>

ورقة موقف: "احتكار القوة النووية وإشكالية السيادة الاستراتيجية في الشرق الأوسط" صادرة عن مؤسسة مسارات الأردنية

مقدمة

يعيش الشرق الأوسط أزمة إقليمية ممتدة يعاد من خلالها تعريف القوة، وإعادة توزيع النفوذ، وترسيم حدود الممكن السياسي والاستراتيجي. فالحروب التي تبدو، للوهلة الأولى، منفصلة في جغرافياتها وأطرافها، سرعان ما تكشف عند تفكيك مساراتها عن شبكة مترابطة من المصالح الأمنية، والتحالفات الدولية، والتنافس الإقليمي، وأدوات الضغط الاقتصادي والعسكري، بما يجعل المنطقة أقرب إلى ساحة مفتوحة لإعادة هندسة التوازنات منها إلى فضاء قادر على إنتاج أمنه الذاتي.

وفي قلب هذه التحولات، تبرز معادلات شديدة التعقيد: البرنامج النووي الإيراني في مواجهة منظومة منع الانتشار، احتكار التفوق الاستراتيجي في مواجهة طموحات القوى الإقليمية، صعود نموذج "الحرب بالوكالة" في مواجهة مفهوم الدولة الوطنية، وتوظيف الاقتصاد والعقوبات والمساعدات بوصفها أدوات لإعادة تشكيل القرار السياسي. وإلى جانب ذلك، تستمر القضية الفلسطينية، واحتلال الجولان، وأمن الحدود السورية واللبنانية، بوصفها ملفات لم تُغلق، وإنما أعيد تدويرها داخل أطر جديدة من الصراع.

وتكمن خطورة هذه التحولات في تداخل مستويات الصراع؛ إذ لم تعد الحدود الفاصلة بين المحلي والإقليمي والدولي واضحة كما كانت. فقد يتحول نزاع داخلي إلى أزمة إقليمية، ثم يصبح ساحة لتنافس دولي، فيما تتحول الجماعات المسلحة إلى أدوات نفوذ تتجاوز حدود الدولة، ويصبح التمويل والتسليح والعقوبات والضمانات الأمنية مكونات متداخلة في صناعة القرار.

ومن هذه الزاوية، فإن السؤال المحوري الذي تنطلق منه ورقة الموقف يتمثل في محاولة فهم من يملك القدرة على صياغة قواعد اللعبة، ومن يملك قرار تعديلها، ومن يدفع كلفة استمرارها. فالقوة، في الشرق الأوسط المعاصر، تقاس بامتلاك التكنولوجيا، والقدرة الاقتصادية، وشبكات التحالف، والمرونة الدبلوماسية، والقدرة على التأثير في ساحات الآخرين، والأهم من ذلك كله: امتلاك قرار استراتيجي مستقل.

وتتخذ إيران موقعًا محوريًا في هذه المعادلة، ليس بسبب برنامجها النووي وحده، وإنما بسبب قدرتها على الجمع بين أدوات متعددة للقوة، تمتد من القدرات الصاروخية والبرنامج النووي إلى شبكة من الحلفاء والقوى المسلحة في الإقليم. وفي المقابل، تنظر إسرائيل إلى هذا المسار بوصفه تحديًا مباشرًا لتفوقها الاستراتيجي، بينما تتعامل الولايات المتحدة معه من خلال مزيج من الردع والاحتواء والتحالفات والعقوبات، في الوقت الذي تحاول فيه دول الخليج حماية أمنها ومصالحها وسط بيئة إقليمية متقلبة.

وفي موازاة ذلك، تكشف الحالة السورية واللبنانية عن وجه آخر للأزمة؛ إذ تحولت الدول التي تعاني من هشاشة مؤسساتية أو انقسامات داخلية إلى ساحات تتقاطع فيها المشاريع الإقليمية والدولية. وفي سوريا تحديدًا، يتداخل مستقبل الدولة مع مستقبل الجنوب السوري، وأمن إسرائيل، ومستقبل الجولان، وإعادة الإعمار، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية، والعلاقة مع القوى الإقليمية والدولية. أما لبنان، فيبقى نموذجًا مكثفًا لإشكالية ازدواجية القوة، حيث تتقاطع مؤسسات الدولة مع قوى سياسية وعسكرية ذات امتدادات إقليمية.

وعليه، تحاول هذه الورقة تفكيك هذا المشهد المركب من خلال محورين أساسيين: يتناول الأول إشكالية احتكار القوة النووية وحدود السيادة الاستراتيجية، من خلال بحث موقع البرنامج النووي الإيراني في منظومة الردع الإقليمية، والفارق بين امتلاك القوة وامتلاك القرار، ودور القوى الدولية في رسم سقف القوة المسموح به للدول الإقليمية. بينما يتناول المحور الثاني إعادة تشكيل خرائط النفوذ في الإقليم، من خلال تحليل اقتصاد الحروب، وأدوار القوى الإقليمية والدولية، ونموذج الصراع بالوكالة، ومستقبل سوريا ولبنان، وصولًا إلى عقدة الجولان بوصفها إحدى أكثر القضايا ارتباطًا بإعادة تعريف الأمن الإقليمي.

ولا تنطلق الورقة من افتراض أن المنطقة تسير حتميًا نحو حرب شاملة، كما لا تفترض أن التسويات السياسية باتت وشيكة؛ إذ تحاول الوقوف في المنطقة الرمادية بين الاحتمالين، حيث تتعايش لغة الردع مع لغة التفاوض، والتصعيد مع إدارة الأزمة، والتحالفات مع إعادة التموضع.

إن جوهر الإشكالية، في نهاية المطاف، يكمن في النظام الذي يحدد من يستطيع امتلاكها، ومن يملك قرار استخدامها، ومن يستطيع فرض قواعد اللعبة على الآخرين. ومن هنا، فإن فهم مستقبل الشرق الأوسط يتطلب تجاوز القراءة العسكرية المباشرة نحو مقاربة أوسع تنظر إلى القوة باعتبارها منظومة متكاملة من الجغرافيا والاقتصاد والسيادة والتحالف والتكنولوجيا والقرار السياسي.

الفصل الأول: احتكار القوة النووية وإشكالية السيادة الاستراتيجية في الشرق الأوسط

لا يمكن مقاربة الصراع الدائر حول البرنامج النووي الإيراني بوصفه خلافًا تقنيًا محضًا يتعلق بنسبة تخصيب اليورانيوم، أو بعدد أجهزة الطرد المركزي، أو بحجم الرقابة الدولية على المنشآت النووية. فخلف هذه التفاصيل، التي تبدو في ظاهرها قانونية وفنية، تقف معادلة أعمق بكثير تتصل بطبيعة القوة في الشرق الأوسط، وبمن يملك حق امتلاك أدوات الردع، ومن يُسمح له بتجاوز عتبة المعرفة النووية، ومن يُراد له أن يبقى داخل حدود القوة التقليدية مهما امتلك من طموح أو قدرة أو مشروع سياسي.

ومن هذه الزاوية، تبدو المسألة النووية جزءًا من صراع أكبر على هندسة التراتبية الاستراتيجية في الإقليم؛ أي المحافظة على نظام غير مكتوب يحدد مسبقًا من يحق له امتلاك القوة الحاسمة، ومن ينبغي أن يبقى خاضعًا لمعادلات الردع التي يصنعها الآخرون. وفي قلب هذا النظام تقف إسرائيل بوصفها القوة التي استفادت، تاريخيًا، من الحفاظ على ما يمكن تسميته بـ"الغموض النووي الوظيفي"، حيث لا يجري الإعلان الرسمي عن امتلاك السلاح النووي، ولا يُنكر امتلاكه بصورة حاسمة، في الوقت الذي يُفهم فيه إقليميًا ودوليًا أن إسرائيل تمتلك قدرة ردع استثنائية تمنحها هامشًا واسعًا من التفوق الاستراتيجي.

