ورقة موقف بعنوان: "تعديلات الضمان الاجتماعي... مسارات بديلة أو مكمّلة تحفظ حقوق الأجيال" صادرة عن مؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير
ورقة موقف بعنوان: "تعديلات الضمان الاجتماعي... مسارات بديلة أو مكمّلة تحفظ حقوق الأجيال"
صادرة عن مؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير
المقدمة
يعد الضمان الاجتماعي تعبيرًا مؤسسيًا عن فلسفة العدالة بين الأجيال، وإدارة المخاطر الاجتماعية، وإعادة توزيع الأعباء بصورة توازن بين الحاضر والمستقبل.
لقد كشفت النقاشات الوطنية والبرلمانية عن تعقيد المشهد؛ فالتحديات لا تنحصر في ارتفاع كلف التقاعد المبكر، أو الجدل حول سن تقاعد الشيخوخة، أو اختلال نسب الاشتراك، وإنما تمتد إلى فجوات الشمول التأميني، وضعف الامتثال، وإشكاليات الحوكمة الاستثمارية، والتباينات الجندرية في تصميم المسارات التأمينية، فضلًا عن التحولات البنيوية التي فرضها الاقتصاد الرقمي وأنماط العمل غير التقليدية.
تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن الاستدامة المالية، وإن كانت ضرورة لا جدال فيها، تظل قاصرة ما لم تُدعَّم بشرعية مجتمعية وتشاركية تشريعية حقيقية؛ فالقانون الذي يمس كل بيت لا يحتمل العجلة، ولا يقبل الانفصال عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي يُفترض أن يخدمه.
وعليه، تسعى الورقة إلى تفكيك أبعاد التعديلات، وتحليل تأثيراتها، واقتراح مسارات بديلة أو مكمّلة، في إطار موضوعي محايد، يوازن بين الحساب الاكتواري والاعتبار الاجتماعي، وبين متطلبات الحاضر وحقوق الأجيال القادمة.
الفصل الأول: تعديلات الضمان الاجتماعي بين اختبارات الاستدامة المالية وتحوّلات البيئة الاستراتيجية المحيطة
لا يمكن مقاربة النقاش الدائر حول تعديلات قانون الضمان الاجتماعي بوصفه مسألة تشريعية إجرائية معزولة عن سياقاتها، ولا باعتباره مجرد استجابة تقنية لنتائج دراسات اكتوارية دورية؛ إذ إنّ هذا الملف يتكئ، في جوهره العميق، على تقاطعات معقدة تتشابك فيها الضغوط الجيوسياسية، والاختلالات الاقتصادية الهيكلية، والتحولات الديموغرافية المتسارعة، فضلًا عن إشكاليات الحوكمة المؤسسية وإدارة الأصول السيادية.
ومن ثمّ، فإن أي قراءة رصينة لهذا المسار الإصلاحي تقتضي الانطلاق من فهم البيئة الضاغطة التي تتحرك الدولة الأردنية ضمنها، لا سيما في ظل إقليم يعاد تشكيله على إيقاع الصراعات الممتدة، وتبدلات موازين القوى، وانكشاف منظومات الردع التقليدية.
أولًا: تراكب الضغوط الخارجية وانعكاسها على المجال الوطني
تتحرك الدولة الأردنية في لحظة إقليمية بالغة السيولة، تتسم بإعادة بناء آليات النفوذ، وتآكل اليقين الاستراتيجي، وتصاعد أنماط التهديد المركب، سواء في صيغته الصلبة ذات الطابع العسكري، أو في تجلياته الرمادية المرتبطة بالضغوط الاقتصادية والسياسية.
وفي هذا السياق، لا تبدو البيئة الأمنية معزولة عن السياق الاقتصادي، ولا الأخير منفصلًا عن المحددات السياسية؛ ذلك أنّ ثمة تداخلًا بين هذه الدوائر الثلاث، بحيث يُفضي أي اختلال في إحداها إلى ارتدادات متسلسلة في الدوائر الأخرى.
وعليه، فإنّ الضغوط التي تطال الاقتصاد الوطني - من اتساع فجوات الفقر والبطالة، إلى تضخم المديونية، وارتفاع كلف البنية التحتية، وتراجع الهوامش المالية - لا يمكن فصلها عن كلفة التموضع الجيوسياسي للدولة، ولا عن استحقاقات الاستقرار الداخلي في بيئة إقليمية مضطربة.
ثانيًا: الضمان الاجتماعي بوصفه ركيزة استقرار فوق اقتصادي
ضمن هذا المشهد، يتقدم الضمان الاجتماعي من كونه مؤسسة تأمينية إلى كونه ركيزة استقرار وطني متعدد الوظائف.
فهو، من زاوية أولى، خزان الادخارات التقاعدية للأردنيين، ومن زاوية ثانية أداة لإعادة توزيع المخاطر الاجتماعية، ومن زاوية ثالثة صمام أمان يحدّ من الانكشاف المعيشي لما بعد سنّ العمل.
ومن هنا، فإنّ أي مساس ببنيته التشريعية أو المالية لا يُقرأ في بعده المالي المجرد، وإنما في انعكاساته الاجتماعية والسياسية بعيدة المدى، الأمر الذي يفسر حساسية النقاش العام المصاحب لأي تعديلات مقترحة.
ثالثًا: الدوافع الاكتوارية وحدود المعالجة التقنية
أعادت الدراسات الاكتوارية فتح ملف التعديلات من بوابة الاستدامة المالية، عبر قياس الفجوة الزمنية بين التدفقات الاشتراكية والالتزامات التقاعدية المستقبلية، وتحديد ما يُعرف بنقاط التعادل الحرجة.
غير أنّ اختزال الأزمة في بعدها الرقمي الصرف يُعدّ مقاربة قاصرة؛ ذلك أن المؤشرات الاكتوارية، على أهميتها، لا تفسر بمفردها اختلالات المنظومة، بقدر ما تكشف أعراضها الحسابية.
فخلف الأرقام تقف بنى أعمق، تتصل بسوق العمل، وبمستويات الامتثال التأميني، وبكفاءة الاستثمار، وبالتحولات الديموغرافية، وهي جميعًا عناصر تتجاوز قدرة المعالجة التشريعية الجزئية.
