>

ورقة موقف: الشباب والسياسة.. من يقصي من؟... دلالات إعادة تعريف الأدوار مقابل تدوير القيادات صادرة عن مؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير

مقدمة

لم يعد تحديث الحياة الحزبية مسألة مرتبطة بتعديل الهياكل التنظيمية أو زيادة أعداد المنتسبين إلى الأحزاب، بقدر ما أصبح سؤالًا أوسع يتعلق بقدرة هذه الأحزاب على إنتاج حياة سياسية أكثر انفتاحًا، وتوفير مساحات حقيقية للمشاركة، وتحويل الشباب من فئة يُتحدث باسمها إلى قوة فاعلة في صياغة البرامج وصناعة القرار وتحمّل المسؤولية العامة. فالمعيار الحقيقي لأي عملية تحديث سياسي يكمن في قدرتها على إحداث تحول ملموس في علاقة المواطن بالمؤسسة السياسية، وفي مدى شعوره بأن مشاركته يمكن أن تنتج أثرًا حقيقيًا.

تأتي هذه الورقة في سياق نقاش يتجاوز الصورة التقليدية للعمل الحزبي، ليتناول مجموعة مترابطة من الأسئلة حول طبيعة الحزب البرامجي، وموقع الشباب والمرأة في الحياة السياسية، وحدود المشاركة المحلية، ومستوى الديمقراطية داخل الأحزاب، وعلاقة التنظيمات السياسية بالجامعات والمجتمع، فضلًا عن الأسباب التي قد تدفع بعض الشباب إلى الابتعاد عن العمل الحزبي أو التعامل معه بحذر. وهي أسئلة لا يمكن فصل بعضها عن بعض، لأن ضعف أي حلقة من حلقات المشاركة ينعكس بالضرورة على الحلقات الأخرى.

وينطلق النقاش من فرضية أساسية مفادها أن الحزب السياسي لا تُقاس حيويته بعمره أو بحجمه التنظيمي وحدهما، وإنما بما ينتجه من برامج وأفكار وكوادر وقيادات، وبقدرته على التفاعل مع القضايا العامة وتحويلها إلى مشاريع سياسية قابلة للنقاش والتنفيذ والتقييم. فالحزب البرامجي مؤسسة سياسية يفترض أن تمتلك حضورًا مستمرًا في المجتمع، وأن تكون قادرة على استقطاب الكفاءات، وتطويرها، وإتاحة المجال أمامها للمشاركة في صناعة السياسات والقرارات.

وفي قلب هذا التحول يأتي الشباب. فالحديث عن الشباب بوصفهم "قادة المستقبل" قد يحمل في ظاهره تقديرًا لدورهم، لكنه قد يتحول، إذا طال أمده، إلى تأجيل مستمر لدورهم في الحاضر. فالقيادة تبنى بالممارسة والتجربة وتحمل المسؤولية. ومن ثم، فإن التعامل مع الشباب بوصفهم شركاء في الحاضر يقتضي الانتقال من مجرد استضافتهم في الفعاليات والحوارات إلى إشراكهم في صياغة البرامج، وإدارة اللجان، وخوض التجارب الانتخابية، وممارسة المسؤوليات التي تؤهلهم تدريجيًا للانتقال إلى مواقع القيادة.

وتطرح الورقة، في المقابل، مسؤولية الشباب أنفسهم في هذه المعادلة. فإتاحة المجال السياسي لا تعني أن المشاركة ستحدث بصورة تلقائية، كما أن المطالبة بالتجديد لا تنفصل عن الاستعداد لبذل الوقت والجهد واكتساب المعرفة والخبرة والعمل ضمن المؤسسات. فالقيادة الحزبية مسار يتطلب تراكمًا من العمل والمشاركة والإنجاز والقدرة على تحمل المسؤولية. ومن هنا: هل توفر الأحزاب المساحة الحقيقية للشباب؟ وهل يستثمر الشباب هذه المساحة عندما تتاح لهم؟ وإذا كان العزوف قائمًا، فما أسبابه ودوافعه؟

كما تتوقف الورقة عند العلاقة بين المشاركة السياسية والمشاركة المحلية، انطلاقًا من النقاش حول المجالس المحلية وتوزيع الصلاحيات، باعتبار أن الديمقراطية تُختبر في قدرة المجتمعات المحلية على التأثير في القضايا المرتبطة بحياتها اليومية. فالمشاركة تصبح أكثر معنى عندما تقترن بصلاحيات ومسؤوليات واضحة، وعندما يشعر المواطن أن صوته قادر على التأثير في الأولويات التنموية والخدمية المحيطة به.

ولا تقل أهمية عن ذلك مسألة الديمقراطية داخل الأحزاب نفسها. فالحزب الذي يدعو إلى المشاركة السياسية في المجتمع يحتاج إلى أن تكون الممارسة الديمقراطية جزءًا من بنيته الداخلية، من خلال الانتخابات الداخلية، وتداول المسؤوليات، وإتاحة الفرص أمام الكفاءات الجديدة، وتوفير المجال للاختلاف والنقاش. ومن دون هذه الممارسة الداخلية، قد تبقى الدعوة إلى الديمقراطية محكومة بالفجوة بين الخطاب والتطبيق.

وتتسع الصورة كذلك لتشمل الجامعات ومؤسسات المجتمع المدني بوصفها فضاءات مهمة لتكوين الوعي السياسي واكتساب الخبرة العامة. فالحضور السياسي في الجامعة، عندما يكون منظمًا ومسؤولًا وموجهًا نحو قضايا الطلبة والمجتمع، يمكن أن يوفر للشباب تجربة مبكرة في الحوار والانتخاب والعمل الجماعي. وفي المقابل، فإن التعامل مع الجامعة باعتبارها مجرد ساحة انتخابية موسمية قد يفقدها جزءًا من قدرتها على أداء دورها في بناء الثقافة السياسية.

ومن أبرز الإشكالات التي يكشفها النقاش أيضًا الفجوة بين الخطاب والممارسة؛ إذ قد يُحتفى بالشباب في الخطابات والفعاليات، بينما تتقلص مساحة تأثيرهم عندما يبدأون في التعبير عن مواقف مستقلة أو المطالبة بأدوار أكثر فاعلية. كما أن المقاطعة أو العزوف عن بعض أشكال المشاركة، ومنها الانتخابات الطلابية، ينبغي التعامل معها باعتبارها ظاهرة تستحق فهم أسبابها، والاستماع إلى دوافعها، وقراءة ما يمكن أن تكشفه عن مستوى الثقة بجدوى المشاركة ومؤسسات التمثيل.

وعليه، لا تقدم هذه الورقة وصفة جاهزة لتحديث الحياة الحزبية، ولا تنطلق من تحميل طرف واحد مسؤولية تحديات المشاركة السياسية، فهي تسعى إلى تفكيك العلاقة بين المؤسسة والشاب، وبين العضوية والمشاركة، وبين المشاركة والتأثير، وبين التأثير والقيادة. فالتحديث السياسي عملية متبادلة المسؤولية؛ تحتاج إلى أحزاب أكثر انفتاحًا وقدرة على إنتاج البرامج والقيادات، ومؤسسات أكثر استجابة للحوار والمشاركة، وشباب أكثر استعدادًا للانخراط المنظم وتحمل المسؤولية.

ومن هذا المنطلق، تضع الورقة سؤالًا مركزيًا أمام النقاش العام: كيف يمكن الانتقال من شباب يحضرون في المشهد السياسي إلى شباب يصنعون جزءًا من هذا المشهد، ومن أحزاب تستقطب الأعضاء إلى أحزاب تنتج القيادات، ومن ديمقراطية تُمارس في الخطاب إلى ديمقراطية تُختبر في المؤسسات؟ وهو سؤال يتطلب إعادة النظر في مفهوم المشاركة ذاتها، بحيث لا تعود الغاية مجرد زيادة الحضور، وإنما بناء قدرة حقيقية على التأثير وصناعة القرار.

الفصل الأول: تحديث العمل الحزبي وإعادة تعريف أدوار الشباب والأحزاب

يفرض الحديث عن تحديث الحياة الحزبية في الأردن تجاوز التصورات التقليدية التي تختزل قوة الأحزاب في تاريخ تأسيسها أو عمرها التنظيمي، والانتقال إلى معيار أكثر ارتباطًا بقدرتها على إنتاج الأثر، وتقديم البرامج، واستقطاب الكفاءات، وتحويل الأفكار إلى ممارسة سياسية ومجتمعية ملموسة. فالمؤسسات، سواء كانت حزبية أو عامة، لا تستمد قيمتها من طول عمرها بقدر ما تستمدها من قدرتها على التجدد والاستجابة للتحولات، وإنتاج كوادر قادرة على العمل والتأثير، وترك أثر يتجاوز حدود المؤسسة ذاتها. وقد تكون مؤسسة حديثة النشأة أكثر حيوية وإنتاجًا من مؤسسات تراكم لديها تاريخ طويل دون أن يواكبه تطور في الأداء أو تجديد في الأدوات.