وعليه، فإن أحد المفاتيح الأساسية لفهم الحساسية الإسرائيلية تجاه إيران لا يكمن في الخصومة السياسية أو الأيديولوجية بين الطرفين من جانب، ومن الخشية من انهيار احتكار القدرة الاستراتيجية العليا، فإسرائيل لا تنظر إلى احتمال امتلاك دولة منافسة لقدرات نووية من خلال عدسة الخطر العسكري المباشر وحدها، وإنما من خلال ما يمكن أن يحدث لمكانتها بمجرد كسر احتكارها. إن امتلاك الخصم للقدرة، حتى قبل استخدامها، يعيد صياغة قواعد اللعبة؛ ذلك أن القوة النووية تمثل قدرة على منع الآخر من اتخاذ قرارات كان يتخذها سابقًا في ظل غياب ردع مكافئ.

هنا تحديدًا، يتحول السلاح النووي إلى أداة سياسية بقدر ما هو أداة عسكرية. فالقوة النووية تعيد توزيع المخاطر، وتفرض حسابات جديدة على الخصوم، وتخلق ما يشبه "سقفًا استراتيجيًا" لا يستطيع الآخر تجاوزه بسهولة. ولهذا، فإن جوهر الاعتراض الإسرائيلي والغربي على تمدد المعرفة النووية في المنطقة يرتبط، بدرجات متفاوتة، بمسألة منع ظهور قوى قادرة على تعديل ميزان الردع القائم.

ومن الخطأ، في هذا السياق، اختزال الأمر في إيران وحدها. فالاعتراض على انتشار السلاح النووي في الشرق الأوسط وجواره لا ينبع فقط من هوية الدولة التي قد تمتلكه، سواء كانت شيعية أو سنية، عربية أو غير عربية، وإنما من خشية أوسع تتعلق بانتشار القدرة النووية في بيئة تتسم أصلًا بكثافة الصراعات، وضعف الثقة، وتشابك التهديدات العابرة للحدود. غير أن هذه القاعدة العامة لا تعمل في فراغ سياسي؛ إذ إن موقع الدولة وعلاقتها بالقوى الكبرى وطبيعة مشروعها السياسي ودرجة استقلال قرارها كلها عوامل تؤثر في كيفية التعامل معها.

ولعل المفارقة الأبرز تتمثل في أن المجتمع الدولي يتعامل مع الدول النووية وفق منظومة تتداخل فيها المبادئ مع المصالح. فبينما يُقدَّم منع الانتشار النووي باعتباره قاعدة عالمية، فإن الواقع يكشف عن تفاوت واضح في درجة الحساسية تجاه الدول المختلفة. فليست كل القدرات النووية تُعامل بوصفها خطرًا متساويًا، وليست كل الدول تخضع للمستوى ذاته من الضغط أو العزلة أو التهديد. وهنا تظهر فجوة جوهرية بين النظام القانوني للانتشار النووي وبين السياسة الفعلية لإدارة الانتشار.

وتبرز حالة باكستان مثالًا مهمًا على هذه الإشكالية. فقد امتلكت إسلام آباد السلاح النووي في سياق تنافس استراتيجي حاد مع الهند، وأصبحت منذ ذلك الحين جزءًا من معادلة الردع في جنوب آسيا. لكن امتلاك باكستان لهذا السلاح لم يجعلها دولة تتحرك خارج القيود والضغوط الدولية، كما أن قدرتها النووية لم تعنِ أن قرار استخدامها أصبح قرارًا بسيطًا أو فرديًا أو متاحًا لأي جهة سياسية.

فالسلاح النووي، على عكس ما قد توحي به بعض الخطابات السياسية، لا يُدار كأداة عسكرية عادية. إنه جزء من منظومة شديدة التعقيد تضم القيادة السياسية والعسكرية، وسلاسل الأوامر، وآليات التحقق، والرقابة، والتأمين، فضلًا عن الحسابات الدولية التي تجعل مجرد الانتقال من التهديد إلى الاستخدام قرارًا ذا تبعات وجودية. ومن ثم، فإن الحديث عن إمكانية نقل السلاح النووي أو منحه أو استخدامه بناءً على اتفاقات سياسية عابرة يتجاهل طبيعة البنية الأمنية التي تحيط بهذه الأسلحة.

ومن هنا، يمكن فهم المبالغة التي ترافق أحيانًا الحديث عن إمكان حصول دولة مثل تركيا أو غيرها على سلاح نووي من خلال دولة نووية قائمة. فانتقال السلاح النووي ينظر إليه على أنه انتقال يتطلب بنية سياسية، وتقنية، وأمنية بالغة التعقيد، فضلًا عن أنه سيؤدي إلى تداعيات دولية ضخمة. صحيح أن التاريخ النووي لا يخلو من شبكات نقل التكنولوجيا والتعاون السري، إلا أن تحويل هذه الحالات إلى قاعدة عامة أو تصور إمكانية نقل قدرات نووية كاملة بوصفها قرارًا بسيطًا يختزل واقعًا أكثر تعقيدًا بكثير.

وإذا ما تجاوزنا الجانب التقني، فإن القضية الأكثر حساسية تتصل بمفهوم استقلال القرار الاستراتيجي، فالقوى الكبرى، وفق منطق المصالح، تنظر إلى امتلاك دولة ما للسلاح النووي، وإلى طبيعة النظام الذي يملك هذا السلاح، ومدى قابلية قراره للتنبؤ، وعلاقته بالبنية الأمنية الدولية، وقدرته على إدارة الردع دون الانزلاق إلى المغامرة.

وهنا يمكن التمييز بين امتلاك السلاح بوصفه "قدرة مادية"، وامتلاكه بوصفه "أداة سيادية". فقد تمتلك دولة ما القدرة، لكنها تبقى محكومة بشبكة واسعة من التحالفات والضغوط والالتزامات التي تجعل استخدام هذه القدرة شديد التعقيد. بينما تمثل الدولة ذات القرار المستقل، حتى بدرجة نسبية، حالة أكثر إثارة للقلق لدى القوى المنافسة، لأنها قد لا تكون قابلة للإدماج الكامل في نظام الردع الذي تصنعه القوى الكبرى.

وفي هذا الإطار، تصبح إيران حالة مختلفة عن مجرد دولة تسعى إلى تطوير برنامج نووي. فالمشكلة، من وجهة خصومها، تتصل بتشابك البرنامج النووي مع مشروع سياسي إقليمي أوسع. فإيران بنت خلال عقود شبكة من النفوذ والعلاقات المسلحة والسياسية في عدد من الساحات الإقليمية. وقد منحها ذلك قدرة على ممارسة ضغط غير مباشر على خصومها، وعلى توسيع مفهوم الردع من الدفاع عن الحدود إلى التأثير في بيئات جغرافية متعددة.

غير أن هذه الشبكة، التي يشار إليها غالبًا بوصفها "وكلاء" أو "قوى حليفة"، لا ينبغي النظر إليها باعتبارها بديلًا مطابقًا للقوة النووية. فهناك فارق جوهري بين الردع عبر الوكلاء والردع الاستراتيجي النووي، فالأول يسمح بتوزيع النفوذ وخلق ساحات ضغط واستنزاف، لكنه يظل معرضًا للردود العسكرية والاستهداف المباشر والتفكيك التدريجي، أما الثاني، فيرفع مستوى المخاطر إلى درجة تجعل الخصم أكثر حذرًا في اتخاذ قرارات الحرب الشاملة.

