>

ورقة موقف بعنوان: "الشباب بين الفرص والممارسات... معضلة التمكين السياسي والحزبي في الأردن" صادرة عن مؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير

 

تتعرض ورقة الموقف هذه لتحليل معمق لدور الشباب الأردني في العمل السياسي والحزبي، في ضوء المسارات التشريعية، التجارب المؤسساتية، والممارسات الفعلية على الأرض. فالموضوع لا يقتصر على وجود قوانين تسمح بمشاركة الشباب، ذلك أنه يمتد إلى مدى قدرة هذه القوانين على ترجمة الانخراط النظري إلى فعل سياسي مؤثر، يغير من واقع التمثيل ويعزز من فرص التأثير داخل الأحزاب ومؤسسات الدولة.

تركز الورقة على استكشاف الفجوة بين الطموح الشبابي والفرص المتاحة له، بين التمثيل الرمزي والتمكين الحقيقي، وبين البرامج التدريبية النظرية والممارسات العملية. كما تُلقي الضوء على التحديات المشتركة التي تواجه الشباب، بما في ذلك التنافسية الداخلية، القيادات التقليدية، دور المال السياسي، والافتقار إلى استراتيجيات مستدامة لتمكين الشباب داخل الأحزاب.

من خلال تفكيك هذه التحديات وتحليل أدوات التمكين الحالية، تسعى الورقة إلى تقديم رؤى موضوعية، تساعد صانعي القرار والأحزاب والشباب أنفسهم على بلورة مقاربات أكثر فاعلية، من شأنها إحداث تحول ملموس في مستوى المشاركة السياسية للشباب الأردني.

الفصل الأول: المشاركة السياسية للشباب بين الإطار التشريعي وحدود الممارسة الفعلية

ينطلق هذا الفصل من تفكيك المسافة بين ما أتاحه مسار الإصلاح السياسي من فرص تشريعية، وما أفرزته الممارسة الواقعية من أنماط مشاركة ما تزال في طور التشكّل. فالسؤال أصبح متعلقًا بقدرة النصوص القانونية على تحويل هذا الانخراط إلى فعل مؤثر داخل البنى الحزبية ومؤسسات التمثيل.

منذ إطلاق مشروع التحديث السياسي في تشرين الأول 2022، وما تبعه من إقرار قانوني الانتخاب والأحزاب، بدا أن الدولة تتجه نحو إعادة تعريف موقع الشباب في المجال العام بوصفهم فاعلًا سياسيًا لا مجرد كتلة ديموغرافية. غير أن التجربة التطبيقية كشفت عن فجوة بين الممكن القانوني والمتحقق الواقعي، خصوصًا فيما يتعلق بالتمثيل داخل الأحزاب والبرلمان، وآليات التأثير في القرار السياسي.

 

 

أولًا: الإصلاح السياسي كإطار إتاحة لا كضمانة تمكين

أعاد مسار التحديث السياسي صياغة البيئة القانونية المنظمة للعمل الحزبي، وفتح الباب أمام مشاركة شبابية أوسع من حيث الانتساب والتفاعل والمشاركة الانتخابية. إلا أن هذه الإتاحة بقيت في كثير من الأحيان إطارًا شكليًا ما لم تُرفق بتحولات تنظيمية داخل الأحزاب نفسها.

فالتشريعات، بطبيعتها، تؤسس للفرص لكنها لا تضمن تحققها. وقد أظهرت الانتخابات النيابية التي جرت في ظل القوانين الجديدة أن حضور الشباب ظل محدودًا مقارنة بوزنهم المجتمعي، ما يعكس أن الانتقال من "السماح بالمشاركة" إلى "تمكين المشاركة" يتطلب ما هو أبعد من تعديل النصوص.

ثانيًا: البنية الحزبية وإشكالية استيعاب الفاعل الشاب

تكشف قراءة التجربة الحزبية بعد التحديث السياسي عن تفاوت واضح في قدرة الأحزاب على استيعاب الشباب بوصفهم قوة تنظيمية وسياسية. فعدد من الأحزاب دخلت مرحلة العمل الجديد بخبرة محدودة في

إدارة الأطر الشبابية، ما انعكس على طبيعة الأدوار المتاحة للشباب، التي تراوحت بين التمثيل الرمزي والمشاركة الجزئية.

كما برزت عوامل داخلية أعاقت التمكين الفعلي، من بينها أنماط القيادة التقليدية، وضعف مساحات المبادرة داخل الهياكل التنظيمية، وغياب التكتلات الشبابية القادرة على التأثير في صناعة القرار الحزبي. وفي المقابل، لم يتمكن كثير من الشباب أنفسهم من تطوير أدوات ضغط وتنظيم داخلية تمكّنهم من فرض حضورهم في مواقع الفعل.