ومن هنا، فإن تقييم الحزب لا ينبغي أن يقوم على عدد السنوات التي عاشها، أو حجم الإرث التنظيمي الذي يحمله، وإنما على ما يقدمه للمجتمع والدولة من قيمة سياسية وفكرية وبرامجية. فالعمر التنظيمي لا يمثل، في حد ذاته، ضمانة للفاعلية، كما أن حداثة التجربة لا تعني بالضرورة ضعفها. المعيار الأكثر دلالة يتمثل في قدرة المؤسسة على إنتاج السياسات، وتطوير الكوادر، وإدارة الاختلاف، والتواصل مع المجتمع، والمساهمة في صناعة القرار العام. ولذلك، فإن تحديث الحياة الحزبية يستدعي الانتقال من ثقافة الاحتفاء بتاريخ المؤسسة إلى ثقافة تقيس المؤسسة بما أنجزته وما تستطيع إنجازه.

ومن هذا المنطلق، يصبح تحديث الأحزاب عملية تتجاوز تغيير الهياكل أو تجديد الخطاب، لتصل إلى إعادة النظر في وظيفة الحزب ذاته داخل الدولة والمجتمع. فالحزب السياسي، بحكم طبيعته القانونية والسياسية، ليس إطارًا انتخابيًا مؤقتًا، ولا مساحة تقتصر على التنافس على المقاعد النيابية، فهو مؤسسة سياسية وبرامجية ومجتمعية واقتصادية، تتقاطع مع مختلف القضايا التي تمس حياة المواطنين والدولة. فالسياسة تمتد إلى التشريع، والسياسات الاقتصادية والاجتماعية، والتعليم والصحة والعمل، والعلاقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، وسائر الملفات العامة. ومن ثم، فإن الحزب الذي لا يمتلك برنامجًا واضحًا تجاه هذه القضايا يبقى محدود القدرة على تقديم نفسه كفاعل سياسي حقيقي.

وتزداد أهمية هذا المفهوم في ظل التحولات التي يشهدها المجتمع الأردني، إذ لم يعد المواطن، ولا سيما الجيل الشاب، يتعامل مع السياسة بالطريقة ذاتها التي كانت سائدة في مراحل سابقة. فوسائل التواصل الحديثة، وتدفق المعلومات، واتساع مساحة النقاش العام، وتغير طبيعة العلاقة بين المواطن والمؤسسات، كلها عوامل أعادت تشكيل توقعات الأجيال الجديدة من العمل السياسي. ولذلك، فإن الحزب الذي يريد أن يكون جزءًا من المستقبل لا يستطيع أن يكتفي بأدوات العمل التقليدية، وإنما يحتاج إلى خطاب أكثر اتصالًا بالواقع، وبرامج قابلة للفهم والقياس، وآليات تنظيمية تتيح للشباب أن يكونوا منتجين للفكرة وصانعين للقرار.

ويبرز الشباب في قلب هذه العملية، إلا أن الخطاب التقليدي كثيرًا ما وضعهم في موقع "قادة المستقبل"، وهي صيغة تبدو إيجابية في ظاهرها، لكنها قد تحمل ضمنيًا تأجيلًا لدورهم السياسي إلى مرحلة لاحقة. فالشباب ليسوا مجرد احتياطي بشري للأحزاب، ولا جيلًا ينتظر أن يتولى القيادة بعد سنوات، وإنما هم جزء من الحاضر السياسي، ومن حقهم أن تكون لهم أدوار فعلية في صناعة القرار والعمل العام. وإذا كان الهدف من تحديث الحياة الحزبية إنتاج قيادات جديدة، فإن هذا الهدف لا يتحقق بإطلاق الشعارات حول تمكين الشباب، وإنما بإتاحة المجال أمامهم لممارسة القيادة والمشاركة والتأثير منذ الآن.

ويقتضي ذلك إعادة تعريف العلاقة بين الشباب والعمل الحزبي. فالانضمام إلى الحزب لا ينبغي أن يكون بحثًا عن موقع أو منفعة شخصية، كما لا ينبغي أن يُنظر إلى الحزب باعتباره مؤسسة مطالبة بتقديم مكاسب مباشرة لأعضائها. الأصل أن يبدأ الانخراط السياسي من فكرة وقناعة ورؤية وبرنامج، ثم يبحث الفرد عن الكيان الذي يستطيع من خلاله تحويل هذه القناعات إلى عمل منظم ومشروع سياسي قابل للتطوير. وبذلك، يصبح الانتساب للحزب تعبيرًا عن اختيار سياسي وفكري، وليس مجرد عضوية تنظيمية.

وفي المقابل، فإن الأحزاب تتحمل مسؤولية كبيرة في جعل هذا الاختيار ذا معنى. فالحزب الذي يريد جذب الشباب لا يكفيه أن يفتح باب العضوية أمامهم، بل عليه أن يفتح كذلك أبواب المشاركة والتأثير. ويتطلب ذلك توفير مساحات حقيقية للنقاش، وإشراك الأعضاء في صياغة المواقف والبرامج، وإتاحة فرص التدرج التنظيمي على أساس الكفاءة والنشاط والإنجاز، وليس على أساس العمر أو القرب الشخصي أو الاعتبارات غير السياسية. فالشباب لا يحتاجون فقط إلى مقاعد داخل الاجتماعات، وإنما إلى فرصة لإثبات قدرتهم على صناعة القرار وتحمل المسؤولية.

ومن هنا يمكن النظر إلى العمل السياسي والحزبي بوصفه شكلًا من أشكال النضال المدني المنظم، لا بمعناه التاريخي المرتبط بأدوات أو ظروف سابقة، وإنما باعتباره قدرة الفرد على فرض حضوره من خلال المعرفة والمبادرة والعمل والالتزام. فعضو الحزب، سواء كان شابًا أو في سن متقدمة، لا يصبح فاعلًا بمجرد حصوله على العضوية، وإنما من خلال قدرته على تقديم الأفكار، والمساهمة في تطوير البرنامج، والدفاع عن الموقف السياسي، والمشاركة في العمل العام. وبهذا المعنى، فإن المسؤولية عن تجديد الأحزاب لا تقع على القيادات وحدها، كما لا يمكن تحميلها للشباب وحدهم؛ إنها مسؤولية مشتركة تقوم على فتح المجال والمبادرة في آن واحد.

ولا يمكن فصل تحديث العمل الحزبي عن طبيعة البنية الاجتماعية الأردنية، وفي مقدمتها حضور العشيرة ودورها التاريخي. فالمقاربة الحزبية لا تستدعي بالضرورة مواجهة البنية العشائرية أو إلغاء أدوارها الاجتماعية، إذ أدت العشيرة تاريخيًا وظائف متعددة شملت جوانب اقتصادية واجتماعية وسياسية. ومع تطور الدولة الحديثة وظهور الأحزاب المنظمة ضمن إطار قانوني، يصبح من الضروري إعادة النظر في توزيع هذه الأدوار بما يتلاءم مع تطور مؤسسات الدولة.

فالأدوار الاجتماعية القائمة على التكافل والتعاون والتواصل بين أفراد العشيرة يمكن أن تظل جزءًا من النسيج المجتمعي، ولا تتعارض بالضرورة مع الدولة الحديثة. أما الدور السياسي، فيفترض أن ينتقل تدريجيًا إلى المؤسسات السياسية والأحزاب، باعتبارها الأطر التي تنظم التنافس السياسي وفق البرامج والقوانين والانتخابات. وهذا الانتقال لا يعني إلغاء العشيرة أو إضعاف الروابط الاجتماعية، وإنما يعني التمييز بين وظيفتها الاجتماعية وبين وظيفة الحزب السياسية، بما يمنع تداخل الأدوار ويعزز بناء المؤسسات.

غير أن نجاح هذا التحول يرتبط بدرجة كبيرة بمستوى الثقة الذي يشعر به الشباب تجاه المجال العام. فليس من الممكن مطالبة الأجيال الجديدة بالانخراط الحزبي والمشاركة السياسية، ثم تجاهل ما يراقبونه من ممارسات وقرارات تؤثر في تصوراتهم عن العدالة والفرص والكفاءة. فالشباب يقرأون الواقع السياسي والمؤسسي بصورة يومية، ويقارنون بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية، ويشكلون مواقفهم بناءً على مدى اتساق الاثنين. وكلما اتسعت الفجوة بين الحديث عن تمكين الشباب وبين شعورهم بوجود فرص حقيقية أمامهم، تراجعت جاذبية المشاركة السياسية لديهم.

ولهذا، فإن احترام طاقات الشباب وذكائهم تعد جزءًا من عملية بناء الثقة بالمؤسسات، فالشاب الذي يُطلب منه أن يؤمن بالعمل الحزبي يحتاج إلى أن يرى أن المجال العام قادر على استيعاب الكفاءة والطموح، وأن المشاركة يمكن أن تتحول إلى أثر حقيقي، كما أن الحفاظ على الطاقات الشابة داخل المجال الوطني يتطلب منحها فرصًا ملموسة للعمل والإنتاج والقيادة، بدل تركها في حالة انتظار دائم أو دفعها إلى البحث عن مساحات أخرى للتعبير عن ذاتها.

