الأمن الوطني وفرص الربط الاقتصادي وموقع المملكة ضمن المنظومة الإقليمية. ومن ثم، فإن قراءة التطورات السورية تقتضي تجاوز حدود المشهد الأمني المباشر إلى فهم أوسع لما يمكن أن تنتجه التحولات الجغرافية والاقتصادية من آثار طويلة الأمد.
الأردن أمام معادلة جديدة... الأمن الوطني يبدأ من خارج الحدود
في ظل هذه التحولات، يجد الأردن نفسه أمام معادلة استراتيجية تتطلب الجمع بين المحافظة على الاستقرار الداخلي، وحماية المصالح الوطنية، والتعامل المبكر مع المخاطر التي تتشكل خارج حدوده. فالأمن الوطني، في بيئة إقليمية شديدة الترابط، يرتبط بقدرتها على استشراف التطورات المحيطة بها، والتأثير في مساراتها عبر الدبلوماسية والتحرك السياسي وبناء العلاقات الدولية.
ومن هنا، يمكن قراءة خطاب نيويورك بوصفه جزءًا من مسعى أردني لإبقاء المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه التطورات في فلسطين والمنطقة، والتنبيه إلى أن ترك الأزمات دون حلول عادلة قد يفضي إلى وقائع تتجاوز آثارها الأطراف المباشرة. فالوقت يمثل عنصرًا حاسمًا في إدارة المخاطر، وتأجيل التعامل مع مصادر التوتر قد يضيّق الخيارات المتاحة لاحقًا، ويرفع كلفة الاستجابة، بينما يتيح التحرك المبكر مساحة أوسع لمنع تفاقم الأزمات واحتواء تداعياتها.
وتتقدم الضفة الغربية في هذا السياق بوصفها إحدى الساحات الأكثر اتصالًا بالحسابات الأردنية، خصوصًا في ظل المخاوف من الضم والتهجير القسري وتغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي. فهذه التطورات لا يمكن التعامل معها باعتبارها شأنًا فلسطينيًا داخليًا محضًا، لأنها قد تفرض ضغوطًا مباشرة على الأردن، وتؤثر في استقرار المنطقة، وتعيد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل التسوية السياسية والحقوق الوطنية الفلسطينية.
وعليه، فإن الحضور الأردني في المحافل الدولية لا يُختزل في نشاط دبلوماسي تقليدي، إذ يشكل إحدى أدوات حماية المصالح الوطنية في بيئة تتداخل فيها التحولات السياسية مع الاعتبارات الأمنية والاقتصادية. فالمملكة، بحكم موقعها، تحتاج إلى المحافظة على قدرتها على التأثير في النقاش الدولي، وتثبيت المواقف المرتبطة بالقضية الفلسطينية، والدفاع عن حل الدولتين، وبناء شبكة من العلاقات والمصالح التي تساعدها على مواجهة التحولات الإقليمية بأكبر قدر ممكن من الاستعداد والمرونة.
وفي المحصلة، يكشف خطاب نيويورك، وفق القراءة التي ينطلق منها هذا الفصل، عن لحظة تتجاوز السؤال التقليدي المتعلق بالحرب والسلام، لتطرح سؤالًا أشمل بشأن طبيعة النظام الإقليمي الذي يتشكل، والجهات القادرة على التأثير في قواعده، والمصالح التي ستحدد اتجاهاته. فالقضية الفلسطينية لا يمكن فصلها عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط، كما أن أمن الأردن لا يمكن عزله عن التطورات في فلسطين وسوريا، أو عن التحولات المرتبطة بممرات الطاقة والتجارة ومراكز النفوذ.
وبينما تبقى ملامح المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات متعددة، تبرز الحاجة إلى قراءة استراتيجية تربط بين الملفات بدل التعامل معها بصورة مجزأة، وتوازن بين التحرك الدبلوماسي والاستعداد الأمني والانخراط الاقتصادي، وتحافظ على مركزية القضية الفلسطينية باعتبارها أحد المحددات الأساسية للاستقرار الإقليمي. فالتحدي يكمن في فهم اتجاهات التحولات والتأثير فيها قبل أن تتحول إلى وقائع يصعب تغييرها. ومن هنا، تصبح حماية الأمن الوطني الأردني مرتبطة بقدرة المملكة على الجمع بين استشراف المخاطر، وتثبيت مواقفها السياسية، وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي، ضمن رؤية تدرك أن مستقبل الأردن يتأثر، بصورة مباشرة، بطبيعة الشرق الأوسط الذي يجري تشكيله اليوم.
الفصل الثاني: ماذا بعد وضوح الرسالة الملكية؟
إذا كان خطاب جلالة الملك عبد الله الثاني في نيويورك قد وضع التحولات الإقليمية أمام المجتمع الدولي بوضوح، فإن السؤال الذي يتقدم إلى واجهة النقاش يتعلق بقدرة الدولة الأردنية على توفير الأدوات اللازمة لحماية هذه الرؤية وترجمتها إلى سياسات وممارسات. فالخطاب السياسي، مهما بلغت قوة مضامينه، لا يعمل في فراغ، والدبلوماسية لا تستمد فاعليتها من حضورها الخارجي فقط، وإنما من طبيعة البيئة الداخلية التي تسندها، ومن قدرة الدولة على المحافظة على تماسكها في مواجهة الضغوط والتحولات المتسارعة.
ومن هذا المنطلق، تمثل الجبهة الداخلية أحد المصادر الأساسية للقوة الأردنية؛ إذ لا تنحصر متانة الدولة في مواردها المادية أو شبكة علاقاتها الدولية، فهي تتصل كذلك بقدرتها على صون الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، وإدارة التحديات الاقتصادية والمعيشية التي قد تتفاقم تحت تأثير الأزمات الإقليمية. فكلما امتلكت الدولة قاعدة داخلية متماسكة، اتسع هامش حركتها الخارجية، وتعززت قدرتها على رفض الضغوط والدفاع عن مصالحها الوطنية في بيئة تتغير فيها موازين القوة باستمرار.
وعليه، فإن الرسالة الملكية ينبغي أن تُقرأ باعتبارها نقطة انطلاق لاستحقاق داخلي موازٍ. فوضوح الرؤية في الخارج يضع المؤسسات الوطنية أمام مسؤولية توفير شروط تنفيذها، من خلال سياسات عامة تعزز قدرة الأردن على الصمود، وتمنحه أدوات عملية للتعامل مع التداعيات الأمنية والاقتصادية والسياسية للتحولات المحيطة به. ولا يتحقق ذلك بالخطاب وحده، إذ يتطلب أداءً مؤسسيًا يوازي وضوح الموقف السياسي، ويجعل التماسك الداخلي عنصرًا فاعلًا في حماية المصالح الوطنية.
من قوة الخطاب إلى صناعة الأثر السياسي
لا تكفي قوة الخطاب الدبلوماسي، ولا حجم الاهتمام الذي يحظى به، للحكم على مدى نجاحه في التأثير في مسار الأحداث. فالمعيار الأهم يتمثل في قدرته على الانتقال من مستوى الإعلان عن الموقف إلى مستوى التأثير في السياسات والقرارات، وتوسيع دائرة التأييد الدولي للقضايا التي يدافع عنها. ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد خطاب نيويورك هو: كيف يمكن استثمار الرسائل التي حملها، وتحويلها إلى مواقف متراكمة داخل المؤسسات الدولية، وإلى تحركات سياسية تسهم في تغيير طريقة التعامل مع أزمات المنطقة؟.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى الأردن، الذي يربط موقفه من القضية الفلسطينية بضرورة تحقيق تسوية عادلة تحفظ الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وبحماية الأمن والاستقرار الإقليميين. فالمطلوب يتصل ببناء مسار دبلوماسي متواصل يترجمها إلى حوارات وشراكات ومواقف سياسية، ويمنع بقاءها في حدود الخطاب الرمزي أو ردود الفعل المرتبطة بالأحداث الطارئة.
وفي هذا الإطار، تتوزع مسؤولية توظيف الرسالة الملكية على مؤسسات متعددة، في مقدمتها وزارة الخارجية والأجهزة الدبلوماسية، إلى جانب البرلمان والأحزاب والقوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني. فالدبلوماسية المعاصرة بات تأثيرها يرتبط أيضًا بقدرة الدولة على تقديم رواية وطنية متماسكة، تتكامل فيها المواقف الرسمية مع النقاشات السياسية والمجتمعية، ويستطيع كل طرف من خلالها الإسهام في تعزيز الحضور الأردني والدفاع عن أولوياته.
وتبعًا لذلك، فإن قيمة الخطاب تبدأ فعليًا بعد انتهائه؛ إذ يحدد الخطاب الاتجاه، بينما تصنع المؤسسات استمرارية التأثير. ومن دون آليات للمتابعة والتنسيق، قد تبقى الرسالة قوية في بعدها السياسي والرمزي، من دون أن تنعكس بالقدر المطلوب على مواقف الأطراف الدولية. أما تحويلها إلى استراتيجية عمل، فيقتضي استمرار الاتصالات الدبلوماسية، وتفعيل الحضور في المؤسسات الدولية، وتوسيع الحوار البرلماني والحزبي، وبناء علاقات مع مراكز صنع القرار في الدول المؤثرة.
الاحتلال لا الصراع... حين تصبح المفردات جزءًا من المعركة السياسية
يحمل اختيار مفردة "الاحتلال"، بدل الاكتفاء بتوصيف الأحداث باعتبارها "صراعًا"، دلالة سياسية وقانونية تتجاوز الاختلاف اللغوي. فتوصيف المشكلة يحدد، إلى حد بعيد، طبيعة التعامل معها، والأطراف التي تتحمل المسؤولية، والإطار الذي يُفترض أن تُبنى عليه التسوية. وعندما يُقدَّم المشهد باعتباره صراعًا بين طرفين، قد يتراجع التركيز على الاختلال في موازين القوة والوضع القانوني لكل طرف، ويصبح الهدف المباشر هو إدارة المواجهة وتقريب وجهات النظر.