ثالثًا: من التمثيل الشكلي إلى بناء الأطر الشبابية المستقلة

تُظهر التجارب الحزبية الأكثر تقدمًا أن إشراك الشباب في مواقع قيادية لا يكفي ما لم يقترن ببناء أطر شبابية منظمة تمتلك قدرًا من الاستقلالية التشغيلية. فالجناح الشبابي داخل الحزب يؤدي دوره باعتباره فضاءً للتدريب السياسي، وتراكم الخبرة، وتوليد القيادات.

هذا النمط من التنظيم يتيح للشباب تطوير برامجهم، والانخراط في العمل الميداني، والمشاركة في الانتخابات الطلابية والنقابية، بما يعزز انتقالهم من حالة التلقي إلى حالة الفعل السياسي. كما أن وجود فكر سياسي واضح ومتماسك داخل الحزب يشكل شرطًا أساسيًا لبلورة وعي شبابي قادر على التفاعل مع القضايا العامة، بدل الاكتفاء بخطاب تعبوي عام.

رابعًا: الجامعة بوصفها الحاضنة الأولى للتأسيس المنظم

تمثل البيئة الجامعية نقطة الانطلاق الأساسية لتشكّل الوعي السياسي لدى الشباب، غير أن تنظيم العمل الحزبي داخلها ظل محاطًا بتوازنات دقيقة بين متطلبات التمثيل الأكاديمي والاعتبارات السياسية. وقد أثارت

التعديلات الأخيرة على أنظمة انتخابات اتحادات الطلبة نقاشًا حول دلالاتها: هل هي محاولة لضمان تمثيل أوسع للكليات والتخصصات، أم تعبير عن حذر مؤسسي تجاه تمدد العمل الحزبي داخل الجامعات؟

في كلتا الحالتين، تبقى الجامعة فضاءً مركزيًا لا يمكن تجاوز دوره في إعداد كوادر سياسية شابة، شريطة أن يتوافر إطار يوازن بين حرية العمل السياسي ومتطلبات الاستقرار الأكاديمي.

خامسًا: منظمات المجتمع المدني بين التمكين الموسمي وبناء المسار السياسي

برز دور منظمات المجتمع المدني والجهات المانحة في تقديم برامج تدريبية وأنشطة موجهة للشباب تحت عنوان التمكين السياسي. غير أن أثر هذه البرامج ظل محل جدل؛ إذ إن كثيرًا منها اتخذ طابعًا تدريبيًا قصير الأمد، لم يترجم بالضرورة إلى انخراط مستدام في العمل الحزبي أو العام.

هذا النمط من "المشاركة الموسمية" أوجد شريحة من الشباب المنخرطين في النشاطات التدريبية دون انتقال حقيقي إلى الفعل السياسي المنظم، ما طرح تساؤلات حول جدوى هذه البرامج، وحول الحاجة إلى مقاربات بديلة تربط التدريب بالممارسة، والتمكين بالمسار السياسي الفعلي.

سادسًا: بين الخطاب الرسمي والواقع التنظيمي

على مستوى الخطاب العام، برز توجه واضح نحو تعزيز حضور الشباب في المجال السياسي، تُرجم في مبادرات وبرامج ومؤسسات معنية بالعمل الشبابي. غير أن هذا التوجه ظل يصطدم بواقع تنظيمي لم يكتمل بعد داخل الأحزاب والمؤسسات الوسيطة، حيث ما تزال آليات الاستيعاب والتأهيل والتدرج القيادي في طور البناء.

ومن ثم، فإن الإشكالية المركزية تكمن في بطء التحول المؤسسي القادر على تحويل هذه الإرادة إلى مسارات مستدامة لإنتاج القيادات.

بهذا المعنى، تتحدد معادلة المشاركة الشبابية في الأردن عند تقاطع ثلاثة مستويات: الإطار التشريعي الذي أتاح الفرصة، والبنية الحزبية التي لم تستكمل أدوات الاستيعاب، والشباب أنفسهم بوصفهم فاعلًا في طور التشكّل يبحث عن موقعه بين الخطاب والواقع.