وتتقاطع هنا مسؤولية الدولة مع مسؤولية الأحزاب. فالحكومة مطالبة بتوفير بيئة مؤسسية تتسق مع أهداف التحديث السياسي، وتدعم الثقة بالمشاركة العامة، بينما تقع على الأحزاب مسؤولية مراجعة بنيتها الداخلية وآليات اتخاذ القرار واستقطاب الكفاءات. ولا يمكن للحزب أن يطالب الدولة بتوسيع المشاركة السياسية إذا كان داخله لا يوفر لأعضائه المساحة نفسها للمشاركة والتأثير. كما لا يمكن للشباب أن يطالبوا بالتغيير دون أن يتحملوا مسؤولية تطوير أدواتهم السياسية والمعرفية والتنظيمية.

وبذلك، فإن تحديث الحياة الحزبية لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الأحزاب أو عدد المنتسبين إليها، وإنما بقدرتها على إنتاج حياة سياسية أكثر حيوية، وبرامج أكثر اتصالًا بالاحتياجات العامة، وقيادات جديدة قادرة على تحمل المسؤولية. فالمعيار الحقيقي هو الأثر الذي تتركه المشاركة السياسية في المجتمع، ومدى قدرة الحزب على تحويل طاقات أعضائه إلى عمل مؤسسي، وتحويل الاختلاف إلى برامج، والعضوية إلى مسؤولية، والشباب من جمهور مستهدف إلى شركاء في صناعة القرار.

وفي المحصلة، فإن السؤال المركزي في مسار تحديث العمل الحزبي يجب أن يكون مرتبطًا بماذا تنتج المشاركة الحزبية؟... وما مقدار الأثر الذي يستطيع المواطن، ولا سيما الشاب، أن يصنعه من داخل المؤسسة السياسية؟... فالتحديث الحقيقي يبدأ عندما يصبح الحزب مساحة لصناعة الفكرة والبرنامج والقيادة، ويصبح الشباب شركاء في الحاضر لا وعودًا مؤجلة للمستقبل، وتصبح المشاركة السياسية طريقًا فعليًا للتأثير في القرار العام، ضمن دولة القانون ومؤسساتها، وبما يعزز الانتقال من مجرد وجود الأحزاب إلى فاعليتها، ومن العضوية الشكلية إلى المشاركة المؤثرة.

الفصل الثاني: من الحضور إلى صناعة القرار وإعادة بناء المشاركة السياسية

لا يكتمل الحديث عن تحديث الحياة السياسية والحزبية بمجرد توسيع قاعدة المشاركة أو زيادة أعداد المنخرطين في الأحزاب، إذ إن التحدي الأهم يكمن في طبيعة هذه المشاركة ومدى قدرتها على الانتقال من الحضور إلى التأثير، ومن التمثيل إلى صناعة القرار. فالديمقراطية تقاس بقدرة الشباب الفعلية على التأثير في السياسات والبرامج والقرارات التي تمس حياتهم ومجتمعاتهم. ومن هنا، فإن أي مسار لتحديث العمل السياسي يحتاج إلى مراجعة العلاقة بين المشاركة والسلطة، وبين الانتخاب والمسؤولية، وبين وجود الفئات المختلفة داخل المؤسسات وقدرتها على التأثير في اتجاهاتها.

وفي هذا السياق، تبرز مسألة الإدارة المحلية باعتبارها إحدى القضايا التي تتقاطع بصورة مباشرة مع مفهوم المشاركة السياسية والتنمية المحلية. فالمجالس المحلية المنتخبة لا يمكن أن تحقق الغاية من وجودها إذا بقيت محدودة الصلاحيات، أو إذا ظلت القرارات الأساسية المتعلقة بالتنمية والخدمات والإنفاق المحلي متركزة في المستوى المركزي. فالمجلس المنتخب يحتاج إلى صلاحيات حقيقية تمكنه من ترجمة الإرادة المحلية إلى سياسات ومشروعات تنموية، وإلا تحولت عملية الانتخاب إلى ممارسة شكلية لا تنتج بالضرورة مشاركة سياسية ذات أثر.

وتطرح هذه الرؤية ضرورة إعادة النظر في بنية الإدارة المحلية، بما يضمن انتقالًا حقيقيًا في الصلاحيات والمسؤوليات إلى المجالس البلدية المنتخبة، بحيث تصبح مجالس تنموية قادرة على تحديد الأولويات المحلية، والتخطيط للمشروعات، والتعامل مع احتياجات المجتمعات، ومساءلة الجهات التنفيذية عن مستوى الإنجاز. فالمقصود من اللامركزية ليس مجرد نقل بعض المهام الإدارية من المركز إلى الأطراف، وإنما بناء قدرة محلية على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية ومراقبة الأداء.

ومن هذه الزاوية، يظهر الجدل حول مجالس المحافظات والمجالس البلدية باعتباره جزءًا من نقاش أوسع حول شكل الدولة الإدارية وقدرة المجتمعات المحلية على إدارة شؤونها، وفي هذا الصد، المسألة تتعلق بالسؤال حول الجهة التي ينبغي أن تمتلك القرار التنموي المحلي، وحول مدى قدرة المؤسسات المنتخبة على ممارسة صلاحياتها بصورة فعلية. وإذا كانت هناك توجهات لإعادة تنظيم مجالس المحافظات، فإن جوهر الإصلاح ينبغي أن يتمثل في ضمان ألا يؤدي ذلك إلى إعادة تركيز الصلاحيات في المركز، بل إلى تعزيز قدرة المجالس البلدية على القيام بدورها التنموي والسياسي.

ويكتسب هذا النقاش أهمية إضافية لأن المشاركة المحلية يمكن أن تشكل مدرسة عملية للممارسة الديمقراطية. فالمواطن الذي يشارك في انتخاب مجلس محلي، ثم يرى أن المجلس يمتلك صلاحيات حقيقية ويستطيع التأثير في الخدمات والتنمية، يتعامل مع الديمقراطية باعتبارها ممارسة ملموسة مرتبطة بحياته اليومية، وليس مجرد مفهوم نظري أو مناسبة انتخابية دورية. وفي المقابل، فإن انتخاب مجالس لا تمتلك أدوات كافية للعمل قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين التوقعات والنتائج، ويضعف الثقة بجدوى المشاركة.

وبالتوازي مع الإدارة المحلية، تبرز قضية تمثيل الشباب والنساء داخل الأحزاب والمؤسسات السياسية بوصفها اختبارًا حقيقيًا لمفهوم المشاركة. فقد انتقل النقاش خلال السنوات الأخيرة من السؤال عن وجود النساء والشباب داخل المؤسسات إلى سؤال أكثر جوهرية: هل يشاركون في صناعة القرار؟... فالتمثيل العددي، على أهميته، لا يكفي وحده لإثبات تحقق المشاركة السياسية. فقد يكون الفرد حاضرًا في الاجتماعات والهيئات التنظيمية، لكنه لا يمتلك قدرة حقيقية على التأثير في المواقف أو السياسات أو القرارات.

ولهذا، فإن تحديث العمل الحزبي يتطلب الانتقال من مفهوم "الحضور" إلى مفهوم "التأثير". فالشباب والنساء لا ينبغي أن يُستدعوا إلى المشهد السياسي باعتبارهم مكونات ضرورية للصورة العامة، أو أرقامًا ترفع نسبة التمثيل، بقدر ما يجب اعتبارهم أصحاب رأي وكفاءة وقدرة على المشاركة في صياغة البرامج واتخاذ القرارات. وتصبح قيمة المشاركة أكبر عندما يشعر العضو أن صوته مسموع، وأن مساهمته يمكن أن تتحول إلى موقف أو سياسة أو قرار داخل المؤسسة.

وترتبط هذه المسألة بمفهوم العدالة السياسية، الذي لا يمكن فصله عن العدالة الاجتماعية والاقتصادية. فالمشاركة السياسية ليست امتيازًا يمنح لفئة دون أخرى، إذ يجب أن تكون فرص الوصول إلى مواقع المسؤولية السياسية مفتوحة أمام من يمتلك الكفاءة والقدرة والاستعداد للعمل العام. ولا تعني العدالة السياسية ضمان الوصول المتساوي إلى المواقع بمعزل عن الجدارة، وإنما إزالة الحواجز التي تحول دون مشاركة المواطنين، وإتاحة المجال أمامهم لإثبات قدراتهم من خلال العمل والانتخاب والمنافسة الديمقراطية.

ومن هنا، تكتسب الديمقراطية الداخلية للأحزاب أهمية مركزية. فالحزب الذي يرفع شعار الديمقراطية في المجال العام يحتاج إلى أن يمارسها داخل بنيته التنظيمية أيضًا. فالانتخابات الداخلية، وتداول المسؤوليات، وشفافية الاختيار، وتعدد الآراء، وآليات المساءلة، كلها ليست إجراءات تنظيمية ثانوية، وإنما مكونات أساسية لبناء ثقافة سياسية جديدة. وكلما أصبحت القيادة نتيجة لمسار انتخابي واضح، ارتبط الموقع السياسي بقدرة صاحبه على الحصول على ثقة الأعضاء وتحمل مسؤولية القرار أمامهم.

