ورقة موقف بعنوان: "إعادة تعريف المصلحة الوطنية الأردنية ونقاط الارتكاز بين سباق النفوذ وضوابط المصلحة" صادرة عن مؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير
ورقة موقف بعنوان: "إعادة تعريف المصلحة الوطنية الأردنية ونقاط الارتكاز بين سباق النفوذ وضوابط المصلحة"
صادرة عن مؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير
المقدمة:
تشكل هذه ورقة الموقف: إعادة تعريف المصلحة الوطنية الأردنية ونقاط الارتكاز بين سباق النفوذ وضوابط المصلحة محاولة قراءة المشهد الراهن باعتباره انكشافًا لصراع مشاريع كبرى تتنازع المجال الإقليمي: مشروع إيراني يسعى إلى إعادة تشكيل موازين النفوذ، في مقابل تموضع أمريكي - إسرائيلي يعيد إنتاج ذاته بأدوات أكثر صلابة وتماهيًا. ومع دخول هذا الصراع أسبوعه الخامس، بعد أن كانت التقديرات الأولية تُرجّح أمدًا زمنيًا قصيرًا، تتكشّف دلالات أكثر عمقًا تتجاوز البعد العسكري المباشر إلى إعادة تشكيل هندسة القوة في الإقليم.
ضمن هذا الإطار، يُلاحظ أن إيران – رغم ما تعرضت له من استنزافٍ نوعي طال مستوياتها القيادية عبر الاغتيالات والضربات المركّزة – استطاعت أن تُظهر نمطًا من "المرونة الاستراتيجية"، قائمًا على إعادة البناء المتسارع وإعادة التموضع وفق منطق "التشظي المنظّم"، بما مكّنها من امتصاص الصدمة الأولية، وإعادة إنتاج قدرتها على الفعل ضمن بيئة معادية ومعقّدة. هذا السلوك يكشف عن نمط تفكير استراتيجي يعتمد على تعددية مراكز القوة بدلًا من تمركزها.
الفصل الأول: ارتدادات الصراع المركّب مقابل التموضع الأردني في بيئة إقليمية متحولة
تفتح التطورات الأخيرة المجال أمام حزمة من السيناريوهات المفتوحة، التي تتراوح بين إطالة أمد الصراع بما يستنزف الجميع، أو احتوائه ضمن تسويات مؤقتة، وصولًا إلى فرضيات أكثر جذرية مثل إحداث اختلال متجذر في النظام الإيراني ذاته. وتتعاظم خطورة هذه السيناريوهات بالنظر إلى تزامنها مع تصعيد ميداني في الضفة الغربية، وإجراءات ذات طابع رمزي واستفزازي، كإغلاق المسجد الأقصى، وتصاعد نشاطات المستوطنين، بما يعيد طرح سؤال الانفجار المتعدد الجبهات.
غير أن الإشكالية الأكثر عمقًا تكمن في غياب مشروع عربي متماسك قادر على الفعل لا ردّ الفعل. هذا الفراغ الاستراتيجي أتاح لتلك المشاريع أن تتحرك بحرية نسبية داخل المجال العربي، محوّلة إياه إلى ساحة تفاعلات لا مركزية، تُدار من خارج بنيته الذاتية، وبينما يختلف الفاعلون في تقدير مصدر التهديد الأبرز – بين من يرى في المشروع الإسرائيلي الخطر البنيوي طويل الأمد، ومن يضع المشروع الإيراني في مرتبة التهديد الأكثر إلحاحًا – فإن هذا الجدل، رغم مشروعيته، يعكس في جوهره حالة انكشاف استراتيجي أكثر منه اختلافًا تحليليًا.
في هذا السياق، يبرز الموقف الأردني بوصفه نموذجًا لمحاولة "الإدارة الحذرة للتوازنات"، حيث يسعى إلى تجنّب الانزلاق نحو خطاب استقطابي ذي طابع طائفي أو قومي حاد، مع الحفاظ في الوقت ذاته على ثوابت سياسية تتعلق برفض التهديدات لأمن دول الخليج، والتأكيد على ضرورة احتواء الصراع بدلًا من توسيعه. هذه المقاربة لا تعكس حيادًا سلبيًا، بقدر ما تمثل محاولة واعية لإدارة المخاطر ضمن بيئة إقليمية شديدة السيولة.
