>

ورقة موقف بعنوان: ما وراء القضبان وخفايا المخدرات... منطق العقوبة وحدود الردع وإعادة بناء المناعة الاجتماعية صادرة عن مؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير

 

 

 

 

 

 

 

 

ورقة موقف بعنوان:

ما وراء القضبان وخفايا المخدرات... منطق العقوبة وحدود الردع وإعادة بناء المناعة الاجتماعية

صادرة عن مؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير

 

المقدمة

لم تعد قضايا الجريمة والمخدرات والسجون قابلة للمعالجة ضمن حدود المقاربة الأمنية وحدها، بعدما كشفت التحولات الاجتماعية المتسارعة أن الظواهر الإجرامية لا تولد في فراغ، ولا تنتهي بالضرورة عند لحظة إلقاء القبض على مرتكبها أو إيداعه المؤسسة العقابية. فخلف كل واقعة جريمة شبكة أكثر تعقيدًا من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والثقافية، وخلف كل حالة إدمان سياقٌ يمكن أن يكون قد أسهم في إنتاجها أو تفاقمها، وخلف كل خروج من السجن أو مركز العلاج سؤالٌ أكثر حساسية يتعلق بقدرة المجتمع على استعادة الفرد وإعادة دمجه، أو دفعه بصورة غير مباشرة إلى الدوران مجددًا في الحلقة ذاتها.

ومن هذه الزاوية، تطرح قضية السجون نفسها باعتبارها جزءًا من منظومة أوسع تتجاوز وظيفة العقوبة إلى إدارة السلوك الإجرامي وإعادة تشكيل المسار الاجتماعي للفرد. فالعقوبة، مهما كانت ضرورتها في حماية المجتمع وصون سيادة القانون، لا تستطيع بمفردها أن تفسر أسباب الجريمة، ولا أن تمنع بالضرورة تكرارها، ولا أن تعالج البيئة الاجتماعية التي قد تكون ساهمت في نشوئها. ولذلك، فإن قياس فاعلية النظام العقابي لا ينبغي أن يتوقف عند أعداد الموقوفين أو المحكومين، فهو يمتد إلى سؤال أكثر جوهرية، ومرتبط بماذا يحدث للفرد بعد العقوبة؟... وهل يخرج أكثر قدرة على الاندماج، أم يعود إلى المجتمع محمّلًا بالوصمة والنبذ والظروف ذاتها التي دفعته سابقًا إلى الانحراف؟.

وتزداد هذه الأسئلة إلحاحًا في ملف المخدرات، الذي بات يتجاوز صورة المتعاطي الفرد إلى منظومة مترابطة تشمل الترويج والاتجار والاستغلال والتهريب، إلى جانب أنماط جديدة من المواد وأساليب الاستقطاب والتوزيع. وفي المقابل، فإن التعامل مع المدمن باعتباره مجرمًا فقط قد يحجب البعد الطبي والنفسي والاجتماعي للظاهرة، في حين أن التعامل معه باعتباره مريضًا فقط قد يغفل مسؤولية القانون في حماية المجتمع وملاحقة شبكات الاتجار والترويج. وبين هذين الحدين، تبرز الحاجة إلى مقاربة أكثر توازنًا تميز بين الجريمة بوصفها فعلًا يستوجب المساءلة، والإدمان بوصفه حالة تحتاج إلى العلاج، والاستغلال بوصفه جريمة تستوجب حماية ضحاياها وملاحقة مستغليهم.

ولا تنفصل هذه المعالجة عن مفهوم الضبط الاجتماعي؛ فالدولة ليست الطرف الوحيد الذي يمتلك أدوات الردع، كما أن المجتمع ليس مجرد متلقٍ للسياسات الأمنية. فالأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والمجتمع المحلي والعلاقات الاجتماعية وشبكات الثقة جميعها تشكل طبقات من الضبط والوقاية، تتقاطع مع التشريع والأجهزة الأمنية والقضائية. وحين ينفصل الضبط الرسمي عن الضبط المجتمعي، أو تتراجع فاعلية المؤسسات الاجتماعية، تتسع المساحات التي يمكن أن تنمو فيها الجريمة أو يعاد إنتاجها.

ومن هنا، تستند هذه الورقة إلى فرضية مركزية مفادها أن المواجهة المستدامة للجريمة والمخدرات لا يمكن أن تقوم على الردع وحده، كما لا يمكن أن تستغني عنه؛ فهي تتطلب إعادة ترتيب العلاقة بين العقوبة والوقاية والعلاج وإعادة الإدماج. فالمجتمع الأكثر قدرة على مواجهة الجريمة هو المجتمع الذي يمتلك منظومة أكثر قدرة على منع الجريمة قبل وقوعها، واكتشاف عوامل الخطر مبكرًا، وعلاج الإدمان، وحماية الفئات الهشة، وإعادة تأهيل المتعافين والمفرج عنهم، وتجفيف مصادر الترويج، ومنع المال غير المشروع من التحول إلى نفوذ اجتماعي.

وتحاول الورقة، في هذا الإطار، تفكيك عدد من الأسئلة المتشابكة: أين تقف حدود الردع؟... وما الذي يمكن أن يقدمه السجن في مواجهة ظواهر ذات جذور اجتماعية؟... وهل يكفي تشديد العقوبة عندما تكون البيئة المحيطة بالفرد قابلة لإعادة إنتاج السلوك ذاته؟... وكيف يمكن بناء منظومة إعادة تأهيل لا تنتهي بانتهاء العلاج أو مدة المحكومية؟... وما الدور الذي يمكن أن تؤديه مؤسسات المجتمع المدني في الرعاية اللاحقة؟... وكيف يمكن مواجهة استغلال الأطفال والنساء في عمليات الترويج؟... وما حدود الرقابة المطلوبة على الوصفات الطبية والمواد الدوائية القابلة لسوء الاستخدام؟... ثم، قبل ذلك كله، كيف يمكن إعادة بناء مناعة اجتماعية تجعل المخدرات أقل قدرة على اختراق المجتمع وتحويل هشاشته إلى سوق أو نفوذ؟.

وعليه، لا تنطلق هذه الورقة من ثنائية مبسطة تضع الدولة في مواجهة المجتمع، أو العقوبة في مواجهة العلاج، أو السجين في مواجهة الضحية؛ فهي تسعى إلى بناء قراءة تركيبية ترى أن الأمن والعدالة والصحة والتنمية والوعي المجتمعي حلقات متصلة في منظومة واحدة. فالجريمة قد تبدأ بفعل فردي، لكنها سرعان ما تكشف خللًا في محيط أوسع، والإدمان قد يبدأ اختيارًا أو تجربة، لكنه قد ينتهي إلى أزمة أسرية واقتصادية ونفسية، والسجن قد يؤدي وظيفته القانونية، لكنه لا يستطيع وحده أن يعيد بناء الإنسان الذي سيغادره.

ومن هذا المنطلق، تسعى الورقة إلى الانتقال من السؤال التقليدي: كم شخصًا ضبطنا؟... وكم عقوبة فرضنا؟... إلى سؤال أكثر عمقًا واستدامة: كم جريمة استطعنا منعها قبل وقوعها؟... وكم شخصًا استطعنا إنقاذه قبل أن يتحول إلى جاني؟... وكم متعافٍ استطعنا إعادته إلى المجتمع دون أن تدفعه الوصمة إلى الانتكاس؟... ففي الإجابة عن هذه الأسئلة تتحدد، إلى حد بعيد، قدرة أي سياسة وطنية على الانتقال من إدارة الظاهرة إلى معالجة جذورها.

الفصل الأول: مكافحة المخدرات بين الردع الأمني ومعالجة الجذور الاجتماعية والاقتصادية

تتجاوز قضية المخدرات في طبيعتها حدود كونها ملفًا أمنيًا أو ظاهرة جنائية ترتبط بأفعال التعاطي والترويج والاتجار، لتفرض نفسها باعتبارها تحديًا تتداخل في إنتاجه واستمراره عوامل أمنية واجتماعية واقتصادية وتوعوية.

ومن هذا المنطلق، فإن التعامل معها وفق مقاربة أحادية الجانب، مهما بلغت درجة صرامتها أو اتساع أدواتها، يظل عاجزًا عن الإحاطة الكاملة بجذور المشكلة وامتداداتها. فالمواجهة الأمنية تستهدف الجريمة بعد وقوعها أو أثناء تشكلها، في حين أن حماية المجتمع، ولا سيما فئة الشباب، تستدعي الذهاب أبعد من ذلك، نحو تفكيك البيئة التي يمكن أن تجعل بعض الأفراد أكثر قابلية للوقوع في دائرة الإدمان، أو أكثر عرضة للاستقطاب من جانب المروجين والمتاجرين.

وينطلق الطرح من الإقرار بأن الدولة، بمختلف أجهزتها ومؤسساتها، تخوض مواجهة مستمرة مع آفة المخدرات، وأن الجهد الرسمي في هذا المجال يمثل مكونًا أساسيًا لا غنى عنه في حماية المجتمع والحد من انتشار هذه الظاهرة. غير أن هذه المواجهة، وفق الرؤية المطروحة، لا يمكن أن تُحمّل للأجهزة الرسمية وحدها؛ ذلك أن المخدرات، حين تتحول إلى ظاهرة تمس فئات الشباب وتؤثر في البنية الاجتماعية، تصبح مسؤولية جماعية تتطلب إسنادًا مجتمعيًا متكاملًا. فنجاح الدولة في ملاحقة المروجين وضبط شبكات الاتجار لا يكتمل أثره ما لم يترافق مع وعي اجتماعي قادر على الوقاية، ومؤسسات مدنية فاعلة في التوعية، وسياسات اقتصادية واجتماعية تستهدف مسببات الهشاشة التي يمكن أن تدفع بعض الشباب إلى مسارات خطرة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى بناء استراتيجية موحدة تجمع بين الدولة والمجتمع المدني والجهات المتخصصة في مكافحة المخدرات، بحيث لا تبقى الجهود موزعة بين مبادرات منفصلة أو إجراءات متوازية تفتقر إلى إطار جامع. فالمواجهة الفعالة، بحسب هذا التصور، تحتاج إلى تنسيق بين المؤسسات المعنية، بما يسمح بتوزيع الأدوار وتكاملها، ويحول دون اختزال القضية في بعدها الأمني وحده. وفي هذا السياق، يبرز الدور الذي تضطلع به جمعيات مكافحة المخدرات من خلال برامج التوعية والمحاضرات والأنشطة الرامية إلى رفع مستوى الوعي بمخاطر المخدرات، وهي جهود تمثل، في جوهرها، خط الدفاع الوقائي الذي يسبق وقوع الجريمة أو الإدمان.

إلا أن التوعية، على أهميتها، تحتاج إلى أن تُدرج ضمن منظومة أوسع، لأن مخاطبة الشباب وتحذيرهم من المخدرات لا تكفي وحدها إذا بقيت بعض العوامل الاجتماعية والاقتصادية المحيطة بهم دون معالجة. ومن هنا تكتسب الاستراتيجية المتكاملة معناها الحقيقي؛ إذ تقوم على الجمع بين الوقاية، والتوعية، والردع، مع الانفتاح على الأسباب التي يمكن أن تتقاطع مع ظاهرة الإدمان والترويج. وبذلك تنتقل مكافحة المخدرات من نموذج الاستجابة للنتائج إلى نموذج أكثر شمولًا يسعى إلى تقليص فرص تشكل الظاهرة من الأساس.