وتقدم التجارب الحزبية التي تعتمد الانتخابات الداخلية الواسعة نموذجًا يمكن من خلاله قياس مدى تحول الديمقراطية من شعار إلى ممارسة. كما أن المنافسة الداخلية يمكن أن تكون وسيلة لتطوير الكفاءات وإنتاج القيادات واختبار البرامج والأفكار. إلى جانب ذلك، تداول القيادة داخل الحزب يخلق فرصة لتجديد النخب السياسية، ويمنع تحول المواقع التنظيمية إلى مراكز ثابتة مغلقة أمام الأجيال الجديدة.

وفي هذا الإطار، يصبح صعود أشخاص من خلفيات اجتماعية وجغرافية مختلفة إلى مواقع قيادية داخل الأحزاب مؤشرًا على إمكانية توسيع المجال السياسي أمام شرائح لم تكن ترى نفسها سابقًا جزءًا من صناعة القرار. فالوصول إلى موقع قيادي ينبغي أن يرتبط بما يقدمه الفرد من عمل وجهد وأفكار وقدرة على الإقناع وكسب ثقة أعضاء المؤسسة، وليس بالضرورة بمكانته الاجتماعية أو خلفيته أو موقعه التقليدي. وهذه النقطة ترتبط مباشرة بفكرة بناء الأحزاب على أساس المواطنة السياسية، لا على أساس الامتيازات الاجتماعية السابقة.

ويفرض ذلك أيضًا إعادة النظر في العلاقة بين العضوية والمواطنة السياسية. فالعضو الحزبي يفترض أن يتحول إلى مواطن سياسي أكثر قدرة على فهم القضايا العامة، والمشاركة في النقاش، وصناعة الموقف، وممارسة الرقابة والمساءلة. وبذلك تصبح العضوية مرحلة أولى في مسار أوسع من التمكين السياسي، وليس غاية في حد ذاتها.

كما أن تمكين النساء والشباب يتحقق من خلال إدماجهم في مختلف مستويات القرار. فوجود المرأة في الحزب دون مشاركتها في صياغة المواقف المتعلقة بالاقتصاد والتعليم والعمل والأسرة والسياسات الاجتماعية، أو وجود الشباب دون منحهم فرصة المشاركة في رسم السياسات المتعلقة بالتعليم والتشغيل والابتكار والتحول الرقمي، يبقي المشاركة في إطارها الرمزي. أما التمكين الحقيقي فيبدأ عندما يصبح هؤلاء شركاء في تعريف المشكلات واقتراح الحلول والدفاع عنها داخل المؤسسة.

وتتطلب عملية الانتقال هذه تغييرًا في الثقافة السياسية نفسها؛ من القيادة التقليدية التي تستند إلى الاستمرارية الطويلة في الموقع، إلى تداول القيادة القائم على الانتخاب والكفاءة وتجديد الثقة. كما تتطلب الانتقال من الديمقراطية بوصفها شعارًا إلى الديمقراطية باعتبارها ممارسة يومية داخل المؤسسات. فالديمقراطية لا تبدأ يوم الاقتراع وتنتهي بإعلان النتائج، وإنما تستمر في طريقة إدارة الحزب، واتخاذ القرار، وتوزيع المسؤوليات، وإدارة الاختلاف، ومحاسبة القيادة.

وعليه، فإن تحديث المشاركة السياسية ينبغي أن يُفهم باعتباره عملية متكاملة تشمل مستويات متعددة: إدارة محلية تمتلك صلاحيات حقيقية، وأحزابًا تمارس الديمقراطية داخل مؤسساتها، وشبابًا ونساءً ينتقلون من مجرد الحضور إلى التأثير، وقيادات تتجدد من خلال الانتخاب، ومواطنين يتحولون من أعضاء أو ناخبين إلى فاعلين في الحياة السياسية. وهذه العناصر جميعها ترتبط بمبدأ أوسع هو إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة.

الغاية النهائية رفع قدرة المشاركة على إنتاج القرار العام. ولذلك، يمكن تلخيص التحول المطلوب في الانتقال من قياس الحضور إلى قياس التأثير، ومن العضوية إلى المواطنة السياسية، ومن التمثيل إلى التمكين، ومن القيادة التقليدية إلى تداول القيادة، ومن الديمقراطية كشعار إلى الديمقراطية كممارسة. وضمن هذا المسار، تصبح المشاركة السياسية وسيلة لإنتاج قيادات جديدة وسياسات أكثر اتصالًا بالمجتمع، لا مجرد آلية لإضفاء الشرعية الشكلية على مؤسسات قائمة.

الفصل الثالث: من الحضور الموسمي إلى العمل الحزبي المستدام

إذا كان الانتقال من الحضور إلى صناعة القرار يمثل أحد الشروط الأساسية لتحديث الحياة السياسية، فإن التحدي التالي يتمثل في جعل هذه المشاركة مستدامة ومرتبطة بالحياة اليومية للمواطنين، ولا سيما الشباب. فالحزب الذي لا يحضر في المجتمع إلا خلال المواسم الانتخابية، أو يستعيد حضوره عند اقتراب الاستحقاقات السياسية، يواجه صعوبة في بناء علاقة سياسية متينة مع الأجيال الجديدة. أما الحزب القادر على أن يكون حاضرًا بصورة مستمرة في النقاش العام، وفي الجامعات، وفي القضايا التي تشغل المواطنين، فيمتلك فرصة أكبر لتحويل المشاركة السياسية من حدث موسمي إلى ممارسة متواصلة.

ومن هنا تبرز مسألة "واقعية الأحزاب" باعتبارها مدخلًا أساسيًا لاستعادة اهتمام الشباب بالعمل السياسي. فالشباب الأردني لا يحتاج إلى خطابات تجميلية أو شعارات عامة حول المستقبل والتمكين، بقدر حاجته إلى أحزاب قادرة على الاستماع إليه وفهم أولوياته والتعامل مع طموحاته باعتبارها مادة أساسية لصياغة البرامج والسياسات. فالبرنامج الحزبي الذي يُكتب بمعزل عن المجتمع قد يكون متماسكًا من الناحية النظرية، لكنه يظل محدود القدرة على التأثير ما لم يلامس القضايا الفعلية التي يعيشها المواطن.

ولهذا، فإن بناء البرامج الحزبية ينبغي أن يبدأ من المجتمع، لا أن ينتهي إليه فقط. ويعني ذلك أن تجلس الأحزاب مع الشباب، وتستمع إلى آرائهم ومشكلاتهم وتطلعاتهم، ثم تحول هذه المدخلات إلى سياسات وبرامج وهياكل تنظيمية قادرة على التعامل معها. والشاب مصدر أساسي للمعرفة المتعلقة بقضايا جيله. وعندما يصبح الشباب جزءًا من عملية تشخيص المشكلات وصياغة الحلول، تتحول العلاقة بين الحزب والشباب من علاقة استقطاب انتخابي إلى شراكة سياسية حقيقية.

وتكتسب الجامعات في هذا السياق أهمية خاصة، باعتبارها إحدى البيئات الطبيعية لتكوين الوعي السياسي وإعداد الأجيال الجديدة للمشاركة العامة. فالجامعة مساحة للتفاعل الاجتماعي والنقاش وتشكيل الاتجاهات وإنتاج القيادات. ولذلك، فإن وجود الأحزاب في البيئة الجامعية، ضمن الأطر القانونية والتنظيمية المعتمدة، يمكن أن يشكل مجالًا لتطوير ثقافة المشاركة السياسية لدى الشباب، شريطة ألا يتحول النشاط الحزبي إلى مجرد دعاية انتخابية أو استقطاب موسمي.

وتشير التجارب التي طُرحت في النقاش إلى إمكانية بناء مقاربة أكثر منهجية للعمل الحزبي داخل الجامعات، من خلال التعاون بين المؤسسات الأكاديمية والأحزاب، وإنشاء أطر طلابية منظمة تتيح للشباب التعرف إلى البرامج الحزبية ومناقشتها والمشاركة في تطويرها. وبدل أن يقتصر حضور الأحزاب على الانتخابات الطلابية، يمكن بناء مسار مستمر تتفاعل من خلاله الكتل الطلابية مع القضايا التي يواجهها الطلبة، وتطرح الحلول، وتنظم النقاشات، وتدرب الشباب على مهارات العمل العام وصناعة المواقف.

وتكمن أهمية هذا النهج في أنه ينقل العمل الحزبي من فكرة "الحملة" إلى فكرة "المؤسسة". فالحزب الموسمي يظهر عندما تكون هناك انتخابات ثم يتراجع حضوره بعد انتهائها، بينما الحزب المستدام يبقى موجودًا بين الاستحقاقات، يتابع القضايا العامة، ويطور كوادره، ويقيم أداءه، ويتواصل مع المجتمع. والاستدامة هنا تعني امتلاك الحزب لآليات وبرامج ومؤسسات داخلية تجعل العمل السياسي جزءًا من الحياة اليومية للحزب.