رابعًا: التقاعد المبكر… من أداة حماية إلى مسار استنزاف
شكّل التقاعد المبكر، في فلسفته الأصلية، أداة إنصاف لفئات مهنية ذات خصوصية صحية أو ميدانية، غير أنّ تحوّله التدريجي إلى خيار واسع الاستخدام أفرغه من وظيفته الحمائية، وأعاده بوصفه عامل ضغط مالي هيكلي.
إذ أفضى التوسع فيه إلى ثلاث نتائج متلازمة:
- استنزاف مبكر للحقوق التأمينية.
- تضخم الالتزامات طويلة الأمد.
- إخراج قوى عاملة خبِرة من السوق الإنتاجي.
بل إنّ بعض أنماط الاستخدام المؤسسي له - سواء في إعادة هيكلة العمالة أو الإحالات الجماعية - نقلت كلف المعالجة القطاعية إلى الصندوق التقاعدي، بما أخلّ بمبدأ العدالة الاكتوارية.
ومن ثمّ، برز اتجاه يدعو إلى إعادة ضبطه لا إلغائه، عبر قصره على المهن الخطرة، وتحميل كلف الإحالة المبكرة للجهات الدافعة إليها.
خامسًا: التحول الديموغرافي وضغط المعادلة الزمنية
يُعدّ الارتفاع المطّرد في متوسط الأعمار أحد أكثر المتغيرات صمتًا وأشدّها أثرًا على أنظمة التقاعد.
فإطالة أمد الحياة بعد التقاعد تعني - حسابيًا - تمدد فترة الصرف مقابل ثبات أو تراجع سنوات الاشتراك، وهو ما يُحدث اختلالًا في المعادلة الزمنية للصناديق.
ولا يقتصر الأثر هنا على البعد المالي، فهو يمتد إلى:
- إعادة تعريف سنّ الإنتاجية.
- الضغط على سوق العمل.
- إبطاء الإحلال الوظيفي بين الأجيال.
ومن هنا طُرح خيار الرفع التدريجي لسنّ الشيخوخة بوصفه أداة تكيّف ديموغرافي، لا إجراءً ماليًا صرفًا.
سادسًا: الاقتصاد غير المنظم وفجوة الشمول التأميني
تكشف بنية سوق العمل الأردني عن اتساع لافت في حجم الاقتصاد غير المنظم، بما يعني خروج شريحة واسعة من القوة العاملة خارج المظلة التأمينية.
وتتخذ هذه الفجوة مسارين متوازيين:
- عمالة غير منظمة أصلًا.
- عمالة منظمة لكنها غير مشمولة تأمينيًا.
وفي الحالتين، تتآكل القاعدة الاشتراكية للصندوق، وتتراجع قدرته على موازنة التزاماته المستقبلية.
ولا تبدو أدوات التفتيش التقليدية كافية لمعالجة الظاهرة، ما يفرض الانتقال إلى الامتثال الرقمي، والتشبيك المؤسسي، وبناء منظومات حوافز وعقوبات أكثر فاعلية.
سابعًا: حوكمة المؤسسة واستقلالية القرار الاستثماري
تُعدّ الحوكمة المؤسسية أحد المفاتيح التفسيرية لكفاءة إدارة أموال الضمان.
فكلما تعززت الاستقلالية الإدارية، وتكرست المساءلة، واتضحت خطوط الفصل بين الرقابة والتنفيذ، ارتفعت جودة القرار الاستثماري.
وفي المقابل، فإنّ تداخل الأدوار، أو خضوع القرار لاعتبارات غير اقتصادية، ينعكس على كفاءة توظيف الأصول، وعلى ثقة الجمهور بالمؤسسة.
ثامنًا: العائد الاستثماري بين التحسن النسبي والتحدي الهيكلي
رغم تسجيل تحسن نسبي في بعض المؤشرات الاستثمارية خلال فترات حديثة، إلا أن تقييم الأداء يُقاس بقدرته على:
- موازنة المخاطر والعوائد.
- تنويع المحافظ الاستثمارية.
- حماية القيمة الحقيقية للأصول.
إذ إنّ أي تراجع في العائد طويل الأمد يضاعف الضغوط على الاستدامة التأمينية، حتى وإن بدت المؤشرات المرحلية مطمئنة.
يتبيّن، في ضوء ما سبق، أن تعديلات الضمان الاجتماعي تقف عند تقاطع ثلاث دوائر ضغط كبرى:
- دائرة الاستدامة المالية المرتبطة بالمؤشرات الاكتوارية.
- دائرة التحولات الديموغرافية وسوق العمل.
- دائرة الحوكمة وكفاءة إدارة الأصول.
وهي دوائر لا تعمل في جزر منفصلة، وإنما في منظومة تأثير متبادل، ما يجعل أي إصلاح جزئي عرضة لإعادة إنتاج الأزمة ذاتها بصيغ مختلفة.
ومن ثمّ، فإنّ المعالجة الفاعلة لا تكمن في تعديل سنّ، أو ضبط مسار، أو رفع اشتراك، بقدر ما تكمن في إعادة هندسة المنظومة برمتها ضمن رؤية توازن بين العدالة الاجتماعية، والاستدامة المالية، والكفاءة المؤسسية.
الفصل الثاني: فجوة الشمول، الاختلال الاكتواري، ومعضلة الدين الضمني بين الأجيال
إذا كان الفصل الأول قد وضع الإطار الضاغط الذي يتحرك ضمنه ملف الضمان الاجتماعي، فإن هذا الفصل ينتقل إلى تفكيك البنية الداخلية للاختلال، أي إلى المساحات التي يتشكل فيها الضغط الحقيقي على استدامة المنظومة: الشمول التأميني، التهرب، الخلل الديموغرافي، والعلاقة غير المتوازنة بين الاشتراكات والمنافع.
أولًا: التهرب التأميني بوصفه خللًا مزدوج الأثر
يمثل التهرب التأميني ثغرة متجذرة تُنتج أثرًا مزدوجًا يتمثل في إضعاف القاعدة التمويلية للصندوق من جهة، وتآكل الحقوق التقاعدية للفرد من جهة أخرى.