وفي الجانب الجنائي، يبرز في الطرح تأكيد واضح على ضرورة تشديد العقوبات بحق المروجين والمتاجرين بالمخدرات، انطلاقًا من التمييز بين المتعاطي أو المدمن وبين من يحول المخدرات إلى نشاط تجاري يستهدف الآخرين ويعمل على توسيع دائرة انتشارها. فالمروج، وفق هذا التصور، يمارس فعلًا يستهدف المجتمع من خلال الوصول إلى الأشخاص الأكثر قابلية للتأثر، وفي مقدمتهم الشباب. ولذلك طُرحت الدعوة إلى تغليظ العقوبات على المروجين والمتاجرين، باعتبار الردع القانوني أحد الأدوات الضرورية في مواجهة من يسهمون بصورة مباشرة في توسيع سوق المخدرات واستقطاب مزيد من المتعاطين.

ويأخذ هذا البعد العقابي أهميته من طبيعة العلاقة بين العرض والطلب؛ فاستمرار وجود المروج والمتاجر يعني استمرار قدرة المخدرات على الوصول إلى الفئات المستهدفة، وهو ما يجعل تجفيف قنوات الترويج والاتجار جزءًا أساسيًا من استراتيجية المواجهة. ومن هذا المنظور، فإن التشدد تجاه المروجين يُطرح باعتباره رسالة ردع تستهدف الحلقة التي تستفيد من استغلال نقاط الضعف لدى بعض أفراد المجتمع، وتحديدًا الشباب، وتحويل هذه الهشاشة إلى فرصة لتوسيع النشاط المرتبط بالمخدرات.

غير أن المعالجة لا تتوقف عند حدود العقوبة؛ إذ يلفت الطرح إلى عامل آخر يرتبط بصورة مباشرة بالسياق الاجتماعي والاقتصادي، ويتمثل في البطالة. وتظهر البطالة هنا باعتبارها واحدة من القضايا التي ينبغي أن تحضر بوضوح داخل أي استراتيجية وطنية تستهدف الحد من المخدرات، ليس باعتبارها سببًا وحيدًا ومباشرًا للإدمان، وإنما باعتبار أن الحد منها يمكن أن يسهم في تقليص بعض البيئات الاجتماعية والاقتصادية التي تزيد من هشاشة الشباب. فالشاب الذي يواجه انسدادًا في فرص العمل والاستقرار قد يصبح أكثر حاجة إلى مسارات بديلة تمنحه الإحساس بالمشاركة، والإنتاج، والاستقرار، وهو ما يجعل السياسات الاقتصادية جزءًا من النقاش الأوسع حول الوقاية الاجتماعية.

وعلى هذا الأساس، يدعو الطرح إلى توسيع دائرة التعاون بين المؤسسات والجهات ذات الصلة بمعالجة البطالة، بما يشمل التعاون مع أمانة عمان، والبلديات، ووزارة العمل، والمجلس الاقتصادي، إلى جانب مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات العاملة في مجال مكافحة المخدرات. ولا تنبع أهمية هذا التعاون من كونه إجراءً منفصلًا عن ملف المخدرات، وإنما من ارتباطه بفكرة أوسع تقوم على أن حماية الشباب تحتاج إلى توفير بيئة اجتماعية واقتصادية أكثر قدرة على احتوائهم، وإيجاد فرص ومسارات تقلل من عوامل الفراغ والهشاشة التي يمكن أن تستغلها الظواهر السلبية.

ويؤسس هذا الطرح بالتالي لفكرة مفادها أن معالجة البطالة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها علاجًا منفردًا لمشكلة المخدرات، وإنما باعتبارها أحد مكونات الوقاية بعيدة المدى. فكلما أمكن الحد من البطالة وتوسيع فرص المشاركة الاقتصادية، أمكن، وفق المنطق المطروح، تقليص بعض العوامل التي قد تتقاطع مع الإدمان والترويج. وفي المقابل، فإن تجاهل البعد الاقتصادي والاكتفاء بالإجراءات الأمنية قد يؤدي إلى استمرار معالجة الأعراض من دون الاقتراب بالقدر الكافي من البيئات الاجتماعية التي يمكن أن تتغذى فيها الظاهرة.

ومن هنا تتبلور الحاجة إلى إعادة صياغة مفهوم مكافحة المخدرات ضمن إطار وطني متعدد المستويات، يجمع بين قوة القانون وفاعلية الأمن، وبين الوقاية والتوعية والمعالجة الاجتماعية والاقتصادية. فالأجهزة الأمنية تضطلع بدور أساسي في ملاحقة المروجين والمتاجرين، والقانون يوفر أداة الردع اللازمة، في حين يؤدي المجتمع المدني دورًا محوريًا في التوعية، وتتحمل المؤسسات الاقتصادية والتنموية مسؤولية المساهمة في معالجة البطالة وتوفير بيئة أكثر استقرارًا للشباب. ولا يستقيم أي من هذه المسارات بمعزل عن الآخر؛ لأن طبيعة الظاهرة نفسها تتجاوز حدود المؤسسة الواحدة وتفرض استجابة تتعدد فيها الأدوات وتتقاطع فيها المسؤوليات.

وبذلك، فإن القضية المطروحة تتمثل في كيفية بناء منظومة قادرة على الحد من قدرتها على التمدد أصلًا. وهذه المنظومة تبدأ بالردع الصارم تجاه المروج والمتاجر، وتمتد إلى برامج التوعية والوقاية، وتتسع لتشمل معالجة العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي يمكن أن تزيد من هشاشة الشباب. وفي المحصلة، يصبح الهدف الأوسع هو حماية الشباب باعتبارهم الفئة الأكثر أهمية في معادلة المستقبل، من خلال استراتيجية لا تكتفي بملاحقة الجريمة، وإنما تعمل بالتوازي على تقليص الظروف التي يمكن أن تساعدها على إعادة إنتاج نفسها.

وعليه، يطرح الفصل الأول معادلة متوازنة بين مسارين متكاملين:مسار أمني وقانوني يركز على الردع وملاحقة المروجين والمتاجرين وتشديد العقوبات بحقهم، ومسار وقائي واجتماعي واقتصادي يتجه إلى التوعية والتنسيق المؤسسي والحد من البطالة. وبين المسارين تتشكل المقاربة الأكثر شمولًا، التي تنظر إلى مكافحة المخدرات باعتبارها مسؤولية وطنية مشتركة، لا ملفًا أمنيًا منفصلًا عن بقية قضايا المجتمع. فكلما ازدادت قدرة المؤسسات على العمل ضمن استراتيجية موحدة، وتكاملت الأدوات الأمنية مع التوعوية والاجتماعية والاقتصادية، أصبحت المواجهة أكثر قدرة على الانتقال من احتواء الظاهرة إلى محاصرة أسباب تمددها، ومن معالجة نتائجها إلى تعزيز الوقاية منها.

الفصل الثاني: من المقاربة العقابية إلى منظومة الوقاية والتأهيل المجتمعي

تكشف قضية الإدمان على المخدرات عن مستوى أكثر تعقيدًا من مجرد التعامل مع فعل التعاطي باعتباره مخالفة أو جريمة تستوجب العقوبة؛ إذ إن الاستمرارية في استخدام المادة المخدرة، تكشف في كثير من الحالات عن انتقال الفرد من مرحلة التجربة أو الوقوع العرضي إلى حالة إدمان ممتدة، بما يجعل التعامل معه بحاجة إلى أدوات مختلفة عن تلك التي تُستخدم في مواجهة المروج أو المتاجر. فاستمرار الشخص في التعاطي لا يمكن قراءته بمعزل عن حالته النفسية والاجتماعية والبيئة المحيطة به، وهو ما يستدعي، إلى جانب أدوات الردع، مقاربة أكثر تخصصًا قادرة على فهم طبيعة الإدمان وطرق التعامل معه.

وتزداد أهمية هذه المقاربة إذا ما نُظر إلى المخدرات بوصفها ظاهرة تتجاوز الحدود المحلية. فقد جرى توصيفها في النقاش باعتبارها وباءً عالميًا، الأمر الذي يعني أن مواجهتها لا يمكن أن تظل محكومة بتصور محلي ضيق أو باستجابة واحدة مهما بلغت قوتها. وفي الحالة الأردنية، يعبّر الطرح عن قلق من أن تكون المواجهة غير قادرة، حتى الآن، على إحداث التراجع المطلوب في أعداد المتعرضين للمواد المخدرة، في ظل الإشارة إلى استمرار ازدياد التعرض لها وتطور أشكالها. ومن هنا تظهر الحاجة إلى مراجعة الأدوات المعتمدة في المكافحة، ليس بالضرورة من خلال التخلي عن المقاربة الأمنية، وإنما عبر توسيعها وإسنادها بمقاربات علمية ومجتمعية أكثر قدرة على التعامل مع التحولات التي طرأت على الظاهرة.

وفي هذا السياق، يبرز توصيف مهم للتحول في طبيعة الظاهرة، يتمثل في الانتقال من اعتبار الأردن مجرد "ممر" للمخدرات إلى الحديث عن تحوله إلى "مقر"، وما يرتبط بذلك من اتساع حضور المواد المخدرة في السوق المحلية. ويستند هذا الطرح إلى ملاحظة سرعة وصول بعض المواد الجديدة إلى الأردن، بحيث إن المادة التي يجري اكتشافها أو تداولها في الولايات المتحدة، بحسب الشهادة الواردة في المصدر، قد تظهر في الأردن خلال فترة زمنية قصيرة جدًا. وهذه الإشارة، بصرف النظر عن تقييم حجمها أو نطاقها، تعكس في سياق النقاش شعورًا بأن سوق المخدرات بات أكثر قدرة على مواكبة التطورات في صناعة المواد المخدرة وتداولها، الأمر الذي يفرض تطوير أدوات الرصد والتوعية والمواجهة بما يتلاءم مع هذا التحول.

ولا تقف المشكلة عند نوع المادة أو سرعة انتشارها، فهي تمتد إلى طبيعة المعرفة المتوافرة لدى المجتمع حول المخدرات وكيفية التعامل مع المدمن. وهنا يبرز مفهوم "المعرفة العامة" أو الوعي المجتمعي بوصفه أحد الأدوات الأساسية في المكافحة، إذ إن مواجهة الظاهرة لا تتطلب فقط معرفة مخاطر المخدرات بقدر ما تحتاج أيضًا إلى معرفة كيفية التعامل مع الشخص المدمن، وكيف يمكن للأسرة أن تتصرف عندما تكتشف أن أحد أبنائها دخل في دائرة التعاطي، وما الأدوات التي ينبغي اللجوء إليها للتعامل مع الحالة بصورة تحول دون تفاقمها.

ويشير النقاش إلى أن هذه المساحة ما تزال بحاجة إلى مزيد من الاهتمام؛ فالأهل، في لحظة اكتشاف الإدمان، قد يجدون أنفسهم أمام مشكلة معقدة دون امتلاك المعرفة الكافية بكيفية التعامل معها. ومن هنا، فإن إيصال المعلومة إلى الأسرة والشخص المدمن يحتاج إلى خطاب يشرح طبيعة المشكلة، ويقدم المعرفة اللازمة حول كيفية التعامل معها، ويضع المجتمع أمام مسؤولية المشاركة في الوقاية والتأهيل. فالمعرفة، في هذه الحالة، ليست عنصرًا ثانويًا، وإنما أداة من أدوات الحماية المبكرة.