ولذلك، فإن تخلي إيران افتراضيًا عن برنامجها النووي مقابل استمرار نفوذها الإقليمي لا يعني بالضرورة أن المخاوف الإسرائيلية ستتلاشى، كما أن استمرار النفوذ الإقليمي لا يعوض، من وجهة طهران، الفارق الذي يمكن أن تصنعه القدرة الاستراتيجية، فكلتا الأداتين تنتميان إلى مستويين مختلفين من القوة: الأولى أداة نفوذ وصراع إقليمي، والثانية أداة ردع تعيد تعريف حدود الصراع نفسه.

ومن هنا تتشكل العقدة الأساسية: إسرائيل تريد منع خصومها من الوصول إلى مستوى يسمح لهم بفرض توازن استراتيجي جديد، بينما تسعى إيران إلى تحسين موقعها التفاوضي والأمني في بيئة ترى أنها شديدة العدائية. وبين الطرفين تقف الولايات المتحدة والقوى الغربية أمام معضلة مزدوجة؛ فهي تريد منع الانتشار النووي، لكنها في الوقت ذاته تريد الحفاظ على منظومة أمنية إقليمية تمنع الانفجار الشامل.

وفي المحصلة، فإن السؤال الحقيقي يتعلق بما سيحدث للنظام الإقليمي إذا أصبحت القدرة النووية جزءًا من معادلة الردع في الشرق الأوسط. فبمجرد كسر الاحتكار، ستدخل المنطقة مرحلة جديدة من الحسابات، وقد تبدأ دول أخرى في إعادة النظر في خياراتها الاستراتيجية. وهكذا، يصبح البرنامج النووي الإيراني نقطة التقاء بين مخاوف إسرائيلية تتعلق بالتفوق، ومخاوف غربية تتعلق بالانتشار، وطموحات إيرانية تتصل بالأمن والسيادة والنفوذ.

إنها، في جوهرها، معركة على من يملك الحق في رسم سقف القوة في المنطقة؛ وهي معركة تتجاوز اليورانيوم والمنشآت وأجهزة الطرد المركزي، لتصل إلى السؤال الأكثر عمقًا: هل يبقى الشرق الأوسط فضاءً تُحتكر فيه القدرة الاستراتيجية العليا من قبل طرف واحد أو مجموعة محدودة من القوى، أم أن التحولات السياسية والجيوسياسية ستدفع نحو إعادة توزيع هذه القدرة، بما يحمله ذلك من فرص للردع ومخاطر للانفجار في آن واحد؟

الفصل الثاني: القرار المستقل والوكلاء النوويون وحدود القوة المسموح بها

إذا كان احتكار القدرة النووية يمثل أحد أوجه الصراع على مستقبل الشرق الأوسط، فإن الوجه الآخر لا يقل أهمية، ويتمثل في الصراع على من يملك قرار القوة، فالدولة لا تتحول إلى مصدر قلق استراتيجي لمجرد امتلاكها أدوات عسكرية متقدمة، ذلك أن الحساسية تتضاعف تجاهها عندما يقترن امتلاك القوة بقدر ملموس من الاستقلال في اتخاذ القرار. ومن هذه النقطة، يمكن قراءة جانب مهم من التنافس الدولي حول إيران، وباكستان، وتركيا وغيرها من القوى الإقليمية التي تسعى، بدرجات مختلفة، إلى توسيع هامش حركتها بعيدًا عن الهيمنة الكاملة لأي قوة دولية.

إن النظام الدولي لا يعمل وفق قاعدة بسيطة مفادها أن "امتلاك القوة ممنوع" أو أن "القوة حكر على دول بعينها"، إذ يقوم على شبكة أكثر تعقيدًا من القبول المشروط. فالقوة تصبح أقل إثارة للقلق عندما تكون محكومة بمنظومة تحالفات يمكن التنبؤ بها، وعندما يكون صاحبها جزءًا من بنية أمنية متجانسة نسبيًا. أما عندما تظهر دولة تسعى إلى الجمع بين القوة العسكرية والتكنولوجيا المتقدمة والقرار السياسي المستقل، فإنها تتحول إلى موضوع مراقبة وضغط واحتواء.

وفي هذا السياق، يصبح مفهوم الاستقلال نسبيًا لا مطلقًا. فلا توجد، في عالم مترابط اقتصاديًا وأمنيًا، دولة تتحرك في فراغ كامل. حتى القوى الكبرى نفسها تخضع لحسابات الأسواق والتحالفات والرأي العام والتوازنات الدولية. لكن الفارق يكمن في مقدار المساحة التي تستطيع الدولة أن تتحرك ضمنها دون أن تصبح قراراتها امتدادًا مباشرًا لإرادة قوة أخرى.

ومن هنا، يمكن فهم حساسية بعض القوى الغربية تجاه أي مشروع إقليمي يسعى إلى إنتاج هامش قرار مستقل. فالمسألة تعني الخشية من أن يقترن هذا الاستقلال بقدرات تسمح بإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية. فالدولة التي تمتلك اقتصادًا قويًا، وقاعدة صناعية متقدمة، وقدرات عسكرية متطورة، وشبكة تحالفات خاصة بها، تصبح أكثر قدرة على رفض الإملاءات وإنتاج خيارات بديلة.

لكن عندما ننتقل إلى السلاح النووي، تتعقد المعادلة بصورة أكبر. فهذه الأسلحة تمنح صاحبها ما يمكن وصفه بـ"الحصانة السياسية النسبية". فالدول المسلحة نوويًا لا تصبح محصنة بالكامل من العقوبات أو الضغوط، لكنها تفرض على خصومها قيودًا إضافية في التفكير باستخدام القوة ضدها. ومن ثم، فإن الانتقال من دولة إقليمية قوية إلى دولة تمتلك قدرة ردع نووية قد يعني تحولًا نوعيًا في موقعها داخل النظام الدولي.

وتكشف تجربة باكستان عن جانب مهم من هذه الحقيقة. فوجود سلاح نووي باكستاني لم يُلغِ تأثير الولايات المتحدة أو القوى الغربية على الدولة الباكستانية، كما لم يجعل المؤسسة السياسية أو العسكرية حرة من القيود. بل على العكس، ظل القرار النووي محاطًا ببنية أمنية شديدة الحساسية، وبعلاقات دولية معقدة، وبحسابات مرتبطة بالهند وبالتوازن الإقليمي والدولي.

ومن الخطأ، لذلك، التعامل مع امتلاك السلاح النووي باعتباره تفويضًا مفتوحًا باستخدامه. فقرار الاستخدام هو القرار الأكثر خطورة في حياة أي دولة نووية، وهو لا ينفصل عن سلسلة طويلة من التقديرات العسكرية والسياسية. كما أن القيادة التي تتخذ قرارًا نوويًا تدرك أن النتائج لن تكون محصورة في ساحة القتال، بل قد تمتد إلى إعادة تعريف مستقبل الدولة نفسها.

ولهذا، فإن فكرة أن جهة سياسية تستطيع ببساطة أن تقرر استخدام السلاح النووي، بعيدًا عن المؤسسة العسكرية والأمنية وعن منظومة القيادة والسيطرة، هي فكرة لا تنسجم مع طبيعة إدارة هذه الأسلحة. وتزداد أهمية هذه النقطة في الدول التي يكون للمؤسسة العسكرية دور مركزي في صناعة القرار الاستراتيجي؛ إذ تصبح البنية المؤسسية جزءًا من منظومة الردع ذاتها.