أما استخدام مفهوم الاحتلال، فيعيد القضية إلى سياقها القانوني والسياسي، ويضع مسألة الحقوق الفلسطينية والالتزامات الدولية في صلب المعالجة. ووفق هذه القراءة، فإن الموقف الأردني يتعامل مع التطورات بوصفها امتدادًا لمشكلة أصلية لا يمكن تجاوزها من خلال ترتيبات مرحلية أو تفاهمات لا تعالج جذورها.
وتكمن أهمية هذا التوصيف في أنه يواجه خطر اختزال القضية الفلسطينية في أبعادها الإنسانية وحدها، على الرغم من أهمية الاستجابة للمعاناة الإنسانية، أو التعامل معها باعتبارها ملفًا أمنيًا يمكن احتواؤه من خلال وقف مؤقت للتصعيد. فالمعالجة المستدامة تستلزم أفقًا سياسيًا واضحًا، وإنهاء الاحتلال، وضمان الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، والعمل على إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة ضمن حل الدولتين.
كما يترتب على هذا المنظور توسيع مسؤولية المجتمع الدولي؛ إذ إن التعامل مع الاحتلال بوصفه أصلًا للمشكلة يفرض الانتقال من مراقبة الأزمات وإدارة نتائجها إلى العمل على معالجة أسبابها. أما استمرار الاعتياد على مشاهد العنف والتصعيد، من دون تحرك جاد نحو حل سياسي، فيهدد بتحويل الأزمة إلى حالة دائمة، تتراكم داخلها أسباب الانفجار وتتسع تداعياتها خارج حدود الأراضي الفلسطينية.
الفجوة بين الرؤية والسياسات... اختبار المؤسسات الأردنية
يفتح وضوح الموقف الملكي الباب أمام سؤال داخلي لا يقل أهمية عن مضمون الخطاب نفسه: إلى أي مدى تستطيع الحكومة والبرلمان والأحزاب والقوى الاجتماعية ترجمة هذه الرؤية إلى سياسات متكاملة؟، فالتعامل مع الخطاب ينطوي على معادلة تجمع بين الاعتزاز بوضوح الرسالة الأردنية، والقلق من احتمال اتساع المسافة بين مستوى الرؤية السياسية ومستوى الأداء المؤسسي.
ولا يعني طرح هذا السؤال افتراض غياب الجهود أو التقليل من أدوار المؤسسات، وإنما تأكيد ضرورة المواءمة بين الموقف السياسي وأدوات تنفيذه. فعندما تتقدم حماية الأمن الوطني ومركزية القضية الفلسطينية واستشراف المخاطر الإقليمية بوصفها أولويات استراتيجية، ينبغي أن تنعكس هذه الأولويات على السياسات الاقتصادية والإدارية والاجتماعية والأمنية، وعلى آليات التخطيط وتحديد الأولويات وتخصيص الموارد.
فالسياسة الخارجية لا تستطيع وحدها إنتاج نفوذ مستدام إذا لم تستند إلى اقتصاد قادر على الصمود، ومؤسسات عامة تتمتع بالكفاءة، وقدرة على الاستجابة للأزمات الداخلية. كما أن الدفاع عن الاستقرار الإقليمي يتطلب امتلاك مقومات داخلية تعزز قدرة الدولة على المناورة، وتحد من تأثرها بالضغوط الخارجية. ومن هنا، تتصل قضايا المياه والطاقة والغذاء والتجارة والتعليم والإدارة العامة بمفهوم الأمن الوطني، ولا يصح التعامل معها بوصفها ملفات قطاعية منفصلة عن الاتجاه الاستراتيجي للدولة.
ويمتد هذا الاستحقاق إلى البرلمان والأحزاب والقوى الاجتماعية، التي يُفترض أن تسهم في بناء نقاش وطني عقلاني حول التحولات المحيطة بالأردن، وتطوير فهم مشترك لطبيعة المخاطر والخيارات المتاحة. فالمطلوب هو الانتقال من رد الفعل إلى الاستباق، ومن معالجة كل أزمة بمعزل عن غيرها إلى إدراك الترابط بين الملفات الإقليمية والداخلية، بما يتيح صياغة سياسات أكثر اتساقًا وقدرة على الاستجابة.
الماء والحدود والمخدرات... منظومة واحدة للأمن الوطني
يبرز الأمن المائي ضمن الملفات التي تستدعي قراءة استراتيجية تتجاوز المعالجة الخدمية أو القطاعية. ففي الأردن، ترتبط المياه بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وبقدرة الدولة على تلبية احتياجات السكان، وبإدارة الموارد والعلاقات مع دول الجوار. ولذلك، فإن التعامل مع هذا الملف بوصفه قضية تنموية منفصلة عن الأمن الوطني من شأنه أن يحجب جانبًا أساسيًا من انعكاساته المحتملة على استقرار الدولة وقدرتها على مواجهة الضغوط.
ويتضح هذا الترابط عند النظر إلى أمن الحدود الشمالية، حيث تتداخل التحديات المرتبطة بالتهريب والمخدرات والتجاوزات الحدودية مع الاعتبارات الاقتصادية والأمنية الأوسع. فالحدود مساحات تتقاطع فيها التهديدات الأمنية مع حركة التجارة والموارد والمخاطر العابرة للحدود. وكلما ازداد الاضطراب في المحيط الإقليمي، أصبحت الحاجة أكثر إلحاحًا إلى مقاربة متكاملة تمنع التعامل مع هذه التحديات باعتبارها ملفات منفصلة.
ويتمثل جوهر هذه المقاربة في الانتقال من الاستجابة للأزمات بعد وقوعها إلى بناء بدائل وقائية قبل بلوغ مراحلها الحرجة. فالأمن المائي يتطلب التخطيط المبكر، والأمن الحدودي يستلزم الاستعداد المستمر، والأمن الاقتصادي يحتاج إلى قدرة على امتصاص الصدمات. وبذلك، يصبح استشراف المخاطر جزءًا من إدارة الدولة، لا مجرد إجراء احترازي يُلجأ إليه عند الضرورة.
ومن شأن هذا الترابط أن يعيد تعريف الأولويات الحكومية، بحيث تتكامل السياسات المائية والاقتصادية والأمنية ضمن تصور واحد للأمن الوطني، وتُبنى القرارات على تقدير آثارها المتبادلة. فالتحدي يكمن في منع تفاعل الضغوط المختلفة بطريقة تزيد من كلفتها وتقلص الخيارات المتاحة أمام الدولة.
الأردن بين المصلحة الوطنية والمسؤولية القومية
لا تنطلق المقاربة الأردنية، وفق الأفكار التي يعرضها الفصل، من مفهوم ضيق للأمن الوطني، فهي تحاول الجمع بين حماية المصالح الوطنية والمسؤولية القومية ومتطلبات الاستقرار الإقليمي. كما أن القضايا المرتبطة بفلسطين، وسوريا، والعراق، واليمن، وما يتصل بها من أمن وطاقة وتنمية وسلام، تتفاعل ضمن منظومة إقليمية واحدة؛ إذ يمكن للتوتر في ساحة أن يمتد أثره إلى دول أخرى عبر التجارة والطاقة والحدود، كما يمكن لتغيير موازين القوى أن يعيد إنتاج المخاطر في أكثر من اتجاه.
ومن هنا، تكتسب اللغة التي يستخدمها الأردن في مخاطبة المجتمع الدولي أهمية إضافية، لأنها تربط بين مصالح المملكة ومصالح أوسع تتعلق بالاستقرار الإقليمي والدولي. فالحفاظ على السيادة وأمن الحدود، ورفض الاعتداء على الموارد، والدفاع عن تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، ليست في هذا التصور مطالب منفصلة، بل عناصر مترابطة في منع اتساع الفوضى وصون فرص الاستقرار.
وتمنح هذه المقاربة الأردن مجالًا لتوسيع حضوره الدبلوماسي، من خلال تقديم مواقفه ضمن إطار المصالح المشتركة والمسؤولية الدولية. لكنها تضعه، في الوقت نفسه، أمام ضرورة توفير أدوات داخلية تتناسب مع اتساع هذه المسؤوليات، سواء عبر تعزيز كفاءة المؤسسات، أو تطوير السياسات الوقائية، أو رفع قدرة الاقتصاد والمجتمع على التعامل مع التحولات.
وفي المحصلة، فإن السؤال الذي يطرحه خطاب نيويورك بعد وضوح رسالته ليس ما إذا كان الأردن قد حدد موقفه من أزمات المنطقة، وإنما ما إذا كانت مؤسساته قادرة على التحرك بالسرعة والاتساق اللذين تتطلبهما هذه الرؤية. فالجبهة الداخلية تصبح مصدر قوة من خلال سياسات تعزز الثقة والاستقرار والقدرة على الصمود. كما أن الرسالة الدبلوماسية لا تتحول إلى نفوذ مستدام إلا عندما تجد امتدادًا مؤسسيًا يضمن متابعتها واستثمارها.
وهكذا، تتحدد قيمة المرحلة المقبلة في قدرة مؤسسات الدولة على وصل الرؤية بالفعل، والدبلوماسية بالسياسات العامة، والأمن الحدودي والمائي والاقتصادي ضمن تصور استراتيجي متكامل. فالخطاب الملكي يرسم الاتجاه، لكن المؤسسات هي التي تختبر إمكانات الوصول إليه؛ وبين وضوح الرؤية وفاعلية التنفيذ تتشكل قدرة الأردن على حماية مصالحه، وتوسيع هامش حركته، والتعامل مع إقليم تتغير قواعده بوتيرة متسارعة.
الفصل الثالث: من قوة الرسالة إلى قوة الداخل
لا تنتهي القيمة السياسية لخطاب جلالة الملك عبد الله الثاني في نيويورك عند حدود الرسائل التي حملها إلى المجتمع الدولي، فهي تبدأ من اللحظة التي تتحول فيها تلك الرسائل إلى استحقاقات داخلية تتطلب مراجعة الأدوات الوطنية ومدى جاهزيتها لمواجهة التحولات الإقليمية. فوضوح الموقف السياسي يستند إلى مؤسسات فاعلة، وجبهة داخلية متماسكة، وحياة سياسية قادرة على إنتاج القيادات، ومنظومة أمنية واقتصادية ودبلوماسية تتناسب مع طبيعة المرحلة.
