>

التحول في خطاب السلفية الجهادية :"هيئة تحرير الشام " نموذجاً

 

إعداد :الباحث أسامة الزغلول 

المقدمة:

شهد خطاب السلفية الجهادية خلال السنوات الماضية تحولات جوهرية، ارتبطت بالتغيرات الاجتماعية و السياسية و الأمنية التي مرت بها المنطقة العربية وما رافقها من تغيرات في البيئة الداخلية لهذه الجماعات، فبعد أن ارتكز خطابها التقليدي على الجهاد العابر للحدود و الأممية و مواجهة الغرب واعتباره عدوا رئيسًا لها، بدأت بعضها في مراجعات لصياغة خطاب مختلف و ترتيب أولويات المرحلة والاستجابة للواقع المحلي و الدولي ، وتجاوز التحديات التي كانت تحد من تنفيذ رؤيتها ومشاريعها.

وتعبتر ظاهرة السلفية الجهادية المتبلورة في التجربة السورية أحد أهم البيئات التي حذث فيها هذا التحول، ولا سيما جبهة النصرة التي ارتبطت تنظيميًّا و فكريًا في بدايتها مع تنظيم القاعدة، قبل أن تنتقل من خلال سلسلة من المتغيرات السياسية والتنظيمية إلى جبهة فتح الشام، ثم إلى هيئة تحرير الشام.

ولم تكن هذه التحولات مقتصرة على الاسم والتنظيم بل رافقها إعادة في تموضع الخطاب والتعريف والعلاقات ووالرؤية إلى الأعداء كذلك ، وصولًا إلى الخطاب الحالي البراغماتي و الوطني مفارِقة بذلك خطابها الجهادي والأممي التاريخي .

تُبرِزهذه التَّحولات مجموعة من الأسئلة حول طبيعة التحولات ودوافعها وأبعادها ؛ فهل تعكس تحوُّلاً حقيقيًّا  في أيديولوجيتها والانتقال من الجهاد العابر للحدود والأممية إلى الجماعات الوطنية المحلية ؟! وهل هو تَحوُّل استراتيجي يعكس مدى استجابتها لواقع المرحلة و متطلباتها أم أنها حركة تكتيكية لا تعبِّر عن مضمون الطموح و الرؤية لها ؟ 

تسعى هذه الورقة إلى تحليل التَّحوُّل في خطاب الإسلام الجهادي من خلال حالة جبهة تحرير الشام، و تتبُّع أبرز مظاهر هذا التَّحوُّل ، والعوامل التي أسهمت في حدوثه ، وصولًا إلى تقييم حدوده ومآلاته. 

مشكلة الدراسة :

   تتمثل المشكلة في محاولة فهم وتفسير طبيعة التحوُّل الذي طرأ على خطاب هيئة تحرير الشام : هل يعدَ تحولًا فكريًّا و أيديولوجيًا ؟؟ أم أنه مجرد تكتيك سياسي مراعاة مع متطلبات المرحلة و البيئة السورية و فروض السلطة ؟

السؤال الرئيس:

   كيف تحوَّل خطاب السلفية الجهادية لدى هيئة تحرير الشام؟ وما العوامل التي أسهمت في هذا التحول و مدى تأثيره و حدود فعاليته ؟

الأسئلة الفرعية :

  1. ما هي خصائص الخطاب الجهادي الذي تبنته جبهة النصرة في مرحلة التأسيس ؟
  2. ما العوامل التي أسهمت في إعادة مراجعة الخطاب و تغيُّره؟
  3. لماذا انتقلت من الخطاب الأممي إلى الخطاب المحلي؟
  4. إلى أي مدى اختلفت فكريًّا و أيديولوجيًّا مع تحوُّل خطابِها؟