وتتخذ هذه الظاهرة شكلين متمايزين:
- عدم التسجيل أصلًا: حيث يعمل الموظف خارج المظلة التأمينية بالكامل.
- التسجيل الشكلي على أجور متدنية: وهي الممارسة الأكثر التباسًا، إذ يتم تسجيل العامل على الحد الأدنى للأجور أو أقل من أجره الحقيقي، بما يقلل الاشتراكات الآنية ويؤسس لراتب تقاعدي ضعيف مستقبلاً.
وهنا تكمن المفارقة: ما يُعدّ "توفيرًا" قصير الأمد لصاحب العمل أو حتى للعامل، يتحول إلى خسارة طويلة الأمد على مستوى المعاش التقاعدي، ويخلق فجوة بين مستوى المعيشة قبل وبعد التقاعد، بما يُضعف الوظيفة الاجتماعية للضمان.
ومن ثمّ، فإن المعالجة لا يمكن أن تظل محصورة في التفتيش التقليدي أو العقوبات المجردة، فهي تستدعي إعادة بناء منظومة الامتثال عبر تشبيك رقمي متكامل بين قواعد بيانات الضريبة، والعمل، والمؤسسات المالية، بما يُضيّق هامش المناورة غير الرسمية.
ثانيًا: الاقتصاد غير المنظم… الكتلة الحرجة خارج المنظومة
الأرقام المتداولة حول حجم العمالة غير المنظمة، والتي تُقدّر بأكثر من نصف القوى العاملة - تكشف عن فجوة هيكلية تتجاوز قدرة أدوات الضمان التقليدية على الاحتواء.
فالاقتصاد غير المنظم يعني:
- هشاشة في علاقات العمل.
- غياب عقود رسمية.
- ضعف القدرة على الإنفاذ القانوني.
وبالتالي، فإن إدماج هذه الكتلة يتطلب نموذجًا تأمينيًا مرنًا، ربما بنظام اشتراكات مبسطة، أو شرائح مساهمة مخففة، أو حوافز ضريبية، أو آليات رقمية مرنة للفئات العاملة عن بُعد أو ضمن الاقتصاد الرقمي.
إن الإصرار على إخضاع هذه الفئات للنموذج الإلزامي التقليدي قد يفضي إلى استمرار الإقصاء، بدلًا من تحقيق الإدماج التدريجي.
ثالثًا: العمالة غير الأردنية ومعادلة الاشتراك والاستفادة
يشكل وجود نسبة ملحوظة من العمالة غير الأردنية ضمن قاعدة المشتركين عنصرًا مهمًا في المعادلة التمويلية للصندوق، إلا أن الصورة الكلية تبقى أكثر تعقيدًا؛ إذ إن نسبة واسعة من العمالة الوافدة تعمل خارج المظلة التأمينية.
وهنا تتقاطع الاعتبارات الاقتصادية مع السياسية والاجتماعية، ما يفرض مقاربة دقيقة توازن بين:
- الحفاظ على تنافسية سوق العمل.
- حماية حقوق العامل.
- صون الاستدامة التمويلية للصندوق.
رابعًا: العائد الاستثماري بين الاستقرار المحافظ ومحدودية النمو
تُظهر المعطيات أن جزءًا معتبرًا من أصول الصندوق مُستثمر في أدوات منخفضة المخاطر، مثل السندات الحكومية، بعوائد مستقرة نسبيًا.
هذا النهج يحقق استقرارًا ماليًا قصير إلى متوسط الأجل، غير أنه يطرح سؤالًا استراتيجيًا حول كفاية العائد في مواجهة التزامات طويلة الأمد آخذة في التضخم.
فالاستثمار المتركز قطاعيًا أو جغرافيًا يُقلل المخاطر المباشرة، لكنه في المقابل قد يُقيد فرص النمو، خاصة في ظل اقتصاد عالمي يتجه نحو قطاعات معرفية وتكنولوجية عالية العائد.
ومن هنا تبرز ضرورة تنويع المحافظ الاستثمارية، قطاعيًا وجغرافيًا، وتوسيع الحضور في استثمارات إنتاجية نوعية، دون المغامرة بأصول الصندوق أو تعريضها لتقلبات غير محسوبة.
خامسًا: الخلل الديموغرافي وقلب المعادلة التمويلية
منذ تأسيس الضمان الاجتماعي في مطلع الثمانينيات، استفادت المنظومة من ميزة ديموغرافية واضحة: قاعدة واسعة من المشتركين مقابل عدد محدود من المتقاعدين.
هذا التوازن مكّن الصندوق من تحقيق فوائض تراكمية لعقود.
غير أن التحول التدريجي في الهرم السكاني، وارتفاع أعداد المتقاعدين بوتيرة أسرع من نمو المشتركين، ينذر بقلب المعادلة التي بُني عليها النظام في بداياته.
وما يزيد التعقيد أن المنافع التقاعدية، في بعض الحالات، تتجاوز القيمة الفعلية للاشتراكات المدفوعة، ما يُنتج ما يُعرف اقتصاديًا بـ "الدين الضمني بين الأجيال".
سادسًا: الدين الضمني… عبء مؤجل على الأجيال القادمة
حين يدفع المشترك اشتراكات لفترة زمنية محدودة، ثم يتقاضى راتبًا تقاعديًا لفترة أطول تتجاوز القيمة التراكمية لما دفعه، فإن الفجوة لا تختفي، وإنما تُرحّل إلى الأجيال اللاحقة.
هذا لا يعني وجود خلل أخلاقي بالضرورة، لكنه يعكس تصميمًا تاريخيًا للنظام بُني على توقعات ديموغرافية مختلفة.
إلا أن استمرار هذا النمط دون تعديل تدريجي يعني تراكم التزامات مستقبلية قد تضغط على:
- نسب الاشتراكات.
- أو مستويات المنافع.
- أو الاستثمارات.
ومن هنا تنبع حساسية الإصلاح؛ إذ إن أي تصحيح حاد قد يُفهم باعتباره انتقاصًا من الحقوق، بينما تأجيله يُضاعف الكلفة المستقبلية.
