ورقة موقف: هل أفصح السفير الأمريكي لدى إسرائيل عمّا تخفيه واشنطن؟... السيادة العربية في مرمى التأويل الأمريكي" صادرة عن مؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير
المقدمة
الجدل الذي أثارته تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، والسجال الموازي داخل الولايات المتحدة حول حدود صلاحيات الرئيس في مواجهة المحكمة العليا للولايات المتحدة، لا يمكن قراءتهما إلا بوصفهما تجليين لمسارٍ سياسي آخذٍ في إعادة تعريف العلاقة بين العقيدة والقرار، وبين التفويض الشعبي والضابط الدستوري.
تأتي هذه الورقة في سياق إقليمي بالغ الحساسية، حيث تتقاطع رهانات التهدئة مع مخاوف التوسع، وتتصادم مسارات السلام مع صعود تيارات دينية قومية داخل الولايات المتحدة، وعليه، فإن السؤال الذي تحاول هذه الورقة تفكيكه لا يتمحور حول صدقية تصريح بعينه، وإنما حول ما إذا كان ذلك التصريح يعكس تحوّلًا عميقًا في بنية التفكير السياسي الأمريكي، أم أنه أداة تعبئة ظرفية ضمن حسابات انتخابية أوسع.
انطلاقًا من ذلك، تتناول الورقة خمسة محاور مترابطة: البعد العقائدي في الخطاب السياسي، إشكالية الانضباط المؤسسي، أثر الشعبوية في إعادة تشكيل السياسة الخارجية، موقع اليمين المتطرف في المعادلة الانتخابية الأمريكية، وأخيرًا انعكاسات ذلك كله على مفهوم السيادة والاستقرار في الإقليم العربي. والغاية ل تقديم قراءة موضوعية ومحايدة توازن بين النصّ المُعلن والبنية الكامنة، وبين الضجيج الخطابي والمآلات الاستراتيجية.
الفصل الأول: الدبلوماسية المؤدلجة وحدود الخطاب الديني في السياسة الخارجية الأمريكية
أعادت التصريحات التي أدلى بها السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، حول ما وصفه بـ"الحق التوراتي" لإسرائيل في التوسع الجغرافي، فتح نقاش مركب يتجاوز حدود الجدل الإعلامي إلى مساءلة أعمق تتصل بطبيعة التوجهات الفكرية داخل دوائر صنع القرار الأمريكي، وحدود التداخل بين العقيدة الدينية والممارسة الدبلوماسية.
فالحديث عن "حق توراتي" في سياق سياسي معاصر يُفهم باعتباره إعادة إدخال مرجعية لاهوتية في حقل يُفترض أنه محكوم بقواعد القانون الدولي ومرجعيات النظام الدولي الحديث. ومن هنا تنبع حساسية التصريحات من موقع قائلها التمثيلي، لا من مضمونها الديني فحسب.
أولاً: بين الموقف الشخصي والموقف المؤسسي
تتمثل الإشكالية الأولى في تحديد ما إذا كانت التصريحات تعكس قناعة شخصية ذات خلفية دينية-أيديولوجية، أم أنها تعبير ضمني عن تيار مؤثر داخل الإدارة الأمريكية.
وقد زادت هذه الإشكالية تعقيدًا في ظل غياب توضيح رسمي حاسم من واشنطن، بينما أشارت تقارير صحفية – من بينها ما نشرته Politico – إلى وجود محاولات داخل الإدارة لاحتواء تداعيات التصريحات.
هذا الغموض المؤسسي يفتح الباب أمام تأويلين متوازيين: إما أن التصريح يمثل انزلاقًا فرديًا في خطاب دبلوماسي كان يفترض به أن يكون منضبطًا، أو أنه يعكس تيارًا فكريًا داخل اليمين الأمريكي يرى في إسرائيل امتدادًا لعقيدة دينية-سياسية تتجاوز الاعتبارات الجيوسياسية التقليدية.
ثانيًا: اليمين الإنجيلي كفاعل مؤثر في السياسة الخارجية
لا يمكن فصل تصريحات هاكابي عن خلفيته كأحد أبرز رموز اليمين المسيحي الإنجيلي في الولايات المتحدة. هذا التيار الذي ينظر إلى إسرائيل من منظور عقائدي يتصل بتفسيرات لاهوتية لنصوص العهد القديم.