المحور الأول : الإطار المفاهيمي و النظري 

مفهوم السلفية الجهادية :-

يعرِّف أحمد سادات السلفية الجهادية على أنها: " بعض الحركات السَّلَفية (التي) تقزِّم وتحصر دعوة التوحيد على شرك التمائم والتولة والقبور، ولا تتعرَّض من قريب أو بعيد إلى شرك الحكّام والمشرِّعين والقوانين والقصور، بل قد تكون ممَّنْ يسير في ركاب الحكام، ويعمل على تثبيت عروشهم»، أو تلك التي عبَّرت عنها أطروحات: «بعض الحركات الجهادية (التي) تبوتق جهادها وتحصره في منطلقات وطنية، وترفض رفضاً جازماً وحاسماً أن تتعدّى بجهادها حدود الوطن"[1]

ويعرف مروان شحادة المدرسة السلفية الجهادية :"و هي تختلف عن المدارس السلفية الأخرى ليس في المبادئ الدينية النظرية ، وإنَّما في الجانب العملي التطبيقي، وفي إشكالية شرعية الأنظمة الحاكمة، وعلاقتها مع الدول الاستعمارية وسياساتها الخارجية "[2].

 وعرَّف الباحث السلفية الجهادية إجرائيًا : " أنها جماعة أصولية تعتمد في مرجعيتها على ما أعتمدت عليه السلفية التقليدية لكنها تختلف معها في التطبيق ، وفي فهم النصوص وتأويلها ،إذ أنها تضع معارضة الأنظمة القائمة و محاربتها ضمن أدبياتها، وتؤمن بالعمل المسلح طريقة للتحرر من الهيمنة الغربية " [3].

جبهة النصرة:-

وذهب الباحث عبد الرحمن الحاج في تعريفه إلى جبهة النصرة :"[4]جبهة النصرة تمثل الجيل الثالث للقاعدة (الجهاد العالمي)، إذا ما اعتبرنا أن مجاهدي أفغانستان يمثلون الجيل الأول، ومقاتلي العراق يمثلون الجيل الثاني، وفي الجيل الثالث ثمة ميل مدني واضح، وتحول في القناعة بات منتشرًا بين قادة جبهة النصرة يتمثل في توجه قادتها (بمن فيهم أبو محمد الجولاني) إلى العمل التدريجي من القاعدة إلى القمة، والانتقال من العمل المدني إلى العمل العسكري. أما قيادات النصرة فهم من السوريين، وفي الغالب من المراكز الحضرية (بعضهم متعصب لهذه المراكز)، ولكن قواعدها ريفية في الغالب".

بينما ذكر الباحث  * تعريفًا آخر بقوله : " تعتبر جبهة النصرة امتدادًا للمدرسة الجهادية السلفية وجناحًا تابعًا في بداية النشوء لتنظيم القاعدة، ويمارس العمل الجهادي في سوريا،ويملك هياكلَ و مؤسسات داخلية مستقلة أسَّسها أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع) إبان اندلاع الثورة السورية " [5].

الخطاب الأممي:-

عرفت إيوان إيمي ماتيسان الباحثة في العلوم السياسي الخطاب الأممي :"الجهادية العالمية تشير إلى الجماعات الإسلامية المسلحة التي تتبنى أهدافًا 

عابرة للحدود، وتقوم بتعبئة عابرة للحدود، وتنشط في أكثر من دولة ".

النص الأصلي: "Global jihadism refers to armed Islamist groups that have transnational goals, engage in transnational mobilization, and operate across multiple countries"[6].

عرف الباحث الخطاب الأممي :"هو خطاب سياسي مرتبط بالأيديولوجيا يقوم على تجاوز حدود الدولة الوطنية الحديثة (القُطْرية) في تحديد هوية الجماعة وأهدافها ومجال حركتها، و ينظر هذا الخطاب إلى الأمة على أنها وَحْدة واحدة ، يترتّب على الجماعة فيها تبني رؤية وأهدافًا و قضايا عابرة للحدود "[7].

الخطاب المحلي أو القطري:

يعرف  ناثان غونزاليس الخطاب المحلي : " الجهاد المحلي هو نمط من النشاط الجهادي تتركز عملياته وأهدافه الأساسية داخل مسرح جغرافي محدد، ولا يتمثل هدفه الرئيسي في تنفيذ مشروع جهادي عالمي أو الإطاحة بعدة أنظمة حكم خارج ذلك المسرح"[8].