ومن هنا، يتقدم سؤال جوهري يتعلق بمدى قدرة الحكومة والبرلمان والأحزاب والقوى الاجتماعية على الارتقاء إلى مستوى التحذيرات الملكية، وتحويلها إلى رؤية وطنية متكاملة تتجاوز إدارة الأزمات اليومية نحو الاستعداد لما قد تفرضه المرحلة المقبلة. فالتحدي الذي يواجه الأردن يمتد إلى احتمالات الضغط السياسي، وتغيير الوقائع الديموغرافية، واضطراب الحدود، وتصاعد التحديات المائية والاقتصادية، وما قد ينتج عن إعادة ترتيب موازين القوى الإقليمية من انعكاسات على المصالح الوطنية.
وبذلك، يصبح بناء الجبهة الداخلية جزءًا أصيلًا من مفهوم الدفاع الوطني الشامل، لا مجرد عنوان سياسي أو تعبير عن التماسك الاجتماعي. فالدولة الأكثر قدرة على مواجهة الصدمات هي التي تتكامل فيها مؤسساتها، وتحظى فيها السياسات العامة بالثقة، ويشعر فيها المواطن بأن له دورًا في المجال العام، وتستطيع فيها الحكومة المحافظة على استمرارية القرار وتراكم الخبرة. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية تطوير الحياة الحزبية والبرلمانية، وتعزيز مشاركة الشباب، وربط المؤسسات التعليمية بمسارات إعداد القيادات السياسية، بما يتيح بناء قاعدة وطنية أكثر استعدادًا للتعامل مع التحولات.
ولا يمكن فصل هذا الاستحقاق عن واقع الاتحادات والكتل الطلابية، التي تمثل إحدى المساحات الممكنة لتكوين أجيال سياسية جديدة. فانتقال الشباب إلى العمل العام لا يتحقق بمجرد إتاحة المجال الانتخابي، وإنما يحتاج إلى بيئة تسمح بالتعلم والممارسة والتنافس المنظم، وتوفر مرجعيات سياسية وبرامجية واضحة، ضمن الأطر القانونية التي تصون استقلال المؤسسات التعليمية. فالجامعة، في هذا التصور، ليست فضاءً أكاديميًا منفصلًا عن تطور الدولة، وإنما إحدى البيئات التي يمكن أن تتشكل فيها ثقافة المشاركة والمسؤولية والقيادة.
التهجير ليس خيارًا أردنيًا... بين الرفض السياسي والقدرة على منع فرضه
يمثل التهجير أحد أخطر السيناريوهات التي تتصل مباشرة بالأمن الوطني الأردني ومستقبل القضية الفلسطينية. فرفض التهجير والتوطين والوطن البديل يشكل ثابتًا في الموقف الأردني، غير أن أهمية هذا الرفض تمتد إلى القدرة على منع تحويله إلى واقع بفعل الضغوط أو التطورات الميدانية أو الترتيبات الإقليمية التي قد تنتج عن استمرار الحرب وتغيير الوقائع على الأرض.
وفي هذا السياق، لا يمكن التعامل مع التهجير باعتباره حلًا للصراع أو وسيلة لإنهاء أزمته؛ إذ إن نقل الفلسطينيين من أرضهم لا يعالج جذور المشكلة، وإنما يعيد إنتاجها في صورة أشد تعقيدًا، ويضع حقوق الشعب الفلسطيني ومستقبل الأردن واستقرار المنطقة أمام تحديات متشابكة. كما أن التمييز بين التهجير القسري وما قد يُوصف بأنه طوعي لا ينبغي أن يحجب ضرورة النظر إلى الظروف التي تحكم حركة السكان، ولا إلى الضغوط التي يمكن أن تجعل الخيارات الظاهرية بعيدة عن حرية الاختيار الفعلية.
ويضع التهجير القسري القضية في إطار قانوني وإنساني يتجاوز حدود الموقف الأردني؛ فهو يرتبط بحماية المدنيين وحقوق الشعوب والقواعد الدولية ذات الصلة. لكن مواجهة هذا الاحتمال تتطلب، إلى جانب التحرك الدبلوماسي، دولة قادرة على المحافظة على تماسكها، وتنسيق مواقف مؤسساتها، وإدارة الضغوط بكفاءة، ومنع تضارب الرسائل أو ارتباك الأولويات في القضايا التي تمس ثوابتها الوطنية.
ومن ثم، فإن بناء الجبهة الداخلية لا يعني الاستعداد العسكري وحده، إذ يتطلب تعزيز الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة، وتطوير أداء البرلمان والحياة الحزبية، ورفع مستوى التنسيق بين مراكز القرار، وإنتاج خطاب وطني واضح يستوعب حساسية المرحلة. والتهجير، وفق هذا المنظور يمثل اختبارًا شاملًا لقدرة الدولة على حماية مصالحها وثوابتها في مواجهة سيناريوهات قد تتجاوز آثارها حدود فلسطين.
وتتصل بذلك مسألة استمرارية السياسات الحكومية؛ إذ إن التغيير المتكرر للحكومات، إذا لم يصاحبه تراكم مؤسسي واضح، قد يضعف استدامة البرامج ويحد من قدرة الدولة على بناء مسارات طويلة الأمد. وفي القضايا الاستراتيجية، لا تكفي القرارات المؤقتة أو الاستجابات المرتبطة بالظرف الآني، فهي تحتاج الدولة إلى سياسات تتجاوز عمر الحكومات والمجالس النيابية، وتضمن استمرار التخطيط وتراكم الخبرة والقدرة على تنفيذ الأولويات الوطنية.
التحديث السياسي أمام امتحان الممارسة... القوانين وحدها لا تصنع حياة حزبية
يكشف مسار التحديث السياسي عن فجوة محتملة بين الإطار التشريعي والممارسة الفعلية. فالإرادة السياسية، وفق القراءة التي يعرضها النقاش، شكّلت ركيزة لمسار الإصلاح، فيما أسهمت القوانين والتعديلات الدستورية والتشريعات الناظمة للانتخاب والأحزاب في بناء إطار يسمح بتطوير الحياة السياسية. غير أن التحدي الأبرز يبقى في مدى قدرة هذا الإطار على إنتاج ممارسة حزبية وديمقراطية تتناسب مع أهدافه.
فالقوانين، على أهميتها، لا تنتج وحدها ثقافة سياسية جديدة، ولا تضمن تلقائيًا نشوء أحزاب قادرة على تمثيل المجتمع أو التنافس على أساس البرامج. وتبرز في هذا السياق إشكالات تتعلق بشراء الأصوات، والتعامل مع المخالفات الانتخابية، ومدى قدرة الأحزاب على تقديم شخصيات تحظى بثقة المواطنين وتمتلك الكفاءة والقبول المجتمعي. وإذا بقيت هذه الاختلالات دون معالجة فعالة، فقد يتقدم الإصلاح على المستوى التشريعي، بينما تتباطأ نتائجه في الحياة العامة.
ولذلك، فإن معيار نجاح التحديث السياسي يتصل بقدرة الحزب على أداء وظيفته بوصفه مؤسسة لإنتاج الأفكار والسياسات والقيادات. فالحزب الفاعل يمتلك برامج واضحة، ويطور كوادره، ويقدم بدائل قابلة للنقاش، ويتيح المشاركة المنظمة، ويستطيع بناء علاقة مستدامة مع المجتمع تقوم على الثقة والمساءلة.
كما أن ربط الحياة الطلابية بالعمل السياسي المنظم يمكن أن يسهم في بناء هذه الثقافة مبكرًا، شريطة أن يجري ضمن أطر قانونية ومؤسسية تحافظ على استقلال الجامعات وتمنع تحويلها إلى ساحات للاستقطاب غير المسؤول. فالهدف هو إتاحة فرص لتكوين الوعي السياسي، وتعلم الحوار، واكتساب مهارات القيادة والعمل الجماعي.
وتتجاوز أهمية هذا المسار حدود الإصلاح الداخلي؛ إذ ترتبط الحياة الحزبية الفاعلة بقدرة الأردن على تعزيز مناعته الوطنية. فالجبهة الداخلية الصلبة تقوم على مجتمع يثق بمؤسساته، وبرلمان يؤدي دوره، وأحزاب تعبّر عن المصالح والتطلعات، وحكومة تمتلك رؤية واضحة، وشباب يشعرون بأن المجال العام يتيح لهم المشاركة والتأثير. وكلما تكاملت هذه العناصر، ازدادت قدرة الدولة على امتصاص الضغوط الخارجية ومنع انتقالها إلى أزمات داخلية.
مئة عام من الاعتدال... من رصيد سياسي إلى قوة استراتيجية
يمثل الاعتدال الأردني أحد عناصر الرصيد السياسي المتراكم للمملكة، فهو خيار تاريخي أسهم في تشكيل موقع الأردن وعلاقاته وقدرته على التواصل مع أطراف دولية متعددة، حتى في مراحل اشتداد الأزمات وتباين المواقف بشأن قضايا المنطقة.
وتكمن أهمية هذا الاعتدال في أنه لا يتعارض بالضرورة مع الحزم، إذ يمكن أن يشكل إطارًا للتعبير عن المواقف الواضحة باستخدام أدوات سياسية ودبلوماسية تحافظ على قنوات التواصل وتمنع عزل الدولة عن مساحات التأثير. وهذه المعادلة تمنح الأردن فرصة للدفاع عن ثوابته الوطنية، وفي الوقت نفسه الاستمرار في بناء العلاقات وتوسيع دوائر التفاهم مع الدول والمؤسسات الدولية.
وقد أشار النقاش إلى ما راكمته هذه السياسة من احترام وعلاقات مع أطراف أوروبية ودولية، رغم اختلاف المواقف بشأن الصراع في المنطقة. ويمكن النظر إلى ذلك باعتباره استثمارًا سياسيًا طويل الأمد؛ فالمصداقية والقدرة على الحوار تمنحان الدولة مساحة لعرض مواقفها، وبناء شراكات، وتوسيع التأييد لقضاياها في اللحظات الحرجة.