وعلى مستوى التقدير الاستراتيجي، تطرح بعض القراءات فرضية مفادها أن إضعاف إيران بشكلٍ حاد قد لا يصب بالضرورة في مصلحة التوازن الإقليمي، إذ قد يفضي إلى حالة من "الانكشاف الأحادي" لصالح المشروع الإسرائيلي، بما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على الأردن، لعل أبرزها إعادة إحياء سيناريوهات الضغط الديمغرافي، وعلى رأسها فرضيات التهجير القسري.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن المرحلة الراهنة تفرض على دوائر القرار في الاردن العمل ضمن معادلة معقّدة، تتطلب موازنة دقيقة بين ضرورات الأمن الوطني، والتزامات الإقليم، ومتغيرات النظام الدولي، دون الوقوع في فخ الاصطفافات الحادة أو القراءات الاختزالية. وهي معادلة تدار عبر منظومة متكاملة من السياسات الاقتصادية والأمنية، التي ستظل موضع اختبار حقيقي مع تطور مسارات الصراع.
الفصل الثاني: إعادة تعريف المصلحة الوطنية الأردنية بين ازدواجية التهديد وانضباط المصلحة
ينطلق النقاش في هذا الفصل من إقرارٍ ضمني بتعدّد المقاربات وتباين زوايا النظر إزاء طبيعة التهديدات الإقليمية، غير أن هذا التباين لا يُقرأ بوصفه تشتتًا معرفيًا بقدر ما يعكس محاولةً لإعادة تعريف "المصلحة الوطنية الأردنية" في بيئة تتسم بسيولة غير مسبوقة. فالتجربة التاريخية العربية، كما تُستعاد في هذا السياق، تُظهر نمطًا دوريًا من الاستفاقة المؤجلة؛ إذ ما إن تنتهي كل أزمة أو نكسة حتى يُعاد طرح سؤال المشروع العربي الغائب، دون أن يُترجم ذلك إلى بنية فعلية قادرة على الاشتباك مع التحولات.
في قلب هذا المشهد، تتبلور ثنائية صراعية حادة بين مشروعين رئيسيين: الأول تقوده إسرائيل بوصفه مشروعًا صهيونيًا ذا امتدادات عميقة داخل النظام الدولي، والثاني تمثله إيران مشروعًا إقليميًا ذي طابع توسعي متعدد الأدوات. غير أن اللافت في هذا الطرح هو إعادة توصيف العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث تُقدَّم كعلى أنها حالة "تماهٍ عكسي" يُعاد فيها إنتاج القرار الأمريكي تحت تأثير الأولويات الإسرائيلية، بما يعكس تحوّلًا في مراكز التأثير داخل منظومة القوة الغربية.
ضمن هذا الإطار، تبرز الضفة الغربية بوصفها الساحة المفصلية التالية، بغضّ النظر عن مآلات الصراع القائم. فالمعيار الإسرائيلي للربح والخسارة يقاس بقدرته على إعادة تشكيل الوقائع الديمغرافية والجغرافية، بما في ذلك الدفع نحو سيناريوهات التهجير وإعادة توزيع السكان، وهو ما يضع الأردن في قلب معادلة الضغط، لا على هامشها.
في المقابل، يُعاد تفكيك السردية المرتبطة بالمشروع الإيراني، بعيدًا عن أي مقاربات عاطفية أو اختزالات دينية، من خلال استحضار سجل التدخلات الإقليمية، خصوصًا في العراق وسوريا، بما يعكس نمطًا من التمدد القائم على إعادة تشكيل البنى الداخلية للدول، لا مجرد التأثير في سياساتها. وهنا تتبدّى إشكالية واضحة، فبينما يُنظر إلى إيران كقوة موازِنة في وجه المشروع الإسرائيلي، فإنها في الوقت ذاته تُعد فاعلًا مُربكًا للمنظومة العربية من الداخل.
هذا التعقيد يُفضي إلى نتيجة مفادها أن المفاضلة بين المشروعين ليست إلا مجرد "فخ إدراكي" يُراد منه دفع الفاعلين الإقليميين إلى الاصطفاف القسري. وعليه، فإن المقاربة الأردنية - كما تُستشف من هذا الطرح - تقوم على مبدأ "تحييد الانجرار"، أي تجنّب التحول إلى طرف في صراع لا يملك أدوات حسمه، مع الحفاظ على القدرة على التأثير الانتقائي في مساراته.