النص الأصلي  :"Local jihad is a pattern of jihadist activity whose primary operations and objectives are concentrated within a specific geographic theater, and its main goal is not to execute a global jihadist project or overthrow multiple regimes outside that theater".

ويعرَف الباحث الخطاب المحلي : " بأنه هو ذلك الخطاب المرتبط في العمل المسلح ضمن حدود جغرافيا محدَّدة ، ويهدف إلى تغيير وضع قائم على البقعة الجغرافية من دول طموح أو رغبة في ممارسة أي نشاط أو عمل مسلح خارج حدود الدولة " [9].

المحور الثاني : المسار التاريخي لهيئة تحرير الشام 

مرت هيئة تحرير الشام بمراحل متعددة خلال فترة النشوء والبناء والسيطرة والوصول إلى الحكم، كان أولها تأسيس الجسم الأكبر فيها وهو جبهة النصرة في عام 2011 بداية الثورة السورية .وكان ذلك امتداد للمدرسة الجهادية الموجودة في العراق، إذ أن أبو محمد الجولاني انتقل من العراق إلى سوريا . وهو عضو في تنظيم الدولة الإسلامية بأمر من أبي بكر البغدادي زعيم التنظيم في العراق أنذاك، وبدأ بتأسيس جبهة النصرة مستندًا إلى أدبيات السلفية الجهادية صاحبة الخطاب الجهادي العابر للحدود .

 وقد كانت تتبع جبهة النصرة إلى تنظيم القاعدة هرميا ، وفي عام 2013 ارتبط اسم جبهة النصرة في تنظيم القاعدة معلنًا ذلك زعيم الجبهة أنهم يتبعون إلى قيادة ايمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة العالمي . وفي عام  2016 أعلن أبو محمد الجولاني فك الارتباط بأي تنظيم خارج سوريا وبدأ مرحلة جديدة وهي العمل الجهادي القطري، واندمجت مع فصائلَ أخرى     وشُكُّلت جبهة فتح الشام.

 وقد استطاعت أن تسيطر على جزء جغرافي في الشمال السوري و استلمت إدارته خلال الفترة التي مضت ، وخاضت معارك ضد تنظيم الدولة الإسلامية والنظام السوري السابق،وفي 8 ديسمبر 2024 وبعد مرور 12 سنة على بداية اندلاع الأحداث في سوريا استطاعت هيئة تحرير الشام السيطرة على دمشق ة وإدارة الدولة السورية من خلال رئيس الفترة الانتقالية و زعيم جبهة النصرة وهيئة تحرير أحمد الشرع الملقب بأبو محمد الجولاني .

مما يعني أن جبهة النصرة السابقة وهيئة تحرير الشام الحالية مرت بمرحلة الارتباط مع تنظيم الدولة في بدايتها؛ وعندما حاول أبو بكر البغدادي دمج التنظيم تحت مسمى (تنظيم الدولة الإسلامية في العراق و الشام) أعلن قائد الجبهة الجولاني رفضه التام لذلك والبيعة المباشرة إلى أيمن الظواهري و من ثمً وفي 2016 استقل التنظيم تمامًا من أي ارتباط عالمي أو دولي، و غيَّر اسمه إلى جبهة أحرار الشام ، وفي 2017 تمَّ تأسيس هيئة تحرير الشام حتى الوصول إلى السلطة .

 وهذه المراحل تعني أن التنظيم كان يستجيب شيئا فشيئا مع متطلبات كل مرحلة ، ويضيّق من ارتباطه التنظيمي كذلك وصولًا إلى حالة الاستقلال في الهيكلية والمؤسسات، وهذا حال أغلب التنظيمات البشرية إذ أنها كائنات اجتماعية تحاول أن تتكيَّف مع ضرورات كل مرحلة وترتّب أولوياتها وفق مصالحها المباشرة .