وتكمن أهمية هذا البعد في أن اليمين الإنجيلي يشكل قاعدة انتخابية مؤثرة داخل الحزب الجمهوري، وقد لعب دورًا بارزًا في دعم قرارات سابقة مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس خلال إدارة دونالد ترامب.
وعليه، فإن السؤال الجوهري يتمثل في مدى تغلغل هذا التصور اللاهوتي داخل مقاربة بعض دوائر القرار الأمريكي للملف الإسرائيلي.
ثالثًا: التوقيت ودلالاته الجيوسياسية
تأتي هذه التصريحات في لحظة إقليمية تتسم بحساسية فائقة، حيث تتشابك مسارات الحرب، والتطبيع، وإعادة تموضع القوى الإقليمية، فضلًا عن محاولات إحياء أطر تفاوضية متعثرة.
وفي هذا السياق، فإن إدخال مفهوم "الحق التوراتي" إلى الخطاب الرسمي – ولو بصورة غير مباشرة – يحمل ثلاث دلالات محتملة تتمثل في إعادة تعريف مرجعية الصراع من قانونية-سياسية إلى دينية هوياتية، وتقويض أي أرضية تفاوضية قائمة على حل الدولتين، وتعميق الاستقطاب في البيئة الإقليمية والدولية.
ورغم حدة التصريحات، فإن الحكم عليها بوصفها تحوّلًا عميقًا في السياسة الأمريكية يستدعي الحذر التحليلي.
فالسياسة الخارجية الأمريكية تاريخيًا تقوم على مزيج من البراغماتية الاستراتيجية والانحياز السياسي لإسرائيل، لكنها ظلت – رسميًا – تتجنب تبني مرجعيات دينية في توصيف الحدود والسيادة.
من هنا، فإن المسألة قد لا تكون تحوّلًا مؤسسيًا مكتملًا، بقدر ما هي تعبير عن تصاعد نفوذ خطاب أيديولوجي داخل بعض الأوساط، قد يختبر حدود المقبول سياسيًا دون أن يتحول بالضرورة إلى سياسة معتمدة.
رابعًا: الأثر على صورة الولايات المتحدة
على المستوى الدولي، تثير هذه التصريحات تساؤلات حول موقع الولايات المتحدة كوسيط محتمل في أي مسار تفاوضي مستقبلي.
فحين يُعاد تعريف الصراع بمنطق "الوعد الديني"، تتآكل الأسس القانونية التي يقوم عليها النظام الدولي، ويُعاد إنتاج الصراع في قالب وجودي يصعب احتواؤه دبلوماسيًا.
كما أن الخطاب الديني في سياق جيوسياسي متفجر قد يعزز السرديات المتطرفة في الضفة المقابلة، بما يفاقم دورة الاستقطاب.
ما يقوله هذا الفصل:
إن تصريحات السفير الأمريكي لا يمكن اختزالها في زلة لسان دبلوماسية، كما لا يمكن الجزم بأنها تعكس تحوّلًا رسميًا كاملًا في العقيدة الأمريكية تجاه الصراع.
غير أن خطورتها تكمن في كشفها عن تداخل متنامٍ بين الأيديولوجيا الدينية وبعض دوائر النفوذ السياسي، في لحظة إقليمية بالغة الهشاشة.
وعليه، فإن تقييم هذه التصريحات يقتضي قراءة في سياقها الشخصي الأيديولوجي، وقراءة في موقعها ضمن ديناميات القوة داخل الإدارة الأمريكية.
الفصل الثاني: اليمين الإنجيلي، التوظيف الديني، وحدود التأثير على القرار الأمريكي
تمثلت صدمة التصريح في الامتداد الجغرافي الذي لم يُستبعد ضمنيًا عند الحديث عن "إسرائيل الموسّعة"، وهو امتداد يتقاطع – نظريًا – مع أراضي دول ذات سيادة مثل الأردن ولبنان وسوريا وأجزاء من المملكة العربية السعودية والعراق.
وهنا تكمن الإشكالية في فرضية التوسع بحد ذاتها، إلى جانب طبيعة المرجعية التي أُحيل إليها لتبرير إمكانيتها، وهي مرجعية لاهوتية توراتية في سياق يفترض أنه خاضع لقواعد القانون الدولي الحديث، ومبدأ سيادة الدول، وضبط الحدود المعترف بها أمميًا.