في هذا السياق، يُعاد تأكيد مركزية القرار السيادي الأردني، بوصفه نتاجًا لتراكم خبرة سياسية طويلة في إدارة الأزمات، وهي خبرة تجلّت في محطات تاريخية مفصلية، مثل حرب الخليج الأولى، حيث تبنّى الأردن موقفًا مغايرًا للسائد آنذاك، قبل أن تُظهر التحولات اللاحقة وجاهة ذلك الخيار. هذه الاستعادة لا تهدف إلى التمجيد، بقدر ما تُستخدم كأداة تفسيرية لفهم نمط السلوك السياسي الأردني القائم على "التحوّط الاستباقي".
غير أن البعد الداخلي لا يقل أهمية عن الخارجي؛ إذ يسلّط النقاش الضوء على فجوة كامنة بين القرارات الحكومية وسلوك الأفراد، خصوصًا فيما يتعلق بإدارة الموارد خلال الأزمات. فسياسات التقشف، مهما بلغت دقتها، تظل محدودة الأثر ما لم تُترجم إلى وعي جمعي يُدرك طبيعة اللحظة بوصفها أزمة ممتدة لا حدثًا عابرًا. ومن هنا، يُطرح مفهوم "الأمن المجتمعي الاقتصادي" كامتداد للأمن الوطني، حيث يصبح سلوك الأفراد جزءًا من منظومة الصمود، لا مجرد استجابة ظرفية.
أما على مستوى الخطاب العام، فيُحذَّر من الانزلاق نحو ثنائيات التخوين أو الاصطفاف العاطفي، لما لذلك من أثر في تشويش المجال العام ودفعه نحو استقطاب حاد يُضعف القدرة على التفكير الاستراتيجي. وبدلًا من ذلك، يُقترح تبنّي خطاب "المطالب المشروطة"، لا سيما تجاه إيران، يقوم على مبدأ الانخراط المشروط بتغيير السلوك الإقليمي، لا القبول غير النقدي أو الرفض المطلق.
في المحصلة، يكشف هذا الفصل عن معادلة شديدة التعقيد، فالأردن ليس في موقع يسمح له بالحياد الكامل، ولا في موقع يتيح له الانخراط المباشر، فهو محكوم بإدارة دقيقة لمساحة رمادية، تتطلب قدرًا عاليًا من البراغماتية المنضبطة، والقدرة على قراءة التحولات من مآلاتها العميقة.
الفصل الثالث: اقتصاد الصراع ومنطق الهيمنة... الأردن كعقدة توازن في معادلة الطاقة والنفوذ
يتجاوز هذا الفصل القراءة التقليدية للصراع بوصفه مواجهةً عسكرية أو سياسية، ليضعه ضمن إطاره الأعمق، والمتمثل في صراع على إعادة تشكيل منظومة الهيمنة العالمية، حيث تتقاطع الطاقة مع الجغرافيا، وتتشابك الأسواق مع الاستراتيجيات، في بنية مركّبة لا يمكن تفكيكها عبر مقاربة أحادية، فالدور الإيراني - في هذا السياق - لا يُقرأ إلا بوصفه أداة توظيف ضمن معادلة أوسع لإثبات الحضور الإقليمي وإعادة تثبيت الموقع في خريطة النفوذ.
في المقابل، تبرز الولايات المتحدة بوصفها فاعلًا يسعى إلى "هندسة الاستنزاف" كآلية لإعادة توزيع الموارد والهيمنة على أسواق الطاقة. فالتصريحات الصادرة عن دوائر القرار الأمريكية، والتي تربط بين النفط الإيراني والفنزويلي ضمن معادلة سيطرة على ما يقارب ثلث إمدادات الطاقة العالمية، تكشف عن منطق استراتيجي يقوم على تحويل الأزمات إلى أدوات إعادة ضبط للسوق العالمي، وليس مجرد استجابة لها.
ضمن هذا الإطار، تعود الطاقة - رغم التحولات نحو البدائل - لتحتل موقع "المحدد الخفي" في الاقتصاد العالمي؛ إذ ورغم تراجع نسبتها في مزيج الطاقة، فإن حجم استهلاكها المطلق في تزايد مستمر، ما يعني أن الانتقال إلى ما بعد الوقود الأحفوري لا يزال أفقًا بعيدًا. والأخطر من ذلك، أن تداعيات الصراع تمتد إلى احتمالات "تآكل القيمة الحقيقية للنقود"، بما يعكس تحول الأزمة من صدمة سعرية إلى اختلال بنيوي في النظام المالي.