المحور الثالث : ما هي العوامل التي أسهمت في انتقال الخطاب من أمميته إلى التوطين ؟

الحالة السورية لها خصوصيتها وطبيعتها الجهادية تختلف من حيث البيئة الحاضنة و العقلية التي تتحكَّم في زمام الأمور، ومن هذا المنطلق فإننا سندرس العوامل الاجتماعية و السياسية التي أسهمت في انتقال الخطاب من الأممية إلى التوطين .

أولاً: البيئة السورية و طبيعة نشوء التيار الجهادي السلفي فيها بعد حالة من علمنة المجتمع في فترة حكم حزب البعث لم تكن مقبولة قبل اندلاع الأحداث، والبعد الديني المذهبي العقائدي المستند إلى التنوع الديني في المجتمع و اتباع أغلب أهل سوريا من أهل السنة والجماعة المذهب الشافعي والعقيدة الأشعرية ومسلك المتدينين  من الطرق الصوفية .

وتعدّ السلفية الجهادية ردةَ فعلٍ اجتماعية راديكالية ؛ بسبب ممارسات النظام السوري الذي مارسها ضد المظاهر الدينية المناهضة له لا سيما الأحداث التي وقعت بينه وبين جماعة الأخوان المسلمين في حماة  وحلب ، وبداية صعود التيار الجهادي بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وأيضاً شكُّل أغلب مناصري الثورة السورية  من رواد المساجد و ظاهرة تمرد الشباب السوري  المناهض للنظام.

ومع تشكُّل الفصائل الجهادية و تلقيها الدعم من بعض الجهات الأقرب إلى التيار السلفي؛ صعدت الحالة السلفية الجهادية بعد أن عمَّت المظاهرات كامل الجغرافيا السورية تقريبًا، وردَّ النظام على المتظاهرين بطرق خشنة وعنف غير مسبوق وقوة غاشمة و قصف المدنيين العزل حتى وصف بنظام البراميل المتفجرة والمدمرة، جعل معظم الشعب السوري يذهب إلى أعلى حالة من التطرف في الرد على جرائم النظام وداعميه . 

ثم قبول المقاتلين السوريين للرموز الجهادية السلفية و وفود العشرات من الأردن و الخليج إلى سوريا للمشاركة في القتال ضد  النظام . واعتبار الشام من أراضي المعركة المنتظرة في أذهان عدد من المتشددين أو من الشباب المتحمسين الذين سرعان من انخرطوا في الثورة السورية باعتبار البدائل أو الشعارات التي كانت تردَّد كطوق نجاةٍ من الفقر والبطالة والجهل.وتوق الشعب السوري إلى الحرية وسط مناخ الربيع العربي.

و ذهب النظام السوري إلى تشويه صورة المتظاهرين بأنهم تكفيرون ومتشددون من قبل ماكينات النظام الإعلامية والدعائية جعل من ردة فعل المعارضين للنظام أكثر تحيزًا لهم، وعدم أخذ الحالة الصوفية التقليدية موقفًا حازمًا مناصرًا للثورة إلا من بعض الرموز أمثال الشيخ أسامة الرفاعي ومعه مجموعة من الشيوخ في المقابل قرب الصوفية و تسويقها لدعاية النظام في فترة الثورة .

ثانياً، العامل السياسي الذي أسهم في صعود التيار السلفي الجهادي هو الدعم و حملات المناصرة التي كان يقودها شيوخ الخليج بداية الثورة ووقف بعض الدول الخليجية مع خيار الشعب ومحاولة اقناع بشار بالتنازل عن حكم سوريا.

وضخ النظام خطابيا إعلاميا وأمنيا العداء التاريخي الداخلي له تُجاه جماعة الأخوان المسلمين – سوريا التي تعتبر جماعة إصلاحية ، وتؤمن في أدبياتها في العمل السياسي و الإصلاحي ولا تتجه إلى العنف و السلاح إلا في حالات قليلة من تاريخها .