وتتصل هذه النقطة مباشرة بطريقة التعامل مع المتعاطي بعد ضبطه، وهي من أكثر القضايا حساسية التي يطرحها الفصل. فإن وضع الشخص الذي تعاطى المخدرات في السجن إلى جانب مجرمين آخرين، من دون تمييز كافٍ بين طبيعة الحالات، قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فالشخص الذي جرب مادة مخدرة أو تعاطاها قد يدخل إلى بيئة عقابية، ثم يخرج منها وهو يمتلك معرفة أوسع بعالم المخدرات وشبكاتها وطرق الوصول إليها، نتيجة الاحتكاك بأشخاص متورطين بصورة أعمق في الجريمة أو الاتجار.

وتقوم الإشكالية هنا على فكرة أن العقوبة، إذا لم تقترن بالتمييز بين طبيعة الجريمة والحالة الاجتماعية والنفسية للفرد، يمكن أن تتحول من أداة للردع إلى مساحة لإعادة إنتاج المعرفة الإجرامية. فالخلط بين شخص ارتكب فعل تعاطٍ وبين شخص يمارس الترويج والاتجار، وفق هذا الطرح، قد يعني وضع حالات مختلفة جذريًا داخل البيئة نفسها، بما يفتح المجال أمام نقل الخبرات والعلاقات والطرق المرتبطة بسوق المخدرات. ومن ثم، فإن السؤال يتعلق بكيفية تصميم العقوبة بحيث لا تنتج آثارًا عكسية تزيد من احتمالات العودة إلى التعاطي أو الانخراط في أنشطة أكثر خطورة.

ومن هذه الزاوية، يصبح التمييز بين المتعاطي والمروج والمتاجر مسألة تتصل بالسياسة الوقائية بقدر اتصالها بالسياسة الجنائية. فالمتعاطي يحتاج، إلى جانب المساءلة القانونية التي يقررها النظام، إلى أدوات علاج وتأهيل وتوعية، بينما يمثل المروج والمتاجر حالة مختلفة من حيث طبيعة الفعل ودوره في نشر المخدرات وتوسيع سوقها. وعليه، فإن التعامل مع الفئات المختلفة وفق منطق واحد قد لا يكون كافيًا لتحقيق الهدف الأوسع المتمثل في الحد من انتشار الظاهرة.

ويعيد ذلك النقاش إلى أهمية المجتمع المحلي باعتباره قناة قادرة على إيصال الرسائل التي قد يصعب إيصالها من خلال الأدوات الأمنية وحدها. فالطرح يميز بين وظيفة رجل الأمن في ضبط الشخص وإنفاذ القانون، وبين وظيفة الجهة التي تمتلك أدوات العلاج والتثقيف والتواصل المجتمعي. وفي هذا السياق، لا ينتقص الأمر من الدور الأمني، الذي يُنظر إليه بوصفه ضروريًا وأساسيًا، وإنما يحدد مجالًا مختلفًا للأدوار؛ فالأداة الأمنية تضطلع بإنفاذ القانون، في حين تحتاج عملية تغيير السلوك وبناء الوعي إلى أدوات اجتماعية وتثقيفية أكثر قربًا من البيئة التي يعيش فيها الفرد.

ومن هنا تبرز أهمية إشراك المجتمع المحلي في التثقيف، باعتباره مساحة أكثر قدرة على بناء الثقة وإيصال الرسالة إلى الفئات المستهدفة والأسر. فالشخص الذي يعاني من الإدمان، بحسب الطرح، قد لا يتفاعل بالضرورة مع الرسالة التي تصله من جهة أمنية لأنه ينظر إليها، بحكم طبيعة العلاقة، باعتبارها جهة ضبط وملاحقة، بينما قد يكون أكثر استعدادًا للاستماع إلى جهة مجتمعية أو علاجية تقدم له المعرفة دون أن تكون وظيفتها الأساسية إنفاذ العقوبة.

ويمتد هذا التصور كذلك إلى وسائل الإعلام، التي يحمّلها الطرح مسؤولية أساسية في إعادة صياغة الخطاب المتعلق بالمخدرات. فالإعلام، من وجهة النظر المطروحة، لا ينبغي أن يكتفي بإثارة الخوف لدى الأسر والشباب من خلال خطاب شديد الصرامة والأمنية، رغم أهمية التحذير من خطورة المخدرات، ذلك أنه يحتاج إلى إنتاج محتوى علمي واضح يشرح المشكلة ويقدم المعرفة الضرورية حول الوقاية والتعامل مع المدمن. فالخوف وحده قد يدفع إلى الحذر، لكنه لا ينتج بالضرورة فهمًا كافيًا لطبيعة الإدمان أو الوسائل المناسبة للتعامل معه.

وبهذا المعنى، فإن الإعلام يمكن أن يتحول من مجرد ناقل للتحذيرات والضبطيات والأخبار المرتبطة بالمخدرات إلى أداة لبناء "المعرفة العامة" حول الظاهرة. ويتطلب ذلك خطابًا أكثر توازنًا، يجمع بين التحذير والشرح، وبين إبراز مخاطر المخدرات وتقديم المعلومات التي تحتاجها الأسرة والمجتمع. فالمطلوب جعل الرسالة أكثر قدرة على الوصول والفهم والتأثير.

وتتضاعف أهمية هذا المسار مع الإشارة الواردة في النقاش إلى تعقيد المواد المخدرة وتعدد مكوناتها، بما في ذلك المواد التي قد تكون مجهولة التركيب بالنسبة إلى المستخدم. ويعكس ذلك جانبًا آخر من المخاطر يتمثل في عدم معرفة المتعاطي بالتركيبة الفعلية للمادة التي يتناولها، خصوصًا عندما يجري التلاعب بها أو خلطها بمواد أخرى. وهذا يضيف إلى مشكلة الإدمان بُعدًا يتعلق بدرجة عدم اليقين المحيطة بالمادة نفسها، ويجعل التوعية بالمخاطر جزءًا ضروريًا من أي استراتيجية للوقاية.

في المحصلة، يطرح هذا الفصل انتقالًا ضروريًا من سؤال "كيف نعاقب؟" إلى سؤال أوسع هو: كيف نمنع إعادة إنتاج الإدمان والجريمة؟. فالمواجهة الأمنية تظل مكونًا رئيسيًا، لكنها تحتاج إلى منظومة موازية تقوم على المعرفة والتثقيف والتأهيل والتمييز بين الحالات وإشراك المجتمع المحلي والإعلام. كما أن التعامل مع المدمن باعتباره حالة تحتاج إلى فهم وعلاج وتأهيل، مع الحفاظ على متطلبات القانون، يمكن أن يفتح مسارًا أكثر قدرة على الحد من احتمالات عودته إلى التعاطي أو انتقاله إلى مستويات أكثر خطورة من الانخراط في عالم المخدرات.

وبذلك، فإن جوهر الإشكالية يكمن في قدرة المجتمع على تطوير استجابة تتناسب مع طبيعة الظاهرة المتغيرة. فكلما بقيت المواجهة محصورة في لغة الردع والخوف، ظلت مساحة مهمة من المشكلة خارج نطاق المعالجة؛ أما حين تتكامل أدوات الأمن والقانون مع المعرفة والعلاج والتوعية والإعلام والمجتمع المحلي، فإن المواجهة تصبح أكثر شمولًا وقدرة على التعامل مع الإنسان والبيئة والظاهرة في آن واحد. ومن هنا، تبدو الحاجة إلى بناء مقاربة وطنية تتعامل مع الإدمان بوصفه قضية متعددة المستويات، بحيث لا يكون السجن نهاية المسار، ولا التخويف بداية التوعية، وإنما تكون الوقاية والتأهيل والمعرفة جزءًا أصيلًا من منظومة مكافحة المخدرات.

الفصل الثالث: نحو مراجعة أدوات المكافحة وبناء سياسة قائمة على الدليل

إذا كانت الفصول السابقة قد انطلقت من الحاجة إلى النظر إلى المخدرات باعتبارها ظاهرة متعددة الأبعاد، فإن النقاش في هذا الفصل ينتقل بصورة أكثر مباشرة من توصيف المشكلة إلى البحث عن مخارج عملية قابلة للبناء عليها. فالمسألة، وفق الطرح المطروح، تحتاج إلى إعادة تقييم الأدوات المستخدمة في مواجهتها، وقياس مدى فاعليتها، ثم الانتقال إلى تطويرها على أساس علمي يستند إلى البيانات والدراسات والتجارب المقارنة، بدل الاستمرار في استخدام الأدوات ذاتها مع توقع نتائج مختلفة.

وتبدأ هذه المراجعة من نقطة أساسية تتمثل في الحاجة إلى دراسة وطنية شاملة تحدد حجم الظاهرة وملامحها بصورة دقيقة. فالنقاش يشير إلى أن الحديث عن أعداد المتعاطين وانتشار المواد المخدرة وتحليل اتجاهات الظاهرة ظل قائمًا لسنوات، في الوقت الذي لا تزال فيه الحاجة قائمة إلى دراسة وطنية شاملة يمكن أن تقدم صورة أكثر تكاملًا عن الواقع الأردني. وتكتسب هذه الدراسة أهميتها من كون السياسات العامة لا يمكن أن تُبنى على الانطباعات أو الأرقام المتفرقة أو التقديرات غير المتسقة، وإنما تحتاج إلى قاعدة معرفية واضحة تحدد طبيعة المشكلة وحجمها واتجاهاتها والفئات الأكثر تعرضًا لها.

ومن هنا، فإن أي دراسة وطنية مقبلة ينبغي، وفق الطرح، أن تقوم على مشاركة مختلف الجهات ذات العلاقة، بما يحول دون نشوء خلافات حول نتائجها أو التشكيك في مخرجاتها من أي طرف. فالقيمة الحقيقية للدراسة لا تكمن في إصدار تقرير جديد فحسب، وإنما في إنتاج مرجعية وطنية تحظى بالثقة، ويمكن أن تشكل أساسًا لاتخاذ القرار وصياغة السياسات وتقييم البرامج. ولذلك تبرز الدعوة إلى إعادة عقد مثل هذه الجلسات الحوارية بعد صدور الدراسة، بحيث ينتقل النقاش من التقديرات العامة إلى مناقشة نتائج تستند إلى بيانات مرتبطة بالواقع الأردني، بما يسمح بتحديد الأولويات وتوجيه الموارد والأدوات نحو مكامن المشكلة الفعلية.

وفي موازاة ذلك، يطرح النقاش قضية مركزية تتعلق بالتمييز بين المتعاطي وغيره من مرتكبي جرائم المخدرات. فالسؤال حول ما إذا كان المتعاطي "مجرمًا أم مريضًا" لا يُطرح هنا باعتباره جدلًا نظريًا، وإنما باعتباره مدخلًا لإعادة التفكير في طبيعة الاستجابة القانونية والعلاجية. فالطرح لا يدعو إلى إعفاء المتعاطي من المسؤولية عن فعله، إذ يفسر أن الشخص قد يكون قد ارتكب فعلًا أضر بنفسه وبأسرته ومجتمعه ودولته، ومع ذلك يظل، في الوقت نفسه، صاحب اضطراب يحتاج إلى تعامل علاجي وتأهيلي مختلف.

وهذا التمييز يصبح أكثر أهمية عند مقارنة حالة المتعاطي بجرائم أخرى ترتبط بالمخدرات، مثل الترويج، والاتجار، والزراعة، والتصنيع، والاستلام، والتسليم، وغيرها من الأفعال التي تسهم في بناء سوق المخدرات وتوسيعها. فلكل فعل طبيعته وأثره وموقعه داخل سلسلة انتشار المخدرات، وبالتالي فإن التعامل معها بمنظور واحد قد لا يحقق الغاية المطلوبة من الردع والعلاج في آن واحد. ومن هذا المنطلق، فإن كسر الحلقة المرتبطة بالمخدرات يمكن أن يبدأ من الحلقة التي تمثل الطلب، أي الشخص المتعاطي، من خلال علاجه وتأهيله، بالتوازي مع التعامل القانوني الصارم مع الأطراف التي توفر المادة وتروجها وتتاجر بها.