لكن التحدي يكمن في تحويل هذا الرصيد إلى قدرة استراتيجية على التأثير، لا الاكتفاء بالمحافظة عليه. فالاعتدال يفقد جزءًا من قيمته إذا فُهم باعتباره سكونًا أو ترددًا، كما أن الحزم قد يفقد فاعليته إذا لم يستند إلى أدوات سياسية ومؤسسية قادرة على تحويله إلى نتائج. والمطلوب، بالتالي، هو الجمع بين وضوح الخطوط الوطنية الحمراء، ومرونة الحركة الدبلوماسية، والاستعداد المبكر للتعامل مع التحولات قبل أن تضيق الخيارات.
الجنوب السوري... اختبار جديد للأمن الأردني
إلى جانب المخاطر السياسية المرتبطة بالقضية الفلسطينية والتهجير، يبرز الجنوب السوري بوصفه مساحة جغرافية وأمنية حساسة في حسابات الأردن. وقد عرضت إحدى المداخلات مخاوف من احتمال تمدد النفوذ الإسرائيلي في مناطق جنوب سوريا، وربطت ذلك بسيناريوهات تشمل السويداء والقنيطرة والجولان وبادية الشام، مستخدمة تعبير "الهلال الصهيوني" لوصف تصور سياسي يتعلق باقتراب هذا النفوذ من الحدود الأردنية. ويظل هذا التعبير توصيفًا ورد في المداخلة، يعكس طبيعة المخاوف التي طرحها صاحبها، وليس حقيقة محسومة بشأن مسار التطورات.
وتنبع أهمية هذا الطرح من أن أمن الحدود يتحدد بطبيعة القوى الفاعلة في الجانب الآخر، والاتفاقات والترتيبات التي يمكن أن تتشكل، ومدى تأثيرها في التوازنات الأمنية والسياسية المحيطة بالمملكة. فأي تغير جوهري في خريطة النفوذ جنوب سوريا قد يفرض حسابات جديدة على الأردن، ويستدعي تقدير انعكاساته المحتملة على الأمن والحدود والحركة الإقليمية.
وفي هذا السياق، لا يستطيع الأردن التعامل مع الجنوب السوري بوصفه ساحة بعيدة عن مصالحه. لكن، في الوقت نفسه، هناك فرق بين مسؤولية القيادة والمؤسسات العسكرية والأمنية في تقدير التهديدات واتخاذ القرارات المتخصصة، وبين دور المجتمع والأحزاب والقوى السياسية في تعزيز التماسك الوطني وتوفير الإسناد العام للمؤسسات المعنية.
وهذا التمييز ضروري حتى لا يتحول النقاش العام إلى بديل عن التقدير الأمني المتخصص، أو إلى مصدر للتضارب في الرسائل. فالمطلوب هو تكامل الأدوار: مؤسسات مختصة تتعامل مع المخاطر وفق تقديراتها وأدواتها، ومؤسسات سياسية ومجتمعية تعزز الثقة والوعي والمسؤولية الوطنية، بما يدعم قدرة الدولة على حماية أمنها من دون تهويل أو استهانة.
الدبلوماسية البرلمانية... قناة تحتاج إلى الانتقال من الشكل إلى الفعل
تعد الدبلوماسية البرلمانية أحد المجالات التي يمكن للأردن تطويرها لتعزيز حضوره الخارجي. فعلى الرغم من وجود مشاركات وزيارات واتصالات برلمانية، إلا أن هذه الدبلوماسية ما تزال، أقرب إلى الشكلية منها إلى العمل المؤسسي المستدام. ويعيد هذا الطرح فتح النقاش حول كيفية الاستفادة من البرلمان بوصفه قناة موازية للدبلوماسية الرسمية، لا بديلًا عنها.
الدبلوماسية البرلمانية الفاعلة لا تختزل في حضور المؤتمرات أو تنظيم الزيارات، فهي تقوم على بناء علاقات مستمرة مع البرلمانات الأجنبية واللجان المؤثرة والقوى السياسية، وتقديم الموقف الأردني تجاه قضايا المنطقة، وتطوير مساحات مشتركة للتفاهم والتعاون. كما تتيح هذه القناة التواصل مع دوائر سياسية وتشريعية قد لا تكون حاضرة بالدرجة نفسها في العلاقات الحكومية التقليدية.
ويتطلب ذلك وجود أولويات واضحة للتحرك الخارجي، وإعدادًا مسبقًا للملفات، ومتابعة لما ينتج عن اللقاءات، وتنسيقًا بين العمل البرلماني والسياسة الخارجية للدولة. فالزيارة التي لا تفضي إلى علاقة مستدامة أو نتيجة قابلة للمتابعة تظل محدودة الأثر، بينما يمكن للدبلوماسية البرلمانية المنظمة أن توسع نطاق الحضور الأردني، وتساعد على شرح المواقف الوطنية، وبناء جسور مع أطراف سياسية مختلفة.
وينطبق الأمر كذلك على الأحزاب، التي تحتاج إلى تطوير علاقاتها الدولية ضمن الأطر القانونية والوطنية، والاستفادة من التجارب الحزبية الأخرى، وتعزيز قدرتها على تمثيل المجتمع الأردني وتطلعاته. فالتحديث السياسي يمكن أن ينعكس أيضًا على قدرة القوى السياسية الأردنية على التفاعل مع محيطها الدولي، بما يدعم صورة المملكة ومصالحها.
"ماذا بعد؟"... السؤال الذي يبدأ عنده العمل الحقيقي
وهنا تتحدد معادلة المرحلة المقبلة: أن يسبق الاستعدادُ الأزمةَ، وأن يتقدم الإصلاح على الضغوط، وأن تستند الدبلوماسية إلى جبهة داخلية متماسكة، وأن تتحول الرسائل السياسية إلى برامج ومؤسسات وسياسات قابلة للمتابعة والتقييم. فخطاب نيويورك، في نهاية المطاف، ليس نقطة وصول، وإنما نقطة انطلاق نحو اختبار أوسع لقدرة الدولة على حماية ثوابتها ومصالحها في إقليم لم تستقر قواعده بعد. وبين وضوح الرؤية وفاعلية التنفيذ، تتحدد قدرة الأردن على مواجهة المرحلة المقبلة، وصون أمنه الوطني، وتحويل الاعتدال التاريخي إلى قوة استراتيجية تمنحه مساحة أوسع للمناورة والتأثير.
الفصل الرابع: الذكاء الاستراتيجي الأردني... خطاب يقرأ التحولات ويعيد رسم خيارات المواجهة
تكمن أهمية الخطابات الملكية في قدرتها على كشف الطريقة التي تقرأ بها الدولة التحولات المحيطة بها، وتحديدها لمواضع الخطر، وترتيبها للأولويات في بيئة إقليمية لا تستقر على حال. ومن هذه الزاوية، فإن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في الجمعية العامة للأمم المتحدة يُقرأ بوصفه جزءًا من عملية أوسع لشرح الرؤية الأردنية لما يجري في المنطقة، والتنبيه إلى ما قد تؤول إليه التحولات الراهنة إذا استمرت من دون معالجة سياسية حقيقية.
وقد حملت الخطابات الملكية في دورات سابقة، مضامين ججادة بشأن التجاوزات والتهديدات واختراق قواعد القانون الدولي، وصولًا إلى الإشارة إلى الإبادة الجماعية. وهذا يعكس، في هذه القراءة، أن الموقف الأردني جاء نتيجة متابعة مستمرة لمسار إقليمي تتداخل فيه الاعتبارات السياسية والأمنية والديموغرافية والجيوسياسية.
من خطاب المواقف إلى خطاب الوعي.. لماذا يريد الأردن شعبًا يقرأ التحولات لا جمهورًا يكتفي بالتأييد؟
لا بد من الانتقال من خطاب المواقف إلى خطاب الوعي، فالمطلوب هو مجتمع يمتلك القدرة على فهم ما يجري، وقراءة التحولات التي تحيط بالدولة، وإدراك طبيعة المخاطر التي يمكن أن تنشأ عنها.
وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل هجوم وتضليل إعلامي يستهدف الدولة الأردنية ويحاول التأثير في القرار العام. وفي مثل هذه البيئة، يتحول إلى مكوّن من مكونات الأمن الوطني؛ لأن المجتمع الذي لا يمتلك أدوات التمييز بين المعلومة والتضليل يصبح أكثر قابلية للارتباك أمام الأزمات والتحولات.
ومن هنا لا يمكن حصر مسؤولية إنتاج الوعي في الحكومة أو المؤسسات الإعلامية. فالجامعات وأساتذة الجامعات والنخب السياسية والفكرية والقوى المجتمعية معنية جميعها بإنتاج خطاب يفسر الأحداث ويضعها في سياقها، بدل ترك المجال أمام القراءات المجتزأة والانفعالية.
المرحلة، وفق هذا الطرح، تتطلب فهمًا أعمق لما يجري في الإقليم. وكلما ازدادت التحولات تعقيدًا، ازدادت الحاجة إلى مجتمع قادر على قراءة المشهد ضمن إطار وطني جامع، لأن تماسك الجبهة الداخلية لا يعتمد فقط على وحدة الموقف، وإنما كذلك على وحدة الفهم لطبيعة التحديات.
التهجير والجنوب السوري... قضيتان تتقدمان إلى صلب الأمن الوطني الأردني
تظهر قضيتا التهجير والجنوب السوري في صدارة المخاوف التي تناولتها المداخلات، باعتبارهما ملفين يرتبطان بصورة مباشرة ببيئة الأمن الوطني الأردني، ولا يمكن التعامل معهما باعتبارهما تطورين خارجيين منفصلين عن حسابات الدولة.
وفي قضية التهجير، قدمت المداخلات المسألة باعتبارها ليست وليدة اللحظة الراهنة، فهي ترتبط بخطاب سياسي وعقائدي إسرائيلي ممتد عبر عقود، تضمن إشارات إلى التهجير والوطن البديل في الأدبيات والخطابات والممارسات السياسية والدبلوماسية. ولذلك فإن تجدد الحديث عن هذه القضية يعني انتقالها إلى مستوى أكثر حساسية عندما تصبح مرتبطة مباشرة بمستقبل الأردن وأمنه الوطني.