أما صعود التنظيمات المسلحة في فترة الربيع العربي في أغلب الدول التي حصل فيها احتجاجات أسهم ضمناً في تأثر الحالة السورية بذلك، و إعلان إنشاء تنظيم الدولة الإسلامية وشن حرب عليه ، ونشاط تنظيم القاعدة في مواقع متفرقة ، حتى أن حزب التحرير المختلف مع السلفية الجهادية ويعتبر حزبأ رايكاليا عاد إلى النشاط في فترة الربيع العربي .

انتقال الخطاب من الأممية إلى التوطين 

ما حدث من أخفاقات الربيع العربي و عدم ايجاد الحركات الإسلامية التي وصلت إلى السلطة حلولًا بعد الخطاب الأممي الذي كان دارجا وقتئذ، واعتبار السلفية الجهادية والجماعات المتكونة داخلها جماعة تؤمن بوحدة المصير والجهاد العابر للحدود والخطاب الأممي ومركزية الأمة ، ومع فشلها في تحقيق أهدافها المرجوة .

 حيث عملت على مراجعات داخلية في أين يكمن الخطأ في ممارساتها ؟ وما الحلول الممكنة التي ستساهم في تحقيق غايتها؟  واقتناع القيادة بأن الفترة الحالية لا تتناسب و العمل الأممي انتقلت شيئا فشيئا إلى توطين الجهاد ، والاستقلال في المشروع والبرنامج والانفصال عن البنية التنظيمية ، والإبقاء على القضية الفلسطينية قضية مشتركة لكنها غير موضوعة في جدول أولوياتها .

وأسهم توطين الخطاب في إتاحة الفرصة إلى الدول المحيطة للتعامل معها وفق هذا المعطى وعدم التوجس الذي كان سائدًا في فترة الخطاب الأممي، و تبني مشروعٍ يهدف لتغير النظام الحالي وبناء سورية جديدة ، و نقلها من حالة الاقتصاد المتردية إلى الرفاهية ، وبذلك الاستغناء عن الخطاب التقليدي مقابل خطاب أكثر براغماتية ومتجردًا عن أدبياته التاريخية  حتى تأكيد رموزها و قيادتها على عدم الارتباط مع أي مشروع أممي ، وعدم التدخل في شؤون أي جماعة أو دولة في الأقليم .

 وبذلك انتقل خطاب هيئة تحرير الشام التابع إلى تنظيم الدولة الإسلامية ذات المرجعية الفكرية المستمدة من أبيات القاعدة ، ومؤلفات سيد قطب وأبو محمد المقدسي وايمن الظواهري الأممية العابرة للحدود إلى خطاب وطني محلي سياسي ذي صبغة براغماتية منافٍ للتاريخ التقليدي لهذه الجماعات والهيئات والحركات .

 ويعد ُّ تغير الخطاب من أهم التطورات التي حدثت للسلفية الجهادية في تاريخها ؛ إذ نجحت في إرضاء النظام العالمي الجديد بخطابها ، وفتحت مساحة من العلاقات التي كانت شبه مستحلية  سابقاً، و بذلك فإن التحولات التي طرأت على الهيئة هي  تحولات طبيعية فرضتها متطلبات المرحلة والأولويات المترتبة عليها.وانتقالها من الحركة إلى مشروع دولة وسلطة . 

المحور الرابع: إلى أي مدى تأثرت أيديولوجية هيئة تحرير الشام 

ويعتبر وصول أي فئة إلى السلطة و الحكم و إدارة الدولة إنجاز تاريخي لها، و بناءً عليه ؛ فإنه يؤثر في رؤيتها وفكرها وقدرتها على التكيف والبقاء والاستمرار والديمومة، و وصول هيئة تحرير الشام إلى هذا المنجز يعد نجاحًا من نجاحات السلفية الجهادية وتجربة في مقدرة الحركة السلفية في الحكم والسياسة .