ومن هذا المنطلق، فإن بناء الكتل الطلابية داخل الجامعات يمكن أن يمثل تجربة عملية في تحويل الشباب من متلقين للخطاب السياسي إلى ممارسين له. فالمشاركة في إطار طلابي منظم تتيح للشاب أن يتعلم كيفية إدارة الحوار، والتفاوض، وصياغة المطالب، والعمل الجماعي، والتعامل مع الاختلاف، وتحمل المسؤولية. وهذه المهارات لا تبقى محصورة في المجال الجامعي، وإنما يمكن أن تشكل قاعدة أولية لإعداد كوادر سياسية أكثر قدرة على الانخراط في الحياة العامة.

لكن نجاح هذه التجربة يتطلب أن تكون الكتل والأطر الطلابية مرتبطة بقضايا الطلبة الفعلية، لا مجرد واجهات حزبية. فكلما استطاعت هذه الأطر أن تتعامل مع قضايا التعليم، والخدمات الجامعية، والأنشطة، والفرص التدريبية، والمهارات، والتشغيل، وغيرها من المسائل التي تلامس حياة الطلبة، ازدادت قدرتها على بناء الثقة. ومن هنا، تصبح السياسة ممارسة يومية تبدأ من قضية صغيرة يعيشها الطالب، وتتطور تدريجيًا إلى فهم أوسع لكيفية صناعة السياسات العامة.

ويظهر في هذا السياق تحدٍ آخر يتعلق بحداثة التجارب الحزبية نفسها. فالأحزاب الجديدة أو التي تمر بمرحلة إعادة بناء تحتاج إلى وقت حتى تطور هياكلها ولجانها وبرامجها وقواعدها التنظيمية. ولا يمكن تجاهل أن بناء مؤسسة سياسية متماسكة عملية تراكمية تحتاج إلى مراجعة مستمرة، وإلى تطوير الهياكل الداخلية، وتوزيع المسؤوليات، وتأسيس لجان متخصصة، ومنها اللجان الشبابية التي ينبغي ألا تكون مجرد إطار شكلي، وإنما أداة لإنتاج السياسات والكوادر.

ومع ذلك، فإن الحديث عن حداثة التجربة لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتأجيل الإصلاح أو تأجيل المشاركة. فالحزب الذي لا يزال في مرحلة البناء يستطيع، في الوقت ذاته، أن يضع منذ البداية قواعد أكثر انفتاحًا على الشباب، وأن يجعل المشاركة جزءًا من بنيته التنظيمية، وأن يؤسس لجانه على أساس برامجي واضح. كما أن مرور سنوات على تأسيس الحزب لا يعني تلقائيًا اكتمال تجربته؛ فالمؤسسة السياسية تظل في حالة بناء مستمر ما دامت مطالبة بالتكيف مع المجتمع وتطوير أدواتها.

وهنا تظهر مفارقة أساسية في الخطاب السياسي المتعلق بالشباب. فمن جهة، يُحمّل الشباب باستمرار مسؤولية الأمل والمستقبل والنجاح والإصلاح السياسي والتغيير المجتمعي، ويُنظر إليهم بوصفهم الفئة الأكثر قدرة على حمل مشروع التحديث. ومن جهة أخرى، عندما يقترب النقاش من منحهم مساحة فعلية في مواقع التأثير، تظهر أحيانًا مقاومة تحول دون انتقالهم من موقع المتلقي إلى موقع الشريك. وتؤدي هذه المفارقة إلى خلق فجوة بين الخطاب والممارسة، وهي فجوة يمكن أن تؤثر في ثقة الشباب بالمؤسسات السياسية.

ولا تتعلق المشكلة هنا بفئة عمرية محددة بقدر ما تتعلق بثقافة سياسية تراكمت على مدى سنوات. فبقاء مواقع التأثير محكومة بأنماط تقليدية من القيادة، أو التعامل مع الشباب باعتبارهم واجهة انتخابية، يجعل الحديث عن التمكين أقل إقناعًا. أما إذا أصبح الشباب جزءًا من الهيئات التنظيمية واللجان المتخصصة، وشاركوا في صناعة البرامج والمواقف، وخاضوا تجارب انتخابية داخلية، وتحملوا المسؤولية عن ملفات حقيقية، فإن التمكين يتحول من خطاب إلى ممارسة.

ومن الضروري في هذا السياق عدم التعامل مع الشباب باعتبارهم كتلة واحدة متجانسة. فالشباب أنفسهم يختلفون في اهتماماتهم وخلفياتهم وأولوياتهم، ولذلك فإن الحزب الذي يريد الاقتراب منهم يحتاج إلى تطوير أدوات استماع وحوار تسمح له بفهم هذه التنوعات. وهذا يتطلب حضورًا ميدانيًا ورقميًا، ونقاشًا مستمرًا، وقياسًا دوريًا للاتجاهات والاحتياجات، بدل الاعتماد على التصورات المسبقة حول ما يريده الشباب.

كما أن بناء أحزاب قادرة على الاستمرار يقتضي أن تكون برامجها قابلة للتطوير. فالبرنامج الحزبي إطار سياسي ينبغي أن يخضع للمراجعة في ضوء المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وكلما امتلك الحزب آليات لتقييم برامجه والاستماع إلى قواعده ومراجعة مواقفه، أصبح أكثر قدرة على المحافظة على صلته بالمجتمع.

وبذلك، فإن تحديث الحياة الحزبية لا يتوقف عند منح الشباب مواقع داخل الأحزاب، فهو يبدأ من بناء علاقة مختلفة معهم، تقوم على الاستماع والمشاركة والمسؤولية. كما لا يتوقف على وجود الأحزاب داخل الجامعات، وإنما على طبيعة هذا الوجود وما ينتجه من معرفة وخبرة وقيادات. فالحضور الحزبي الحقيقي هو الذي يستمر بعد انتهاء الانتخابات، ويظهر في القضايا اليومية، ويتيح للشباب ممارسة السياسة قبل أن يصلوا إلى مواقع المسؤولية الرسمية.

وعليه، فإن التحدي أمام الأحزاب الأردنية يتمثل في الانتقال من الحضور الموسمي إلى الوجود المستدام، ومن استقطاب الشباب إلى إشراكهم، ومن مخاطبتهم إلى الاستماع إليهم، ومن تقديم البرامج لهم إلى صياغتها معهم، ومن التعامل معهم باعتبارهم جمهور المستقبل إلى اعتبارهم شركاء في الحاضر. فالحزب الذي يستطيع أن يجعل السياسة جزءًا من الحياة اليومية للشباب، وأن يمنحهم مساحة حقيقية للتجربة والتعلم والقيادة، لا يبني قاعدة انتخابية فحسب، وإنما يؤسس لثقافة سياسية جديدة أكثر اتصالًا بالمجتمع وأكثر قدرة على الاستمرار.

الفصل الرابع: إقصاء الشباب وأزمة إنتاج القيادات السياسية

تكشف تجربة الشباب مع المجال السياسي عن مفارقة تستحق التوقف عندها؛ فالمجتمع يتحدث بصورة متكررة عن الحاجة إلى التغيير، وعن أهمية حضور الشباب في الحياة العامة، وعن ضرورة تجديد النخب والقيادات، إلا أن الممارسة الفعلية لا تنسجم دائمًا مع هذا الخطاب. فالشاب الذي يبدي اهتمامًا بالشأن العام، أو يطور خطابًا سياسيًا مستقلًا، أو يطرح أسئلة نقدية تجاه الواقع، قد يجد نفسه في مواجهة آليات غير معلنة تحد من قدرته على الاستمرار والتقدم. وفي هذه الحالة، لا تكون المشكلة في غياب الرغبة لدى الشباب في المشاركة، بقدر ما تكون في طبيعة البيئة التي تستقبل هذه المشاركة وحدود قدرتها على استيعاب الاختلاف والمبادرة.

الواقع السياسي والاجتماعي يشير إلى أن الشاب عندما يبدأ في بناء حضور مستقل، أو التعبير بصوت مرتفع عن أفكاره، قد يصبح عرضة للتصنيف أو الاستثناء أو الإبعاد من بعض دوائر التأثير. وقد يأخذ ذلك أشكالًا متعددة؛ من عدم منحه الفرصة، إلى التعامل مع صوته باعتباره مصدر إزعاج، أو النظر إلى استقلاليته باعتبارها تهديدًا للمواقع القائمة. وتزداد هذه الإشكالية عندما ينتقل الشاب من النشاط العام إلى المجال الحزبي، أو عندما يحاول الاقتراب من مؤسسات الدولة أو الجامعات أو الأطر المجتمعية المختلفة، فيجد أن الطريق إلى التأثير ليس مفتوحًا بالقدر الذي توحي به الخطابات المتعلقة بتمكين الشباب.