سابعًا: مرتكزات الإصلاح: التدرج، الحماية البديلة، والتلقائية
برز في النقاش ثلاثة مبادئ إصلاحية محورية:
- التدرج
الإصلاحات المفاجئة تُحدث صدمات اجتماعية، بينما التدرج يسمح بإعادة توزيع الكلفة عبر الزمن، ويمنح الفاعلين الاقتصاديين فرصة للتكيف.
- الحماية البديلة
إذا كان تعديل سن التقاعد أو شروطه سيؤخر الاستفادة من المعاش، فإن توسيع نطاق تأمين التعطل عن العمل أو أدوات الحماية الانتقالية يصبح ضرورة توازنية، لا خيارًا ثانويًا.
- الآليات التلقائية
غياب الآليات التلقائية يُبقي النظام رهين القرارات السياسية الدورية، سواء كانت شعبوية أو تقشفية.
أما ربط بعض المتغيرات، مثل الحد الأدنى للراتب التقاعدي أو نسب الاشتراكات، بمؤشرات اقتصادية موضوعية (كمتوسط الأجور أو معدل النمو)، فيُضفي على النظام ديناميكية ذاتية تقلل من الحاجة إلى تعديلات تشريعية متكررة.
ثامنًا: الإصلاح بوصفه هندسة منظومية
إن اختزال الإصلاح في تعديل مادة أو فقرة يُفقده جوهره.
فالضمان الاجتماعي يتقاطع مع:
- قانون العمل.
- أنظمة الموارد البشرية.
- سياسات سوق العمل.
- التوجهات الاقتصادية الكلية.
وأي تقدم في معدلات النمو، أو تحسن في الإنتاجية، أو توسع في التشغيل الرسمي، سينعكس إيجابًا على الصندوق بقدر يفوق أثر بعض التعديلات الجزئية.
وعليه، فإن الإصلاح الحقيقي يكمن في إعادة بناء المنظومة ضمن رؤية متكاملة تعالج البيئة التي يعمل ضمنها الضمان، لا نصوصه فحسب.
يتضح أن الأزمة - إن جاز التعبير - ليست أزمة صندوق بقدر ما هي أزمة توازنات:
- توازن بين الاشتراك والمنفعة.
توازن بين الحاضر والمستقبل.
توازن بين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية.
والخروج من هذه المعضلة لا يكون إلا ببناء معادلة إصلاحية متدرجة، مرنة، ذات آليات تلقائية، ومسنودة برؤية اقتصادية أوسع تعيد تنشيط قاعدة المشتركين قبل أن تُعيد توزيع الأعباء عليهم.
الفصل الثالث: جدلية توسيع الشمول مقابل الإصلاح، وإشكالية التوازن بين الحماية والاستدامة
إذا كان النقاش الإصلاحي قد انطلق - في مراحله الأولى - من تشخيص الاختلالات المالية والاكتوارية، فإن تطوره اللاحق نقل الحوار إلى مستوى أعلى، حيث لم يعد السؤال: هل نُصلح؟، وإنما: كيف نُصلح؟، وبأي أدوات؟، وضمن أي أولويات؟.
ومن هنا برزت ثلاث قضايا مركزية شكّلت عماد الجدل السياساتي: توسيع الشمول، آليات التعديل التشريعي، وطبيعة الأدوار المؤسسية في صناعة القرار التأميني.
أولًا: توسيع الشمول… بين منطق الحماية ومنطق الكلفة المؤجلة
لطالما جرى تقديم توسيع الشمول التأميني بوصفه المدخل الأقصر لتعزيز الملاءة المالية للصندوق، استنادًا إلى فرضية بسيطة مفادها: كلما اتسعت قاعدة المشتركين، تعاظمت الاشتراكات، وتحسن التدفق النقدي.
غير أن هذا الطرح - على وجاهته الظاهرية - ينطوي على تبسيط مخلّ إذا ما نُظر إليه من زاوية اكتوارية بعيدة المدى.
فتوسيع الشمول يُحسّن المركز المالي:
- قصير الأجل عبر زيادة الاشتراكات.
- ومتوسط الأجل عبر تأجيل الاستحقاقات.
لكنه في المقابل يُنتج التزامات تقاعدية مستقبلية، ما يعني أن الأثر الإيجابي الآني قد يتحول بمرور الزمن إلى عبء إضافي على الصندوق.
ومن هنا، فإن مقاربة توسيع الشمول بوصفها أداة إنقاذ مالي للصندوق تمثل انزياحًا مفاهيميًا؛ إذ إن الضمان الاجتماعي، في جوهره، مؤسسة حماية اجتماعية قبل أن يكون مؤسسة تمويل.
وعليه، يجب أن يُقارب توسيع الشمول من زاوية:
- الحق في الحماية.
- تقليص الهشاشة الاجتماعية.
- توسيع مظلة الأمان الوطني.
لا من زاوية تحسين المؤشرات المالية فحسب.
ثانيًا: الشمول الانتقائي… نوافذ التوسّع منخفضة الكلفة
على الرغم من التحفظات الاكتوارية، إلا أن ثمة مساحات يمكن أن يتحقق فيها توسيع الشمول دون إحداث ضغط مالي مفرط، إذا ما أُحسن تصميمها.
ومن أبرزها:
- العمالة الوافدة
غالبية العمالة غير الأردنية لا تستقر طويلًا داخل سوق العمل المحلي، ما يعني أن استفادتها غالبًا ما تكون في إطار تعويض الدفعة الواحدة، لا الرواتب التقاعدية طويلة الأمد.
وهذا يجعل شمولها من زاوية مالية أقل كلفة نسبية، بل قد يشكل رافدًا تمويليًا داعمًا للصندوق.
- عاملات المنازل
وهي شريحة واسعة، تُبدي - وفق معطيات ميدانية - رغبة متزايدة في الانخراط ضمن منظومة الحماية، بما يعكس إدراكًا متناميًا لوظيفة الضمان كأداة أمان اجتماعي.