أولًا: بين الخطاب الديني والتبني السياسي
ينبغي التمييز بدقة بين مستويين: الخطاب التعبوي ذي الخلفية العقائدية، السياسة الخارجية بوصفها نتاج مؤسساتي معقد
فمجرد صدور تصريح من سفير لا يعني بالضرورة تحوله إلى عقيدة دولة. الولايات المتحدة منذ عام 2016 تعيش حالة استقطاب داخلي حاد بين تيارات يمينية ويسارية وشعبوية، بل وحتى فوضوية، وهو استقطاب انعكس على اللغة السياسية، بما في ذلك إعادة توظيف الرموز الدينية في المجال العام.
في هذا السياق، يمكن فهم بعض التصريحات بوصفها امتدادًا لخطاب تعبوي يخاطب قاعدة انتخابية محددة، أكثر من كونه إعلانًا لتحول استراتيجي شامل.
ثانيًا: الإرث الريغاني وإعادة إحياء اللغة القيمية
إعادة توظيف الخطاب الديني في السياسة الأمريكية ليست ظاهرة مستجدة. ففي عهد رونالد ريغان، استُخدمت اللغة القيمية المسيحية في سياق الحرب الباردة لمواجهة المدّ الشيوعي، باعتبارها أداة تعبئة ثقافية وأخلاقية، أكثر منها لاهوتًا حاكمًا للسياسة.
واليوم، يُعاد استدعاء خطاب "القيم المسيحية التقليدية" في مواجهة تيارات ليبرالية تقدمية داخل المجتمع الأمريكي، في قضايا مثل الإجهاض، والهوية الجندرية، وتعريف الأسرة. غير أن هذا الاستخدام يعني إن الدين يُستخدم أحيانًا كإطار رمزي لحشد التأييد السياسي.
ثالثًا: الصهيونية المسيحية وتباين المقاربات
من المهم أيضًا تفكيك مصطلح "الإنجيلية" وعدم تحميله دلالات موحّدة. فداخل التيار البروتستانتي الأمريكي توجد اتجاهات متعددة، من بينها ما يُعرف بالصهيونية المسيحية، التي ترى في قيام دولة إسرائيل جزءًا من سردية دينية مرتبطة بنهايات الأزمنة.
غير أن هذا التيار لا يمثل جميع المسيحيين، ولا حتى جميع البروتستانت. بل إن مسيحيي المشرق، بمن فيهم مسيحيون فلسطينيون، يرفضون ربط الإنجيل بأي مشروع توسعي أو إقصائي، معتبرين أن النص الديني لا يمكن أن يُستدعى لتبرير إلغاء حقوق شعوب أخرى.
بل إن معارضة هذا التصور لا تقتصر على دوائر مسيحية، إذ توجد تيارات يهودية دينية – مثل جماعة ناتوري كارتا – تعارض من حيث المبدأ قيام دولة إسرائيل قبل ما تعتبره "التحقق الموعود دينيًا"، وترفض توظيف النصوص التوراتية في سياق سيادي سياسي معاصر.
هذا التعدد الداخلي يُظهر أن المشهد الديني نفسه ليس كتلة صماء، وأن الحديث عن "تبنٍ ديني أمريكي رسمي" يظل تبسيطًا مخلًا بالواقع.
رابعًا: اليمين القومي مقابل اليمين الإنجيلي
من المفارقات أن اليمين الأمريكي ليس متجانسًا في نظرته لإسرائيل. فبينما يتبنى اليمين الإنجيلي مقاربة داعمة لها بدوافع عقائدية، توجد داخل التيار القومي الشعبوي نزعات انعزالية ترى أن الأولوية يجب أن تكون للمصالح الأمريكية الداخلية، لا للانخراط غير المشروط في صراعات خارجية.
وعليه، فإن الحديث عن تأثير مطلق للتيار الإنجيلي على القرار الأمريكي يتطلب قدرًا من التحفظ التحليلي، إذ إن مراكز القرار تخضع لتوازنات بين مؤسسات الدولة العميقة، والكونغرس، والرأي العام، واللوبيات المؤثرة، فضلًا عن الحسابات الاستراتيجية الكبرى.
خامسًا: حدود التأثير على السياسات المستقبلية
السؤال الأكثر أهمية يتعلق بمدى قابليته للتحول إلى سياسة عملية.
حتى الآن، لا توجد مؤشرات رسمية على تبني واشنطن رؤية توسعية ذات مرجعية دينية. كما أن أي مقاربة من هذا النوع ستصطدم بمعوقات قانونية دولية، وتحالفات إقليمية، واعتبارات استقرار أوسع.