تكمن خطورة هذه الممارسات في الرسالة التي تصل إلى الجيل بأكمله. فعندما يرى الشباب أن الشخص الذي يمتلك الجرأة على طرح الأسئلة أو تقديم خطاب مختلف يجري تهميشه، فإن ذلك قد يدفعهم إلى إعادة التفكير في جدوى المشاركة أصلًا. وهنا تتحول المشكلة من قضية فردية إلى تحدٍ مؤسسي يتعلق بقدرة النظام السياسي والحزبي والمجتمعي على إنتاج بيئة تسمح بتعدد الأصوات وتداول الأدوار.

ويزداد الأمر تعقيدًا عندما تنتقل هذه الثقافة إلى داخل الأطر الشبابية والحزبية ذاتها. فبدل أن يصبح الشباب أكثر قدرة على التعاون بحكم تقارب أعمارهم واهتماماتهم، قد تظهر بينهم أحيانًا انقسامات مبكرة مرتبطة بالانتماءات الحزبية أو الأيديولوجية أو العلاقات التنظيمية. وقد يصل الأمر إلى أن يصبح الانتماء إلى حزب أو تيار سببًا في بناء حواجز بين الشباب أنفسهم، بحيث يتردد بعضهم في الحوار مع آخرين لمجرد اختلافهم في المرجعية السياسية.

وهذا النوع من الانقسام يمثل عائقًا أمام بناء ثقافة سياسية ناضجة. فالاختلاف السياسي في الأصل عنصر طبيعي في الحياة الديمقراطية، لكن تحوله إلى قطيعة اجتماعية أو تنظيمية يحرم المجال العام من فرصة مهمة تتمثل في قدرة الأجيال الجديدة على التعلم من بعضها البعض. فالشاب الذي ينتمي إلى اتجاه سياسي معين يستطيع أن يتحاور مع شاب ينتمي إلى اتجاه مختلف دون أن يعني ذلك التخلي عن قناعته أو التنازل عن هويته السياسية. بل إن الديمقراطية تحتاج أصلًا إلى تحويل الاختلاف من مصدر للتباعد إلى مساحة للتفاوض والنقاش وإنتاج البدائل.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة مفهوم "العمل الشبابي" ذاته. فليس كل نشاط يحمل صفة شبابية قادرًا بالضرورة على إنتاج قيادات، كما أن جمع أعداد كبيرة من الشباب في الفعاليات أو البرامج لا يعني تلقائيًا أن عملية التمكين قد تحققت. فالتمكين الحقيقي يقاس بمدى قدرة الشاب على الانتقال من المشاركة في النشاط إلى تحمل المسؤولية، ومن حضور الاجتماعات إلى صياغة المواقف، ومن تنفيذ المهام إلى إدارة الملفات، ومن تلقي التدريب إلى استخدام المعرفة في صناعة القرار.

وتكشف التجربة العملية كذلك عن مشكلة مرتبطة بضعف قنوات التبادل بين الأجيال. فالشباب يحتاجون إلى خبرات من سبقوهم، كما أن المؤسسات السياسية تحتاج إلى الطاقات الجديدة. ولا ينبغي أن ينظر الجيل الجديد إلى الخبرات السابقة باعتبارها عائقًا يجب تجاوزه بالكامل، كما لا ينبغي للقيادات القائمة أن تنظر إلى الشباب باعتبارهم مجرد متدربين يحتاجون إلى سنوات طويلة قبل أن يصبح لهم حق المشاركة الفعلية. فعملية بناء القيادة السياسية بطبيعتها تراكمية، وتحتاج إلى انتقال للمعرفة والخبرة من جيل إلى آخر، بالتوازي مع منح الجيل الجديد مساحة حقيقية للتجربة والمبادرة.

ولهذا، فإن الاستماع إلى الشباب أن يصبح جزءًا من عملية صناعة القرار نفسها. فالشباب الذين يشاركون في النقاشات السياسية، ويخوضون تدريبات متخصصة، وينخرطون في العمل المجتمعي والحزبي، يراكمون معرفة وخبرة يمكن أن تتحول إلى قيمة حقيقية إذا أُتيح لهم استخدامها. أما إذا ظلت هذه الطاقات محصورة في التدريب والاستماع دون الانتقال إلى المسؤولية، فإن عملية التمكين تصبح شكلية، ويظل الشاب في موقع المتلقي مهما ارتفع مستوى تأهيله.

ومن أكثر القضايا حساسية في هذا السياق مسألة إنتاج القيادات السياسية. فالمشكلة ليست فقط في غياب الشباب عن بعض مواقع المسؤولية، وإنما في عدم وجود مسارات واضحة ومستدامة لإعداد قيادات جديدة. فالقيادة لا تُنتج بمجرد منح الألقاب أو المواقع، ولا من خلال استدعاء الأشخاص في اللحظة التي تحتاج فيها المؤسسات إلى وجوه جديدة، وإنما من خلال مسار طويل يبدأ بالتثقيف السياسي، ثم التدريب، ثم المشاركة في اللجان والبرامج، ثم تحمل المسؤوليات، وصولًا إلى المنافسة والانتخاب وصناعة القرار.

كما أن عملية اختيار القيادات تحتاج إلى تجاوز الاعتبارات التي تجعل القرب الشخصي أو العلاقات التنظيمية أهم من الكفاءة والإنجاز. فإذا كان الشاب يدرك أن العمل والقدرة والالتزام لا تكفي للوصول إلى موقع مؤثر، وأن المحدد الحقيقي هو شبكة العلاقات أو الموقع داخل مجموعة معينة، فإن الحافز على تطوير الذات والمشاركة يتراجع. أما عندما يشعر بأن الطريق مفتوح أمامه وفق قواعد واضحة، وأن بإمكانه أن يتقدم من خلال ما يقدمه، فإن المشاركة تتحول إلى استثمار طويل الأمد.

وفي المقابل، تقع على الشباب مسؤولية لا تقل أهمية. فالمطالبة بالتمكين لا تعني انتظار المواقع، كما أن انتقاد القيادات القائمة لا يكفي لبناء بديل. فإنتاج القيادة يحتاج إلى معرفة سياسية، ووعي بالقضايا العامة، وقدرة على الحوار، وانضباط تنظيمي، واستعداد لتحمل المسؤولية، والأهم القدرة على العمل مع المختلفين. فالقائد السياسي لا يُقاس فقط بقدرته على التعبير عن رأيه، وإنما بقدرته كذلك على بناء التوافقات وإدارة الاختلاف وتحويل الأفكار إلى برامج قابلة للتنفيذ.

وتتطلب عملية التحديث كذلك إعادة النظر في العلاقة بين العمل الحزبي والعمل الشبابي والمجتمع المدني. فلا ينبغي أن تعمل هذه المساحات باعتبارها جزرًا منفصلة، إذ يمكن أن تشكل دوائر متكاملة لإعداد المواطن السياسي. فالعمل المدني يوفر للشباب خبرة التعامل مع القضايا المجتمعية، والعمل الحزبي يمنحهم إطارًا لصياغة البرامج والمواقف، بينما توفر المؤسسات العامة المجال لاختبار هذه الخبرات في عملية صناعة السياسات. وكلما تكاملت هذه المسارات، أصبح الانتقال إلى مواقع القيادة أكثر طبيعية وأقل ارتباطًا بالصدفة أو العلاقات الشخصية.

إلى ذلك، بناء القيادات لا يعني البحث عن نسخة واحدة من القائد السياسي، وإنما خلق بيئة تسمح بتعدد الأنماط والخبرات. فالمجتمع يحتاج إلى قيادات تمتلك القدرة على العمل البرلماني، وأخرى متخصصة في الاقتصاد والسياسات العامة، وأخرى في الإدارة المحلية، وأخرى في العمل المجتمعي، وأخرى قادرة على التواصل مع الأجيال الجديدة والفضاء الرقمي. وهذا التنوع يجعل الأحزاب أكثر قدرة على الاستجابة لتعقيدات المجتمع، ويحول دون اختزال القيادة في نموذج واحد.

وفي المحصلة، التحدي الحقيقي يتمثل في منع إقصاء الشباب عندما يبدأون في إنتاج صوتهم الخاص، وفي بناء مسارات واضحة تجعل هذا الصوت قادرًا على التحول إلى دور ومسؤولية وقيادة. فالتحديث السياسي يفقد جزءًا كبيرًا من معناه إذا ظل الشباب واجهة للمشهد دون أن يصبحوا جزءًا من صناعة مضمونه.

ومن ثم، فإن بناء الحياة الحزبية الحديثة يحتاج إلى ثقافة جديدة تعترف بأن الاختلاف لا يعني الإقصاء، وأن الاستقلالية لا ينبغي أن تتحول إلى سبب للعقوبة السياسية، وأن التدريب يجب أن يقود إلى المسؤولية، وأن العضوية يجب أن تفتح الطريق أمام المشاركة، وأن المشاركة ينبغي أن تفضي إلى التمكين، وأن التمكين هو الطريق الطبيعي لإنتاج القيادات. فالمجتمع الذي يريد تجديد نخبه السياسية لا يستطيع أن يطالب الشباب بأن يكونوا قادة المستقبل، ثم يغلق أمامهم مساحات القيادة في الحاضر؛ وإنما يحتاج إلى أن يبني معهم، منذ اليوم، المسار الذي يجعل من طاقاتهم السياسية قوة مؤسسية قادرة على التجدد والاستمرار.