- عمال الزراعة
إقصاء هذا القطاع تاريخيًا جاء بدافع مراعاة قدرته الاقتصادية المحدودة، إلا أن استمرار استثنائه الكامل يخلق فجوة حمائية كبيرة، يمكن معالجتها عبر صيغ دعم حكومي جزئي للاشتراكات بدل الإعفاء الكلي.
ثالثًا: التهرب التأميني… الفاقد الصافي في المعادلة التمويلية
حين نتحدث عن نسب تهرب تقارب ربع القوى العاملة، فنحن أمام نزف تمويلي ممنهج.
والأهم أن هذا التهرب لا يتخذ شكلًا واحدًا، فهو يتدرج بين:
- تهرب كلي من التسجيل.
- تسجيل صوري.
- تلاعب بقيمة الأجور الخاضعة للاقتطاع.
ما يعني أن استرداد هذه الكتلة إلى المظلة التأمينية قد يوازي، أو يفوق أثر بعض التعديلات التشريعية من حيث العائد المالي.
وهنا تتقدم أدوات:
- الحوافز المؤقتة (كما في برامج التسوية).
- العفو عن الفترات السابقة.
- التشبيك الرقمي.
- تبسيط الإجراءات.
بوصفها أدوات شمول أكثر فاعلية من التفتيش التقليدي، الذي يبقى في جوهره، أداة ردع لا أداة إدماج.
رابعًا: دور الحوافز والبرامج الانتقالية في توسيع القاعدة
أظهرت التجارب التطبيقية، كبرامج التحفيز المؤقتة التي طُبّقت في أوقات الأزمات أن تقديم تسهيلات تشريعية وإجرائية قد يدفع آلاف المنشآت إلى تصويب أوضاعها والانضمام للمنظومة.
غير أن فعالية هذه البرامج تظل مرهونة بتكامل أدواتها؛ فالحافز المالي وحده لا يكفي ما لم يترافق مع:
- إلزام تنظيمي.
- رقابة رقمية.
- تبسيط بيروقراطي.
أي أن الشمول الطوعي يحتاج إلى بيئة إنفاذ ذكية، لا مجرد قرارات إعفاء مؤقتة.
خامسًا: الإصلاح التشريعي… بين التضخم والحلول غير القانونية
تكرار تعديل قانون الضمان في فترات زمنية متقاربة يطرح إشكالية تشريعية تتجاوز النصوص إلى استقرار السياسات.
فالتشريع بطبيعته أداة تنظيمية ثقيلة، واللجوء المتكرر إليه قد يعكس:
- غياب المعالجات الإدارية.
- أو ضعف الأدوات التنفيذية.
- أو قصور السياسات المساندة.
ومن هنا برز طرح يدعو إلى استنفاد الحلول غير التشريعية قبل الذهاب إلى تعديل القانون، مثل:
- تحسين كفاءة التحصيل.
- توسيع الشمول الإداري.
- رفع العائد الاستثماري.
- ضبط التهرب.
إذ إن معالجة الأسباب قد تُغني أو تؤجل الحاجة إلى تعديل النصوص.
سادسًا: الحوكمة الحوارية وصناعة القرار التأميني
أحد أبرز التحولات الإيجابية تمثل في نقل ملف الضمان من الحيز البيروقراطي المغلق إلى الفضاء الحواري التشاركي، عبر مؤسسات الحوار الاقتصادي والاجتماعي.
هذا الانتقال عزّز:
- تعددية الرأي.
- اختبار الفرضيات.
- استشراف الآثار.
غير أن فعالية هذا المسار تظل مشروطة بمدى انعكاس مخرجات الحوار على القرار الحكومي.
فحين تُستبق نتائج النقاش بإجراءات تنفيذية سريعة، يتآكل منسوب الثقة المؤسسية، ويتحول الحوار إلى إجراء شكلي لا مسار تشاركي حقيقي.
سابعًا: فجوة الإدراك السياسي للمخاطر المستقبلية
أحد التحديات غير الفنية - لكنه بالغ التأثير - يتمثل في تفاوت مستوى الإدراك لحجم التحديات الاكتوارية المستقبلية.
فكلما تأخر الاعتراف بوجود الخلل، تقلص هامش الإصلاح المتدرج، وازدادت كلفة المعالجة لاحقًا.
ومن ثمّ، فإن الدعم السياسي المبكر للإصلاح لا يقل أهمية عن تصميمه الفني؛ لأن التشريعات التأمينية بطبيعتها طويلة الأثر، وتتطلب مظلة قرار قادرة على تحمّل كلفة الإصلاح المرحلي.
ثامنًا: الاستثمار في المشاريع السيادية منخفضة المخاطر
ضمن النقاش الاستثماري، برز طرح يدعو إلى توسيع حضور أموال الضمان في المشاريع الوطنية الاحتكارية أو شبه الاحتكارية، مثل البنى التحتية الاستراتيجية.
هذه المشاريع تمتاز بـ:
- طلب مستقر.
- عوائد متوقعة.
- أحيانًا ضمانات حكومية.
وهو ما يجعلها بيئة استثمارية ملائمة لصناديق تقاعدية تبحث عن توازن بين الأمان والعائد، دون الانزلاق إلى استثمارات عالية التقلب.
يكشف الجدل حول توسيع الشمول والإصلاح التشريعي أن التحدي يكمن في ترتيب الأولويات وضبط المقاربات.
فتوسيع الشمول ضرورة حمائية، لكنه ليس عصا مالية سحرية، والتشريع أداة إصلاح، لكنه ليس البديل الوحيد، والاستثمار رافعة دعم، لكنه محكوم بمعادلة المخاطر.
وبين هذه المحددات جميعًا، يتبلور مسار إصلاحي أكثر اتزانًا، قوامه:
- شمول ذكي لا تضخمي.
- إصلاح متدرج لا صادم.
- حوكمة تشاركية لا شكلية.
- واستثمار سيادي متزن لا مغامر.
الفصل الرابع: بدائل الإصلاح غير التشريعي ومقاربة النوع الاجتماعي في منظومة الضمان الاجتماعي
ينفتح مسار الإصلاح في هذا الفصل على حقلٍ تحليلي، يتجاوز المعالجات التشريعية المباشرة، ليتوغّل في تفكيك البنى الاختلالية العميقة التي تحكم توازنات منظومة الضمان الاجتماعي، سواء على مستوى الشمول التأميني، أو كفاءة التحصيل، أو عدالة توزيع المنافع، وصولًا إلى البعد الجندري بوصفه أحد أكثر الحقول حاجةً إلى إعادة موضعة مفاهيمية وتشريعية معاصرة.