بالانتقال إلى الحالة الأردنية، يقدّم هذا الفصل مقاربة تحليلية مزدوجة: "تحليل أساسي" يستند إلى مؤشرات الاقتصاد الكلي - من نمو وتضخم ودين عام وميزان تجاري – و"تحليل فني" يقرأ سلوك الاقتصاد في مواجهة الصدمات. ووفق هذا التقسيم، يظهر أن الاقتصاد الأردني بدأ مسار تعافٍ نسبي، مع إعادة ترتيب أولويات السياسة الاقتصادية، غير أن هذا التعافي يظل هشًا أمام اختبارات عدم اليقين، حيث تميل الأسواق إلى ردود فعل سريعة وغير متّسقة مع الأساسيات.
غير أن الأهمية الحقيقية تكمن في قدرة الأردن على التأثير في نتائج الأحداث الكبرى، لا في مجرياتها، فالأردن، رغم محدودية موارده وضغوطه الكبيرة- خصوصًا في مجالات الطاقة والمياه والغذاء - يمتلك رصيدًا استراتيجيًا يتمثل في موقعه الجغرافي، واستقراره السياسي، وقبوله الدولي، وهي عناصر تؤهله للعب دور "الوسيط الاقتصادي" أو "الميسّر اللوجستي" في بيئة إقليمية مضطربة.
ومن هنا، تتبلور معادلة الدور الأردني بوصفه "عقدة توازن" قائمة على ثلاثة مرتكزات:
أولًا، الموقع بوصفه فضاءً تتقاطع فيه مسارات التجارة والطاقة؛
ثانيًا، الاستقرار شرطًا جاذبًا لرؤوس الأموال والفاعلين الإقليميين؛
ثالثًا، القبول الدولي الذي يمنح هذا الدور شرعيةً تتجاوز حدود الإمكانات المادية.
هذا الدور يعني التموقع كـ"حاجة وظيفية" للآخرين، حيث لا يكون التنافس على الضرورة، لا على التفوق، وفي هذا السياق، يمكن للأردن أن يعزز حضوره عبر تطوير اقتصاد نوعي قائم على الخدمات اللوجستية، وربط الأسواق، وتسهيل تدفقات السلع والطاقة، بما يجعله عنصرًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات إقليمية قادمة.
على مستوى إدارة الأزمة، يُظهر الشهر الأول قدرة نسبية على احتواء الضغوط المرتبطة بأمن الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد، غير أن هذا الاحتواء يظل مشروطًا بعاملين حاسمين: أمد الصراع، واتساعه الجغرافي. فكلما طال أمد الأزمة، تحوّل "الاحتواء" إلى استنزاف تدريجي، خصوصًا في ظل تسعير القلق الجيوسياسي ضمن المعادلات الاقتصادية، سواء على مستوى الدول أو الأفراد.
وهنا يبرز بُعد بالغ الأهمية يتمثل في السلوك الاستهلاكي، حيث لا يُفسَّر التهافت على السلع فقط بوصفه رد فعل نفسي، وإنما مؤشرًا على هشاشة القدرة الشرائية، وعدم استعدادها لتحمّل صدمات سعرية إضافية. ما يستدعي – بالضرورة - مراجعة أعمق للسياسات الاقتصادية، حيث الأدوات، والفلسفة التي تحكمها.
في المحصلة، يعيد هذا الفصل تعريف موقع الأردن في خريطة الصراع، فهو "مفصل اقتصادي" قادر على التأثير في مآلات التوازن الإقليمي. ومع تصاعد احتمالات إعادة توزيع النفوذ، بمشاركة فاعلين دوليين مثل روسيا والصين، تتسع الفرصة أمام الأردن ليعيد تموضعه، بوصفه شريكًا في صياغة نتائجه الاقتصادية.
الفصل الرابع: بين تضليل السرديات وصلابة الداخل... إعادة تعريف الخطر ومعادلة الصمود الأردني
تستحضر الذاكرة التاريخية في هذا السياق لحظاتٍ مفصلية شكّلت وعي المنطقة، حيث لم يكن الخطر دومًا إلا في "سرديته"؛ ففي أعقاب حرب 1967، تَشكَّل وعيٌ زائف لدى قطاعات واسعة من الشارع العربي نتيجة تضليل إعلامي، الأمر الذي أفضى إلى صدمةٍ مضاعفة عند انكشاف الواقع. كما تكررت أنماط مشابهة خلال حرب العراق 2003، حيث سبق الخطابُ الحدثَ، وانفصلت التوقعات عن الوقائع. هذه الاستعادة تأتي تحذيرًا منهجيًا من الانغماس في قراءة أحادية قد تُعمي عن مخاطر أكثر تعقيدًا تتشكل في الظل.