غير أن الخطر يكمن في مستوى آخر: فحين يُعاد إدخال المفاهيم الدينية إلى المجال السياسي الدولي، حتى على مستوى الخطاب، فإن ذلك قد يعيد تعريف الصراع في قالب هوياتي-وجودي، يصعب احتواؤه ضمن آليات التسوية التقليدية.
ما يقوله هذا الفصل:
إن تصريحات السفير لا يمكن فصلها عن سياق صراع فكري داخلي في الولايات المتحدة، ولا عن تصاعد حضور الخطاب الديني في المجال العام منذ عام 2016. غير أن تحويل هذا الخطاب إلى سياسة رسمية يظل رهين توازنات مؤسسية معقدة.
وعليه، فإن القراءة تقتضي التمييز بين: النفوذ الرمزي للتيار الإنجيلي، والقدرة الفعلية على إعادة صياغة العقيدة الاستراتيجية الأمريكية.
فما جرى قد يكون تعبيرًا عن تصاعد نبرة أيديولوجية، لكنه لا يرقى – حتى اللحظة – إلى مستوى تحول عميق في بنية القرار الأمريكي.
الفصل الثالث: بين الخطاب العقائدي والبراغماتية المرتبكة – هل ورّط هكابي واشنطن أم عبّر عن تيارها العميق؟
يُثار التساؤل، عمّا إذا كان تصريح مايك هكابي قد أوقع الإدارة الأمريكية في مأزقٍ دبلوماسي، أم أنه لم يكن سوى تجلٍّ صريح لتيارٍ متجذّر داخل البنية السياسية الأمريكية، وإن بدا صادمًا في صياغته ومباشرًا في دلالاته. فالفارق بين "الورطة" و"الإفصاح المقصود" فارقٌ دقيق، لكنه حاسم في تقدير الموقف.
أولاً: إشكالية الانضباط في ماكينة القرار الأمريكي
لو كان ما صدر عن هكابي انزلاقًا فرديًا أو تجاوزًا لخطٍ مرسوم، لكان من اليسير على وزارة الخارجية الأمريكية أو البيت الأبيض أن يبادرَا إلى تصحيحٍ صريح، أو توضيحٍ تأويلي، أو حتى تلطيفٍ دبلوماسي يضع التصريح في سياقٍ محدود. غير أن ما صدر لم يتجاوز عبارات مقتضبة توحي بعدم وجود قطيعة حقيقية مع فحوى الطرح، بل ربما بعدم الرغبة في التنصل منه.
وهنا تتبدّى ملاحظة أكثر عمقًا: منذ عام 2016، ومع صعود دولاند ترامب، أخذت الماكينة الخارجية الأمريكية تميل إلى نمطٍ من "لتعدد الصوتي غير المنضبط"، حيث تتجاور التصريحات المتناقضة دون حرج مؤسسي واضح. فالرئيس نفسه صرّح في أكثر من مناسبة بضرورة توسيع الجغرافيا الإسرائيلية، واصفًا إياها مرة بأنها "بحجم الدبوس"، في مقابل حديثه في مؤتمرات أخرى عن "السلام الإقليمي" و"التهدئة". هذا التوازي بين خطاب التوسّع وخطاب التسوية لا يمكن فهمه إلا باعتباره انعكاسًا لبراغماتية متقلّبة، أو لسياسة تقوم على إدارة التناقض لا حسمه.
ثانياً: الولاء مقابل المهنية – تحوّل في فلسفة التعيين
من اللافت أن عددًا من المبعوثين الذين تم تعيينهم في السنوات الأخيرة لا ينتمون إلى المدرسة الدبلوماسية التقليدية ذات الخبرة التراكمية في شؤون الشرق الأوسط، إذ يُنظر إليهم في أحيانٍ كثيرة بوصفهم تعيينات ذات خلفية أيديولوجية أو ولائية. هذا التحول يعيد تشكيل طبيعة الخطاب الأمريكي: من خطابٍ مؤسساتي محسوب إلى خطابٍ تعبوي تتداخل فيه القناعة الشخصية مع الرسالة الرسمية.