ولهذا اكتسب الموقف الأردني التاريخي الرافض للتهجير والوطن البديل دلالة تتجاوز الموقف السياسي من القضية الفلسطينية. فالمسألة ترتبط بثوابت وطنية تمس شكل الدولة وتماسكها ومستقبلها. وعندما يصبح احتمال التهجير جزءًا من الحسابات الإقليمية، فإنه يتحول من قضية سياسية خارجية إلى عنصر مباشر في تقدير المخاطر الوطنية.
أما الجنوب السوري، فقد ظهر بوصفه قضية أردنية قديمة ومتجددة في الوقت نفسه. فالقرب الجغرافي، والتحولات التي تشهدها سوريا، وتبدل موازين القوى في الإقليم، كلها عوامل تجعل أي تغير في الجنوب السوري ذا انعكاسات مباشرة على الأردن.
ومن هنا فإن الجمع بين التهجير والجنوب السوري يكشف عن اتساع مفهوم الأمن الوطني الأردني؛ فالأمن بات يتصل بالتحولات السياسية والديموغرافية والأمنية التي يمكن أن تنتقل آثارها إلى الداخل بوسائل متعددة.
ما بعد السابع من أكتوبر... كيف دخل الأردن مراحل إقليمية لم يخترها ولم يُستشر فيها؟
تقدم المداخلات قراءة لمسار المنطقة باعتباره سلسلة من المفاصل التاريخية التي وجد الأردن نفسه أمام نتائجها، رغم أنه لم يكن طرفًا في صناعة بداياتها. وقد جرى استحضار احتلال الكويت وأحداث الحادي عشر من سبتمبر بوصفهما محطتين أعادتا تشكيل موازين القوى وأدخلتا المنطقة في مراحل أمنية وسياسية جديدة، تحمل الأردن جانبًا من آثارها.
وفي السياق ذاته، جاء السابع من أكتوبر بوصفه مفصلًا آخر أعاد تغيير المعطيات القائمة في المنطقة. ووفق الطرح الوارد في المداخلات، فقد وفر الحدث لإسرائيل مبررات سياسية وأمنية للتحرك بطريقة أعادت تشكيل المشهد الإقليمي. أما الأردن، فلم يكن صاحب قرار في وقوع الحدث، لكنه وجد نفسه أمام نتائج وانعكاسات يتعين عليه التعامل معها.
وتفسر هذه الحالة جانبًا من الحساسية الأردنية تجاه التحولات الإقليمية؛ فالمملكة تقع في منطقة تتغير فيها موازين القوى بسرعة، وتنعكس الأزمات الكبرى على أمنها واقتصادها وحدودها وتركيبتها السياسية والاجتماعية، حتى عندما لا تكون طرفًا مباشرًا فيها.
لذلك فإن الاستعداد لا يمكن أن يقوم على انتظار وقوع الحدث ثم البحث عن أدوات التعامل معه، وإنما على بناء قدرة مستمرة على قراءة الاحتمالات والاستعداد لآثارها قبل أن تتحول إلى وقائع يصعب احتواؤها. وهنا يبرز مفهوم "الانتباه الجيوسياسي المستدام" بوصفه أحد المفاهيم المركزية التي حملتها المداخلات؛ أي أن تبقى الدولة في حالة قراءة دائمة للمتغيرات، وأن تضع احتمالات التحول ضمن حساباتها قبل وقوعه.
اتفاقية السلام... من القيود إلى أدوات حماية المصالح الأردنية والفلسطينية؟
اتفاقية السلام الأردنية - الإسرائيلية تعد إطارًا يمكن للدولة أن تديره وفق حسابات مصالحها، وتوظف ما توفره من أدوات لخدمة المصالح الأردنية والفلسطينية، والدفاع عن القدس والأقصى والأسرى واللاجئين.
وتكتسب هذه الرؤية أهميتها، فالأردن وظّف الاتفاقية ضمن سياسته تجاه القضية الفلسطينية، وأن وجودها لم يمنع الدولة من اتخاذ مواقف سياسية قوية خلال الحرب على غزة، بما في ذلك رفع مستوى التحذير من التهجير والتعامل معه باعتباره تهديدًا بالغ الخطورة.
وبذلك تُطرح الاتفاقية، في هذه القراءة، باعتبارها واحدة من الأدوات التي تُدار ضمن منظومة أوسع من أدوات السياسة الخارجية. وهذه الفكرة تفتح الباب أمام فهم مختلف للأدوات السياسية القائمة.
الانتباه الجيوسياسي المستدام... كيف يقرأ الأردن اختلال موازين القوى؟
من أبرز المفاهيم التي برزت في المداخلات مفهوم "الانتباه الجيوسياسي المستدام"، والمقصود به أن الدولة تنظر إلى التحولات في موازين القوى والاصطفافات الإقليمية والدولية باعتبارها عملية مستمرة يمكن أن تعيد ترتيب الأولويات والتهديدات.
وقد ربط الطرح بين الخطاب الملكي وبين اختلال أصاب منظومة التوازنات الدولية والإقليمية، نتيجة تبدل الأولويات ودخول المنطقة في حالة من عدم الاستقرار. كما أشار إلى احتمال تقاطع مصالح بعض القوى الكبرى مع استمرار حالة عدم الاستقرار، وهو ما يفرض على الدول الصغيرة والمتوسطة قدرًا أعلى من اليقظة في قراءة مصالحها وحساباتها.
وبالنسبة للأردن، تكتسب هذه القراءة أهمية خاصة بحكم موقعه الجغرافي والسياسي، وتأثره المباشر بما يحدث في فلسطين وسوريا والعراق، إلى جانب انعكاسات العلاقات بين القوى الكبرى والقوى الإقليمية على بيئته الاستراتيجية.
ومن هنا يصبح الخطاب الملكي، وفق هذه الرؤية، جزءًا من عملية أوسع لشرح القراءة الأردنية للعالم؛ فهو يحاول التنبيه إلى أن استمرار المسار الراهن يمكن أن يقود إلى نتائج أوسع على استقرار المنطقة ومستقبلها.
الخطاب الملكي... رسالة متعددة الاتجاهات
لا يبدو الخطاب الملكي موجهًا إلى المجتمع الدولي وحده. فقد حملت الرسالة مستويات متعددة تبدأ من الداخل الأردني، وتمتد إلى الفلسطينيين والعالم العربي والعالم الإسلامي.
فعلى المستوى الداخلي، تتمثل الرسالة في الدعوة إلى الوعي والاستعداد وفهم طبيعة المرحلة. وعلى المستوى الفلسطيني، تشير إلى أن القضية الفلسطينية ما تزال في صلب السياسة الأردنية، وأن ملفات القدس والأقصى والأسرى واللاجئين والتهجير تتصل، في الرؤية الأردنية، بالأمن الوطني وبمستقبل القضية الفلسطينية.
أما عربيًا، فتحمل الرسالة تحذيرًا من أن السياسات الحالية يمكن أن تنتج آثارًا طويلة المدى، بما يستدعي التعامل مع التحولات بوصفها قضايا استراتيجية لا أزمات عابرة. وعلى المستوى الإسلامي، يبرز ارتباط الرسالة بمكانة القدس والأقصى، والحاجة إلى حضور العالم الإسلامي في مواجهة التطورات التي تمس القضية الفلسطينية.
وفي الاتجاه ذاته، تحمل الرسالة بعدًا سوريًا، انطلاقًا من حقيقة أن أمن السوريين واستقرارهم، ولا سيما في الجنوب، يتقاطع مع الأمن الأردني.
وبذلك يصبح الخطاب وسيلة لتحديد موقع الأردن في الإقليم، وتحديد علاقاته بالقضايا المحيطة به، وليس مجرد عرض للموقف أمام المجتمع الدولي.
الدولة تعرف... فما الذي يعنيه أن تكون المؤسسات مستعدة قبل تحول التهديدات إلى واقع؟
الخطاب الملكي لم يأتِ، وفق هذا الطرح، في لحظة كانت الدولة الأردنية تكتشف فيها المخاطر للمرة الأولى. فالدولة، تمتلك مؤسسات عسكرية وأمنية تتابع التطورات وتقيّم التهديدات وتضع صانع القرار في صورة ما يجري، كما أنها اتخذت إجراءات للتعامل مع الأعباء التي فرضتها التطورات الإقليمية.
وهنا ينتقل السؤال من "هل تدرك الدولة ما يجري؟" إلى سؤال أكثر أهمية: "كيف تحوّل الدولة هذا الإدراك إلى خيارات؟".
فوجود مؤسسات تتابع وتقدّر التهديدات يمثل الخطوة الأولى، لكن القيمة الحقيقية تظهر في القدرة على ترجمة التقديرات إلى سياسات وإجراءات واستعدادات. ومن هذه الزاوية، يصبح الخطاب الملكي تعبيرًا عن قراءة استراتيجية متراكمة، وليس مجرد رد فعل على حدث آني.
كما استُحضرت تجربة ما بعد السابع من أكتوبر، عندما تحرك جلالة الملك على المستوى الدولي، في وقت كانت فيه مساحات كثيرة مغلقة أمام إيصال الصوت المدافع عن الشعب الفلسطيني أو المطالب بإدخال المساعدات. وقد قُدمت هذه التحركات باعتبارها جزءًا من جهد سياسي واسع لتغيير المزاج الدولي ودفعه باتجاه مواقف أكثر دعمًا للفلسطينيين.
وتكشف هذه الصورة عن جانب آخر من إدارة الأزمات؛ فجزء من العمل السياسي لا يظهر بالضرورة للرأي العام، لكنه يرتبط بمحاولة حماية المصلحة الوطنية والحفاظ على الموقف الأردني في بيئة شديدة التعقيد.