وهنا يصبح السؤال المؤسس لبقية الفصول: هل نحن أمام مرحلة انتقالية تسبق صعودًا سياسيًا شبابيًا حقيقيًا، أم أمام إعادة إنتاج لنمط مشاركة محدود بآليات أكثر حداثة وأدوات أكثر تنظيمًا؟

الفصل الثاني: التمثيل الحزبي في البرلمان وإشكالية التحول من الحضور العددي إلى الفعل السياسي

ينتقل النقاش في هذا الفصل من سؤال المشاركة الشبابية داخل الأحزاب إلى موقعها في المجال التمثيلي الأوسع، أي البرلمان والهيئات المنتخبة، حيث تتكشف فجوة أخرى بين التمثيل بوصفه رقمًا في معادلة انتخابية، والتمثيل بوصفه قدرة فعلية على التأثير في القرار العام وصناعة السياسات.

المشهد البرلماني الذي أعقب مسار التحديث السياسي أظهر تقدمًا في حضور الأحزاب داخل مجلس النواب، إلا أن هذا الحضور لم يتحول بعد إلى كتلة سياسية منسجمة تمتلك سلوكًا تصويتيًا موحدًا أو رؤية تشريعية متماسكة. فالأحزاب، رغم تمثيلها العددي، ما تزال تتعامل مع العمل النيابي بوصفه امتدادًا فرديًا أكثر منه فعلاً جماعيًا منظّمًا.

أولًا: الكتل الحزبية بين الشكل التنظيمي وغياب الانضباط السياسي

تكشف التجربة البرلمانية الراهنة أن الكتل الحزبية لم تبلغ بعد مرحلة الانضباط المؤسسي الذي يجعلها تتصرف بوصفها وحدة سياسية متكاملة. فالتصويت داخل الكتلة الواحدة لا يزال خاضعًا للاجتهاد الفردي، وتفاوت المواقف، وضعف الالتزام التنظيمي، ما يحد من قدرتها على التأثير في المسار التشريعي والرقابي.

هذه الحالة تعيد إنتاج نمط "الكتل الهلامية" بصيغة أكثر حداثة؛ إذ يتوافر الشكل الحزبي دون أن تتوافر آليات ضبط السلوك النيابي أو صياغة الموقف الجماعي. وهو ما يجعل التمثيل الحزبي أقرب إلى حضور رمزي منه إلى قوة سياسية منظمة.

ثانيًا: المشاركة الشبابية في البرلمان… غياب يتجاوز معيار العمر

لا يقتصر ضعف التمثيل الشبابي على البعد العمري بقدر ما يرتبط بطبيعة الفرص المتاحة داخل العملية السياسية ذاتها. فالشباب، حتى حين يدخلون المشهد الانتخابي، يظلون في موقع الهامش، سواء بسبب ضعف الحضور الانتخابي العام، أو محدودية المشاركة الشعبية في الاقتراع، أو غياب قوى ضغط شبابية منظمة تدفع باتجاه تمثيل أوسع.

وهنا تتبدى معادلة مركبة: مجلس نواب قوي دستوريًا، لكنه يواجه تحديًا في الأداء نتيجة ضعف المشاركة الشعبية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على نوعية التمثيل، وعلى قدرة الشباب تحديدًا على الوصول إلى مواقع التأثير

ثالثًا: الأحزاب بين مسؤولية الاستقطاب وعجز البرامج

تتجه بوصلة النقد في هذا السياق إلى الأحزاب نفسها، التي لم تنجح بعد في بناء منظومات استقطاب قادرة على جذب الشباب واستبقائهم. فظاهرة الانسحاب السريع من العمل الحزبي، بعد فترات قصيرة من الانتساب، تعكس خللاً في البيئة التنظيمية، وفي وضوح البرامج، وفي مسارات التدرج القيادي.

كما أن حضور الشباب داخل بعض القوائم الانتخابية بدا في أحيان كثيرة استجابةً لمتطلبات شكلية أو تنظيمية، لا تعبيرًا عن قناعة بدورهم القيادي. وهو ما عمّق الشعور لدى كثير من الشباب بأن مشاركتهم تُستخدم لاستكمال شروط قانونية أكثر من كونها رافعة حقيقية لتجديد النخب السياسية.

رابعًا: كسر الحاجز النفسي تجاه العمل الحزبي

على المستوى الاجتماعي، ما يزال الانخراط الحزبي يواجه إرثًا من الحذر والتوجس المتراكم عبر عقود، وهو ما ينعكس بوضوح في تردد قطاعات واسعة من الشباب تجاه الانتساب للأحزاب. ورغم التحولات القانونية والسياسية التي شجعت العمل الحزبي، فإن الحاجز النفسي لم يُكسر بالكامل بعد.