في هذا الإطار، يُعاد ترتيب أولويات التهديد ضمن مقاربة تميّز بين "الصراع" و"الاحتلال"، فبينما تتصارع المشاريع الإقليمية على النفوذ، يبقى الاحتلال - متمثلًا في إسرائيل - حالةً نوعية لا يمكن تسويتها ضمن منطق التوازنات، فهي تمثل اختلالًا بنيويًا قائمًا بذاته. غير أن هذا الإدراك لا يُلغي حقيقة أن التهديدات الأخرى، بما فيها السلوك الإقليمي لإيران، قد تتقاطع مع الأمن الوطني الأردني، ما يفرض قاعدة لا يمكن التنازل عنها، وهي أن كل ما يهدد الأردن، أيًا كان مصدره، يُعد خطرًا لا يمكن التهاون معه.
انطلاقًا من ذلك، يتضح أن السياسة الأردنية، تاريخيًا، اتبعت نمط "التحوّط الدبلوماسي"، حيث تجنّبت الاصطفاف الحاد، وفضّلت إدارة التوازنات بهوامش مرنة. غير أن تصاعد الأزمة الراهنة يفرض انتقالًا من سؤال "من سينتصر؟" إلى سؤال أكثر تعقيدًا: "ماذا بعد؟". فالمؤشرات الميدانية، من توسّع إسرائيلي محتمل باتجاه الجنوب السوري، إلى تصاعد التهديدات المرتبطة بالمسجد الأقصى، مرورًا بخطابات تعبئة ذات طابع ديني من الجانب الإيراني، جميعها توحي بأن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر حدّةً وتركيبًا.
في مواجهة هذا المشهد، يبرز مفهوم "التحوّط الاستراتيجي" كضرورة لا خيار، ضمن الفضاء العربي الأوسع. فرغم تآكل فكرة "المشروع العربي" في صيغته الكلاسيكية، إلا أن الحاجة إليه تعود اليوم بصيغ مرنة - ثنائيات، ثلاثيات، أو حتى تحالفات وظيفية - لموازنة التدخلات الخارجية. ويُقرأ في هذا السياق انخراط أطراف مثل تركيا أو التقاطعات المحتملة مع باكستان والسعودية جزءًا من إعادة تشكيل شبكة التوازنات الإقليمية، لا كتحالفات نهائية.
غير أن التحدي الأكثر حساسية يكمن في "المنعة الداخلية"، حيث تتجاوز معركة الدولة حدود الجغرافيا إلى فضاءات الاقتصاد والمجتمع والأمن السيبراني وأمن الطاقة والمياه. وفي هذا السياق، يكمن الخطر في "تسييل المعرفة"، حين يتحول الخطاب العام إلى ساحة فتاوى غير متخصصة، تتأرجح بين التهوين المفرط والتهويل المربك، ما يُنتج حالة من التشويش الاستراتيجي.
وهنا تتقاطع أزمة أخرى أكثر تأثيرًا، ألا وهي: أزمة الثقة. فالتشكيك في الرواية الرسمية - حتى في القضايا الأمنية المباشرة - يعكس فجوةً بين الدولة والمجتمع، وهي فجوة، إن لم تُعالج عبر أدوات تواصل فعّالة وشفافة، قد تتحول إلى نقطة ضعف حرجة في لحظة تتطلب أعلى درجات التماسك.
على المستوى الاقتصادي الطاقي، يقدّم هذا الفصل قراءة تفصيلية تُظهر أن الأردن، رغم هشاشته النسبية في الموارد، يمتلك هامش أمان معقول في المدى القصير. إذ تعتمد إمدادات الطاقة على مزيج متنوع يشمل الواردات من العراق والسعودية، إضافة إلى المشتقات المستوردة عبر المسارات البحرية، ما يحدّ من مخاطر الانقطاع الفوري. كما يُسند هذا الاستقرار وجود بدائل داخلية، من الصخر الزيتي والطاقة المتجددة، إلى جانب مشاريع الربط الكهربائي مع مصر ودول الجوار.