سأبني الفصل الخامس على الفكرة المركزية في المقطع: **مقاطعة الانتخابات الطلابية بوصفها مؤشرًا على أزمة أعمق في الثقة والتمثيل والاستجابة للمطالب**، مع ربطها بما سبق من نقاش حول المشاركة الشبابية، وعدم الاكتفاء بالحضور الشكلي. وسأحافظ على الطابع التحليلي المحايد للورقة دون تحويل مواقف المتحدث إلى حقائق مثبتة خارج سياق النقاش.

الفصل الخامس: بين المشاركة والمقاطعة... حين تتحول المؤسسات إلى اختبار للثقة السياسية

تكشف تجربة المشاركة السياسية لدى الشباب أن العلاقة بين الأجيال الجديدة والمؤسسات يمكن قياسها بما تتركه تلك المساحات من أثر فعلي في قناعة الشباب بجدوى المشاركة وقدرتهم على التأثير في القضايا التي تمسهم مباشرة. وفي هذا السياق، برزت مسألة مقاطعة الانتخابات الطلابية، وفق الطرح الوارد في النقاش، باعتبارها واحدة من الإشارات التي تستحق التوقف عندها، ليس من زاوية الحدث الانتخابي ذاته فحسب، وإنما لما يمكن أن تعكسه المقاطعة من تحولات في علاقة الشباب بالعملية السياسية ومؤسسات التمثيل.

وقد عُدّت المقاطعة، من أكثر التطورات إثارة للقلق خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما أن الموقف شمل أطرافًا من اتجاهات متعددة، بما فيها اليسار والإسلاميون والمحافظون والمستقلون. وإذا صحّ توصيف المشهد بهذه الصورة، فإن دلالته تكمن في انخفاض مستوى المشاركة في انتخابات طلابية، وفي اجتماع أطراف مختلفة حول موقف احتجاجي واحد؛ وهو ما يفتح باب التساؤل حول الأسباب التي دفعت هؤلاء الطلبة إلى العزوف، وما إذا كانت المؤسسات المعنية تعاملت مع المقاطعة بوصفها مشكلة انتخابية عابرة، أم باعتبارها رسالة سياسية ومجتمعية تستوجب الاستماع والتحليل والاستجابة.

وتكتسب هذه المسألة أهميتها من كون الجامعة تمثل، في التجربة السياسية لأي مجتمع، مساحة مبكرة لتكوين الوعي العام وتعلم الممارسة الديمقراطية واختبار آليات الاختيار والتمثيل والمساءلة. فالانتخابات الطلابية يمكن أن تشكل بيئة تدريبية يتعلم فيها الشباب معنى المنافسة والبرنامج والاختلاف وقبول النتائج والعمل الجماعي. ومن ثم، فإن تراجع المشاركة أو اللجوء إلى المقاطعة، عندما يحدث على نطاق واسع، يستدعي البحث في الأسباب الكامنة وراءه بدل الاكتفاء بالتعامل مع النتيجة الظاهرة.

ومن هذه الزاوية، يبرز مفهوم الاستجابة باعتباره عنصرًا جوهريًا في بناء الثقة السياسية. فالمشاركة لا تستقيم إذا شعر المشاركون أن أصواتهم تصل إلى المؤسسات لكنها لا تجد طريقًا إلى القرار، أو أن مطالبهم تُسمع في اللقاءات العامة دون أن تتحول إلى نقاش مؤسسي أو إجراءات عملية. وفي المقابل، لا يعني الاستماع إلى المطالب بالضرورة الموافقة عليها جميعًا؛ إذ إن المؤسسات قد تملك أسبابًا قانونية أو إدارية أو سياسية لعدم الأخذ ببعض المطالب. لكن الفارق يكمن في وجود آلية واضحة للحوار والتفسير والتغذية الراجعة، بحيث يدرك الشباب أن مشاركتهم لا تنتهي بمجرد الاستماع إليهم.

وهنا تتقاطع قضية الانتخابات الطلابية مع ما سبق طرحه حول الانتقال من الحضور إلى التأثير. فإذا كان الهدف من إشراك الشباب هو بناء جيل قادر على ممارسة السياسة بصورة مسؤولة، فإن المطلوب التعامل مع آرائهم باعتبارها جزءًا من عملية صناعة السياسات والقرارات التي تخصهم. فالترحيب بالشباب من الناحية البروتوكولية قد يحقق صورة إيجابية للحظة، لكنه لا يكفي وحده لبناء علاقة مستدامة معهم إذا لم يقترن بمسار مؤسسي واضح للتفاعل مع قضاياهم.

ويشير النقاش كذلك إلى مفارقة مهمة بين شكل المشاركة ومضمونها. فقد تستضيف المؤسسات الشباب، وتنظم اللقاءات معهم، وتفتح أبوابها أمام الوفود الطلابية ومؤسسات المجتمع المدني، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء اللقاء: ماذا حدث للمطالب التي طرحت؟ هل نوقشت داخل المؤسسة؟ هل جرى تحويل بعضها إلى مقترحات أو سياسات؟ هل تلقى الشباب تفسيرًا واضحًا بشأن ما أمكن الاستجابة له وما تعذر، ولماذا؟ إن هذه الأسئلة هي التي تحدد ما إذا كان الحوار ممارسة سياسية حقيقية أم مجرد نشاط اتصالي يهدف إلى تحسين الصورة العامة للمؤسسة.

ولا ينفصل ذلك عن طبيعة العمل السياسي نفسه؛ إذ إن جوهر السياسة يقوم على التفاعل مع المصالح والمطالب المختلفة، وإدارة الاختلاف، والتفاوض حول الأولويات، وبناء حلول قابلة للتطبيق. ولذلك، فإن رفض التعيين أو الاعتراض على بعض آليات التمثيل، يمكن النظر إليه ضمن مساحة أوسع من النقاش حول طبيعة المشاركة التي يريدها الشباب، وما إذا كانوا يرغبون في أدوار تقوم على التمثيل الحقيقي والاختيار والمنافسة، أم في أدوار محددة سلفًا لا تتيح لهم مساحة كافية للتأثير.

وفي هذا الإطار، تصبح المقاطعة نفسها شكلًا من أشكال التعبير السياسي، وإن كانت تعبيرًا سلبيًا عن المشاركة. فهي لا تعني بالضرورة سببًا واحدًا، ولا يمكن اختزال دوافعها في تفسير موحد؛ فقد ترتبط بالاعتراض على قواعد العملية الانتخابية، أو ضعف الثقة بالنتائج، أو عدم القناعة بجدوى المشاركة، أو تراكم تجارب سابقة، أو عوامل أخرى تختلف باختلاف السياق. ولذلك فإن التعامل الرصين مع المقاطعة يقتضي عدم افتراض دوافعها مسبقًا، وإنما الاستماع إلى المشاركين فيها وتحليل الأسباب التي يقدمونها، ثم مقارنة تلك الأسباب بالبيانات والمؤشرات المتاحة.

كما أن تعدد الاتجاهات السياسية والفكرية التي قد تشترك في موقف احتجاجي واحد يفرض على المؤسسات إعادة النظر في طريقة قراءة الظواهر الشبابية. فليس من الضروري أن يكون الشباب الذين يلتقون حول مطلب معين متفقين في رؤاهم السياسية أو الفكرية الأوسع. وقد تكون القضية المشتركة ذات طبيعة مؤسسية أو مطلبية أكثر منها أيديولوجية. وهذا يعني أن تصنيف الشباب وفق انتماءاتهم وحده قد يحجب القضايا المشتركة بينهم، ويجعل المؤسسات تتعامل مع كل فئة باعتبارها حالة منفصلة، بدل البحث عن المساحات التي تجمعها.

ومن هنا، تتصل قضية المشاركة الطلابية مباشرة بأزمة أوسع تتعلق بإنتاج القيادات السياسية. فالجامعة التي لا تمنح الشباب فرصة حقيقية لاختبار العمل العام، والانتخابات التي لا توفر لهم تجربة مقنعة في التنافس والتمثيل، والمؤسسات التي تستقبلهم دون أن تتيح لهم مسارات واضحة للتأثير، كلها عوامل قد تحد من تشكل الخبرة السياسية المبكرة. وبالمقابل، فإن توفير بيئة ديمقراطية قابلة للتجربة والخطأ والحوار يمكن أن يمنح الشباب خبرة عملية لا توفرها البرامج التدريبية النظرية وحدها.

وتتطلب هذه البيئة كذلك إعادة تعريف العلاقة بين المؤسسات والشباب. فالشباب ليسوا جمهورًا يُستدعى عندما تحتاج المؤسسة إلى إظهار الانفتاح، كما أن المؤسسات ليست مطالبة بالاستجابة التلقائية لكل مطلب شبابي. العلاقة الأكثر نضجًا تقوم على الحقوق والمسؤوليات معًا: للشباب حق التعبير والمشاركة والاعتراض السلمي، وعليهم في المقابل مسؤولية تنظيم مطالبهم، واحترام الأطر القانونية، وتقديم البدائل، والانخراط في الحوار العام بقدر من المعرفة والانضباط. أما المؤسسات، فعليها توفير القنوات التي تجعل هذه المشاركة ممكنة وذات معنى.