وفي هذا السياق، لا يبدو هكابي استثناءً، فهو امتداد لمنحى أوسع يرى في الشرق الأوسط ساحةً لإعادة بناء التوازنات، لا مجرد ملفٍ لإدارة النزاعات. تصريحات سابقة لمسؤولين أمريكيين حول الحاجة إلى "إعادة رسم الخرائط" أو تجاوز إرث Sykes-Picot Agreement، تكشف عن حضور تصورٍ يعيد النظر في النظام الإقليمي برمّته، لا في حدود نزاعٍ بعينه.
ثالثًا: البعد الانتخابي – استرضاء القاعدة الصلبة
من زاويةٍ أخرى، لا يمكن عزل تصريحات هكابي عن البعد الانتخابي. فالتيار الإنجيلي المحافظ، الذي يُقدّر عدده بعشرات الملايين داخل الولايات المتحدة، يشكّل ركيزةً انتخابية أساسية لترامب، إذ تشير تقديرات عديدة إلى أن نسبةً كبيرة منه صوّتت له في دورتيه الانتخابيتين. ومن ثمّ، فإن تعيين شخصية ذات انحياز عقائدي واضح لإسرائيل في موقعٍ دبلوماسي حساس قد يُقرأ بوصفه رسالة طمأنة لتلك القاعدة أكثر من كونه تحوّلًا فجائياً في الاستراتيجية.
غير أن الإشكالية تكمن في تداخل العقائدي بالسياسي. فحين يُعاد إنتاج سرديات دينية حول "الجغرافيا الموعودة" أو "الحق التاريخي" في خطابٍ رسمي، فإن ذلك يضفي على الصراع طابعًا وجوديًا يتجاوز حدود القانون الدولي، ويُضعف المرجعيات التي تستند إلى سيادة الدول ووحدة أراضيها.
رابعًا: التصعيد الخطابي وتغذية الاستقطاب
ثمّة بُعدٌ آخر لا يقل خطورة: إن ضخّ خطابٍ ذي حمولة دينية متطرفة في لحظة إقليمية مشحونة – بعد حربٍ مدمّرة في غزة، ووسط هشاشةٍ في عدة ساحات عربية – يُفضي إلى إعادة تعبئة خطابٍ مضاد على الضفة الأخرى. فالتاريخ يُظهر أن التطرف يتغذى على نظيره، وأن الاستقطاب الديني حين يُستدعى إلى الحقل السياسي يتحول إلى وقودٍ عابر للحدود.
بعبارةٍ أخرى، لا يمكن استبعاد أن مثل هذه التصريحات تُستخدم – بقصدٍ أو بغير قصد – كأداة لاستفزاز الفضاء العام في الشرق الأوسط، بما يفتح المجال أمام قوى راديكالية لتقديم نفسها كمدافعٍ عن الهوية في مواجهة "مشروع توسّعي". وهنا يصبح التصريح، في ذاته، عنصرًا في معادلة تعبئة متبادلة، تتجاوز الشخص القائل إلى شبكات التأويل والتوظيف.
خامسًا: هل هي ورطة أم استراتيجية مزدوجة؟
في ضوء ما تقدّم، يصعب الجزم بأن هكابي "ورّط" الإدارة الأمريكية بالمعنى الكلاسيكي للكلمة. الأرجح أن ما صدر يندرج ضمن هامشٍ محسوب من الغموض البنّاء: خطابٌ يرضي الداخل المحافظ، دون أن يُترجم فورًا إلى سياسة تنفيذية مُعلنة. فالإدارة لم تُدن التصريح، لكنها أيضًا لم تحوّله إلى وثيقة رسمية.
إنها، بتعبيرٍ آخر، سياسة "الاختبار عبر التصريح": إطلاق فكرة في الفضاء العام، قياس ردود الفعل الإقليمية والدولية، ثم تقرير مدى قابليتها للتحول إلى مسار عملي. وبهذا المعنى، لا يكون التصريح ورطةً، بقدر ما هو أداة جسّ نبض، أو ورقة ضغط ضمن توازنات أوسع تشمل العلاقة مع أوروبا، وملف أوكرانيا، وإعادة تعريف أدوار القوى في الشرق الأوسط.
ما يقوله هذا الفصل:
وعليه، فإن قراءة تصريحات هكابي لا ينبغي أن تُختزل في بعدها الشخصي أو الديني، إذ يجب أن تُدرج ضمن بنية أوسع من التحولات في الخطاب الأمريكي: تراجع الانضباط المؤسسي، صعود الاعتبارات الأيديولوجية، توظيف القواعد الانتخابية، واستدعاء الدين في لحظات الاستقطاب الجيوسياسي. وبين "الورطة" و"الاستراتيجية"، يبقى الثابت أن مثل هذا الخطاب يُعيد تشكيل المجال الرمزي للصراع، ويجعل من الجغرافيا مسألة اعتقاد، ومن السياسة ساحةً لتنازع السرديات الوجودية، لا مجرد تفاوضٍ على حدود.