الفصل الخامس: حرب المياه في الجنوب السوري.. حين تتحول الأنهار والسدود إلى أدوات لإعادة رسم الجغرافيا
إذا كانت الجغرافيا السياسية تُقاس عادةً بالحدود ومواقع النفوذ وممرات التجارة والطاقة، فإن المياه تضيف إلى هذه المعادلة بُعدًا أكثر عمقًا واستمرارية؛ لأن السيطرة على مورد مائي لا تتوقف آثارها عند اللحظة السياسية التي نشأت فيها، فهي يمكن أن تمتد لعقود، فتؤثر في الزراعة والاستقرار السكاني والتنمية والأمن الوطني، وتعيد توزيع عناصر القوة بين الدول والمجتمعات.
ومن هذه الزاوية، لا يمكن قراءة ملف المياه الأردنية بمعزل عن التطورات التي يشهدها الجنوب السوري، ولا سيما أن هذه المنطقة ترتبط بصورة مباشرة بمنظومة نهر اليرموك وروافده ومناطق تغذيته. فالمياه في هذه الجغرافيا جزء من منظومة أوسع تتقاطع فيها الجغرافيا مع الأمن والسياسة والسيطرة على الأرض.
وتكتسب المسألة أهمية مضاعفة بالنسبة للأردن؛ فالمملكة تقع في نهاية منظومة اليرموك، ما يجعل أي تغير في مصادر المياه أو آليات تخزينها أو طرق استخدامها في أعالي الحوض قابلًا للانعكاس على أراضيها. ولذلك فإن السؤال المائي لا يبدأ عند الحدود الأردنية، وإنما يبدأ في كل نقطة يمكن أن تؤثر في رحلة المياه قبل وصولها إلى الأردن.
نهر اليرموك... من مجرى مائي إلى قضية جيوسياسية
منحت خطة بونجر لعام 1951 منح الأردن حصة تقارب 300 مليون متر مكعب من المياه، وربطت ذلك بترتيبات تتعلق بسد الوحدة، الذي حمل في مراحل مختلفة تسميات متعددة.
وفي عام 1953، جرى التوصل إلى اتفاق بين الأردن وسوريا تناول موضوع سد الوحدة، من دون تثبيت حصص مائية واضحة، مع الإشارة إلى كمية تدفق بلغت 10 أمتار مكعبة في الثانية، وهي كمية تعادل نحو 320 مليون متر مكعب سنويًا.
ثم جاءت خطة جونستون عام 1954 لتقدم تصورًا أكثر تفصيلًا لتوزيع مياه الحوض، إذ رفعت تقديرات حصة الأردن إلى نحو 700 مليون متر مكعب، مقابل 135 مليونًا لسوريا، و400 مليون لإسرائيل، و32 مليونًا للبنان. أما الضفة الغربية فلم تكن لها، وفق الترتيب المشار إليه، حصة مستقلة، باعتبارها في ذلك الوقت مرتبطة بالأردن، وكان جزء من الحصة الأردنية مخصصًا لها.
وتكشف هذه المراحل، بصرف النظر عن طبيعة كل ترتيب من الترتيبات، عن حقيقة أساسية، وهي أن مياه اليرموك لم تكن يومًا مسألة فنية محضة. فمنذ البداية، ارتبط توزيع المياه بتوزيع النفوذ والسيطرة والجغرافيا السياسية. وكلما تغيرت موازين القوى أو تبدلت السيطرة على الأرض، عادت المياه إلى الواجهة بوصفها جزءًا من المعادلة السياسية والأمنية.
من بونجر إلى جونستون... كيف تطورت ترتيبات تقاسم مياه اليرموك؟
شهدت قضية اليرموك انتقالًا تدريجيًا من التقديرات الأولية للحصص إلى محاولات أكثر تفصيلًا لتنظيم استخدام المياه ومصادرها. وكانت خطة جونستون محطة مهمة في هذا المسار، بالنظر إلى تقديرها حصة الأردن من مياه الحوض بنحو 700 مليون متر مكعب.
غير أن الأرقام لا يمكن فصلها عن الجغرافيا التي أنتجتها. فالأردن وسوريا يشتركان في منظومة مائية تتداخل فيها الروافد ومناطق التغذية والسدود ومجاري المياه، بينما تقع أجزاء أساسية من الحوض في مناطق تتأثر بصورة مباشرة بالتطورات السياسية والأمنية.
وهذا يعني أن أي تغيير في طريقة استغلال المياه في الجزء الأعلى من الحوض يمكن أن ينعكس على المناطق الواقعة في أسفله. ومن هنا تأتي حساسية الأردن تجاه أي عمليات تخزين أو تحويل أو ضخ يمكن أن تؤثر في تدفق المياه باتجاه أراضيه.
اتفاق 1987... بين النص والواقع... ماذا تغير في السدود والمياه السورية؟
في عام 1987، شهدت العلاقات المائية الأردنية - السورية اتفاقًا جديدًا دخلت فيه التفاصيل الفنية بدرجة أكبر، وفق ما ورد في المادة. فقد جرى تحديد مستويات الارتفاع التي يسمح باستخدام المياه فوقها، وربط ذلك بمناطق تغذية سد الوحدة، إلى جانب الاتفاق على إقامة عدد محدد من السدود السورية.
وبحسب الأرقام الواردة في المداخلة، سمح الاتفاق بإقامة 25 سدًا، على ألا تتجاوز كمية المياه المخزنة فيها 132 مليون متر مكعب. إلا أن الواقع الحالي، وفق المادة، يتحدث عن 49 سدًا في منطقة نهر اليرموك، بطاقة تخزين تصل إلى نحو 250 مليون متر مكعب.
وهنا تظهر الفجوة بين "النص والواقع" باعتبارها واحدة من أكثر النقاط حساسية في المعادلة المائية. فزيادة عدد السدود وارتفاع الطاقة التخزينية، إذا صحت الأرقام الواردة في المادة، يعنيان تغيرًا ملموسًا في طريقة إدارة المورد المائي في أعالي الحوض.
ولا تتوقف المسألة عند السدود؛ إذ يظهر عدم الالتزام بمسألة الينابيع الواقعة فوق مستوى 200 متر، وإلى عمليات حفر واسعة للآبار في المنطقة المحاذية لنهر اليرموك والحدود الأردنية.
وهذا مهم لأن التحكم بالمياه لا يحدث بالضرورة من خلال منشأة واحدة أو قرار واحد. فالسدود والآبار والينابيع ومناطق التغذية وشبكات الري كلها حلقات في منظومة واحدة، وأي توسع في واحدة منها يمكن أن يترك أثرًا على كمية المياه التي تصل إلى المناطق الواقعة أسفل الحوض.
وعليه، فإن القضية لا تختصر في السؤال عن سد بعينه أو حصة سنوية محددة، وإنما تتعلق بمنظومة متكاملة للتحكم بالمياه.
الاستنزاف المائي في الجنوب السوري.. من السدود إلى الآبار
هناك عمليات استنزاف لمصادر المياه في الجنوب السوري، ويظهر ذلك من خلال حفر نحو أربعة آلاف بئر في المنطقة المحاذية لنهر اليرموك والحدود الأردنية، إلى جانب طرح تساؤلات حول كيفية استخدام المياه المخزنة خلف السدود، ومدى قدرة المزارعين على الوصول إلى مصادر المياه واستخدامها.
وهنا تبرز أهمية النظر إلى الحوض المائي باعتباره وحدة مترابطة. فالمياه التي يجري احتجازها في السدود أو سحبها من الآبار في مناطق التغذية لا تبقى آثارها محصورة داخل المكان الذي جرى فيه التخزين أو الضخ، وإنما يمكن أن تنتقل انعكاساتها إلى المناطق الواقعة أسفل الحوض.
وبالنسبة للأردن، تصبح المسألة أكثر حساسية في ظل محدودية موارده المائية واعتماده على مصادر عابرة للحدود. وبالتالي، فإن أي انخفاض في التدفقات القادمة من خارج الحدود يمكن أن ينعكس على الزراعة والمخزون المائي والقدرة على تلبية الاحتياجات المحلية.
ومن هنا، فإن متابعة الجنوب السوري لا ينبغي أن تقتصر على قراءة الوضع العسكري أو الأمني، فهي تحتاج، وفق منطق هذه المادة، إلى متابعة دقيقة للجغرافيا المائية نفسها: أين توجد مصادر المياه؟... ومن يتحكم بها؟... وكيف يجري تخزينها؟... وما الذي يحدث في مناطق التغذية؟... وإلى أين تتجه المياه بعد ذلك؟.
وادي الرقاد.. الحلقة الجغرافية الأخطر
لفهم هذه المعادلة، تبرز أهمية الجغرافيا الدقيقة لروافد نهر اليرموك، وهو نهر يتغذى من رافدين أساسيين؛ أحدهما يأتي من منطقة جبل العرب مرورًا بالسويداء ودرعا، فيما يرتبط الآخر بمنطقة جبل الشيخ وهضبة الجولان ويتصل بوادي الرقاد.
ومن وادي الرقاد تتفرع روافد وأودية ترتبط بمنظومة المياه التي تصل إلى الأردن، من بينها وادي علان ووادي خادم، فيما تصب بعض الفروع قبل سد الوحدة وبعضها بعده.
وهذه الجغرافيا تمنح وادي الرقاد أهمية تتجاوز كونه مجرى مائيًا. فهو جزء من شبكة مترابطة من مصادر المياه والروافد، وأي تغير في السيطرة على مناطق التغذية أو مجاري المياه يمكن أن يصبح عاملًا مؤثرًا في كمية المياه التي تصل إلى الأردن.
وهنا تتداخل الجغرافيا الطبيعية مع الجغرافيا السياسية بصورة مباشرة. فالنقطة التي تبدو على الخريطة مجرد وادٍ أو رافد يمكن أن تتحول، عندما تتغير السيطرة على الأرض، إلى نقطة ذات قيمة استراتيجية لأنها تتحكم في جزء من مسار مورد مائي عابر للحدود.
الجنوب السوري بين فرضيتين.. كيان درزي محتمل أم منطقة عازلة إسرائيلية؟
تطرح المداخلات فرضيتين رئيسيتين لمحاولة تفسير بعض التحركات في جنوب سوريا.
الفرضية الأولى ترتبط باحتمال انفصال مناطق في الجنوب، ولا سيما في السويداء، وتشكيل كيان ذي غالبية درزية يمتد باتجاه مناطق قريبة من الجولان. وتشير المادة إلى أن هذه الفرضية ظهرت في دراسات وتحليلات غربية وكتابات سياسية وصحفية.