وبهذا المعنى، لا ينبغي النظر إلى مقاطعة الانتخابات الطلابية، باعتبارها نهاية لمسار المشاركة، وإنما باعتبارها مناسبة لفحص شروط المشاركة نفسها. فالمطلوب فهم ما الذي يجعلهم يرون في الصندوق أداة ذات قيمة، وما الذي يجعلهم يثقون بأن الاختيار سيقود إلى تمثيل حقيقي، وأن الممثل المنتخب سيمتلك مساحة فعلية للتعبير عن مصالحهم.

إن تحديث الحياة السياسية يبدأ من التفاصيل التي يختبر فيها المواطن، ولا سيما الشاب، معنى صوته. فاللقاء الرسمي، والصورة الجماعية، والاستقبال المؤسسي، والندوة الحوارية، كلها أدوات مفيدة، لكنها لا تصبح جزءًا من بناء الثقة إلا عندما تتصل بنتيجة أو متابعة أو تفسير واضح. ومن هنا، فإن الانتقال من الاحتفاء بالمشاركة إلى ضمان جدواها يمثل خطوة ضرورية في مسار تحديث العمل السياسي والحزبي.

وعليه، فإن بناء الحياة السياسية الحديثة يقتضي بناء سلسلة متكاملة من الثقة والمشاركة والاستجابة والمساءلة؛ تبدأ من الجامعة والمجتمع، وتمتد إلى الأحزاب ومؤسسات الدولة والمجتمع المدني. وعندما يصبح للشباب موقع حقيقي في النقاش وصناعة القرار، تتحول المشاركة من إجراء شكلي إلى ممارسة سياسية، ويتحول الاعتراض من قطيعة مع المؤسسات إلى فرصة لإصلاحها، ويصبح إنتاج القيادة السياسية نتيجة طبيعية لبيئة تسمح للشباب بأن يتعلموا، ويختلفوا، ويقترحوا، ويشاركوا، ويتحملوا المسؤولية.

خاتمة

تكشف المحاور التي تناولتها هذه الورقة أن تحديث الحياة الحزبية لا يمكن اختزاله في إنشاء أحزاب جديدة، أو إعادة تشكيل هياكل قائمة، أو رفع نسبة مشاركة الشباب والمرأة في الفعاليات والمواقع التنظيمية. فالتحديث، في جوهره، هو تحول في طريقة ممارسة السياسة؛ من العضوية إلى المواطنة السياسية، ومن الحضور إلى التأثير، ومن التمثيل إلى التمكين، ومن القيادة التقليدية إلى تجديد القيادة، ومن الخطاب الموسمي إلى العمل المؤسسي المستدام.

ويظهر من مجمل النقاش أن الشباب يمثلون إحدى أكثر حلقات هذا التحول حساسية. فهم ليسوا كتلة واحدة، ولا يمكن افتراض أن لديهم الموقف ذاته من الأحزاب أو السياسة أو العمل العام. كما لا يمكن تفسير ابتعاد بعضهم عن العمل الحزبي بعامل واحد. فالمسألة تتداخل فيها الثقة، وتجربة المؤسسات، وطبيعة الهياكل الحزبية، والفرص المتاحة، والقدرة على التأثير، إلى جانب استعداد الشباب أنفسهم للالتزام والعمل المنظم. ولذلك فإن أي مقاربة جادة للمشاركة الشبابية تحتاج إلى الاستماع إلى الشباب بدل الحديث نيابة عنهم، وإلى فهم أسباب المشاركة والعزوف معًا.

وفي المقابل، تتحمل الأحزاب مسؤولية أساسية في جعل المشاركة ذات معنى. ففتح أبواب العضوية لا يكفي إذا لم يترافق مع مسارات واضحة للتعلم والمشاركة وتحمل المسؤولية. وإنشاء لجان للشباب والمرأة لا يحقق الغاية منه إذا بقيت هذه اللجان منفصلة عن دوائر القرار الفعلي. وتنظيم الأنشطة والندوات لا يبني حزبًا مستدامًا إذا ظل حضوره مرتبطًا بالمواسم الانتخابية. أما الحزب البرامجي، فهو الذي يستطيع أن يمنح العضو دورًا يتجاوز الحضور إلى المساهمة في التفكير وصياغة المقترحات وتنفيذ البرامج وتقييم النتائج.

كما أن إنتاج القيادات السياسية لا يمكن أن يتم عبر القفز فوق المراحل. فالقيادة المستدامة تحتاج إلى مسار يبدأ بالتثقيف السياسي، ويمر بالتدريب والمشاركة في اللجان والعمل الميداني، ثم الانتقال إلى المسؤولية، وصولًا إلى مواقع القرار والقيادة. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن تتحول الخبرة السابقة إلى حاجز أمام الأجيال الجديدة، كما لا ينبغي أن يُنظر إلى الشباب باعتبارهم بديلًا تلقائيًا عن الأجيال السابقة. المطلوب هو بناء علاقة تكاملية بين الخبرة والتجديد، تسمح بنقل المعرفة من جيل إلى آخر، وتفتح في الوقت ذاته المجال أمام الكفاءات الجديدة.

وتكشف قضية المشاركة الطلابية كذلك أن الثقة السياسية تُبنى في التفاصيل. فالطالب الذي يشارك في انتخابات أو حوار أو نشاط عام، يختبر من خلالها مدى جدوى صوته. وإذا تحولت مطالبه إلى موضوع للنقاش والمتابعة، ازدادت إمكانية شعوره بأن المشاركة ذات معنى؛ وإذا بقيت مشاركته محصورة في الاستقبال والاحتفاء دون استجابة أو تفسير، فقد تنشأ فجوة بين الشكل والمضمون. ومن هنا، فإن معالجة العزوف لا تبدأ بالضغط من أجل العودة إلى المشاركة، وإنما بفهم أسباب العزوف وإعادة بناء الشروط التي تجعل المشاركة مقنعة وذات أثر.

وفي المستوى المحلي، تبرز أهمية ربط المشاركة بالصلاحيات والمسؤولية. فالمجالس المنتخبة لا يمكن أن تكون أدوات فاعلة للتنمية إذا لم تمتلك مساحة حقيقية للتخطيط واتخاذ القرار ومتابعة الأولويات المحلية. ولذلك فإن اللامركزية والمشاركة المحلية لا ينبغي أن تُقاس بعدد المجالس أو الاجتماعات، وإنما بمدى قدرة المواطن على رؤية الصلة بين مشاركته وبين القرارات التي تؤثر في حياته اليومية.

وفي النهاية، لا تنجح عملية تحديث الحياة الحزبية إذا بقي الشباب واجهة لها، ولا إذا تحولت الأحزاب إلى هياكل انتخابية موسمية، ولا إذا ظل الخطاب الديمقراطي منفصلًا عن الممارسة الداخلية. التحديث الحقيقي يحتاج إلى بيئة تسمح بالاختلاف دون إقصاء، وبالمشاركة دون تهميش، وبالنقد دون قطيعة، وبالتجديد دون إلغاء الخبرة. كما يحتاج إلى شباب يدركون أن العمل السياسي ليس طريقًا مختصرًا إلى المواقع، وإنما مسؤولية تتطلب المعرفة والعمل والانضباط والاستمرارية.

وعليه، فإن التحدي الأساسي أمام الحياة الحزبية يتمثل في إبقاء الشباب داخلها بوصفهم فاعلين قادرين على التأثير. كما أن التحدي أمام الشباب لا يقتصر على المطالبة بمواقع متقدمة، وإنما يتمثل في بناء الكفاءة والخبرة والسجل الذي يجعلهم قادرين على تحمل تلك المواقع.

ومن هنا يمكن اختزال المسار الذي تقترحه هذه الورقة في انتقالات متتابعة: من الحضور إلى المشاركة، ومن المشاركة إلى التأثير، ومن التأثير إلى المسؤولية، ومن المسؤولية إلى القيادة، وفي الاتجاه المقابل، تحتاج الأحزاب إلى الانتقال من الاستقطاب إلى البناء، ومن النشاط الموسمي إلى الاستدامة، ومن تمثيل الشباب إلى تمكينهم، ومن الحديث عن القيادة الجديدة إلى إنتاجها فعليًا.

إن مستقبل العمل الحزبي لا تحدده الشعارات وحدها، ولا عدد الأسماء الموجودة في القوائم التنظيمية، إذ تحدده قدرة المؤسسات على تحويل المشاركة إلى ممارسة، والممارسة إلى خبرة، والخبرة إلى قيادة، وقدرة الشباب على تحويل الفرصة المتاحة إلى التزام وعمل عام مستمر. وفي المسافة بين هذين المسارين تتشكل الملامح الفعلية لأي تحديث سياسي يراد له أن يكون مؤسسيًا ومستدامًا وقادرًا على بناء ثقة متبادلة بين المجتمع والأحزاب ومؤسسات الدولة.

صاردة عن مؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير

17/9/2026