الفصل الرابع: هل يتجه ترامب نحو مركزية سلطوية مغلّفة بالشعبوية؟
حين تصف أعلى سلطة قضائية في الولايات المتحدة قرارًا تنفيذيًا بأنه غير جائز، ثم يخرج الرئيس ليصف قرار المحكمة ذاته بـ"السخيف"، فإننا أمام احتكاكٍ صريح بين سلطتين تُفترض فيهما الموازنة والتكامل.
أولاً: تصادم السلطات أم إعادة تعريفها؟
قرار المحكمة المتعلق بملف الجمارك – ورفضها فرض رسوم على شركاء أوروبيين خارج الأطر القانونية المقررة – يعكس تمسكًا بالبنية المؤسسية التي تضبط التوازن بين السلطات. غير أن توصيف الرئيس للقرار بعبارات تبخيسية لا ينفصل عن نمطٍ أوسع من إعادة تعريف العلاقة بين الرئاسة والمؤسسات الرقابية.
في هذا السياق، لا يبدو الأمر مجرد خلافٍ حول سياسات تجارية، وإنما اختبارٌ لمفهوم "الشرعية التنفيذية"، فهل تستمد السلطة التنفيذية مشروعيتها من تفويضٍ انتخابي واسع يسمح لها بتجاوز القيود التقليدية أم أن التفويض ذاته مشروطٌ بسقفٍ دستوري لا يمكن القفز فوقه مهما بلغت الشعبية؟.
إن الخطورة هنا تكمن في الخطاب المصاحب للقرار. فاللغة حين تتحول إلى أداة نزع مشروعية عن القضاء، فإنها تُمهّد – ولو نظريًا – لفكرة أن الإرادة السياسية يمكن أن تعلو على الضوابط الدستورية.
ثانيًا: الضجيج كأداة حكم
من يقرأ المشهد بتأنٍ يلحظ أن الضجيج ليس عرضًا جانبيًا، فإثارة الملفات دفعة واحدة – من التجارة إلى الهجرة، ومن الدين إلى الجغرافيا السياسية – تخلق حالة تعبئة مستمرة، تُبقي القاعدة الانتخابية في حالة استنفار وجداني دائم. هذه الاستراتيجية تقوم على مبدأ بسيط: كلما تصاعد الجدل، تقلّصت المساحات الرمادية، وتحوّل النقاش إلى اصطفافٍ ثنائي.
غير أن الإشكال يكمن في تحويل الدين من مرجعية قيمية إلى أداة تعبئة سياسية. فحين تُختزل الجغرافيا في وعدٍ لاهوتي، أو تُصوَّر السياسات الدولية بوصفها تمهيداً لنهايةٍ كونية، فإن النقاش ينتقل من حقل المصالح إلى حقل المعتقدات المطلقة.
ثالثًا: الإيمان الشخصي وحدود الوظيفة العامة
بالعودة إلى شخصية مايك هكابي، يتضح - من مقابلاته المتعددة، لا سيما مع الصحفي تاكر كارلسون - أن الرجل لا يخفي قناعته العميقة برؤية لاهوتية للتاريخ السياسي في المنطقة. بل إن رسالته السابقة إلى دولاند ترامب، التي دعا فيها إلى "دخول التاريخ من بوابة إقامة ملكوت الرب"، تكشف عن تصورٍ يتجاوز السياسة اليومية إلى أفقٍ إسكاتولوجي يستحضر معركة "هرمجدون".
غير أن الإيمان الشخصي، مهما كان راسخاً، يظلّ – في النظم الديمقراطية – منفصلًا نظريًا عن مقتضيات الوظيفة العامة. الإشكالية تظهر عندما تتداخل القناعة العقائدية مع التمثيل الدبلوماسي، فتغدو الحدود بين الرأي الشخصي والسياسة الرسمية ضبابية.
ومن اللافت أن الإدارة الأمريكية لم تُصدر إدانةً صريحة لتصريحات هكابي، لكنها – وفق ما نقلته Politico – سعت عبر اتصالات هاتفية إلى احتواء التداعيات وطمأنة عدد من الدول العربية بأن تلك التصريحات لا تعبّر عن تحولٍ رسمي في السياسة. هذا السلوك يعكس ازدواجية محسوبة: تهدئة الخارج دون الاصطدام بالداخل المؤيد.