ويظهر هذا التردد بوضوح في البيئات الجامعية، حيث يتشكل وعي سياسي أولي، لكنه لا يتحول دائمًا إلى انخراط حزبي مباشر. فالشباب، في كثير من الأحيان، يبحثون عن مساحات عملية للتأثير، لا عن أطر تنظيمية تقليدية تفتقر إلى الوضوح البرامجي أو مسارات التمكين.

خامسًا: التمكين مقابل الإشراك… الفجوة المفاهيمية داخل الأحزاب

تتكرر داخل الخطاب الحزبي مفردة "التمكين"، لكنها غالبًا ما تبقى في حدود التدريب أو المشاركة الشكلية، دون أن تتطور إلى "إشراك" فعلي في صنع القرار. فالشباب يشاركون في الندوات والبرامج والأنشطة، لكن حضورهم في مواقع القيادة وصياغة السياسات لا يزال محدودًا.

وهنا تبرز إشكالية مفاهيمية: التمكين، بوصفه بناءً للقدرات، يفترض أن يقود إلى إشراك، بوصفه مشاركة في القرار. غير أن هذا الانتقال لا يتحقق تلقائيًا، فهو يتطلب إرادة تنظيمية حقيقية، ومسارات واضحة للتدرج القيادي، وإتاحة المجال للأفكار الجديدة، حتى وإن اختلفت مع الأطر التقليدية داخل الحزب.

سادسًا: التجربة الطلابية كنموذج بديل لإنتاج القيادات

في مقابل هذا التعثر الحزبي، تبرز التجربة الطلابية في الجامعات بوصفها نموذجًا أكثر ديناميكية في إنتاج القيادات الشابة. فالقوائم الطلابية، بما توفره من بيئة تنافسية، وتدريب عملي، ومساحات للتعبير، أسهمت في صقل مهارات عدد كبير من الشباب في العمل الجماعي، والتفاوض، وإدارة الحملات، وصياغة البرامج.

هذه التجربة تكشف أن الشباب يفتقرون إلى إلى الأطر السياسية القادرة على استيعاب هذه القدرات وتطويرها ضمن مسار وطني أوسع.

سابعًا: التكوين قبل التمكين… البعد المجتمعي للمشاركة السياسية

يتجاوز بناء المشاركة السياسية للشباب حدود الأحزاب ليشمل عملية أعمق تبدأ من الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات التربوية، والإعلام. فالتنشئة المدنية، والوعي الديمقراطي، ومهارات الحوار والعمل الجماعي، تشكل جميعها مقدمات ضرورية لأي تمكين سياسي لاحق.

ومن دون هذا التكوين المبكر، يصبح العمل السياسي لاحقًا فعلًا طارئًا، لا امتدادًا لمسار اجتماعي وثقافي متدرج. وهنا تتوزع المسؤولية بين الدولة والمجتمع، وبين المؤسسات التعليمية والثقافية، في بناء جيل يرى في المشاركة السياسية جزءًا طبيعيًا من المواطنة، لا مغامرة استثنائية.

بهذا المعنى، يكشف الفصل عن مفارقة مركزية: فالمسار الإصلاحي أوجد بنية قانونية تسمح بتمثيل حزبي وشبابي أوسع، لكن البنية التنظيمية والاجتماعية لم تستكمل بعد شروط تحويل هذا التمثيل إلى قوة سياسية مؤثرة.

ومن هنا يتقدم السؤال التالي الذي يؤسس للفصل اللاحق: هل يكمن الخلل في الأحزاب بوصفها مؤسسات وسيطة لم تنضج بعد، أم في البيئة السياسية والاجتماعية التي لم تهيئ شروط الانتقال من المشاركة الرمزية إلى الفعل الديمقراطي العميق؟

الفصل الثالث: التحديث السياسي وتمكين الشباب… من التشريعات إلى الواقع العملي

يستكمل هذا الفصل مسار الحوار حول مشاركة الشباب في الحياة السياسية، ويبحث عن العلاقة بين التشريعات الشكلية وبين واقع التمكين الفعلي، مسلطًا الضوء على التجربة العملية للشباب داخل الأحزاب والجامعات، كمسار حقيقي لا يقتصر على الأرقام أو النسب القانونية.

أولًا: التكوين قبل التمكين… دمج الحماس الشبابي بخبرة الكبار

ينطلق مفهوم تمكين الشباب من ضرورة بناء الشخصية القيادية عبر التكوين التدريجي، ذلك أن الشباب يمتلكون حماسًا كبيرًا، بينما يختزن الكبار خبرة طويلة. والتحدي يكمن في المزج بين الحماس والخبرة للوصول إلى مخرجات إيجابية، بما يحقق التوازن بين الطاقة الشبابية والوعي المؤسسي. فالتشريعات تحتاج إلى مجتمع تكويني يدعم الشباب، ويزيل التخوفات، ويتيح المجال أمامهم للانخراط في الأحزاب والقوائم الطلابية دون خوف من الاستهداف أو الإقصاء.