غير أن هذه الحقيقة لا تعني أن السيطرة المؤسسية تلغي المخاطر. فوجود السلاح النووي في دولة تعاني من تنافس داخلي أو انقسامات سياسية أو ضغوط خارجية يجعل مسألة أمن السلاح والقرار المتعلق به قضية دائمة الحضور. ولذلك، فإن القوى الدولية تراقب حجم الترسانة النووية، وتراقب أيضًا استقرار الدولة، وطبيعة مؤسساتها، والعلاقات داخل مراكز القوة فيها.

ومن هنا تتفرع قضية أكثر تعقيدًا، وهي العلاقة بين القوة النووية والقوى غير النظامية أو الوكلاء. فإيران، على سبيل المثال، طورت نموذجًا مختلفًا من النفوذ يقوم على دعم حلفاء وقوى مسلحة في أكثر من ساحة. وقد وفر هذا النموذج لإيران قدرة على إدارة الصراع بدرجات متفاوتة من الإنكار السياسي والمرونة العسكرية، بحيث لا تتحول كل مواجهة إلى حرب مباشرة بين دولتين.

لكن هذا النموذج يواجه حدودًا واضحة. فالوكلاء يمكن أن يوسعوا النفوذ، لكنهم لا يستطيعون إنتاج حصانة استراتيجية مطلقة. بل إن الاعتماد عليهم قد يفتح المجال أمام استنزاف طويل، أو ردود عسكرية متتابعة، أو صراعات تخرج تدريجيًا عن نطاق السيطرة. وهنا تكمن المفارقة: ما يمنح الدولة قدرة على الضغط في مرحلة معينة قد يتحول، في مرحلة أخرى، إلى مصدر استنزاف لها.

ومن ثم، فإن السؤال الذي يطرح نفسه ليس: هل تستطيع إيران التخلي عن مشروع نووي مقابل الاحتفاظ بوكلائها؟ وإنما: هل يمكن أصلًا موازنة أدوات النفوذ المختلفة بهذه الطريقة؟ فالقدرة النووية، حتى في حال عدم إنتاج سلاح فعلي، تمنح الدولة أوراقًا تفاوضية واستراتيجية تختلف جذريًا عن تلك التي توفرها الجماعات الحليفة. الأولى تتعامل مع مستقبل الدولة في مواجهة خصومها الكبار، والثانية تتعامل غالبًا مع إدارة الصراع في ساحات متعددة.

وعندما تنظر إسرائيل إلى هذا المشهد، فإنها ترى تهديدًا متعدد الطبقات. فهي تواجه برنامجًا نوويًا تخشى من تطوره، وقدرات صاروخية متقدمة، وشبكة من القوى الحليفة لإيران في الإقليم. لكن ترتيب الأولويات داخل هذا التهديد ليس متساويًا؛ لأن الخطر الذي يمكن احتواؤه عبر العمليات العسكرية أو الضربات المحدودة يختلف عن الخطر الذي يمكن أن يفرض ردعًا استراتيجيًا طويل الأمد.

ولهذا السبب، فإن الملف النووي يحتل موقعًا مركزيًا في التفكير الإسرائيلي. فالقوى الحليفة لإيران يمكن استهدافها أو إضعافها أو محاصرتها، أما الوصول إلى عتبة نووية متقدمة فقد يخلق واقعًا يصعب التراجع عنه. إن الفارق بين المسارين يشبه الفارق بين إدارة أزمة مستمرة وبين منع ولادة معادلة استراتيجية جديدة.

وفي المقابل، ترى إيران أن التخلي الكامل عن أوراق قوتها، في بيئة لا تثق فيها بالضمانات الدولية، قد يجعلها أكثر عرضة للضغط والتهديد. ومن هنا يتشكل ما يمكن تسميته بـ"معضلة الأمن المتبادل"، أي أن كل طرف يعتبر إجراءاته دفاعية، بينما يراها الطرف الآخر هجومية. إيران تعزز قدراتها لأنها تخشى التهديد، وإسرائيل تسعى إلى منع هذه القدرات لأنها تخشى ما يمكن أن تصبح عليه إيران لاحقًا.

هذه المعضلة لا تُحل بالقدرات العسكرية وحدها، لأن كل ضربة قد تدفع الطرف الآخر إلى تسريع مسار جديد من التسليح أو التحصين. كما أنها لا تُحل بالاتفاقات وحدها ما لم تتضمن آليات قادرة على معالجة المخاوف الجوهرية للطرفين. ولذلك، فإن أي تسوية مستقبلية ستواجه سؤالًا بالغ الصعوبة: كيف يمكن منع الانتشار النووي من دون تحويل الاتفاق إلى استسلام استراتيجي لطرف، وكيف يمكن ضمان أمن إسرائيل من دون الإبقاء على حالة تفوق مطلق تدفع الآخرين إلى البحث المستمر عن وسائل موازنة؟

وعلى امتداد هذه المعادلة، تبرز تركيا بوصفها نموذجًا آخر للدولة الإقليمية التي تسعى إلى توسيع استقلال قرارها وقدراتها الصناعية والعسكرية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنها تسير نحو الخيار النووي. فإدخال تركيا في النقاش يوضح أن المسألة مرتبطة بالقدرة على بناء مشروع وطني يمتلك هامشًا من الاستقلال داخل شبكة التحالفات الدولية.

وفي المحصلة النهائية، يبدو أن الشرق الأوسط يتجه إلى مرحلة تتراجع فيها الحدود التقليدية بين القوة العسكرية والسيادة السياسية. ومن هنا، فإن الجدل حول السلاح النووي يجب أن يُقرأ باعتباره جزءًا من سؤال أكبر: هل يسمح النظام الإقليمي والدولي بظهور مراكز قوة جديدة قادرة على امتلاك قرار استراتيجي مستقل، أم أن كل محاولة للخروج من التراتبية القائمة ستواجه بسياسات الاحتواء والضغط والمنع؟

إن مستقبل المنطقة سيتوقف بدرجة كبيرة على الإجابة عن هذا السؤال. فإذا استمر منطق احتكار القوة من دون بناء منظومة أمنية أكثر توازنًا، فإن الدول التي تشعر بالتهديد ستواصل البحث عن أدوات بديلة للردع. أما إذا جرى بناء ترتيبات أمنية حقيقية تقوم على الضمانات المتبادلة والرقابة المتوازنة والاعتراف بمصالح جميع الأطراف، فقد يصبح من الممكن تخفيف دوافع الانتشار.

لكن بين الاحتمالين، ستبقى الحقيقة الأكثر ثباتًا أن السلاح النووي ليس مجرد قضية عسكرية، وأن الوكلاء ليسوا مجرد أدوات محلية، وأن استقلال القرار ليس شعارًا سياسيًا مجردًا. إنها جميعًا عناصر في صراع واحد يدور حول من يحدد شكل القوة، ومن يرسم حدودها، ومن يملك حق تجاوز السقف الذي فُرض على الآخرين لعقود طويلة.

 

 

الفصل الثالث: إعادة تشكيل خرائط النفوذ في الإقليم بين إدارة الصراعات واقتصاد الحروب

لا تُدار الحروب في الشرق الأوسط دائمًا من خلال الأطراف التي تظهر في مقدمة المشهد، ولا يمكن فهم كثير من الصراعات التي عصفت بالمنطقة عبر العقود بوصفها مواجهات محلية منفصلة عن البيئة الدولية والإقليمية المحيطة بها. فخلف خطوط النار، وتحت ضجيج الشعارات والهويات المتصارعة، تعمل منظومة أكثر تعقيدًا تتداخل فيها المصالح الاقتصادية، والتحالفات الأمنية، واستراتيجيات الاحتواء، وسياسات استنزاف الخصوم. ومن هنا: من يدفع كلفة الصراع، ومن يحدد مساره، ومن يخرج منه بأقل قدر من الخسائر؟

ضمن هذه المعادلة، برزت الولايات المتحدة بوصفها القوة الأكثر قدرة على إدارة الأزمات الإقليمية من موقع يختلف عن موقع الدول المنخرطة مباشرة في ساحات القتال. فالقوة العظمى لا تحتاج بالضرورة إلى أن تكون الطرف الذي يدفع الثمن البشري والاقتصادي الأكبر، إذ تستطيع أن توظف شبكة واسعة من التحالفات والقواعد والاتفاقيات الدفاعية والصفقات العسكرية لإعادة توزيع أعباء المواجهة.