ويعد تطور الأيديولوجية و تحوُّل الخطاب السلفي الجهادي من الضرورات التي يجب مراعاتها مع الثبات والمرونة المطلوبة في أي تعاط ٍمع الظروف الراهنة، ولكن مدى التأثر الذي وصلت إليه الهيئة لم يكن متوقعا أبدًا، إذ تشهد حالة من شبه التجرد الأممي والاكتفاء بالداخل السوري باعتباره الغاية الكبرى لها، وهذا لا يعيبها بكل تأكيد . لكنه يترك تساؤلات،هل تخلت الهيئة عن الطموح الأممي ومرحلة خطاب الخلافة إلى الأبد ؟ أم أن هذا تكتيك سياسي لا يعبِّر عن هويتها الحقيقية ؟

ومع الأخذ بعين الاعتبار التقارب السياسي الواضح بين النظام السوري الحالي وتركيا مع اختلاف المرجعيات التاريخية للطرفين، مع الاتفاق على إسلامية الأشخاص ونشأتهم الإسلامية، ونجاح التجربة التركية المعتدلة ، وإتاحة الفرصة لتجربة راديكالية وتنازلها عن أرثها التاريخي للسلفية الجهادية .

التحليل:

شهدت هيئة تحرير الشام تحوُّلات على عدة مستويات وفي شتى المجالات ؛ ولكن يعد التحول في الخطاب أهم هذه التحولات  حيث أنه يعبّر عن هوية الهيئة و أفكارها و طموحاتها، وهو في الوقت ذاته المساهم الأكبر في بناء علاقاتها السياسية داخليًا وخارجيًا.

   وصلت الهئية إلى مرحلة ما  في النضوج السياسي من عمر الحركات والجماعات، إذ طورت من مضامينها ومن أعمالها و خطوطها ورؤيتها، وبذلك استطاعت أن تصل إلى السلطة، و من خلال المراجعات التي أجرت على نفسها وقفت عند أهمية و تأثير الخطاب في مستقبلها السياسي.

و هذا التحول يعد في التجربة الجهادية نموذجا يجب الوقوف عنده علميًا و دراسة تفصيلاته، مع أن هناك الكثير من التجارب الأقدم عمرًا لكنها فشلت في التكيف مع واقعها ، فلم تحقق مشروعها الوطني أو الأممي.

  أما أممية الهئية فإنها مهما حاولت الهيئة الابتعاد عن أي خطاب أممي إلَا أنها ستضطر في نهاية المطاف إلى التعبير عن ذاتها و مواجهة التحديات التي تطرأ عليها، مع التأكيد على الاختلاف بين خطاب السلطة والدولة والخطاب الحركي فقد فشلت أغلب الحركات على التفريق بين الخطابين إلا أن الهيئة نجحت في ذلك .

ختاماً :-

الأولويات تستوجب عليك دوماً معرفة واقعك و الاستجابة لمتطلباته و القدرة على التكيف و التحول وفق ما تمليه عليك المصلحة السياسية . وتعد القدرة على تشكيل وصياغة خطاب مناسب يراعي ذلك أمرًا في غاية الأهمية إلا أن الحركات التي لا تنتج مؤسساتها انتاجًا دائمًا ولا تتيح الفرصة للتفكير الناقد والمراجعة ستصل في نهاية المطاف إلى الاصطدام وعدم القدرة على أكمال طريقها.

وليس المطلوب إنتاج خطاب مماثل لخطاب الهيئة بقدر ما هو مطلوب إنتاج خطاب مناسب للمرحلة ، ووضع الأولوية للخطاب الوطني المحلي الذي يعد هو االعنوان الرئيس في نجاح أي تجربة إسلامية  جهادية أو إصلاحية.

وعدم التخلي عن الخطاب الأممي بل استعماله في الفترات التي تحتاج لذلك والاستفادة منه لتحقيق المصالح المباشرة وغير المباشرة ، وقراءة الرسائل التي يستعملها في أي سلوك باعتبارها ذات مضامين سياسية دقيقة .

المصادر والمراجع العربية

1. السيد أحمد سادات، «المبادئ الفكرية للسلفية الجهادية»، نصوص معاصرة، 18 أغسطس 2017.القسم الثاني يتناول «أنواع الجهاد عند السلفية الجهادية». 