لكن المداخلة نفسها تبدي تحفظًا على قابلية هذه الفرضية للتطبيق من الناحية الهندسية والاقتصادية والجغرافية؛ إذ إن إنشاء كيان مستقر يحتاج إلى موارد واقتصاد ومياه وشبكات اتصال وطاقة ومقومات تسمح له بالاستمرار.
أما الفرضية الثانية، فتتعلق بما تصفه المادة برؤية إسرائيلية تربط التحركات في القنيطرة وجنوب هضبة الجولان بإقامة منطقة عازلة أو نطاق أمني يحول دون وصول الميليشيات المرتبطة بإيران وحزب الله، في ظل ما يصفه الطرح بانعدام الثقة بقدرة الدولة السورية على توفير الأمن في المنطقة.
ولا تقدم هذه الفرضيات، في المادة، بوصفها نتائج محسومة، وإنما باعتبارها قراءات مطروحة لتفسير التحولات في الجنوب السوري.
لكن العامل المائي يبقى حاضرًا في الحالتين؛ فإذا كانت السيطرة على الأرض تقود إلى السيطرة على السدود ومصادر المياه، فإن الأمن المائي يمكن أن يصبح جزءًا من ترتيبات جغرافية وسياسية أوسع.
سياسة "المؤقت الدائم"... ماذا يعني الوجود حول السدود ومصادر المياه؟
من أكثر المفاهيم التي تثيرها ورقة الموقف هي عبارة "سياسة المؤقت الدائم"، في إشارة إلى وجود عسكري أو أمني يقدم باعتباره مؤقتًا، لكنه قد يتحول بفعل استمراره وتكراره إلى واقع مستقر ومؤثر.
وتربط المادة هذا المفهوم بالسيطرة على عدد من السدود ومصادر المياه في الجنوب السوري. فبحسب الأرقام الواردة، توجد قوات ثابتة في منطقة سد المنطرة، الذي تبلغ سعته نحو 40 مليون متر مكعب، مع الإشارة إلى منع الجانب السوري من التحكم في بواباته أو مداخله ومخارجه.
كما أنّ سدودًا أخرى، بينها سد كوتينا بسعة تقارب 30 مليون متر مكعب، وسد بريجا بسعة نحو مليوني متر مكعب، وسد روحينا بنحو مليوني متر مكعب، وسد غدير البستان المرتبط بوادي علان في منطقة وادي الرقاد، بسعة تقارب 10 ملايين متر مكعب.
وبجمع هذه الكميات، يصل الرقم الوارد في الطرح إلى نحو 85 مليون متر مكعب، وتذهب المداخلة إلى أن هذه الكمية تعادل قرابة 40% من مصادر المياه في جنوب سوريا.
وتكمن أهمية هذه الأرقام، إذا صحت المعطيات التي تستند إليها المادة، في أنها تعيد تعريف السيطرة على الأرض. فالأرض ليست وحدها مصدر النفوذ؛ إذ يمكن أن تصبح السيطرة على منشأة مائية أداة للتأثير في الزراعة والاستقرار السكاني والقدرة الاقتصادية للمناطق المحيطة.
وهنا تتحول المياه من نتيجة للسيطرة الجغرافية إلى أداة من أدوات إنتاج النفوذ الجغرافي.
من السد إلى الخزان... هل تكشف المصطلحات عن وظيفة مختلفة للمياه؟
تتوقف املداخلات عند مسألة تبدو لغوية في ظاهرها، لكنها تحمل، وفق الطرح، دلالة هندسية وسياسية. ففي الوقت الذي يُشار فيه محليًا إلى بعض المنشآت باعتبارها "سدودًا"، تستخدم بعض التقارير والصحف الإسرائيلية تعبير "خزان" عند الحديث عن عدد منها.
وتطرح المادة فرقًا في الوظيفة بين المصطلحين؛ فالخزان، من الناحية الفنية التي تعرضها المداخلة، يمكن أن يكون جزءًا من منظومة نقل المياه، وليس مجرد منشأة لتخزين المياه في مكانها.
ومن هنا يبرز السؤال: هل تكشف طبيعة هذه المنشآت عن وظيفة تتجاوز التخزين المحلي؟
وتشير المادة إلى إنشاء 16 خزانًا في منطقتي وادي الرقاد ووادي علان، بطاقة إجمالية تقارب 45 مليون متر مكعب، مع وجود خمسة خزانات قريبة من الحدود الإسرائيلية تبلغ سعتها، وفق الطرح، نحو 10 ملايين متر مكعب.
وبناءً على ذلك، تطرح المداخلة احتمال ارتباط هذه المنشآت بمنظومة بحيرة طبريا والناقلات المائية الإسرائيلية.
وهذا يبقى احتمالًا مطروحًا في المادة وليس استنتاجًا نهائيًا، إلا أن أهميته تكمن في السؤال الذي يفتحه: إذا لم تكن المنشآت مخصصة فقط للتخزين المحلي، فما الوظيفة التي يمكن أن تؤديها ضمن منظومة مائية أوسع؟ وإلى أين يمكن أن تتجه المياه؟
وهنا تحديدًا تنتقل القضية من مجرد إدارة مصدر مائي محلي إلى احتمال ارتباطه بشبكة إقليمية أوسع.
بحيرة طبريا والناقلات المائية... أين يمكن أن تتجه المياه؟
تنتقل المداخلة في نهايتها إلى بحيرة طبريا باعتبارها جزءًا من منظومة المياه الإقليمية، وتشير إلى أن حجم المياه في البحيرة يصل إلى نحو 4 مليارات متر مكعب، وأن القدرة التشغيلية للسحب منها تصل، وفق الأرقام الواردة، إلى نحو 700–720 مليون متر مكعب.
كما تستحضر الجلسة تاريخ تطوير شبكات نقل المياه، من قناة الغور الشرقية التي أُنشئت عام 1959، إلى الناقل الوطني الإسرائيلي الذي أنشئ في ستينيات القرن الماضي لنقل المياه من منطقة طبريا باتجاه الساحل والوسط والجنوب.
وتكشف هذه الإشارة عن حقيقة تتجاوز الأرقام نفسها: المياه لا تستمد قيمتها الاستراتيجية من مكان وجودها فقط، وإنما من القدرة على نقلها.
فالمصدر المائي الذي لا يمكن نقله يظل محدود الأثر الجغرافي، بينما يمكن لشبكة نقل متطورة أن تجعل السيطرة على المصدر نقطة انطلاق لتوزيع المياه على مناطق بعيدة.
ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال عن السدود والخزانات في الجنوب السوري مرتبطًا بالسؤال الأوسع عن شبكات النقل. فالقضية تتعلق بمن يستطيع تخزينها، ومن يمتلك القدرة على نقلها، وإلى أي منطقة يمكن أن تصل.
حرب المياه... عندما تصبح السيطرة على الحوض جزءًا من السيطرة على الأرض
تكشف المداخلات، في مجموعها، عن تحول مهم في طريقة قراءة الجنوب السوري. فالتنافس على هذه المنطقة لا يمكن اختزاله في السيطرة العسكرية أو ترتيبات الحدود والمناطق العازلة، لأن المياه تشكل طبقة إضافية من المعادلة، وقد تكون أكثر استدامة من التحرك العسكري نفسه.
فالسيطرة على السدود تمنح قدرة على التحكم بالتخزين، والسيطرة على الآبار تمنح قدرة على التحكم بالمياه الجوفية، والسيطرة على مناطق التغذية تمنح قدرة على التحكم بالمياه قبل وصولها إلى مجاريها الرئيسية، فيما تتيح شبكات النقل نقل المياه إلى مناطق أخرى.
وهكذا تصبح الجغرافيا المائية جزءًا من الجغرافيا السياسية.
فالحدود السياسية ليست بالضرورة الحدود التي تحدد مصادر القوة. وقد تكون نقطة صغيرة في أعلى الحوض أكثر تأثيرًا على دولة تقع أسفل النهر من مساحة جغرافية واسعة تقع داخل أراضيها.
وبالنسبة للأردن، تكتسب هذه المعادلة حساسية استثنائية؛ فالمملكة تقع في نهاية منظومة اليرموك، وبالتالي فإن أي تغير في مصادر المياه أو طرق تخزينها أو استخدامها في أعالي الحوض يمكن أن يصل أثره إليها.
لهذا لا ينبغي أن يبقى الحديث عن الجنوب السوري محصورًا في البعد الأمني التقليدي. فالجنوب يمثل، وفق المعطيات المطروحة، "عمقًا مائيًا للأردن، ومجالًا جغرافيًا متداخلًا، ومنطقة تتقاطع فيها مصالح سورية وإسرائيلية وأردنية، وساحة يمكن أن تتحول فيها السيطرة على المياه إلى أداة لإعادة تشكيل النفوذ".
من الأمن المائي إلى الأمن الوطني... ماذا يعني تغير المعادلة في الجنوب السوري للأردن؟
الخطر بالنسبة للأردن تكمن في احتمال نشوء منظومة جديدة للتحكم بمصادر المياه في جنوب سوريا، وهذا يفرض توسيع مفهوم الأمن المائي نفسه. فالمراقبة الأمنية للحدود لا تكفي وحدها، كما أن متابعة التحولات السياسية لا يمكن فصلها عن متابعة السدود والآبار ومناطق التغذية ومسارات المياه.
كما تصبح معرفة طبيعة المنشآت الجديدة ووظيفتها مسألة ذات أهمية، خصوصًا عندما تتداخل مصطلحات مثل "السد" و"الخزان"، أو عندما تظهر منشآت قريبة من الحدود يمكن، وفق الفرضية المطروحة، أن ترتبط بشبكات لنقل المياه.
لكن التعامل مع هذه المعطيات يحتاج في الوقت نفسه إلى قدر من التحفظ المنهجي؛ إذ تميز المادة نفسها بين المعلومات والأرقام التي تقدمها بوصفها معطيات، وبين الفرضيات المتعلقة بأهداف التحركات الإسرائيلية ومستقبل الجنوب السوري. وهذه الفرضيات تحتاج إلى متابعة وتحقق مستمر قبل تحويلها إلى استنتاجات نهائية.