وهنا تظهر ما يمكن تسميته بـ"الكلفة الجيوسياسية"؛ أي نقل جزء كبير من كلفة الصراع إلى الأطراف الإقليمية، بينما تحتفظ القوة الكبرى بدور الموجّه أو الداعم أو الضامن أو المورد العسكري. فالحرب قد تُخاض على أرض دولة، وتُموّل من موارد دولة أخرى، وتُدار سياسيًا من عاصمة ثالثة، فيما تستفيد منها قوى دولية تمتلك القدرة على تحويل الأزمات إلى أدوات لتعزيز النفوذ.

ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة لا تتحمل أعباء الحروب أو أنها تخرج من كل مواجهة بلا خسائر؛ فالتدخلات العسكرية الأميركية أنتجت، تاريخيًا، خسائر بشرية واقتصادية وسياسية ضخمة. إلا أن المقارنة بين كلفة الحرب على الدولة العظمى وكلفتها على الدول التي تتحول أراضيها إلى مسارح مفتوحة للصراع تكشف تفاوتًا جوهريًا. فالدولة التي تخوض الحرب خارج حدودها قد تنسحب، أو تعيد التموضع، أو تغيّر استراتيجيتها، بينما تبقى الدولة التي دارت الحرب على أرضها محكومة بإعادة الإعمار والانقسام الداخلي وتداعيات النزوح وانهيار المؤسسات.

وفي المقابل، اعتمدت الولايات المتحدة على منظومة واسعة من العلاقات الدفاعية مع دول المنطقة، تقوم على تبادل المصالح الأمنية والاقتصادية. فالدول الإقليمية تبحث عن ضمانات أمنية وتقنيات عسكرية متقدمة، بينما تجد الولايات المتحدة في هذه العلاقات وسيلة للحفاظ على حضورها الاستراتيجي وتعزيز نفوذها الاقتصادي والعسكري. وبذلك، تتشكل شبكة من الاعتماد المتبادل، لا يمكن اختزالها في علاقة طرف قوي وآخر ضعيف، لكنها تبقى محكومة بفارق واضح في القدرة على اتخاذ القرار ورسم حدود اللعبة.

وفي قلب هذه الشبكة تقف إيران بوصفها حالة مختلفة عن كثير من دول المنطقة. فالحديث عن إيران باعتبارها دولة يمكن إسقاطها أو إعادة تشكيلها بسهولة يتجاهل مجموعة من الحقائق الجغرافية والديموغرافية والتاريخية والعسكرية. فإيران دولة كبيرة من حيث المساحة وعدد السكان، وتمتلك عمقًا جغرافيًا وبنية مؤسساتية وعسكرية واسعة، فضلًا عن تجربة طويلة في التعامل مع العقوبات والعزلة والضغوط الخارجية.

ومن ثم، فإن أي محاولة لفهم الصراع معها باعتباره مواجهة سريعة أو عملية عسكرية يمكن أن تنتهي بإسقاط النظام أو إعادة ترتيب الدولة تتجاهل طبيعة التجارب السابقة في المنطقة. فالدول الكبيرة ذات البنى المؤسسية والعسكرية المعقدة لا تنهار بالضرورة نتيجة الضربات العسكرية، إذ قد يؤدي الضغط الخارجي في بعض الحالات إلى إعادة إنتاج تماسك داخلي، أو إلى فتح مرحلة طويلة من الصراع يصعب التحكم بمساراتها.

ولعل هذا ما يجعل إيران عنصرًا دائم الحضور في الحسابات الأميركية والإسرائيلية والخليجية. فالقضية لا تتعلق فقط بقدراتها العسكرية أو برنامجها النووي، وإنما أيضًا بقدرتها على بناء شبكة نفوذ تتجاوز حدودها. لقد اعتمدت طهران، على مدى عقود، على استراتيجية تقوم على توسيع مساحة التأثير من خلال حلفاء وقوى سياسية ومسلحة في أكثر من دولة.

غير أن تفسير نشوء هذه القوى بوصفه نتيجة قرار طرف واحد فقط يبقى تبسيطًا مخلًا بالتاريخ. فظهور الحركات والتنظيمات المسلحة في لبنان والعراق وسوريا واليمن ارتبط بظروف محلية وإقليمية متشابكة، وبحروب واحتلالات وانقسامات سياسية وطائفية وتدخلات متعددة الأطراف. صحيح أن إيران أصبحت لاحقًا لاعبًا محوريًا في دعم عدد من هذه القوى، لكن اختزال نشأتها كلها في "عملية زرع" خارجية واحدة يتجاهل السياقات التي أنتجتها.

ويُعد لبنان نموذجًا واضحًا لهذا التعقيد. فالحرب الأهلية اللبنانية، والتدخل السوري، والاجتياح الإسرائيلي عام 1982، والانقسام الداخلي، والبيئة الطائفية، جميعها عوامل ساهمت في إعادة تشكيل الخريطة السياسية والعسكرية للبلاد. وفي هذا السياق برزت حركة أمل، ثم ظهر حزب الله في بيئة الاحتلال والصراع والتحولات الشيعية السياسية، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى أحد أبرز القوى العسكرية والسياسية في لبنان.

وبالتالي، فإن قراءة العلاقة بين سوريا وحزب الله بوصفها مجرد علاقة "إحلال" مباشر بين الجيش السوري والتنظيم لا تفسر المسار التاريخي بكامل تعقيداته. فالوجود السوري في لبنان استمر لعقود، بينما تطورت قوة حزب الله ضمن مسار مختلف ارتبط بالدعم الإيراني، وبالواقع اللبناني، وبالصراع مع إسرائيل. ومع ذلك، فإن النتيجة النهائية كانت أن لبنان أصبح ساحة تتقاطع فيها مشاريع نفوذ إقليمية ودولية متعددة.

وهنا تتجلى إحدى أهم سمات الشرق الأوسط المعاصر: تحويل الجغرافيا الوطنية إلى ساحة تقاطع بين مشاريع الآخرين. فالدولة الضعيفة أو المنقسمة لا تبقى محايدة بالضرورة، وقد تصبح مساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. وكلما تراجعت قدرة المؤسسات الوطنية على احتكار القوة، ازدادت قدرة القوى الخارجية على بناء علاقات مع أطراف محلية تستطيع من خلالها التأثير في المشهد.

وفي هذه البيئة، برزت فكرة إدارة الصراعات عبر أطراف محلية أو إقليمية بدلًا من الانخراط المباشر. ويمكن وصف هذه الاستراتيجية بـ"الاستنزاف بالوكالة"، حيث تجد القوى الكبرى نفسها قادرة على دعم طرف دون الدخول في حرب شاملة، أو ممارسة الضغط من خلال العقوبات والدعم العسكري والاستخباراتي بدلًا من إرسال قواتها مباشرة إلى الميدان.