أولاً: فجوة الشمول الإلزامي والتهرب التأميني
تشير المؤشرات المتداولة إلى وجود نسبة معتبرة من القوى العاملة التي يفترض خضوعها الإلزامي للضمان، إلا أنها لا تزال خارج المظلة التأمينية، سواء بفعل التهرب الكلي، أو التسجيل الجزئي، أو التلاعب في الأجور الخاضعة للاقتطاع.
وتكمن خطورة هذه الفجوة في بعدها المركّب، إذ لا تقتصر انعكاساتها على فقدان إيرادات آنية، بل تمتد لتُحدث:
- تشوّهًا في العدالة التأمينية بين الملتزمين وغير الملتزمين.
- ضغطًا مستقبليًا على شبكات الحماية الاجتماعية غير الممولة.
- اختلالًا في دقة التقديرات الاكتوارية طويلة الأمد.
- التمديد الاختياري بعد سن التقاعد
كما تتقاطع هذه الإشكالية مع ملف المديونيات المتراكمة على عدد من المنشآت، الحكومية والخاصة، والتي تشكّل بدورها كتلة مالية معطّلة كان من الممكن أن تسهم في تعزيز الملاءة التمويلية للصناديق التأمينية.
ومن ثم، يغدو تحصيل المتأخرات، وجدولة الديون، وتشديد الامتثال التأميني، مدخلًا إصلاحيًا موازيًا - وربما أقل كلفة اجتماعيًا - من اللجوء المباشر إلى أدوات تقليص المنافع أو رفع سن التقاعد.
ثانيًا: إعادة مقاربة سن تقاعد الشيخوخة
يثير مقترح رفع سن تقاعد الشيخوخة حزمة متشابكة من التداعيات التي تتجاوز الحسابات المالية الصرفة، لتطال بنية سوق العمل وتوازناته بين الأجيال.
فإطالة مدة بقاء العاملين في الخدمة تعني إبطاء تدفق الفرص الوظيفية للأجيال الشابة، بما قد ينعكس على معدلات البطالة، خصوصًا في الاقتصادات ذات القدرة المحدودة على توليد الوظائف.
وفي هذا السياق، طُرحت بدائل أكثر مرونة، من أبرزها:
بما يمنح العامل حق الاستمرار الطوعي في العمل بعد بلوغ سن الشيخوخة، شريطة توافر القدرة الصحية والمهنية، دون فرض إلزام تشريعي عام.
- إعادة شمول العائدين للعمل تأمينيًا
إذ يُقترح إخضاعهم لبعض التأمينات الجزئية - كإصابات العمل - بدل إخراجهم الكامل من المنظومة، بما يحفظ حقوقهم ويعزز إيرادات الصناديق في آنٍ معًا.
ثالثًا: التقاعد المبكر بوصفه رافعة اختلال مالي
يُعد التقاعد المبكر أحد أبرز مصادر الضغط الاكتواري، لا سيما حين يُستخدم كأداة إدارية لإعادة هيكلة القطاع العام أو تخفيض النفقات التشغيلية.
فالإحالات الجماعية المبكرة ترتّب التزامات تقاعدية طويلة الأمد، دون أن يقابلها نمو موازٍ في الاشتراكات، ما يُنتج فجوة هيكلية بين:
- نمو أعداد المتقاعدين.
- نمو قاعدة المشتركين.
ومن ثم، فإن معالجة التقاعد المبكر لا ينبغي أن تقتصر على تشديد شروطه، بل أن تمتد إلى إصلاح البيئات الإدارية التي تدفع نحوه أصلًا، بما في ذلك أنظمة الموارد البشرية.
رابعًا: الأتمتة كأداة امتثال وهيكلة رقابية
في ظل محدودية فعالية التفتيش الميداني - خصوصًا مع اتساع الاقتصاد غير المنظم - تبرز الأتمتة بوصفها رافعة رقابية متقدمة.
وتشمل تطبيقاتها:
- الربط الإلكتروني بين المؤسسات الرسمية.
- أنظمة التفتيش الذكي.
- تحليل البيانات الضخمة لاكتشاف أنماط التهرب.
وبذلك يتحول الامتثال من فعل رقابي لاحق إلى نظام استباقي قائم على الإنذار المبكر.
خامسًا: مقاربة النوع الاجتماعي وإعادة تصميم المسار التأميني
يكشف التحليل الجندري عن فجوة في تصميم المنظومة التأمينية، إذ بُنيت تاريخيًا على فرضية المسار المهني الخطي المستمر، وهو نموذج يعكس المسار الوظيفي الذكوري أكثر مما يعكس الواقع العملي لمسارات النساء المهنية.
فالمرأة غالبًا ما تواجه انقطاعات مرتبطة بـ:
- الحمل والولادة.
- رعاية الأطفال.
- رعاية كبار السن.
- أعباء العمل الرعائي غير مدفوع الأجر.
أبرز الاختلالات المتفرعة:
- الدفعـة الواحدة المرتبطة بالحالة الاجتماعية
إذ يُفضي ربط استحقاقها بالزواج أو الطلاق أو الترمل إلى تحفيز الانسحاب من سوق العمل بدل الاستمرار فيه.
- بدل الإعالة
حيث تواجه النساء إجراءات إثبات أكثر تعقيدًا للحصول عليه مقارنة بالرجال، رغم ارتفاع نسب إعالة النساء لأسرهن.
- فجوة الأجور
والتي تنعكس تلقائيًا على انخفاض المنافع التقاعدية.
- توريث الزوج
كقضية جدلية تتقاطع فيها الاعتبارات التأمينية مع البنى الثقافية والاجتماعية.
- نسب الخصم في التقاعد المبكر
التي تظهر تفاوتًا أعلى على النساء رغم تقارب نسب التقاعد المبكر بين الجنسين.