وفي هذا السياق، يبرز العلاج باعتباره أداة أساسية في المواجهة، وليس مسارًا هامشيًا يأتي بعد العقوبة. فحين يكون المتعاطي في حاجة إلى علاج، فإن إبقاءه ضمن دائرة العقوبة وحدها قد لا يؤدي بالضرورة إلى إنهاء حالة الإدمان، الأمر الذي يفرض البحث في مدى فاعلية النظام القائم وسبل تطويره. ومن هنا جاءت الإشارة إلى ضرورة مراجعة بروتوكولات العلاج، بما فيها بروتوكول إزالة السموم "الديتوكس"، وتطويرها على أساس طبي وعلمي يستجيب لطبيعة الحالات الموجودة في المجتمع الأردني.

ويتصل بذلك أيضًا موضوع العلاج الإلزامي، الذي يشير الطرح إلى وجود أساس قانوني له ضمن قانون الصحة العامة في الحالات التي يشكل فيها الشخص المدمن ضررًا على نفسه أو على الآخرين، مع التأكيد في الوقت ذاته على أن تفعيل النصوص القانونية وتحويلها إلى ممارسة أكثر وضوحًا يحتاج إلى دراسة وتطوير. وبذلك يصبح السؤال المطروح حول كيفية الجمع بين المسؤولية القانونية والحاجة العلاجية، بحيث لا تكون العقوبة غاية بذاتها، وإنما جزءًا من منظومة أوسع تستهدف وقف دورة الإدمان.

أما في الجانب العقابي، فيدعو الطرح إلى إعادة النظر في العقوبة المقررة للمتعاطي، خصوصًا في ضوء الإشارة إلى استمرار التكرار رغم العقوبة السالبة للحرية. فالسجن، بحسب هذه الرؤية، إذا كان لا يمنع الشخص من العودة إلى التعاطي، فإن جدواه الردعية في هذه الحالة تصبح موضع مراجعة. وتزداد أهمية هذا النقاش عندما يرتبط أيضًا بالضغط الذي يمكن أن ينتج عن التوسع في استخدام السجن، وما قد يترتب عليه من مشكلات تتعلق بالطاقة الاستيعابية للمؤسسات الإصلاحية.

ومن هنا يبرز خيار العقوبات البديلة باعتباره أحد الحلول التي تستحق الدراسة، من قبيل تقييد الحرية أو الخدمة المجتمعية أو غيرها من الأدوات التي تسمح بفرض تبعات قانونية على المتعاطي دون أن يكون السجن هو الخيار الوحيد، وبذلك، يشير الطرح إلى أن استبدال العقوبة لا يعني إلغاء العقوبة؛ فالهدف يتمثل في البحث عن صيغة أكثر فاعلية، تجمع بين الردع وإعادة التأهيل وتجنب الآثار الجانبية التي قد تنتج عن إيداع المتعاطي في بيئة سجنية قد تضعه في تماس مباشر مع أنماط إجرامية أكثر تعقيدًا.

وتستند الدعوة إلى هذه المراجعة، كذلك، إلى ملاحظة تتعلق بمعدلات التكرار بين المتعاطين الذين سبق أن عوقبوا بالسجن. وقد أُشير في النقاش إلى دراسة عربية خلصت، إلى أن نسبة مرتفعة جدًا من المتعاطين الذين تعرضوا للسجن عادوا إلى تكرار السلوك. وإذا صحت هذه النتيجة في سياق الدراسة المشار إليها، فإنها تطرح سؤالًا جوهريًا حول فاعلية الأداة العقابية المستخدمة ومدى قدرتها على تحقيق الغاية المنشودة. فالأداة التي لا تحقق نتائج كافية بعد سنوات من استخدامها تستدعي، منطقيًا، التقييم والمراجعة والبحث عن بدائل أكثر فاعلية.

وهنا تتقدم فكرة العمل القائم على الدليل العلمي بوصفها محورًا ناظمًا لإعادة بناء السياسة العامة المتعلقة بالمخدرات. فالمطلوب ليس اتخاذ القرارات استنادًا إلى الانطباعات أو ردود الفعل العاطفية أو المقاربة الأمنية وحدها، وإنما دراسة ما يثبت نجاحه وقياس أثر البرامج والسياسات بصورة مستمرة. وينطبق ذلك بصورة خاصة على الرسائل الوقائية؛ إذ إن التخويف، وفق الطرح، استُخدم لسنوات بوصفه أداة أساسية في التوعية، إلا أن الاستمرار في استخدام الخطاب نفسه يستدعي السؤال عن مدى قدرته على إحداث التغيير المطلوب.

فحين يرى الشاب شخصًا يستخدم المخدرات ويبدو، في حياته اليومية أو على منصات التواصل الاجتماعي، ناجحًا أو قادرًا على السفر وممارسة حياته بصورة طبيعية، فإن الرسالة التي تقوم بالكامل على التخويف من انهيار الحياة بسبب المخدرات قد تفقد جزءًا من قدرتها على الإقناع. وهذا يعني ضرورة جعل الخطاب الوقائي أكثر واقعية وأقرب إلى طبيعة الجمهور المستهدف، وأكثر اعتمادًا على المعرفة العلمية بدل المبالغة في التخويف.

وفي هذا الإطار، يطرح النقاش الاستفادة من تجارب دول قطعت شوطًا في مجال الوقاية وخفض بعض مؤشرات تعاطي المخدرات وتجاربها، من خلال برامج تستند إلى الدليل العلمي. ويُشار إلى تجارب مثل فنلندا وآيسلندا والبرتغال باعتبارها أمثلة يمكن دراستها، لا بهدف استنساخ نماذجها بصورة حرفية، وإنما لفهم الأدوات التي استخدمتها وآليات نجاحها وإمكان الاستفادة مما يتلاءم مع السياق الأردني. فالمقارنة الدولية، وفق هذا المنظور، تعني تحليل التجارب واختيار ما يتناسب مع خصوصية المجتمع والقانون والمؤسسات في الأردن.

ومن هنا تتضح أهمية إعادة توزيع الأدوار بين الجهات المعنية. فإدارة مكافحة المخدرات، وفق الطرح، لها دور أصيل في إنفاذ القانون والمواجهة الأمنية، بينما العلاج والتوعية المجتمعية لهما جهات ومؤسسات أخرى أكثر اختصاصًا. وبالتالي فإن تحميل جهة واحدة جميع الأدوار قد يؤدي إلى تشتيت المسؤوليات وإضعاف التخصص. والمطلوب هو أن تقوم كل مؤسسة بدورها ضمن منظومة متكاملة، بحيث تعمل الأجهزة الأمنية في مجالها، والمؤسسات الصحية في العلاج، والمجتمع المدني في التوعية والمشاركة المجتمعية، والجهات التشريعية في تطوير الأطر القانونية، والجهات البحثية في إنتاج المعرفة والبيانات.

وتتطلب هذه المنظومة، في نهايتها، تطويرًا تشريعيًا يستند إلى دراسات وأوراق موقف وتوصيات مبنية على الأدلة، بحيث تنتقل نتائج الحوار المجتمعي والخبرة الميدانية إلى اللجان القانونية والمؤسسات التشريعية، ومن ثم إلى مجلسي النواب والأعيان، بما يسمح بمراجعة النصوص التي تحتاج إلى تطوير. فالتشريع، في هذا السياق، ليس عنصرًا ثابتًا لا يتغير، وإنما أداة ينبغي أن تتطور كلما تغيرت طبيعة الظاهرة وتراكمت الأدلة حول فاعلية السياسات المعتمدة.

وفي المحصلة، فإن الرسالة الأساسية التي يحملها هذا الفصل تتمثل في ضرورة الخروج من دائرة الأدوات التقليدية إلى مساحة أوسع من التفكير في "الحلول خارج الصندوق"، باعتبار أن ذلك استجابة لواقع يفرض نفسه بقوة. فإذا كانت الجهود الأمنية الكبيرة لم تمنع استمرار التحدي، فإن الاستنتاج المنطقي لا يتمثل في التقليل من قيمة تلك الجهود، وإنما في مراجعة الأدوات التي تعمل إلى جانبها، وتطوير التشريعات، وتحديث العلاج، وإعادة تصميم العقوبات، وإشراك المجتمع، وبناء خطاب توعوي أكثر علمية وجاذبية.

وبذلك، تصبح مكافحة المخدرات مشروعًا متكاملًا لإدارة المخاطر الاجتماعية والصحية والأمنية، لا مجرد سياسة عقابية. فالمطلوب ردع من يروج ويتاجر ويصنع ويوزع، وفي الوقت ذاته تطوير مسار مختلف للتعامل مع المتعاطي والمدمن، يقوم على العلاج والتأهيل والمسؤولية القانونية والعقوبات الأكثر فاعلية. وبين هذين المسارين، تظل الدراسة الوطنية الشاملة هي نقطة الانطلاق الضرورية، لأنها تمنح صانع القرار المعرفة التي يحتاجها، وتسمح بتقييم السياسات على أساس نتائج قابلة للقياس، وتفتح الباب أمام تطوير تشريعي ومؤسسي لا تحكمه الرغبة في الدفاع عن الأدوات القائمة، وإنما البحث عن الأدوات الأكثر نجاحًا.

إن جوهر المقاربة المقترحة، في نهاية المطاف، يقوم على قاعدة بسيطة لكنها حاسمة، فإذا كانت النتائج لا تتغير، فلا بد من مراجعة الأدوات. وهذا يعني أن السياسات العامة الناجحة هي التي تمتلك القدرة على مراجعة نفسها وتطوير أدواتها كلما أثبت الواقع الحاجة إلى ذلك. وفي قضية شديدة التعقيد كقضية المخدرات، فإن الاستمرار في تطوير المعرفة والتشريع والعلاج والوقاية والتوعية، وربط كل ذلك بالدليل العلمي والخصوصية الأردنية، يمثل الطريق الأكثر اتزانًا نحو بناء استجابة أكثر فاعلية واستدامة.

 

 

الفصل الرابع: إعادة بناء العقد الاجتماعي ومدخل الضبط المجتمعي

 

تكشف مقاربة ظاهرة الجريمة في المجتمع الأردني عن ضرورة تجاوز التفسير الأحادي الذي يختزلها في سلوك الفرد الجاني أو في طبيعة العقوبة المقررة بحقه؛ فالجريمة، بوصفها واحدة من أكثر الظواهر الاجتماعية تعقيدًا، لا تنشأ في فراغ، ولا يمكن فهم دوافعها بمعزل عن البيئة التي يتشكل داخلها السلوك الفردي. ومن هذه الزاوية، يصبح من الضروري النظر إلى الجريمة باعتبارها نتاجًا لتفاعل متشابك بين الفرد والأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والمجتمع والدولة، بما يجعل مسؤولية مواجهتها موزعة على منظومة اجتماعية متكاملة، لا محصورة في الجهاز الرسمي وحده.

وفي هذا السياق، تبرز فرضية أساسية مفادها أن الفرد قد يرتكب المخالفة أو الجريمة الأولى بفعل دوافع وظروف شخصية أو اقتصادية أو اجتماعية، غير أن البيئة المحيطة قد تسهم، في بعض الحالات، في دفعه نحو تكرار السلوك الإجرامي. وهنا تنتقل المسألة من حدود الفعل الأول إلى طبيعة الاستجابة الاجتماعية له؛ إذ إن طريقة تعامل المجتمع مع الفرد، وصورة الوصم التي تلحق به، ومستوى اندماجه أو عزله، ومدى قدرته على استعادة موقعه الطبيعي داخل محيطه، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في مساره اللاحق. وعليه، فإن معالجة الجريمة تستوجب دراسة الظروف التي تنتج السلوك، وكذلك الظروف التي قد تحول حادثة فردية إلى مسار متكرر.

ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة قراءة مفهوم الضبط الاجتماعي بوصفه أحد المداخل الأساسية لفهم قدرة المجتمع على الحد من السلوك المنحرف. فالضبط يتوزع بين أنماط رسمية وأخرى غير رسمية، وبين ردع عام يستهدف حماية المجتمع ومنع انتشار السلوك الإجرامي، وردع خاص يرتبط بمنع الفرد نفسه من العودة إلى ارتكاب الجريمة. وتكمن أهمية هذا التمييز في أنه ينقل النقاش من سؤال العقوبة وحده إلى سؤال أكثر اتساعًا: منظومة الضبط بكاملها، ومن يملك أدواتها، وكيف تتكامل أدوارها؟.

فالردع الرسمي، مهما بلغت فاعليته، لا يستطيع أن يحل محل البنية الاجتماعية التي تسبق الجريمة وتحيط بها وتتعامل مع آثارها. وفي المقابل، يمتلك الضبط غير الرسمي أدوات شديدة التأثير، تتمثل في الأسرة والعلاقات الاجتماعية وشبكات الثقة والتكافل، إضافة إلى الأدوار التي يمكن أن تؤديها المؤسسات المحلية والوجهاء والمخاتير والبنى العشائرية، ضمن إطار يحترم سيادة القانون ولا يستبدل المؤسسات الرسمية بها. وتكشف هذه المعادلة أن مواجهة الجريمة لا ينبغي أن تقوم على المفاضلة بين الدولة والمجتمع، وإنما على **تكامل وظيفي بين الضبط الرسمي والضبط المجتمعي.

وتزداد أهمية هذا الطرح عند النظر إلى مفهوم الفوضى الاجتماعية؛ إذ إن الجريمة قد تكون إحدى النتائج الظاهرة لاضطراب أوسع في منظومة القيم والعلاقات والأدوار الاجتماعية. فحين تضعف المرجعيات الضابطة، وتتراجع قدرة الأسرة على أداء وظائفها، وتتراجع المدرسة عن دورها التربوي، وتنفصل بعض الممارسات الاجتماعية عن منظومة القيم التي كانت تضبطها، يصبح المجتمع أكثر عرضة لإنتاج أنماط من السلوك يصعب احتواؤها بالوسائل العقابية وحدها.

ومن هنا، فإن القول بوجود ضعف في الوعي المجتمعي لا ينبغي أن يُفهم باعتباره حكمًا قيميًا على المجتمع الأردني، وإنما بوصفه إشارة إلى الحاجة لتعزيز الوعي بآليات معالجة المشكلات الاجتماعية. فالمشكلة قد تتشكل في مراحل سابقة، حين يتعامل المجتمع مع الظواهر الاجتماعية بمنطق الانفعال أو التبرير أو التقليد أو نقل الأفكار والسلوكيات من المحيط الاجتماعي دون إدراك كافٍ لعواقبها.

ويبرز في هذا السياق مفهوم الوصم الاجتماعي باعتباره أحد الجوانب التي تستحق دراسة أكثر عمقًا. فالطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى الفرد الذي ارتكب جريمة أو انحرف عن القواعد السائدة قد تؤثر في فرص إعادة دمجه، وفي قدرته على استعادة حياته الطبيعية بعد تنفيذ العقوبة. وعندما يتحول الخطأ من فعل محدد إلى هوية اجتماعية ملازمة للفرد، يصبح خطر إعادة إنتاج السلوك المنحرف قائمًا؛ إذ قد يجد الشخص نفسه محاصرًا بصورة اجتماعية يصعب التخلص منها، الأمر الذي يضعف احتمالات اندماجه ويعزز احتمالات عودته إلى البيئة التي دفعته أصلًا نحو الانحراف.

ولا تقف المسألة عند حدود الجريمة التقليدية؛ إذ إن التحولات التي طرأت على المجتمع الأردني خلال السنوات الأخيرة، بفعل الحداثة المتسارعة والتحولات الثقافية والتكنولوجية وتبدل أنماط التواصل، تفرض إعادة النظر فيالبناء الاجتماعي نفسه. فالمجتمع الذي تتغير أنماط علاقاته وقيمه ووسائل تأثيره يحتاج، بالتوازي، إلى تطوير أدواته في استيعاب هذه التحولات، حتى لا تتحول الحداثة من عملية تطور اجتماعي إلى قوة منفصلة عن السياق القيمي والثقافي للمجتمع.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة بناء ما يمكن تسميته العقد الاجتماعي والمواطني الأردني بما ينسجم مع الأسس القيمية للمجتمع، وفي الوقت ذاته يستوعب التحولات الجديدة التي فرضتها التكنولوجيا وتغير أنماط الحياة. فالمطلوب هو بناء قدرة اجتماعية على التعامل معها بوعي، بحيث لا تصبح الأدوات الحديثة هي التي تعيد تشكيل المجتمع بصورة تلقائية، وإنما يمتلك المجتمع القدرة على توجيه استخدامها ضمن منظومة واضحة من المسؤولية والقيم والحقوق والواجبات.

ويظهر أثر هذا الخلل أحيانًا في تفاصيل الحياة اليومية التي قد تبدو للوهلة الأولى هامشية، لكنها تكشف تحولات أعمق في العلاقات الاجتماعية. فضعف احترام بعض قواعد التقدير المتبادل، أو تراجع مكانة كبار السن في بعض السياقات الاجتماعية، أو تغير طبيعة العلاقات داخل المضافات والأحياء والمجتمعات المحلية، كلها مؤشرات يمكن قراءتها ضمن التحولات الأوسع التي أصابت البناء الاجتماعي. ولا تكمن أهمية هذه الأمثلة في ذاتها، وإنما في كونها تكشف عن إعادة تشكيل تدريجية لمعايير السلوك الاجتماعي، وهو ما يستدعي دراسة هذه التحولات بدل الاكتفاء بملاحظة نتائجها النهائية.

وفي هذا الإطار، يصبح الحديث عن "سوسيولوجيا المجتمع" متصلًا بصورة مباشرة بمفهوم أوسع يتعلق بكيفية تشكل الوعي والسلوك داخل البيئة الاجتماعية. فالفرد يتأثر بما يراه ويسمعه ويعايشه، وبالرسائل التي يتلقاها من الأسرة والأصدقاء والجيران والمؤسسات المختلفة. ومن ثم، فإن الوقاية من الجريمة تبدأ جزئيًا من القدرة على بناء بيئة اجتماعية تنتج السلوك المسؤول، لا من انتظار السلوك المنحرف ثم التعامل معه بالعقوبة.

وهنا يعود الجدل إلى مسألة جوهرية تتعلق بمنظومة الضبط، فهل تقع مسؤولية الضبط على الدولة وحدها أم على المجتمع أيضًا؟، ويبدو أن الإجابة الأكثر واقعية تكمن في بناء منظومة تكاملية تجمع بينهما. فالدولة تمتلك التشريع، والتنفيذ، والمؤسسات، والأدوات القانونية، بينما يمتلك المجتمع أدوات التأثير الاجتماعي والوقاية المبكرة وإعادة الإدماج والتماسك المحلي. وإذا انفصل أحد المسارين عن الآخر، فقد تفقد منظومة الضبط جزءًا مهمًا من فاعليتها.

وبناءً على ذلك، فإن تقليص أعداد الجرائم والموقوفين والمحكومين يتطلب معالجة البيئة الاجتماعية التي تنتج بعض أسباب الجريمة وتعيد أحيانًا إنتاجها. فالسياسة العقابية تستطيع التعامل مع الفعل بعد وقوعه، لكنها لا تستطيع بمفردها معالجة جميع الظروف التي سبقته أو تلك التي قد تدفع إلى تكراره.

وعليه، فإن المقاربة الأكثر استدامة تقتضي الانتقال من منطق العقوبة إلى منطق الوقاية، ومن التعامل مع الجاني بوصفه حالة فردية إلى فهمه داخل سياقه الاجتماعي، ومن النظر إلى الضبط باعتباره وظيفة حكومية إلى اعتباره مسؤولية مشتركة. ويستدعي ذلك تطوير الدراسات الاجتماعية المتخصصة، والاستناد إلى المقارنات العلمية والتجارب الدولية، وإعادة تقييم أدوات الضبط الرسمية وغير الرسمية، إلى جانب تعزيز برامج إعادة الإدماج والوقاية المجتمعية.

إن جوهر الإشكالية، في نهاية المطاف، يكمن في قدرة المجتمع والدولة معًا على بناء منظومة تجعل الجريمة أقل قابلية للتشكل والانتشار والتكرار. فكلما ازدادت قدرة الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والمجتمع المحلي والدولة على العمل ضمن نسق متكامل، تراجعت المساحات التي يمكن أن تنمو فيها الفوضى الاجتماعية، وأصبح التعامل مع الجريمة جزءًا من سياسة اجتماعية وقائية شاملة، لا مجرد استجابة لاحقة لفعل وقع بالفعل.

وبذلك، فإن إعادة بناء العقد الاجتماعي تبدو مدخلًا ضروريًا لإعادة ترتيب العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة، وترميم منظومة القيم والضوابط التي تضمن التوازن بين الحقوق والواجبات، وتؤسس لبيئة أكثر قدرة على احتواء التحولات الاجتماعية بدل أن تتركها تعيد تشكيل المجتمع بصورة غير منظمة.

وصل الفصل الخامس، وهو مهم جدًا لأنه ينقل الورقة من **تشخيص الخلل الاجتماعي والضبط المجتمعي** إلى مستوى أكثر عملية، عبر ثلاث قضايا مترابطة: **إعادة التأهيل، والسياق الاجتماعي بعد العلاج أو التوقيف، ثم التحولات الخطرة في أنماط تجارة المخدرات واستغلال الفئات الأضعف**.

الفصل الخامس: ما بعد العلاج.. إعادة التأهيل بوصفها إعادة بناء للسياق الاجتماعي

لا تكتمل أي مقاربة جادة لظاهرة الإدمان والجريمة بمجرد الوصول إلى مرحلة العلاج أو إنفاذ العقوبة؛ فالمعضلة الأكثر تعقيدًا تبدأ، في كثير من الأحيان، عند اللحظة التي يغادر فيها الفرد مركز العلاج أو يطوي صفحة التوقيف، ليعود إلى البيئة ذاتها التي ربما أسهمت في تشكيل سلوكه السابق. ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يتصدر سياسات التعامل مع الإدمان لا يقتصر على كيفية إخراج الشخص من دائرة التعاطي، وإنما يمتد إلى سؤال أكثر عمقًا: إلى أي مجتمع سيعود؟... وبأي شروط سيستعيد حياته؟... وهل يجد أمامه بيئة تساعده على التعافي أم سياقًا يعيد إنتاج أسباب الانتكاس؟.

وتشير هذه المقاربة إلى أن إعادة التأهيل لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها سلسلة من الجلسات النفسية أو الطبية تنتهي بانتهاء مدة العلاج، وإنما باعتبارها عملية اجتماعية ممتدة لإعادة بناء علاقة الفرد بذاته وبأسرته ومجتمعه وعمله ومحيطه اليومي، فالمتعافي الذي يغادر المركز دون شبكة دعم اجتماعي حقيقية، ودون فرصة عمل أو مسار واضح لاستعادة الاستقرار، ودون معالجة للوصمة التي قد تلاحقه، يظل عرضة للعودة إلى الظروف التي ارتبطت سابقًا بسلوكه الإدماني.