غير أن هذه الاستراتيجية ليست خالية من المخاطر. فالقوى التي يجري دعمها لتحقيق أهداف مرحلية قد تتحول إلى أطراف مستقلة ذات مصالح خاصة، وقد تتجاوز حدود الدور المرسوم لها. كما أن الصراع بالوكالة قد يطيل أمد الحرب بدلًا من حسمها، لأن كل طرف يحصل على الموارد الكافية للاستمرار دون أن يمتلك القدرة الكاملة على تحقيق انتصار نهائي.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الدعوات المتكررة إلى أن تتحمل الدول المحلية مسؤولية مواجهة القوى المسلحة داخل أراضيها. فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، قد تفضّل في بعض الحالات تعزيز مؤسسات الدولة والجيش النظامي ليكونا الطرف القادر على فرض السيطرة، بدل الانخراط العسكري المباشر. لكن نجاح هذه السياسة يتطلب شروطًا صعبة، أبرزها وجود دولة متماسكة، وجيش يمتلك الشرعية الوطنية، وتوافق سياسي يسمح باستخدام القوة دون تحويلها إلى حرب أهلية جديدة.

وهنا تكمن المشكلة في الحالة اللبنانية. فالصراع مع حزب الله لا يمكن النظر إليه كمسألة عسكرية فقط، لأن الحزب ليس مجرد تشكيل مسلح منفصل عن المجتمع، فهو أيضًا تنظيم سياسي واجتماعي يمتلك قاعدة شعبية ومؤسسات وحضورًا برلمانيًا. ولذلك، فإن أي تصور يقوم على مواجهة مباشرة بين الجيش اللبناني والحزب يفتح الباب أمام أسئلة خطيرة حول مستقبل الاستقرار الداخلي.

ومع ذلك، يبقى المبدأ الأساسي الذي تسعى إليه القوى الدولية واضحًا: إعادة تعزيز الدولة الوطنية بوصفها الجهة الوحيدة التي يفترض أن تمتلك حق استخدام القوة. غير أن الانتقال من هذا المبدأ النظري إلى التطبيق العملي يتطلب تسوية سياسية عميقة، وليس مجرد تسليح جيش أو تقديم مساعدات عسكرية.

وفي سوريا، تأخذ المعادلة شكلًا مختلفًا. فالحرب التي امتدت لسنوات أعادت تفكيك الجغرافيا السياسية والعسكرية للدولة، وفتحت المجال أمام تدخلات روسية، وإيرانية، وتركية، وأميركية، وإسرائيلية. ولذلك، فإن الحديث عن مستقبل سوريا لا ينفصل عن التوازن بين هذه القوى، ولا يمكن اختزال مستقبلها في قرار داخلي منفصل عن البيئة الإقليمية.

وتكشف هذه الصورة أن الولايات المتحدة لا تحتاج، في كل مرحلة، إلى أن تكون اللاعب العسكري المباشر حتى تكون حاضرة في المعادلة. فالقواعد، والتحالفات، والعقوبات، والمساعدات، والاتفاقيات الدفاعية، والتفوق التكنولوجي، كلها أدوات تسمح لها بالتأثير من دون تحمّل الكلفة الكاملة للحرب التقليدية.

أما القول بأن الولايات المتحدة على وشك الانهيار أو الخروج الكامل من النظام الدولي، فهو بدوره تبسيط يتجاهل حجم قوتها الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية وتحالفاتها العالمية. فالولايات المتحدة قد تتراجع في بعض المناطق، وقد تعيد ترتيب أولوياتها، وقد تواجه منافسين دوليين صاعدين، لكن إعادة التموضع لا تعني بالضرورة الانهيار.

وبين هذا وذاك، تبقى المنطقة هي المساحة التي تُختبر فيها الاستراتيجيات. فكل صراع يفتح الباب أمام تحالف جديد، وكل فراغ في السلطة يدعو قوة أخرى إلى ملئه، وكل دولة ضعيفة تتحول تدريجيًا إلى نقطة جذب للمشاريع المتنافسة.

وهكذا، فإن أخطر ما تواجهه المنطقة ليس مجرد وجود صراع بين الولايات المتحدة وإيران أو بين إسرائيل وحلفائها من جهة ومحور المقاومة من جهة أخرى، ذلك أن استمرار قابلية الإقليم لأن يكون منصة لتوزيع الصراعات بدل أن يكون طرفًا قادرًا على إنتاج أمنه الخاص.

إن المستقبل، في ضوء ذلك، تحدده قدرة الدول على استعادة قرارها الوطني، وبناء مؤسسات قادرة على منع تحويل أراضيها إلى ساحات حرب بالوكالة. فكلما استمرت الجغرافيا العربية في أداء دور "المسرح"، بقي الآخرون قادرين على كتابة سيناريوهات الصراع، حتى وإن تغير الممثلون الذين يقفون على خشبة الأحداث.

الفصل الرابع: الجغرافيا الاستراتيجية ومسارات التسوية وإعادة تعريف الصراع

لا يمكن فهم مستقبل العلاقة بين سوريا وإسرائيل من دون الوقوف أمام العقدة الأكثر حساسية في هذا الملف: مرتفعات الجولان. فالجولان يمثل عقدة جغرافية وعسكرية ومائية وسياسية تتجاوز مساحته الفعلية بكثير. ولذلك، فإن أي حديث عن اتفاق سلام سوري - إسرائيلي يصطدم مباشرة بالسؤال الذي لم يجد إجابة حاسمة منذ عقود: هل يمكن الوصول إلى تسوية نهائية من دون معالجة قضية الجولان؟

من الناحية الاستراتيجية، يمنح الجولان من يسيطر عليه موقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية، إذ يشرف على مناطق واسعة من شمال فلسطين المحتلة وجنوب غرب سوريا، كما يرتبط بموارد مائية وبممرات عسكرية حساسة. ولهذا، لم يكن التمسك الإسرائيلي بالجولان قائمًا على اعتبارات رمزية فقط، بل ارتبط بعقيدة أمنية تعتبر المرتفعات جزءًا من العمق الدفاعي الإسرائيلي.

ومن هنا، فإن التصور القائل إن إسرائيل يمكن أن تتخلى بسهولة عن الجولان مقابل حزمة اقتصادية أو سياسية يبقى بعيدًا عن طبيعة التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي. فقد أثبتت التجارب أن بعض الأراضي تكتسب في حسابات الأمن القومي قيمة تتجاوز الكلفة السياسية للاحتفاظ بها. والجولان ينتمي، في المنظور الإسرائيلي، إلى هذه الفئة.

لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن السيادة على الجولان تمثل أحد أهم مرتكزات الموقف السوري. فأي حكومة سورية تسعى إلى بناء شرعية وطنية طويلة الأمد ستواجه صعوبة في تجاوز قضية أرض تعتبرها دمشق محتلة. وهنا تتولد معادلة شديدة التعقيد: إسرائيل تنظر إلى الجولان باعتباره ضرورة أمنية، بينما تنظر سوريا إليه باعتباره جزءًا من السيادة الوطنية.

وبين هذين المنظورين، تدخل الولايات المتحدة بوصفها الطرف الأكثر قدرة على التأثير في شكل التسوية. فالولايات المتحدة تمتلك أدوات اقتصادية وسياسية وعسكرية يمكن استخدامها لدعم أي اتفاق محتمل. ويمكنها تقديم مساعدات وإعادة ترتيب العقوبات وفتح المجال أمام برامج إعادة الإعمار، فضلًا عن دعم إعادة بناء المؤسسات العسكرية والاقتصادية.