رابعاً: ردود الفعل الإقليمية وميزان الرسائل
البيان المشترك الذي صدر عن أربع عشرة دولة عربية وإسلامية – من بينها الأردن، والسعودية، ومصر، وتركيا، تمثل تأكيدًا على أن مثل هذه الطروحات تُهدد استقرار الإقليم وتتعارض مع خطاب "التهدئة" الذي تروّج له واشنطن.
خامساً: نحو مركزية سلطوية؟
يبقى السؤال الأعمق: هل يسعى ترامب إلى حكمٍ شمولي بالمعنى الكلاسيكي؟، قد يكون الوصف مبالغًا فيه، غير أن المؤشرات تدل على نزوعٍ نحو مركزية تنفيذية موسّعة، تتكئ على التفويض الشعبي وتُقلّل من شأن الضوابط المؤسسية عند تعارضها مع الأجندة السياسية.
الفرق الجوهري بين "السلطوية الكاملة" و"المركزية الشعبوية" أن الثانية لا تُلغي المؤسسات، وإنما تُضعفها تدريجيًا عبر الخطاب، وتُخضعها لاختبار الولاء، وتُعيد تفسير حدودها. وهنا يصبح الصدام مع القضاء، وتوظيف الدين، وإدارة التناقضات الخارجية، أجزاءً من لوحة واحدة.
ما يقوله هذا الفصل:
إن ما يجري لا يمكن اختزاله في تصريحٍ منفلت أو قرارٍ قضائي محل جدل. نحن أمام إعادة تشكيل لعلاقة السلطة بالشرعية، وللسياسة بالعقيدة، وللدولة بالمؤسسات. وفي هذا السياق، يتحول السؤال من: هل ورّط هكابي الإدارة؟، إلى: إلى أي حدّ أصبح الخط الفاصل بين القناعة الشخصية والسياسة الرسمية، وبين التفويض الشعبي والضابط الدستوري، قابلًا لإعادة الرسم؟
ذلك هو جوهر الإشكال، وتلك هي النقطة التي يتقاطع عندها الداخل الأمريكي مع الإقليم بأسره.
الخاتمة
تُظهر القراءة المتأنية أن ما بدا في ظاهره صدمةً خطابية، إنما يندرج في سياقٍ أوسع من إعادة تشكّل السياسة الأمريكية عند تقاطع ثلاث قوى: صعود اليمين القومي الديني، تآكل الثقة بالمؤسسات التقليدية، وتصاعد منطق الاستقطاب كأداة تعبئة انتخابية. فالتصريحات المثيرة للجدل تتحرك داخل بيئة داخلية تمنحها جمهورًا متلقيًا، وبيئة خارجية تتأثر بتداعياتها.
غير أن المقابل الإقليمي لم يعد سلبيًا كما كان في مراحل سابقة؛ إذ إن البيانات المشتركة والتحركات الدبلوماسية العربية عكست وعيًا متقدمًا بخطورة المساس بمفهوم السيادة أو إعادة فتح ملفات الجغرافيا السياسية تحت عناوين عقائدية. وهنا يتبدّى توازنٌ دقيق بين خطابٍ يسعى إلى اختبار الحدود، وإقليمٍ يعلن أن حدوده ليست قابلة لإعادة التعريف.
في المحصلة، لا يمكن الجزم بأن اليمين المتطرف هو قدر السياسة الأمريكية النهائي، كما لا يمكن التقليل من تأثيره المتصاعد في صياغة الخطاب العام. إن مستقبل هذا التيار سيظل رهناً بتفاعل الداخل الأمريكي مع تحدياته الاقتصادية والاجتماعية، وبقدرة مؤسساته على صون التوازن بين التفويض الشعبي والقيود الدستورية.
وبين العقيدة والبراغماتية، وبين الضجيج الانتخابي وحسابات الدولة العميقة، تبقى المنطقة العربية مطالَبة بقراءة التحولات لا بردّات الفعل، وببناء استراتيجيات تستند إلى وعيٍ بنيوي لطبيعة التحول، لا إلى انفعالٍ ظرفي إزاء تصريحٍ مهما بلغ صخبه.
صادرة عن مؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير
25/2/2026