سادسًا: تأمين الأمومة والحماية البديلة
رغم وجود تأمين الأمومة، إلا أن النقاش الإصلاحي يطرح أدوات أكثر اتساعًا، من بينها:
- بدل رعاية ممتد بعد إجازة الأمومة.
- أنظمة "رصيد الرعاية" (Care Credit)
- دعم العودة التدريجية لسوق العمل.
كما يُثار جدل حول برامج دعم الرعاية المنزلية، بين اعتبارها تمكينًا اقتصاديا غير مباشر، أو تعزيزًا للعمل غير المنظم ما لم يُضبط تشريعيًا.
سابعًا: توسيع الشمول لفئات نوعية
تشمل المقترحات:
- شمول أبناء الأردنيات.
- إدخال تأمين الأمومة ضمن الاشتراك الاختياري.
- توسيع مظلات الحماية للعاملات في الاقتصاد غير المنظم.
يتبدّى من مجمل الطروحات أن الإصلاح الفعّال يتطلب مقاربة متعددة المستويات تقوم على:
- تعظيم الامتثال بدل تقليص المنافع.
- تحفيز الاستمرار في العمل بدل إطالة الإلزام التقاعدي.
- إعادة هندسة المسارات التأمينية جندريًا.
- تفعيل الأدوات الرقمية في الرقابة والتحصيل.
وبذلك يتحول الضمان الاجتماعي من منظومة دفعٍ لاحقٍ للمنافع إلى بنية حماية ديناميكية، تستجيب لتحولات سوق العمل، وتعيد توزيع المخاطر الاجتماعية بعدالة واستدامة.
الفصل الخامس: التلازم التشريعي... وخيارات الاستدامة بين البرلمان والحكومة
يتخذ النقاش الإصلاحي في هذا الفصل منحىً مؤسسيًا تشريعيًا صريحًا، إذ ينتقل من حيز المعالجات الفنية والقطاعية إلى فضاء صناعة القرار، حيث تتقاطع أدوار السلطتين التنفيذية والتشريعية في إعادة صياغة الإطار القانوني الناظم لمنظومة الضمان الاجتماعي.
وفي هذا السياق، تبرز التعديلات المرتقبة على قانون الضمان بوصفها محطة مفصلية، من حيث توقيتها، وآليات إعدادها، ومدى اتساقها مع مخرجات الحوار الوطني والحوارات القطاعية المتخصصة.
أولاً: إشكالية الاستعجال التشريعي وحدود التشاركية
تتنامى الهواجس المؤسسية كلما تسارعت وتيرة إحالة التعديلات القانونية دون استنفاد مسارات التشاور، إذ يُنظر إلى الاستعجال - إن ثبت - بوصفه عاملًا مُضعفًا للشرعية التوافقية للتشريع.
فالحوارات الوطنية، بما تتضمنه من جلسات قطاعية ونقابية وخبرات اكتوارية، لا تكتسب قيمتها من انعقادها الشكلي، وإنما من انعكاس مخرجاتها الفعلية في النصوص القانونية.
ومن ثم، فإن تجاوز هذا المسار أو اختزاله زمنيًا يفضي إلى:
- إضعاف الثقة المؤسسية.
- تقويض الملكية المجتمعية للإصلاح.
- إنتاج نصوص قانونية منفصلة عن الحاجات الواقعية لسوق العمل.
ثانيًا: التلازم بين قانوني الضمان والعمل
من أبرز المرتكزات التي يثيرها النقاش البرلماني أن أي تعديل على قانون الضمان يظل محدود الأثر ما لم يتزامن مع مراجعات موازية في قانون العمل والأنظمة الوظيفية ذات الصلة.
ويُعزى ذلك إلى الترابط الوظيفي بين التشريعين، حيث إن:
- إنهاء الخدمات.
- أنماط التعاقد.
- الاستقرار الوظيفي.
كلها متغيرات تؤثر مباشرة في ديمومة الاشتراك التأميني.
مواد محورية في هذا السياق:
- عقود العمل غير محددة المدة
إذ تتيح بعض الصياغات الحالية إنهاء خدمات العامل بعد سنوات طويلة دون مبررات كافية، ما يؤدي إلى انقطاع اشتراكه قسريًا.
- الإنهاء لأسباب تنظيمية أو إدارية
وهي ممارسات تُستخدم أحيانًا كمدخل غير مباشر للإحالة المبكرة إلى التقاعد.
- أنظمة الموارد البشرية في القطاع العام
لا سيما المواد التي تمنح صلاحيات واسعة لإنهاء الخدمة، بما ينعكس ماليًا على صناديق الضمان.
وعليه، فإن غياب المواءمة التشريعية يُبقي الإصلاح مجتزأً، بل وقد يفرغه من مضمونه الاكتواري.
ثالثًا: شمول الفئات الجديدة في الاقتصاد الرقمي
يتسع سوق العمل المعاصر لأنماط تشغيل غير تقليدية، لعل أبرزها العمل عبر التطبيقات الذكية، حيث يعمل عشرات الآلاف من السائقين ومقدمي الخدمات خارج الأطر التأمينية التقليدية.
ويمثل عدم شمول هذه الفئات فجوة مزدوجة:
- فجوة حماية اجتماعية للعاملين أنفسهم.
- فجوة إيرادية للصناديق التأمينية.
- الاستثمار طويل الأمد
ومع التوسع المتسارع في ترخيص التطبيقات، فإن إدماج هذه الفئات ضمن مظلة الضمان لم يعد خيارًا تحسينيًا، بل ضرورة استباقية لضبط التحولات الهيكلية في سوق العمل.
رابعًا: صندوق الاستثمار بين الآنية والاستراتيجية
وهنا يبرز جدل محوري بين مسارين:
كالمشاريع العقارية أو التنموية الكبرى ذات العوائد المؤجلة.
- الاستثمار متوسط وقصير الأمد
القادر على رفد الصناديق بسيولة دورية تدعم توازناتها القريبة.
وتتأسس الإشكالية حين تميل المحافظ الاستثمارية إلى التركّز في أدوات بعيدة العائد، في وقتٍ تحتاج فيه الصناديق إلى تعزيز تدفقاتها النقدية الآنية.