غير أن الدعم الأميركي لا يكون، في الغالب، مجانيًا أو منفصلًا عن المصالح الاستراتيجية. فالمساعدات العسكرية، على سبيل المثال، ترتبط بأنظمة تدريب وصيانة وقطع غيار وشروط استخدام وقيود تقنية. وهذا يعني أن إعادة تأهيل جيش ما عبر المنظومة الأميركية يمكن أن تمنحه قدرات كبيرة، لكنه في الوقت نفسه يربطه بمنظومة أوسع من العلاقات والالتزامات.

وهنا يظهر الفرق بين امتلاك السلاح وامتلاك القدرة الكاملة على استخدامه بصورة مستقلة. فالدولة التي تعتمد بشكل كامل على الخارج في التسليح والصيانة والتكنولوجيا تظل قدرتها العسكرية مرتبطة بالعلاقة السياسية مع المورد. ومن ثم، فإن إعادة بناء أي جيش في المنطقة لا تتعلق فقط بعدد الطائرات والدبابات، بل بنوعية التكنولوجيا، ودرجة الاعتماد، وطبيعة الاتفاقيات المصاحبة لها.

وفي الحالة السورية، يمكن أن تصبح إعادة الإعمار وإعادة التأهيل الاقتصادي جزءًا من أي عملية سياسية شاملة. فسوريا تحتاج إلى استثمارات ضخمة لإعادة بناء بنيتها التحتية واقتصادها ومؤسساتها، وهذا يفتح المجال أمام القوى الدولية والإقليمية لاستخدام الاقتصاد بوصفه أداة تأثير.

ومن هذه النقطة، يمكن تصور سيناريو تقوم فيه القوى الدولية بعرض حوافز اقتصادية وسياسية كبيرة مقابل انخراط سوريا في ترتيبات أمنية جديدة. لكن العقدة ستبقى في تحديد حدود هذه الترتيبات: هل تتضمن سلامًا كاملًا مع إسرائيل؟ هل تؤدي إلى ترتيبات أمنية في الجنوب؟ وهل تتعامل مع الجولان بوصفه ملفًا قابلًا للتفاوض أم باعتباره واقعًا مفروضًا؟

هذه الأسئلة هي التي ستحدد مستقبل التسوية، لا حجم المساعدات المالية وحده.

وفي السنوات الأخيرة، ازدادت أهمية جنوب سوريا باعتباره منطقة تماس بين عدة مصالح متعارضة. فهناك الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية، والحسابات السورية، والمصالح الإيرانية، والوجود أو النفوذ الروسي، والدور الأميركي، فضلًا عن حساسية الحدود الأردنية. ولذلك، فإن أي تحرك عسكري أو أمني في هذه المنطقة لا يمكن فصله عن التوازنات الأوسع.

وفي هذا السياق، يصبح الضغط الأمني أحد أدوات دفع الأطراف نحو التفاوض. فإسرائيل قد تستخدم القوة العسكرية أو التهديد بها لمنع تموضع خصومها قرب حدودها، بينما قد تسعى القوى الدولية إلى استخدام الترتيبات الأمنية بوصفها مدخلًا لإعادة رسم العلاقة بين دمشق وتل أبيب.

لكن هناك فارقًا بين اتفاق لخفض التوتر وبين اتفاق سلام شامل. فالأول يمكن أن يقوم على ترتيبات أمنية محددة، بينما يتطلب الثاني معالجة قضايا السيادة والحدود والاعتراف السياسي. ولهذا، فإن الانتقال من إدارة الصراع إلى إنهائه يحتاج إلى تنازلات مؤلمة من جميع الأطراف، وهي تنازلات لم تظهر حتى الآن بوصفها خيارًا سهلًا أو مضمونًا.

ومن هنا، فإن أي توقع بانتهاء قضية الجولان عبر اتفاق سريع يجب التعامل معه بحذر. فقد تستطيع الأطراف الوصول إلى تفاهمات أمنية، أو ترتيبات لخفض التصعيد، أو صيغ للتعاون غير المباشر، لكن إنهاء النزاع حول الأرض يتطلب تحولًا عميقًا في الحسابات الاستراتيجية.

ولعل أحد أكثر السيناريوهات التي يجري تداولها يتمثل في ربط السلام بالاقتصاد؛ أي تقديم حوافز مالية ضخمة مقابل تغيير في الموقع السياسي. هذا النموذج ليس جديدًا في السياسة الدولية، إذ كثيرًا ما تستخدم المساعدات والاستثمارات وإعادة الإعمار لتشجيع التحولات السياسية. لكن الاقتصاد، مهما بلغ حجمه، لا يستطيع دائمًا شراء ملفات ترتبط بالهوية والسيادة والذاكرة الوطنية.

ومن هنا، فإن الحديث عن تقديم عشرات أو حتى مئات المليارات لسوريا لا يعني تلقائيًا أن ملف الجولان سيختفي من الوعي السياسي السوري. فالأرض جزء من تعريف الدولة لحدودها وسيادتها. وفي الوقت نفسه، فإن استمرار التمسك بالحقوق الوطنية لا يلغي حقيقة اختلال ميزان القوى على الأرض.

وهنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات قسوة في السياسة الدولية: امتلاك الحق لا يعني دائمًا امتلاك القدرة على استعادته. فالقانون الدولي قد يحدد موقفًا، لكن تنفيذ هذا الموقف يبقى مرتبطًا بالقوة السياسية والدبلوماسية والعسكرية والتحالفات الدولية.

ولهذا، فإن أي تغيير حقيقي في وضع الجولان يحتاج إلى تحول في ميزان القوى أو إلى اتفاق سياسي يقدم ضمانات تجعل التخلي الإسرائيلي عن جزء من السيطرة أكثر قبولًا من استمرار الاحتلال. وحتى الآن، لا تبدو هذه المعادلة سهلة التحقق.

وفي المقابل، يطرح الحديث عن وحدة عربية أو إسلامية أوسع بوصفها أحد العوامل التي يمكن أن تغير ميزان الضغط على إسرائيل. فكلما امتلكت الدول العربية والإسلامية قدرة أكبر على تنسيق مواقفها السياسية والاقتصادية والأمنية، ازدادت قدرتها على التأثير في الملفات الإقليمية. إلا أن تحويل هذا الطموح إلى تحالف عسكري موحد يشبه "ناتو إسلاميًا" يظل مشروعًا شديد التعقيد، بسبب اختلاف المصالح والتهديدات والعلاقات الدولية بين الدول المنضوية فيه.

ومع ذلك، فإن مجرد تعزيز التعاون الدفاعي الإقليمي يمكن أن يغيّر منطق التعامل مع الأزمات. فالدول المنفردة تواجه تحديات أكبر في حماية مصالحها، بينما تستطيع التكتلات بناء قوة تفاوضية أوسع. ومن هنا، فإن مستقبل الأمن الإقليمي قد يتجه نحو نماذج جديدة من التعاون، لا تصل بالضرورة إلى تحالف عسكري كامل، لكنها تمنح المنطقة قدرة أكبر على إدارة أزماتها.

وفي المحصلة النهائية، فإن قضية الجولان تكشف طبيعة الصراع في الشرق الأوسط بصورة مكثفة. فهي تجمع بين الاحتلال والسيادة والأمن والموارد والجغرافيا والتحالفات الدولية. ولذلك، فإن التعامل معها بوصفها ملفًا يمكن حسمه بالمال أو بالقوة وحدها يبقى قراءة ناقصة.

إن الجولان، في جوهره، اختبار لقدرة الإقليم على الانتقال من إدارة الأزمات إلى إنتاج التسويات. فإذا استمرت المنطقة في حالة الانقسام والتنافس الداخلي، ستبقى الملفات الكبرى خاضعة لموازين القوى التي يفرضها الآخرون. أما إذا نشأت منظومة إقليمية أكثر تماسكًا، قادرة على الجمع بين القوة السياسية والاقتصادية والدبلوماسية، فقد يصبح بالإمكان إعادة فتح الملفات التي تبدو اليوم مغلقة.