وفي هذا السياق، تكتسب برامج الرعاية اللاحقة أهمية استثنائية؛ لأنها تنقل التدخل من داخل المؤسسة العلاجية إلى البيئة الواقعية التي يعيش فيها المتعافي. وتشمل هذه الرعاية المتابعة النفسية والاجتماعية، والزيارات المنزلية، والتوعية داخل الأسرة والمجتمع، وتوفير قنوات اتصال مستمرة مع المتعافي، بما يسمح بالتدخل المبكر عند ظهور مؤشرات التعثر أو الانتكاس. كما أن إشراك المتعافين أنفسهم في مساعدة آخرين على طلب العلاج يمكن أن يمثل أداة فعالة في إعادة تعريف أدوارهم الاجتماعية، وتحويل التجربة الشخصية من مصدر للوصمة إلى مصدر للخبرة والمساندة.

وتكشف هذه المقاربة عن تحول مهم في فلسفة العلاج؛ فالمتعافي لا ينبغي أن يبقى أسيرًا لصورة "المدمن" التي التصقت به في مرحلة سابقة، وإنما ينبغي مساعدته على استعادة موقعه بوصفه فردًا قادرًا على الإنتاج والمشاركة والاندماج. وكلما اتسعت مساحة المسؤولية الاجتماعية أمامه، أصبح التعافي مشروعًا للحياة لا مجرد انقطاع مؤقت عن التعاطي.

ومن هنا، تبدو العلاقة بين الوصم الاجتماعي والانتكاس جديرة بقدر أكبر من الاهتمام في السياسات العامة. فحين يفقد المتعافي عمله، أو تتخلى عنه أسرته، أو يصبح موضع شك دائم في محيطه، فإن المجتمع قد يسهم، من حيث لا يقصد، في إضعاف النتائج التي حققها العلاج. والأسوأ من ذلك أن استمرار التعامل معه باعتباره "مدمنًا سابقًا" قد يحاصره في هوية اجتماعية يصعب تجاوزها، ويجعله يشعر بأن فرص استعادة حياته الطبيعية محدودة.

وتكتسب هذه الفكرة قوة تفسيرية إضافية عند استحضار تجارب بحثية تاريخية تناولت سلوك الجنود الأمريكيين الذين تعاطوا الهيروين خلال حرب فيتنام في مطلع سبعينيات القرن الماضي. فقد أثارت تلك التجربة اهتمامًا واسعًا بسبب اختلاف معدلات العودة إلى التعاطي بعد عودة الجنود إلى الولايات المتحدة مقارنة بما كان متوقعًا من حالات الإدمان في البيئات العلاجية التقليدية. والمغزى الذي استُخلص من هذه التجربة لم يكن أن العلاج غير ضروري، وإنما أن السياق الاجتماعي المحيط بالفرد يمكن أن يؤدي دورًا حاسمًا في تحديد مآلات التعافي.

فالانتقال من بيئة الحرب والتوتر والتوافر المرتفع للمادة إلى بيئة أسرية واجتماعية مستقرة غيّر، لدى نسبة كبيرة من الحالات التي دُرست، الظروف التي ارتبط بها السلوك الإدماني. وهذه الفكرة تفتح الباب أمام استنتاج أكثر اتساعًا: إن معالجة الإدمان لا ينبغي أن تستهدف الفرد بمعزل عن محيطه، لأن تغيير الفرد دون تغيير بعض عناصر البيئة التي سيعود إليها قد يجعل العلاج مواجهة معزولة أمام منظومة كاملة من الضغوط.

وبناءً عليه، فإن أي استراتيجية وطنية للعلاج ينبغي أن تتجاوز مفهوم "التعافي الطبي" إلى "التعافي الاجتماعي". ويعني ذلك توفير فرص واقعية للمتعافي كي يستعيد دوره الاقتصادي والاجتماعي، عبر العمل والتدريب وإعادة بناء العلاقات الأسرية، إلى جانب الدعم النفسي المستمر. فالوظيفة، في هذه الحالة، ليست مجرد مصدر للدخل؛ وإنما قد تصبح أحد عناصر إعادة بناء الهوية والشعور بالجدوى والانتماء والمسؤولية.

ويكتسب هذا البعد أهمية أكبر حين نضع في الاعتبار أن الشخص الذي يشعر بأنه فقد أسرته وعمله ومكانته الاجتماعية، وأن المجتمع ينظر إليه باعتباره حالة ميؤوسًا منها، قد تتراجع لديه الحوافز النفسية للحفاظ على مسار التعافي. أما حين يجد بيئة داعمة تحمله على استعادة الثقة بنفسه وتوفر له فرصة حقيقية للاندماج، فإن احتمالات الاستقرار تصبح أكبر. ومن هنا، فإن إعادة التأهيل ليست إعادة الفرد إلى المجتمع فحسب؛ وإنما إعادة المجتمع إلى الفرد أيضًا.

وفي موازاة ذلك، لا يمكن فصل النقاش حول الإدمان عن التحولات التي طرأت على سوق المخدرات وآليات الترويج والتوزيع. فالمشكلة أخذت بعض شبكات الترويج تعتمد على أساليب أكثر تعقيدًا في استقطاب الفئات الهشة، مستفيدة من العلاقات الاجتماعية، ومن الفوارق الاقتصادية، ومن قدرة بعض المروجين على بناء صورة اجتماعية مضللة لأنفسهم.

وتكمن الخطورة هنا في أن بعض تجار المخدرات قد يحاولون الانتقال من موقع المجرم المعزول إلى موقع الفاعل الاجتماعي المؤثر، من خلال تقديم مساعدات أو تنظيم مبادرات ظاهرها اجتماعي وخيري، أو استثمار النفوذ والعلاقات المحلية بهدف اكتساب القبول أو بناء شبكات حماية اجتماعية. وهذه الظاهرة، إذا ثبت اتساعها، تحمل دلالة أخطر تتعلق بمحاولة اختراق منظومة القيم الاجتماعية نفسها.

فعندما يبدأ تاجر المخدرات في تقديم نفسه بوصفه صاحب مبادرات أو داعمًا لأبناء المنطقة أو وسيطًا في حل المشكلات، فإن الخطر يتجاوز حدود التجارة غير المشروعة إلى محاولة إعادة تعريف صورته داخل المجتمع. وفي هذه الحالة، يصبح المال المتولد من النشاط الإجرامي أداة لإنتاج نفوذ اجتماعي، بما يهدد المعايير التي يفترض أن تمنح المكانة الاجتماعية لأصحاب السيرة العامة النظيفة والعمل المشروع والمساهمة الحقيقية في المجتمع.

ومن هنا، تبرز ضرورة التعامل مع هذه التحولات باعتبارها ناقوس خطر اجتماعيًا، لا مجرد تفصيل أمني. فمواجهة تجارة المخدرات تمتد إلى حماية البيئة الاجتماعية من محاولات تطبيع صورة المروج أو منحه شرعية رمزية لا يستحقها. ويصبح دور المؤسسات المجتمعية والوجهاء والشخصيات المؤثرة بالغ الأهمية في قطع الطريق أمام هذه المحاولات، عبر ترسيخ معيار واضح يفصل بين المساعدة الاجتماعية المشروعة وبين توظيف المال غير المشروع لصناعة النفوذ.

وفي الجانب الآخر من المشهد، تبرز قضية استغلال الأطفال والنساء والفئات الأكثر هشاشة في عمليات الترويج، وهي من أخطر صور التحول في أساليب الجريمة المنظمة؛ إذ لا يعود الشخص الضعيف مجرد متلقٍ للخطر، وإنما يتحول إلى أداة في سلسلة التوزيع والترويج. واستغلال الأطفال في نقل المواد أو تسليمها يمثل نموذجًا صارخًا على هذا النمط؛ لأن الشبكات الإجرامية تستفيد من صغر سن الطفل ومن محدودية قدرته على تقدير المخاطر ومن القيود القانونية والاجتماعية المرتبطة بمساءلته.

ولا تقل خطورة عن ذلك محاولات استغلال النساء تحت وطأة الحاجة الاقتصادية أو الديون أو التهديد والابتزاز، بما يحول الظروف الاجتماعية إلى مدخل لتوريط الضحية في نشاط إجرامي. ومن هنا، فإن المعالجة التشريعية ينبغي أن تميز بوضوح بين مرتكب الجريمة الذي يتحرك بإرادة كاملة، وبين الشخص الذي جرىاستغلال هشاشته أو حاجته أو خوفه لإدخاله في منظومة الترويج.

ويفرض ذلك مراجعة مستمرة للتشريعات ذات الصلة، بحيث تكون الحماية القانونية أكثر صرامة تجاه من يستغل القاصرين أو النساء أو غيرهم من الفئات الضعيفة، مع ضمان ألا تتحول الحماية من الاستغلال إلى وصم الضحية أو تحميلها مسؤولية وضع استُغلت فيه. فجوهر الردع هنا يجب أن يستهدف مراكز الاستغلال التي توظف الحاجة والخوف والضعف الاجتماعي في توسيع سوق المخدرات.

وفي السياق ذاته، تبرز الحاجة إلى تشديد الرقابة على المنافذ التي قد تتحول إلى قنوات لتسهيل الحصول على المواد المخدرة أو إساءة استخدامها، بما في ذلك بعض الممارسات المرتبطة بالأدوية والمواد ذات التأثير النفسي. ولا يعني ذلك تعميم الاتهام على العاملين في القطاع الطبي أو الصيدلاني، وإنما يؤكد ضرورة تعزيز الرقابة المهنية والقانونية، وحماية مقدمي الخدمة الذين قد يتعرضون للتهديد أو الابتزاز، ومحاسبة أي ممارسات تثبت مشاركتها في تسهيل الوصول غير المشروع إلى المواد الخاضعة للرقابة.

كما تكشف النقاشات المتعلقة بالأسواق الدولية للمخدرات عن حقيقة أوسع تتمثل في أن الأردن لا يتعامل مع ظاهرة معزولة داخل حدوده، وإنما مع سوق إقليمي ودولي متشابك تتداخل فيه شبكات الإنتاج والتهريب والتوزيع. ومن ثم، فإن فعالية المواجهة المحلية تظل مرتبطة بقدرة الأجهزة المعنية على متابعة أنماط التهريب المستجدة، وتبادل المعلومات، وتحليل حركة المواد والمؤشرات المرتبطة بها، والاستفادة من الأدوات العلمية والتقنية في رصد تطور السوق.

غير أن اتساع السوق العالمية للمخدرات لا ينبغي أن يدفع إلى استنساخ نماذج خارجية بصورة آلية؛ فلكل مجتمع تركيبته القيمية والاجتماعية والمؤسسية. وما قد ينتج عنه أثر معين في مجتمع آخر لا يعني بالضرورة أن النتيجة ستتكرر في المجتمع الأردني. ولذلك، فإن صياغة السياسات الوطنية ينبغي أن تنطلق من خصوصية البناء الاجتماعي الأردني، مع الاستفادة الواعية من التجارب الدولية بدل استيرادها دون مواءمة.

وبهذا المعنى، تتصل قضية المخدرات مباشرة بما سبقها من نقاش حول إعادة بناء العقد الاجتماعي؛ إذ إن مواجهة الظاهرة تتطلب استعادة الثقة بين الفرد والمؤسسة والمجتمع، وتعزيز قدرة الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والمجتمع المحلي والدولة على أداء أدوارها الوقائية. فالمعالجة الأمنية تظل ضرورية لحماية المجتمع من شبكات الاتجار والترويج، لكن استدامة النتائج تتطلب في الوقت ذاته منظومة اجتماعية تحول دون تحول المتعافي إلى منبوذ، وتحول دون تحول المراهق إلى هدف سهل للاستقطاب، وتحول دون تحول تاجر المخدرات إلى صاحب نفوذ اجتماعي.