خامسًا: الحوكمة المؤسسية واستقلالية القرار الاستثماري
تتقدم أطروحات إعادة الحوكمة إلى صدارة النقاش، خصوصًا فيما يتصل بفصل المرجعيات الرقابية والتنفيذية، وتعزيز استقلالية القرار الاستثماري.
وترتكز هذه المقاربة على فرضية مفادها أن:
- تضارب المواقع الوظيفية قد يحدّ من كفاءة القرار.
- الاستقلال المؤسسي يعزز الشفافية والمساءلة.
- النماذج الشبيهة بالبنوك المركزية توفر مرجعية حوكمة متقدمة.
وعليه، فإن إعادة الهيكلة لا تُقرأ كإجراء إداري، بل كمدخل استدامي طويل الأمد.
سادسًا: الجدل المجتمعي حول سن التقاعد
يُعد تعديل سن تقاعد الشيخوخة من أكثر البنود حساسية، نظرًا لاتساع أثره المجتمعي.
وتتوزع المواقف بين:
- تيار داعم بدوافع اكتوارية.
- وتيار رافض بدوافع معيشية ووظيفية.
وتتغذى الاعتراضات خصوصًا من:
- ارتفاع معدلات البطالة.
- محدودية توليد الوظائف.
- احتدام المنافسة على الفرص.
إذ تُطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة الاقتصاد على استيعاب إطالة المكوث الوظيفي دون مزاحمة الأجيال الجديدة.
سابعًا: التقاعد المبكر بين الضبط والإلغاء
رغم الاعتراف بكون التقاعد المبكر مصدر ضغط مالي، إلا أن الطرح الغالب لا يميل إلى إلغائه كليًا، بل إلى:
- إعادة ضبط شروطه.
- ربطه بدراسات اكتوارية محدثة.
- الحد من استخدامه كأداة إدارية.
لا سيما بعد أن أُحيلت أعداد كبيرة إليه بقرارات مؤسسية، ما ضاعف الكلفة التراكمية.
ثامنًا: المؤشرات الاكتوارية ونقطة التعادل
تستند التحذيرات الإصلاحية إلى مؤشرات تقيس الفجوة بين:
- التدفقات الداخلة (الاشتراكات + العوائد).
- والتدفقات الخارجة (الرواتب التقاعدية).
ويُشار في هذا السياق إلى أن:
- أي تحسن في العائد الاستثماري يؤخر بلوغ نقطة التعادل.
- كما أن رفع نسب المشاركة أو العوائد يعيد ضبط الأفق الزمني للاستدامة.
تاسعًا: البعد الوطني العابر للأجيال
يتجاوز النقاش الإطار المالي الراهن، ليُطرح بوصفه قضية سيادية اجتماعية تمس:
- الأجيال الحالية.
- الأجيال القادمة.
- وحتى غير المولودين بعد.
فالضمان، في جوهره، عقد اجتماعي ادخاري طويل المدى، تتقاطع فيه حقوق المشتركين مع حقوق الدولة الاجتماعية.
ينتهي هذا الفصل إلى أن الإصلاح التشريعي الفعّال لا يمكن أن يُبنى على تعديلات معزولة أو مستعجلة، فهو يتطلب:
- تلازمًا تشريعيًا بين قوانين العمل والضمان.
- تعميق الشراكة مع مخرجات الحوار الوطني.
- توسيع الشمول للفئات الجديدة.
- إعادة هيكلة الحوكمة الاستثمارية.
- موازنة الاعتبارات الاكتوارية مع الواقع الاقتصادي.
وبذلك يتحول التشريع من أداة ضبط مالي ضيقة إلى إطار استدامة اجتماعية شاملة، يعيد إنتاج الثقة بين المواطن ومؤسسات الحماية الاجتماعية.
الخاتمة
يتبيّن من مجمل التحليل أن إصلاح منظومة الضمان الاجتماعي هو لحظة إعادة تعريف لمسؤولية الدولة الاجتماعية، ولطبيعة العلاقة بين المشتركين والمؤسسة، وبين الأجيال المتعاقبة التي تتقاسم عبء التمويل وحق المنفعة.
فالاستدامة لا تتحقق بمجرد رفع سن تقاعد، أو تشديد شروط تقاعد مبكر، أو إعادة احتساب نسب اقتطاع؛ وإنما تُبنى عبر منظومة متكاملة قوامها:
- توسيع قاعدة الشمول لتشمل الفئات غير المنظمة والاقتصاد الرقمي.
- تعزيز الامتثال والتحصيل بدل تقليص المنافع.
- إعادة بناء الحوكمة الاستثمارية بما يعزز الاستقلالية والشفافية.
- مواءمة قانون الضمان مع قانون العمل والأنظمة الوظيفية ذات الصلة.
- مأسسة الحوار المجتمعي ليكون جزءًا من عملية التشريع لا ملحقًا بها.
إن أخطر ما يمكن أن يواجه أي إصلاح هو أن يُنظر إليه بوصفه عبئًا مفروضًا لا خيارًا وطنيًا مشتركًا. فحين يغيب التفسير الشفاف، وتُختزل المعالجة في أرقام مجردة، تتآكل الثقة، ويتحول النقاش إلى حالة استقطاب.
أما حين يُقدَّم الإصلاح باعتباره استثمارًا في مستقبل الأجيال، قائمًا على بيانات واضحة، وتشاركية حقيقية، وعدالة توزيع متوازنة، فإنه يستعيد معناه بوصفه تعبيرًا عن التضامن الوطني طويل الأمد.
وفي هذا الإطار، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تعديل نصوص القانون بقدر ما يكمن في بناء توافق وطني حول فلسفته؛ إذ لا قيمة لاستدامة مالية تُفقد النظام شرعيته الاجتماعية، كما لا معنى لشرعية شعبية تُهمل الحسابات الاكتوارية.
وبين هذين القطبين، تتحدد معادلة الإصلاح الرشيد: استدامةٌ ماليةٌ مؤسَّسة على شرعية اجتماعية، وتشريعٌ متوازنٌ يقرأ المستقبل دون أن يتجاهل واقع الحاضر.