[النص الكامل – نصوص معاصرة] (https://nosos.net/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D8%A6-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%B3%D9%91%D9%8E%D9%84%D9%8E%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9-2/?utm_source=chatgpt.com

2. مروان شحادة، «التحولات التي أحدثها تنظيم القاعدة في الخطاب السلفي»، مركز الجزيرة للدراسات، 19 سبتمبر 2010.

[النص الكامل – مركز الجزيرة للدراسات]

(https://studies.aljazeera.net/ar/files/2010/201172119234862286.html?utm_source=chatgpt.com

3. عبد الرحمن الحاج، «السلفية والسلفيون في سورية: من الإصلاح إلى الجهاد»، مركز الجزيرة للدراسات، 20 مايو 2013. [النص الكامل – مركز الجزيرة للدراسات] https://studies.aljazeera.net/en/node/3537?utm_source=chatgpt.com) )

4. أحمد أبا زيد، «الحركات الإسلامية في سوريا: ديناميات التشظي وآفاق التقارب»، مركز الجزيرة للدراسات، 5 سبتمبر 2016.

[النص الكامل – مركز الجزيرة للدراسات] (https://studies.aljazeera.net/ar/reports/2016/09/160905105641550.html?utm_source=chatgpt.com

5. أيمن الدسوقي، «الحكم المحلي لهيئة تحرير الشام ومنظورها للمجالس المحلية»، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 23 يونيو 2017.

[النص الكامل – مركز عمران للدراسات الاستراتيجية] (https://omrandirasat.org/research/the-local-government-of-hayat-tahrir-al-sham-and-its-perspective-on-local/?utm_source=chatgpt.com)

المراجع الأجنبية

7. Ioana E. Matesan, “Typological Varieties of Transnational Jihadism and Implications for Conflict Resolution,” Perspectives on Terrorism 16, no. 1 (2022): 12–22.

]المقال على[ JSTOR (https://www.jstor.org/stable/27107494?utm_source=chatgpt.com)

] نسخة العدد الكاملة [ pdf

(https://pt.icct.nl/sites/default/files/2023-06/complete%20issue%20vol-16-issue-1.pdf?utm_source=chatgpt.com)

8. Nathan González Mendelejis, “Toward a New Typology of Sunni Jihad,” Studies in Conflict & Terrorism 43, no. 12 (2020):1064–1085.  

] المقال –[ Taylor & Francis (https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/1057610X.2018.1520797?utm_source=chatgpt.com)


 

[1]السيد أحمد سادات، «المبادئ الفكرية للسلفية الجهادية»، نصوص معاصرة، قسم البحوث والدراسات، 18 أغسطس 2017، القسم الثاني: «أنواع الجهاد عند السلفية الجهادية».

[2] مروان شحادة، «التحولات التي أحدثها تنظيم القاعدة في الخطاب السلفي»، مركز الجزيرة للدراسات، الملفات البحثية، 19 سبتمبر 2010.

[3] التعريف الإجرائي من إعداد الباحث، أسامة الزغلول، لأغراض هذه الدراسة.

[4] عبد الرحمن الحاج، «السلفية والسلفيون في سورية: من الإصلاح إلى الجهاد»، مركز الجزيرة للدراسات، 20 مايو 2013، قسم «النصرة: الجيل الثالث للسلفية الجهادية».

[5] التعريف الإجرائي من إعداد الباحث، أسامة الزغلول، لأغراض هذه الدراسة.

[6] Ioana E. Matesan, “Typological Varieties of Transnational Jihadism and Implications for Conflict Resolution,” Perspectives on Terrorism 16, no. 1 (2022): 12–22.

[7] التعريف الإجرائي من إعداد الباحث، أسامة الزغلول، لأغراض هذه الدراسة.

[8] Nathan González Mendelejis, “Toward a New Typology of Sunni Jihad,” Studies in Conflict & Terrorism, Vol. 43, No. 12 (2020), pp. 1064–1085. DOI: 10.1080/1057610X.2018.1520797.

[9] التعريف الإجرائي من إعداد الباحث، أسامة الزغلول، لأغراض هذه الدراسة.