وعليه، فإن السياسة الأكثر فاعلية لا تقوم على محور واحد، وإنما على مثلث متكامل: الوقاية، والعلاج، وإعادة الإدماج؛ تتكامل معه في الجهة الأخرى أدوات إنفاذ القانون والتشريع والرقابة. وفي قلب هذا المثلث يقف الإنسان، لا بوصفه رقمًا في سجلات الضبط أو العلاج، وإنما بوصفه جزءًا من نسيج اجتماعي ينبغي إصلاح بعض اختلالاته بالتوازي مع مواجهة الجريمة نفسها.

إن خفض أعداد المتعاطين والمروجين والموقوفين لا يمكن أن يكون المعيار الوحيد لنجاح السياسة العامة؛ فالنجاح الأعمق يكمن في القدرة على منع الانتكاس، وتجفيف منابع الاستقطاب، وحماية الفئات الهشة، وإعادة بناء الروابط الاجتماعية، ومنع انتقال المال غير المشروع إلى مواقع النفوذ المجتمعي. وعندما تتكامل هذه المسارات، يصبح التعامل مع المخدرات جزءًا من مشروع أوسع لإعادة بناء المناعة الاجتماعية، وليس مجرد معركة أمنية مفتوحة النهاية.

وبذلك، تصل الورقة إلى نتيجة محورية، وهي أن السجن قد يوقف السلوك، والعلاج قد يوقف التعاطي، لكن إعادة بناء الإنسان داخل سياق اجتماعي سليم هي التي تمنح التعافي فرصة الاستمرار. ومن هنا، فإن الاستثمار الحقيقي في مواجهة الجريمة والإدمان لا يبدأ وينتهي خلف أبواب المؤسسات، وإنما يمتد إلى الأسرة، والعمل، والمدرسة، والمجتمع المحلي، ومنظومة القيم، وكل المساحات التي يتشكل فيها سلوك المواطن وتُبنى فيها قدرته على مقاومة الانحراف.

الفصل السادس: من تجفيف منابع الترويج إلى تحصين المجتمع

لا تكتمل صورة الظاهرة عند حدود المتعاطي أو المروج، إذ تكشف المداخلات والنقاشات المرتبطة بملف المخدرات عن منظومة أكثر اتساعًا تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والتشريعية والأمنية. ومن أبرز القضايا التي تستحق إعادة النظر، مسألة العلاقة بين الفقر والبطالة من جهة، والمخدرات من جهة أخرى؛ وهي علاقة كثيرًا ما تُطرح في صورة سببية مباشرة، فيما تشير المقاربة الأكثر تركيبًا إلى أن العلاقة قد تكون دائرية ومتبادلة، بحيث يمكن للظروف الاقتصادية الهشة أن تزيد قابلية بعض الفئات للتعرض للمخاطر، في الوقت الذي يمكن فيه الإدمان نفسه أن يقود إلى فقدان العمل وتراجع الدخل وتفكك الروابط الأسرية، ومن ثم تعميق الفقر والهشاشة الاجتماعية.

وعلى هذا الأساس، فإن النظر إلى المخدرات باعتبارها نتيجة للفقر وحده قد يغفل أحد أوجه المشكلة؛ فالإدمان قد يتحول، في حالات عديدة، إلى عامل من عوامل إعادة إنتاج الفقر، حين يفقد الفرد قدرته على الاستقرار المهني والاجتماعي، وتتزايد أعباؤه المالية والنفسية، وتضعف علاقاته الأسرية، وتتراجع قدرته على الاندماج في الحياة العامة. وهكذا تتشكل حلقة مفرغة يتداخل فيها الاقتصادي بالاجتماعي والنفسي، بحيث يصبح تفكيك الظاهرة بحاجة إلى تدخل يتجاوز المعالجة الأمنية أو الطبية المنفردة.

ومن جهة أخرى، تبرز مسألة الإرادة الفردية بوصفها عنصرًا حاضرًا في عملية العلاج وإعادة التأهيل. فنجاح التدخل العلاجي يتأثر كذلك بمدى استعداد الشخص نفسه للدخول في مسار التعافي والاستمرار فيه. غير أن اختزال المسألة في "الإرادة" وحدها قد يقود إلى تبسيط مخلّ؛ لأن الإرادة نفسها تتأثر بالبيئة المحيطة، والدعم الأسري، والاجتماعي، والحالة النفسية، والظروف الاقتصادية، وطبيعة الإدمان، ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي يكمن في تهيئة الظروف التي تجعل قرار التعافي ممكنًا وقابلًا للاستمرار.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الجانب المتعلق بالرقابة على الأدوية والوصفات الطبية، خصوصًا عندما تتحول بعض المواد الدوائية ذات التأثير النفسي أو القابلة لسوء الاستخدام إلى منفذ للوصول غير المشروع إلى المواد المخدرة. فوجود نظام قانوني ينظم صرف الأدوية لا يعني بالضرورة أن منظومة الرقابة قد أغلقت جميع الثغرات؛ إذ تظل هناك حاجة إلى متابعة دورة الوصفة الطبية منذ إصدارها وحتى صرفها، وتعزيز أدوات التدقيق الإلكتروني والرقابة المهنية، وتحديد المسؤوليات بوضوح عند وجود مخالفات.

وتكتسب هذه المسألة حساسية مضاعفة بسبب المكانة التي يحتلها الطبيب داخل المجتمع. فالطبيب مؤتمن على صحة المريض، وأي استغلال للصفة المهنية أو التوقيع أو الختم بهدف تمرير وصفات غير مستحقة يهدد الثقة في المؤسسة الطبية ويخلق قناة غير مشروعة يمكن أن تستفيد منها شبكات الاتجار والترويج. وفي المقابل، ينبغي أن تكون المعالجة دقيقة وعادلة، فلا تتحول حالات فردية مثبتة إلى اتهام للمهنة بأكملها، ولا تُترك الثغرات الرقابية دون معالجة بحجة الحفاظ على صورة القطاع.

ومن هنا، تبدو الحاجة واضحة إلى رقمنة منظومة الوصفات الطبية وتعزيز قابلية تتبعها ومراجعتها، بما يقلل من احتمالات إساءة استخدامها، ويرفع قدرة الجهات الرقابية على اكتشاف الأنماط غير الطبيعية في عمليات الصرف، ويمنع التلاعب الذي قد يحدث عبر وصفات ورقية أو أختام أو إجراءات لا توفر المستوى المطلوب من التدقيق. كما أن حماية الأطباء والعاملين الصحيين من التهديد أو الابتزاز يجب أن تسير بالتوازي مع مساءلة من يثبت تورطه في تسهيل الوصول غير المشروع إلى الأدوية والمواد الخاضعة للرقابة.

ولا تنفصل هذه القضية عن التطور المستمر في أنواع المواد المخدرة وأساليب إدخالها وترويجها. فظهور مواد جديدة، أو انتقال مواد كانت غير مألوفة إلى السوق المحلية، يكشف أن الجريمة المرتبطة بالمخدرات تتحرك بوتيرة قد تتجاوز أحيانًا قدرة المجتمع على الاستيعاب والتشخيص المبكر. وتجربة ظهور مادة "الجوكر" في الأردن، كما وردت في النقاش، تقدم مثالًا دالًا على هذه السرعة؛ إذ إن اكتشاف مادة أو نمط جديد من المخدرات قد يحدث قبل أن يتشكل لدى قطاعات واسعة من المجتمع وعي كافٍ بطبيعتها ومخاطرها.

وتحمل هذه الواقعة دلالة تتجاوز المادة ذاتها؛ فهي تشير إلى أن "الاستجابة يجب أن تكون استباقية لا لاحقة". فكلما ظهرت مادة جديدة أو نمط مستحدث في الترويج، تحتاج الجهات المختصة إلى تحديث أدوات الكشف والتحليل، وتعزيز قدرات المختبرات، وتبادل المعلومات بين المؤسسات المعنية، وتطوير برامج التوعية، بما يضمن ألا يتقدم سوق المخدرات على منظومة المعرفة والرقابة.

كما أن التحدي لا يتعلق فقط بقدرة الأجهزة المختصة على اكتشاف المادة، وإنما بقدرة المجتمع على التعرف إلى المخاطر الجديدة. فالمادة التي لا يعرف الناس طبيعتها قد تصبح أكثر قدرة على الانتشار، خصوصًا بين الفئات العمرية الصغيرة، إذا اقترنت بأسماء تجارية مضللة أو أشكال تبدو أقل خطورة من حقيقتها. ومن هنا، يصبح التثقيف الوقائي المستند إلى المعرفة العلمية أحد خطوط الدفاع الأساسية، شريطة أن يكون الخطاب التوعوي دقيقًا وغير مثير للهلع، وأن يركز على بناء الوعي بدل الاكتفاء بالتخويف.

وفي المقابل، فإن مواجهة شبكات الترويج تستوجب الانتباه إلى تحول بعض المروجين من العمل الفردي المحدود إلى بناء شبكات اجتماعية تستثمر المال والعلاقات والنفوذ المحلي. وقد يكون هذا التحول أكثر خطورة من عملية البيع ذاتها؛ لأن المروج حين يسعى إلى بناء مكانة اجتماعية أو استقطاب الشباب أو تقديم نفسه في صورة "فاعل خير"، فإنه يحاول نقل نشاطه من الهامش الإجرامي إلى المجال الرمزي للمجتمع.

وهنا تحديدًا ينبغي أن تتكامل الأدوات الأمنية مع الأدوات المجتمعية؛ إذ إن المجتمع الذي يرفض منح الشرعية الاجتماعية للمال غير المشروع يضيّق المساحة التي يمكن أن تتحول فيها الجريمة إلى نفوذ، أما حين يصبح المال معيارًا للمكانة بصرف النظر عن مصدره، فإن شبكات الاتجار تجد فرصة لإعادة تقديم نفسها بصورة مختلفة. ولذلك، فإن حماية المجتمع من المخدرات تتطلب كذلك حماية معايير المكانة الاجتماعية من الاختراق.

ومن بين أخطر مظاهر هذا الاختراق استغلال الأطفال والنساء في عمليات الترويج والنقل والتوزيع. فاستغلال القاصر يكشف عن استراتيجية تستهدف الفئات الأقل قدرة على حماية نفسها أو تقدير العواقب. كما أن استغلال النساء تحت ضغط الحاجة المالية أو الديون أو التهديد يحول الهشاشة الاجتماعية إلى أداة بيد شبكات الترويج.

وهنا تبرز ضرورة تطوير التشريعات بصورة تجعل الاستغلال ظرفًا مشددًا واضحًا، وتمنح حماية أكبر للضحايا المحتملين، وتوجه العقوبة بصورة أشد نحو من يستخدم حاجات الآخرين أو ضعفهم وسيلة لتوسيع نشاطه الإجرامي. فالردع الفعال يجب أن يصل إلى العقل المدبر والمستفيد الأكبر من عملية الاستغلال.