غير أن هذا التحفظ لا يلغي الاستنتاج الاستراتيجي الأوسع: "المياه في الجنوب السوري لم تعد ملفًا فنيًا يمكن فصله عن السياسة والأمن والجغرافيا".
فمنذ خطط الخمسينيات، مرورًا باتفاقيات تنظيم مياه اليرموك، وصولًا إلى التطورات المتعلقة بالسدود والآبار ومصادر المياه، ظل اليرموك جزءًا من معادلة إقليمية أكبر.
واليوم، مع تغير السيطرة على الأرض في الجنوب السوري، يمكن أن تعود المياه إلى واجهة المعادلة بصورة أكثر تعقيدًا؛ ليس فقط بوصفها موردًا يحتاج إلى التقاسم، وإنما بوصفها عنصرًا يمكن أن يؤثر في شكل النفوذ نفسه.
وهنا يبرز التحدي الأردني الحقيقي: الانتقال من "إدارة حصص المياه إلى إدارة الجغرافيا المائية"؛ أي معرفة مصادر المياه ومساراتها ومناطق تخزينها والجهات التي تتحكم بها، والقدرة على استشراف ما يمكن أن تعنيه أي ترتيبات جديدة في الجنوب السوري بالنسبة للأمن المائي الأردني.
فأخطر ما في "حرب المياه" أنها قد لا تحتاج إلى إعلان صريح. قد تبدأ تدريجيًا عبر تغيير مواقع السدود، أو توسيع التخزين، أو حفر الآبار، أو تغيير طرق الوصول إلى مصادر المياه، أو إنشاء شبكات نقل جديدة. ومع تراكم هذه التحولات، يمكن أن تتغير موازين القوة من دون أن يبدو المشهد، في لحظته الأولى، وكأنه صراع على المياه.
ومن هنا فإن المعركة على اليرموك لا تبدأ عند الحدود الأردنية، ولا تنتهي عند سد الوحدة؛ إنها تبدأ من أعلى الحوض، حيث تتحدد قدرة المياه على الوصول أصلًا، وتمتد عبر السدود والآبار ومناطق التغذية، وتنتهي عند قدرة الأطراف المختلفة على التحكم بمصيرها.
وبذلك يصبح السؤال المائي جزءًا من السؤال الجيوسياسي الأكبر: من يملك القدرة على التحكم بالجغرافيا، لا بمجرد الأرض وحدها، وإنما بالمياه التي تجعل هذه الأرض قابلة للحياة والاستقرار والتنمية؟
وهنا تحديدًا تتكشف إحدى أكثر طبقات الأمن الوطني الأردني حساسية؛ فالمياه التي تصل إلى الأردن مورد استراتيجي يتصل بالسيادة والأمن والاستقرار، وقد تتحول السيطرة على منابعها ومساراتها إلى إحدى الأدوات الأكثر هدوءًا، والأطول أثرًا، في إعادة رسم موازين القوة في الجنوب السوري.
الخاتمة
تُظهر القراءة المتكاملة للمحاور التي تناولتها هذه الورقة أن الأردن يقف أمام مرحلة تتطلب تجاوز مفهوم الأمن التقليدي القائم على التعامل مع كل تهديد بصورة منفردة، والانتقال إلى رؤية أكثر شمولًا ترى في السياسة والمياه والحدود والدبلوماسية والاقتصاد والإعلام والمجتمع حلقات مترابطة في منظومة واحدة للأمن الوطني.
فما يجري في فلسطين لا يمكن فصله عن الأمن الأردني، وما يحدث في جنوب سوريا لا يمكن النظر إليه بمعزل عن الحدود والمياه، وأمن المياه لا يمكن التعامل معه باعتباره شأنًا منفصلًا عن السياسة والجغرافيا، فيما أصبحت الرواية الإعلامية جزءًا من قدرة الدولة على حماية صورتها ومصالحها في بيئة إقليمية تتسارع فيها المعلومات بقدر سرعة الأحداث نفسها.
وتكشف هذه المعادلة أن الخطر لا يأتي دائمًا في صورة مواجهة مباشرة؛ فقد يظهر في تغير تدريجي للجغرافيا، أو في ضغط على الموارد، أو في إعادة تشكيل للحدود ومناطق النفوذ، أو في تحولات ديموغرافية، أو في أزمة اقتصادية، أو في رواية إعلامية تتسلل إلى المجال العام وتعيد تفسير الأحداث وفق مصالح أطراف أخرى.
ولهذا، فإن الاستعداد لا ينبغي أن يكون رد فعل على الخطر بعد وقوعه، إذ يجب أن يظهر على هيئة عملية مستمرة لبناء القدرة على توقعه وتقليل أثره وامتلاك خيارات متعددة للتعامل معه.
وفي هذا الإطار، فإن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في الأمم المتحدة يكتسب قيمة تتجاوز اللحظة السياسية التي قيل فيها؛ إذ يمكن قراءته باعتباره إطارًا عامًا لرؤية أردنية تحاول الانتقال من التعامل مع النتائج إلى مساءلة الأسباب، ومن انتظار تطورات الإقليم إلى محاولة التأثير في اتجاهاتها، ومن الاكتفاء بتحديد المواقف إلى بناء قدرة مؤسسية على ترجمتها.
غير أن الرؤية السياسية، مهما كانت واضحة، لا تكفي وحدها. فالاختبار الحقيقي يبدأ عند تحويلها إلى سياسات قابلة للتنفيذ، وإلى مؤسسات تعمل ضمن تصور مشترك، وإلى دبلوماسية تمتلك القدرة على الإقناع، وإلى إعلام قادر على تقديم الرواية الوطنية في الوقت المناسب، وإلى مجتمع يمتلك من الوعي ما يجعله شريكًا في حماية الدولة لا مجرد متلقٍ لرسائلها.
كما أن النقاش حول إعادة تقييم اتفاقية وادي عربة يوضح طبيعة الأسئلة التي ينبغي أن تحكم صناعة القرار في المرحلة المقبلة. فالمراجعة الجادة لا تعني بالضرورة اتخاذ موقف مسبق، إذ تعني إخضاع السياسات والاتفاقيات والخيارات لامتحان المصلحة الوطنية في ضوء المتغيرات. وما تحتاجه الدولة في مثل هذه الملفات هو وضوح قانوني، وحساب سياسي، وتقدير أمني، ومعرفة دقيقة بالبدائل والكلف والنتائج.
وفي ملف المياه، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا إلى بناء استراتيجية طويلة المدى تتعامل مع المياه باعتبارها أحد مكونات السيادة والأمن الوطني. فالأردن لا يملك التحكم في المناخ أو مصادر المياه الواقعة خارج حدوده أو في التحولات الإقليمية، لكنه يستطيع أن يعزز قدرته على الصمود من خلال تنويع المصادر، وتقليل الفاقد، وتطوير شبكات المياه، وتحسين كفاءة الاستخدام، وبناء وعي مجتمعي حقيقي بقيمة المورد المائي.
والأمر نفسه ينطبق على الحدود. فالقوة العسكرية تظل عنصرًا أساسيًا في حمايتها، لكنها تصبح أكثر رسوخًا عندما تستند إلى تنمية اقتصادية، وسكان مستقرين، واستثمارات، وبنية تحتية، وخدمات، ومجتمعات ترى في مناطقها الحدودية جزءًا أساسيًا من المجال الوطني.
أما الإعلام، فقد أصبح أمام مهمة جديدة. لم يعد كافيًا أن يظهر الخطاب الرسمي بعد وقوع الحدث، وقد باتت الحاجة قائمة إلى منظومة اتصال وطنية قادرة على الاستعداد للسيناريوهات، وتقديم المعلومات الدقيقة، وتوحيد الرسائل الأساسية بين المؤسسات، وشرح الموقف الأردني للرأي العام الداخلي والخارجي. فالدولة التي لا تشرح روايتها في الوقت المناسب تترك مساحة مفتوحة لمن يشرحها نيابة عنها.
وفي المحصلة، تكمن قوة الأردن في قدرته على تحويل تراكم خبراته إلى منظومة استعداد للمستقبل. فالمطلوب أن تستخدم الدولة كل أزمة سابقة لاكتشاف مكامن الخلل وبناء قدرة جديدة على مواجهتها.
إن الأردن لا يستطيع إعادة تشكيل الإقليم وحده، لكنه يستطيع أن يعيد تنظيم أدواته داخليًا بما يمنحه مساحة أوسع للحركة خارجيًا. ولا يستطيع التحكم في قرارات القوى الكبرى، لكنه يستطيع أن يجعل مصالحه أكثر وضوحًا، ومخاطر استهداف استقراره أكثر كلفة، وخياراته أكثر تنوعًا.
وهنا تصل الورقة إلى خلاصتها الأساسية، وهي أن المعادلة المقبلة ستُحسم بقدرته على بناء منظومة وطنية تجعل الدولة أكثر استعدادًا قبل الأزمة، وأكثر صلابة أثناءها، وأكثر قدرة على استثمار ما بعدها.
فالمرحلة المقبلة تختبر قدرة الأردن على التحول إلى دولة أكثر استباقًا في قراءة المخاطر، وأكثر دقة في تعريف مصالحها، وأكثر تكاملًا في مؤسساتها، وأكثر وضوحًا في روايتها، وأكثر مرونة في أدواتها، وأكثر صلابة في حماية ثوابتها.
ومن هنا، فإن السؤال النهائي الذي تتركه هذه الورقة أمام صانع القرار والمجتمع والنخب السياسية والإعلامية والفكرية يبتعد عن: كيف نعبر الأزمة المقبلة؟، ويقترب من: كيف نبني دولة تجعلها الأزمات المقبلة أقل قدرة على تهديدها، وأكثر قدرة على اختيار طريقها، وأوسع هامشًا في الدفاع عن مصالحها، وأقدر على صناعة مستقبلها بدل الاكتفاء بالتكيف مع ما يصنعه الآخرون؟.
صادرة عن مؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير
4/10/2026