وبين اقتصاد الحروب في المحور الأول، وجغرافيا الجولان في هذا المحور، تتكشف صورة واحدة: أن الشرق الأوسط لا يعيش صراعات منفصلة، بقدر ما يواجه عملية مستمرة لإعادة تشكيل خرائط النفوذ، وتوزيع القوة، وتحديد من يملك حق تقرير مستقبل الأرض والدولة والسيادة.

وفي هذا السياق، قد تتغير الحكومات، وتتبدل التحالفات، وتُرفع العقوبات أو تُفرض أخرى، وقد تُفتح مسارات تفاوض وتُغلق، لكن الجغرافيا الاستراتيجية تبقى أحد أكثر العوامل ثباتًا. ولهذا، فإن مستقبل سوريا والجولان ستحسم بقدرة الأطراف على إدراك أن التسوية الحقيقية لا يمكن أن تقوم على إلغاء ذاكرة طرف لصالح انتصار طرف آخر، وإنما على بناء معادلة جديدة تجعل السلام أكثر جدوى من استمرار الصراع، والسيادة أكثر قابلية للحماية من البقاء رهينة لموازين القوة المفروضة.

خاتمة

تكشف قراءة المشهد الإقليمي، في ضوء المحاور التي تناولتها الورقة، أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة إعادة تشكل لا يمكن اختزالها في حرب واحدة أو أزمة واحدة أو تحالف واحد. فالمشهد الذي يتبلور اليوم هو نتاج تراكم طويل من اختلالات القوة، وفشل التسويات، وتنافس المشاريع الإقليمية، وتداخل المصالح الدولية، وتحوّل عدد من دول المنطقة إلى ساحات مفتوحة للصراع بدل أن تكون أطرافًا كاملة القدرة على إنتاج قواعده.

وقد أظهر المحور الأول أن المسألة النووية لا تتعلق بالسلاح في حد ذاته بقدر ما تتصل بالسؤال الأوسع حول من يمتلك القدرة على كسر التوازن القائم. فالخشية من الانتشار النووي تنطلق، من الناحية المعلنة، من اعتبارات الأمن الدولي ومنع سباق التسلح، لكنها تتقاطع في الواقع مع حسابات التفوق الاستراتيجي وموازين الردع. ولذلك، فإن البرنامج النووي الإيراني يمثل أكثر من ملف تقني؛ إنه نقطة اختبار للنظام الذي تشكل حول توزيع القوة في الشرق الأوسط.

وفي الوقت ذاته، أظهرت التجارب الإقليمية أن امتلاك أدوات القوة لا يعني بالضرورة امتلاك القرار الكامل. فالدول قد تحصل على أحدث الأسلحة، لكنها تبقى مرتبطة بشبكات من التحالفات والتكنولوجيا والإمداد والتمويل، بما يجعل استقلال القرار الاستراتيجي قضية لا تقل أهمية عن حجم الترسانة العسكرية نفسها. ومن هنا، فإن الصراع الحقيقي قد لا يكون حول من يملك السلاح فحسب، بل حول من يستطيع اتخاذ القرار من دونه أو معه، ومن يملك القدرة على تحمل تبعات هذا القرار.

أما المحور الثاني، فقد أظهر أن الحروب في المنطقة لا تُدار دائمًا بمنطق المواجهة المباشرة؛ إذ باتت أدوات التمويل، والعقوبات، والتسليح، والقوى الحليفة، والضغوط السياسية، وإعادة الإعمار، جزءًا من منظومة واحدة لإدارة الصراع. وهذا ما يجعل المنطقة عرضة لما يمكن وصفه بـ"تدوير الصراع"؛ حيث لا تُحسم الأزمة، وإنما يعاد تشكيلها بصورة تسمح باستمرار النفوذ وإعادة توزيع الأدوار.

وتبرز سوريا ولبنان في هذا السياق بوصفهما مثالين واضحين على مأزق الدولة عندما تتعدد مراكز القوة داخلها أو تتقاطع على أراضيها المشاريع الخارجية. فاستعادة الدولة لقرارها لا تتطلب فقط إنهاء وجود القوى المسلحة، وإنما تستلزم أيضًا إعادة بناء المؤسسات، وتحقيق توافق سياسي، وإعادة تعريف علاقة الدولة بمحيطها الإقليمي والدولي.

وفي قلب هذه المعادلة تبقى قضية الجولان واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا. فهي ليست مجرد نزاع حدودي، وإنما تلتقي فيها اعتبارات الأمن والجغرافيا والسيادة والمياه والذاكرة السياسية. ولذلك، فإن أي تسوية سورية - إسرائيلية حقيقية ستظل عاجزة عن بلوغ نهايتها ما لم تجد صيغة للتعامل مع هذه القضية، مهما بلغت الحوافز الاقتصادية أو الترتيبات الأمنية.

ومن هنا، فإن مستقبل المنطقة لن تحدده القوة العسكرية وحدها، كما لن تحسمه المفاوضات وحدها. ما سيحدد المسار المقبل هو القدرة على بناء معادلة إقليمية جديدة تتوازن فيها القوة مع الشرعية، والردع مع التسوية، والسيادة مع الأمن، والمصالح الدولية مع حق دول المنطقة في امتلاك قرارها.

إن استمرار الوضع القائم يعني، في جوهره، استمرار إنتاج الأزمات ذاتها بأشكال مختلفة: حرب هنا، وهدنة هناك، اتفاق أمني في مكان، وصراع بالوكالة في مكان آخر. أما الانتقال من هذه الحلقة المفرغة فيتطلب معالجة جذور الاختلال، لا الاكتفاء بإدارة نتائجه.

ولذلك، فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على انتصار طرف إقليمي على آخر بقدر ما ينبغي أن يكون على إعادة بناء نظام أمني إقليمي أكثر توازنًا، يحد من سباقات التسلح، ويمنع تحويل الدول إلى ساحات لتصفية الحسابات، ويعزز احتكار الدولة للقوة، ويضع أسسًا لتسويات عادلة للملفات العالقة.

فإذا بقيت المنطقة رهينة منطق "إدارة الفوضى"، ستظل كل تسوية مؤقتة مرشحة لأن تتحول إلى مقدمة لأزمة جديدة. أما إذا انتقلت من منطق إدارة الأزمات إلى منطق إعادة إنتاج الأمن، فقد يصبح بالإمكان فتح مسار مختلف؛ مسار لا تكون فيه القوة غاية بذاتها، ولا السلام مجرد هدنة، ولا السيادة شعارًا سياسيًا، بل عناصر مترابطة في نظام إقليمي أكثر قدرة على حماية مصالح دوله وشعوبه.

وفي النهاية، فإن السؤال الذي سيظل مفتوحًا أمام الشرق الأوسط ليس: من سينتصر في الحرب المقبلة؟ وإنما سؤال أكثر عمقًا وأشد إلحاحًا: هل تستطيع دول المنطقة أن تنتقل من كونها ساحات تتنافس عليها القوى الكبرى إلى كونها قوى تمتلك القدرة على تحديد مستقبلها بنفسها؟.

ذلك هو الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة؛ فإعادة رسم خرائط النفوذ قد تغيّر مواقع اللاعبين، لكن إعادة بناء ميزان إقليمي أكثر عدلًا هي وحدها القادرة على تغيير قواعد اللعبة.

 

صادرة عن مؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير

20/8/2026