وإذا كانت الفصول السابقة قد ناقشت أهمية إعادة التأهيل وتغيير السياق الاجتماعي للمتعافي، فإن هذه القضايا تفرض استكمال الصورة من الجانب الآخر: تجفيف البيئة التي تسمح بظهور الجريمة وتوسعها. فلا يكفي أن نعالج من وقع في الإدمان، إذا بقيت شبكات الترويج قادرة على استقطاب بدائل جديدة؛ ولا يكفي أن نلاحق المروجين، إذا ظل بعضهم قادرًا على شراء النفوذ الاجتماعي؛ ولا يكفي تشديد العقوبات، إذا بقيت بعض الثغرات التشريعية أو الرقابية قادرة على توفير منافذ جديدة.

ومن هنا، فإن المواجهة الأكثر اتزانًا ينبغي أن تقوم على منظومة متدرجة تبدأ بالوقاية المبكرة، وتعزز الأسرة والمدرسة والمؤسسات المجتمعية، وتدعم العلاج والرعاية اللاحقة، وتطور التشريعات، وترفع كفاءة الرقابة على الأدوية، وتدعم الأجهزة الأمنية في ملاحقة شبكات الاتجار، وتعمل في الوقت ذاته على تحصين المجتمع من محاولات التطبيع الاجتماعي مع الجريمة.

والأهم من ذلك أن هذه المقاربة يجب ألا تنظر إلى السجين أو المتعافي إلا باعتباره جزءًا من اختبار قدرة الدولة والمجتمع على إصلاح الخلل. فالسجن يؤدي وظيفة قانونية وأمنية أساسية، والعلاج يؤدي وظيفة صحية ونفسية ضرورية، لكن النجاح الحقيقي يقاس بما يحدث بعد ذلك: هل عاد الفرد إلى بيئة أكثر قدرة على احتوائه؟... وهل استعاد فرصة العمل؟... وهل أعيد بناء علاقته بأسرته؟... وهل أصبح المجتمع أكثر وعيًا بمخاطر الانتكاس؟... وهل جرى سد القنوات التي يمكن أن تعيد إنتاج المشكلة؟.

إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تنقل ملف المخدرات من كونه قضية أمنية منفردة إلى كونه ملفًا وطنيًا متعدد الأبعاد، تتقاطع فيه العدالة، والصحة، والتعليم، والعمل، والأسرة، والإعلام، والمجتمع المدني، والأمن، وفي هذا التقاطع تحديدًا تكمن فرصة بناء سياسة أكثر استدامة؛ سياسة لا تنتظر الجريمة كي تتحرك، ولا تختزل الإنسان في خطئه، ولا تتعامل مع العلاج باعتباره محطة مؤقتة، وإنما تسعى إلى بناء مناعة اجتماعية تحول دون تكرار المشكلة.

وبذلك، تخلص الورقة إلى أن التحدي يكمن في تحصين المجتمع قبل أن تصبح المخدرات جزءًا من بنيته الاجتماعية. وهذا يتطلب إعادة صياغة العلاقة بين الردع والوقاية، وبين القانون والمجتمع، وبين العلاج وإعادة الإدماج، وبين الأمن والتنمية؛ بحيث تعمل هذه العناصر ضمن استراتيجية واحدة بدل أن تتحرك في مسارات متوازية.

فالمخدرات، في صورتها الأكثر خطورة، منظومة يمكن أن تستنزف الفرد والأسرة والاقتصاد والقيم والثقة العامة. ولذلك فإن مواجهتها لا تُحسم بكثرة الضبطيات وحدها، ولا بارتفاع العقوبات وحدها، وإنما بقدرة الدولة والمجتمع على تفكيك البيئة الحاضنة للجريمة، وتجفيف مصادر الترويج، وحماية الفئات الهشة، واستعادة المتعافي إلى موقعه الطبيعي، وبناء وعي اجتماعي قادر على مقاومة التحولات قبل أن تستفحل.

وهنا تصل الورقة إلى مفترقها النهائي: هل نكتفي بإدارة الظاهرة أم نعيد بناء شروط الوقاية منها؟، إن الخيار الثاني، وإن كان أكثر كلفة وجهدًا وزمنًا، يبدو أكثر قدرة على إنتاج أثر مستدام؛ لأن المجتمعات لا تحصّن نفسها بكثرة السجون وحدها، وإنما بقدرتها على إنتاج أسرة متماسكة، ومواطن واعٍ، ومؤسسات يقظة، وقانون عادل، وفرص حقيقية للاندماج، ومنظومة قيم لا تسمح للجريمة بأن تتحول إلى مصدر نفوذ أو مكانة.

الخاتمة:

تكشف القراءة المتكاملة لموضوع السجون، والجريمة، والمخدرات أن القضية أكبر من أن تختزل في عدد الجرائم المرتكبة، أو أعداد الموقوفين والمحكومين، أو حجم الضبطيات، أو شدة العقوبات. فهذه المؤشرات، على أهميتها، تقيس جانبًا من الاستجابة، لكنها لا تقيس بالضرورة قدرة المجتمع على منع إعادة إنتاج الجريمة. وإذا كانت الدولة تمتلك الحق والواجب في إنفاذ القانون وحماية المجتمع وملاحقة شبكات الاتجار والترويج، فإن الاستدامة الحقيقية لهذه المواجهة تظل رهينة بقدرة المجتمع نفسه على ترميم منظومة الضبط والقيم والعلاقات التي تشكل خط الدفاع الأول قبل وصول المشكلة إلى المؤسسة الأمنية أو القضائية.

لقد أظهرت فصول الورقة أن الجريمة ظاهرة مركبة، تتفاعل فيها عوامل فردية وأسرية واقتصادية ونفسية واجتماعية، وأن اختزالها في شخصية الجاني وحدها يحجب جزءًا أساسيًا من أسبابها. كما أن الإدمان، في الحالات التي تستدعي العلاج، لا يمكن التعامل معه بمنطق واحد؛ إذ يحتاج إلى تدخل طبي ونفسي واجتماعي، بالتوازي مع تطبيق القانون على من يروج ويتاجر ويستغل حاجة الآخرين أو ضعفهم. ومن هنا، فإن التمييز بين المتعاطي والمروج، وبين المريض والمستغل، وبين الضحية وصاحب المصلحة الإجرامية، شرط أساسي لعدالة أكثر دقة وسياسة أكثر فاعلية.

وتبرز كذلك حقيقة أن السجن، على الرغم من وظيفته الضرورية في الردع والحماية وإنفاذ الأحكام، لا ينبغي أن يصبح المحطة الأخيرة في التفكير بالإنسان الذي دخله. فالاختبار الحقيقي يبدأ عند لحظة الخروج؛ حين يعود الفرد إلى أسرته وحيّه وعمله ومجتمعه. وإذا وجد أمامه أبوابًا مغلقة، ووصمة لا تزول، وغيابًا للفرص، وبيئة اجتماعية تعيد إنتاج الأسباب التي قادته إلى الجريمة أو الإدمان، فإن العقوبة تكون قد أوقفت الفعل لفترة، لكنها لم تعالج المسار الذي أنتجه.

ومن هنا، فإن إعادة التأهيل جزء من فلسفة العدالة نفسها. والرعاية اللاحقة، والدعم النفسي والاجتماعي، وإعادة الاندماج في سوق العمل، وإصلاح العلاقة مع الأسرة، ومساعدة المتعافي على بناء هوية اجتماعية جديدة، كلها عناصر ينبغي أن تتحول من مبادرات متفرقة إلى مكونات واضحة في السياسة الوطنية. فكل متعافٍ يعود إلى المجتمع قادرًا على العمل والإنتاج والانتماء هو، في جوهر الأمر، انتصار مزدوج: للفرد الذي استعاد حياته، وللمجتمع الذي أغلق بابًا كان يمكن أن تعود منه الجريمة.

وفي المقابل، فإن حماية المجتمع تقتضي مواجهة الطرف الآخر من المعادلة بحزم أكبر؛ أي شبكات الاتجار والترويج والاستغلال، خصوصًا حين تتجه إلى الأطفال أو النساء أو الفئات الأكثر هشاشة، أو حين تحاول تحويل المال غير المشروع إلى نفوذ ومكانة اجتماعية. وهنا لا يكفي ضبط المادة المخدرة ذاتها، بل ينبغي استهداف المنظومة التي تنتج السوق وتحميها وتستفيد منها، بما يشمل مصادر التمويل وشبكات التوزيع ومنافذ الاستغلال والثغرات الرقابية.

كما أن التطور المستمر في أنواع المواد المخدرة وأساليب تداولها يفرض على منظومة المواجهة أن تكون أكثر مرونة وسرعة في الاستجابة. فالجريمة المنظمة لا تنتظر تحديث التشريعات أو اكتمال الدراسات حتى تتغير، الأمر الذي يجعل الاستثمار في المعرفة والبحث العلمي والتحليل المبكر والقدرات الفنية والتقنية ضرورة، لا خيارًا ثانويًا. وينطبق ذلك كذلك على الرقابة على الوصفات الطبية والمواد الدوائية القابلة لسوء الاستخدام، حيث ينبغي أن تقترن الثقة بالمهنة الطبية بآليات رقابية قادرة على منع استغلالها، دون تعميم المسؤولية أو المساس بالكوادر الملتزمة.

وفي البعد الأوسع، تشير الورقة إلى أن إعادة بناء العقد الاجتماعي والمواطني أصبحت جزءًا من المعالجة، لا نتيجة بعيدة عنها، فحين تتراجع مكانة القانون، أو تضعف الأسرة، أو تتآكل الثقة بالمؤسسات، أو يصبح المال معيارًا للمكانة بصرف النظر عن مصدره، تتراجع قدرة المجتمع على إنتاج الضبط الذاتي. أما حين تتكامل الدولة مع المجتمع، ويستعيد المواطن إحساسه بالمسؤولية، وتستعيد الأسرة والمدرسة والمؤسسات المجتمعية أدوارها، فإن الوقاية تصبح أكثر حضورًا من العقوبة، ويصبح الردع جزءًا من منظومة متماسكة لا أداة وحيدة في مواجهة الظاهرة.

لذلك، فإن المقاربة الأكثر واقعية أن الدولة تحتاج إلى القانون والردع، والمجتمع يحتاج إلى الوعي والضبط، والمريض يحتاج إلى العلاج، والمتعافي يحتاج إلى فرصة، والضحية تحتاج إلى الحماية، والمروج يحتاج إلى مساءلة حازمة، والمنظومة كلها تحتاج إلى بيانات ودراسات وتقييم مستمر.

والخلاصة الأعمق التي تنتهي إليها الورقة هي أن المعركة مع الجريمة لا تُحسم داخل السجون وحدها، كما أن المعركة مع المخدرات لا تبدأ عند لحظة التعاطي. إنها تبدأ قبل ذلك بكثير؛ في الأسرة، وفي المدرسة، وفي البيئة الاجتماعية، وفي نوعية الخطاب العام، وفي قدرة المجتمع على اكتشاف الهشاشة قبل استغلالها، وفي قدرة الدولة على بناء سياسات وقائية متقدمة، وفي توفير مسارات حقيقية للعلاج وإعادة الإدماج.

وفي المحصلة، فإن بناء مجتمع أكثر أمنًا لا يمر عبر تكثير القضبان، وإنما عبر تقليل الأسباب التي تجعل الإنسان يصل إليها. فكلما اتسعت دائرة الوقاية، ضاقت دائرة الجريمة؛ وكلما نجحت إعادة الإدماج، تراجعت احتمالات الانتكاس؛ وكلما تكامل القانون مع المجتمع، أصبح الردع أكثر عدالة والوقاية أكثر استدامة. وهذه هي النقلة التي تحتاجها مقاربة السجون والمخدرات والجريمة: الانتقال من إدارة النتائج إلى تفكيك الأسباب، ومن احتواء الظاهرة إلى بناء المناعة الاجتماعية ضدها.

 

صادرة عن مؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير

13/9/2026