ثانيًا: نسب الشباب والنساء في الأحزاب والهيئات الانتخابية

تشير التجربة إلى أن القوانين الجديدة، سواء في الأحزاب أو في مجالس الشورى، حددت نسبًا للشباب والنساء، لكن التطبيق على أرض الواقع ما يزال محدودًا، كما أن مسؤولية تمكين الشباب ليست مسؤولية الأحزاب وحدها، فهي تقع على عاتق الدولة بكل مؤسساتها، بما في ذلك المدارس والجامعات والتشريعات والثقافة المجتمعية، لتوفير بيئة داعمة تمكن الشباب من المشاركة الفعلية.

ثالثًا: التحديات العملية أمام الشباب في الأحزاب

على الرغم من وجود نسب قانونية للشباب، فإنهم غالبًا ما يواجهون قيودًا داخل الأحزاب، مثل احتكار المناصب من قبل أبناء النخب أو القيادات القديمة، أو استغلال مواقعهم في الجامعات لتنفيذ رغبات الحزب دون منح الشباب مساحة حقيقية لصياغة القرار. ويبرز هنا خلل في التطبيق العملي للتمكين، حيث يُنظر إلى الشباب كأرقام تُستكمل بها النسب القانونية، دون الاعتراف بقدراتهم أو منحهم دورًا مؤثرًا في الهيئات القيادية.

رابعًا: التجربة الجامعية كنموذج عملي للتمكين

تعد الجامعات مسرحًا حقيقيًا لتجربة القيادة والمشاركة السياسية، حيث تمنح القوائم الطلابية الشباب فرصًا لتطوير مهاراتهم في التنظيم، والتفاوض، وإدارة الفعاليات، وصياغة البرامج، وهو ما يخلق نموذجًا عمليًا للتكوين والتمكين. ويبرز في هذه التجربة أن الشباب قادرون على قيادة التغيير إذا أُتيحت لهم الفرصة، دون انتظار أن تمنحهم الأحزاب القديمة المساحة المطلوبة.

خامسًا: المبادرة الفردية وأهمية الجرأة في المشاركة

يتطلب النجاح الشبابي مبادرة شخصية، وجرأة على أخذ الفرص، وعدم انتظار التمكين من الأحزاب التقليدية أو القيادات الراسخة. فالتجارب التاريخية، بما في ذلك الحركات التحررية والربيع العربي، أثبتت أن الشباب هم القوة الدافعة للتغيير، وأن المشاركة الفعلية لا تتحقق عبر الانتظار أو الاعتماد على التشريعات وحدها.

سادسًا: التوصيف الإيجابي لواقع الشباب في الحركة السياسية

على الرغم من التحديات، يسلط الحوار الضوء على بعض المكاسب، مثل وجود شباب حزبيين واعين سياسيًا، قادرين على المشاركة الفعلية في النقاش وصنع القرار، معترفًا بأن الأحزاب لا تزال ناشئة وتتطور، وأن الشباب يمكن أن يكونوا قوة فاعلة لتطوير هذه الأحزاب من الداخل، وتعزيز قدراتها على التمثيل والمشاركة الديمقراطية.

في الخلاصة، يوضح الفصل أن التحديث السياسي وتمكين الشباب هما مساران متكاملان: التشريعات توفر الإطار القانوني، والتجارب العملية في الجامعات والأحزاب توفر أدوات التكوين والتمكين، فيما يبقى التحدي الأكبر في تحويل هذا الإطار القانوني إلى واقع ملموس يضمن مشاركة فعالة ومؤثرة للشباب في مواقع القيادة وصناعة القرار.

الخاتمة:

تخلص الورقة إلى أن التمكين السياسي والحزبي للشباب الأردني ما يزال تحديًا مركبًا، يتطلب تضافر الجهود بين الشباب والأحزاب والمؤسسات الرسمية>

إن نجاح هذا التمكين لا يتحقق إلا من خلال الجمع بين الطموح الفردي والممارسة المؤسسية المدروسة، والالتزام بقواعد المنافسة النزيهة، وتطوير آليات مستدامة لترقية الكفاءة والوعي السياسي. وفي غياب هذه الشروط، يظل الشباب مجرد حضور شكلي، بينما الفرص الحقيقية للتمكين والتأثير تبقى رهينة الفجوات التنظيمية والتطبيقية.

 

صادرة عن مؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير

17/2/2026