وفي هذا السياق، يبرز مشروع "مركزية الطاقة" كأحد الرهانات الاستراتيجية، مدعومًا بالبنية التحتية مثل خط الغاز العربي الممتد عبر الإقليم، فضلًا عن الإمكانات المتقدمة في الطاقة المتجددة، حيث يحتل الأردن موقعًا متقدمًا عربيًا وعالميًا في هذا المجال. غير أن هذا الطموح يظل مشروطًا بقدرة الدولة على إدارة الطلب الداخلي، وهو ما يعيد طرح إشكالية "ثقافة الاستهلاك"، سواء على مستوى الحكومة أو الأفراد.
الأرقام المرتبطة بهدر الطاقة والغذاء تعكس مؤشرًا على غياب الوعي الاستهلاكي كجزء من منظومة الأمن الوطني. ومن هنا، يصبح "ترشيد الاستهلاك" سياسة استراتيجية ممتدة، تتطلب إعادة تشكيل السلوك المجتمعي، لا مجرد إصدار قرارات إدارية.
في المحصلة، يُظهر هذا الفصل أن التحدي الأردني في هذه المرحلة يكمن في قدرته على بناء جبهة داخلية متماسكة، قائمة على وعيٍ نقدي، وثقة متبادلة، وسلوك اقتصادي منضبط. فبين تضليل السرديات وتعقيد الواقع، تبقى قدرة الدولة على قراءة ما وراء الحدث، وإعادة إنتاج توازنها الداخلي، هي العامل الحاسم في عبور المرحلة.
الفصل الخامس: بين مزاج الشارع وانضباط القرار... إشكالية التمثيل وحدود الاستجابة في الحالة الأردنية
يكشف هذا الفصل عن واحدة من أكثر الإشكاليات حساسية في لحظات الأزمات، ألا وهي الفجوة بين "الإدراك النخبوي" و"المزاج الشعبي"، وما ينتج عنها من توتر في توصيف الواقع وتحديد أولويات الاستجابة. فمحاولة اختزال الشارع الأردني في موقفٍ واحد - سواء مؤيد أو معارض لأي من أطراف الصراع - تُعد تبسيطًا مخلًا لا يعكس الطبيعة المتعددة للوعي المجتمعي، الذي يتشكل تحت تأثير عوامل متداخلة، من الهوية إلى الاقتصاد، ومن الإعلام إلى التجربة التاريخية.
في هذا السياق، تبرز ملاحظة جوهرية مفادها أن المزاج الشعبي طيف متدرج من المواقف، يتأرجح بين الرفض المطلق لأي تهديد يمس الداخل الأردني، وبين التعاطف المشروط مع قضايا إقليمية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. غير أن هذا التوازن الهش يتعرض لاختبارات قاسية حين تتقاطع الشعارات مع الوقائع، كما في حالات سقوط صواريخ داخل الأراضي الأردنية، حيث تنتفي أي إمكانية لتبرير الحدث تحت أي غطاء أيديولوجي أو عاطفي.
ومن هنا، يُطرح تحذير واضح من "الانفصام الخطابي"، أي الفجوة بين ما يُقال في الفضاء السياسي النخبوي، وما يُتداول في الشارع. فحين تُقدَّم تطمينات رسمية - خصوصًا في القضايا الاقتصادية أو الأمنية - لا تتقاطع مع التجربة اليومية للمواطن، فإن ذلك يعمّق الشك، ويعيد إنتاج أزمة الثقة بصيغ أكثر حدّة.
وفي هذا الإطار، لا تقتصر الإشكالية على توصيف المزاج الشعبي، فهي تمتد إلى دور الفاعلين السياسيين، الذين يُفترض بحكم موقعهم، أن يحددوا مواقفهم بوضوح استنادًا إلى المصلحة الوطنية، لا إلى حسابات شعبوية أو ضغوط ظرفية. فالموقف السياسي، بخلاف المزاج العام، يتطلب "تحديد موقع" ضمن معادلة معقدة، تُقاس فيها الخيارات بميزان الكلفة والعائد، لا بالانطباعات.
ضمن هذه المعادلة، يُعاد طرح سيناريوهات ما بعد الصراع، حيث يُحذَّر من أن أي إضعاف حاد لإيران قد يفتح المجال أمام إسرائيل لتوسيع نطاق سياساتها، لا سيما في الضفة الغربية، عبر أدوات "التعويض الاستراتيجي"، التي تقوم على نقل الضغط إلى ساحات أقل كلفة. هذا السيناريو يقرأ كامتداد منطقي لنمط السلوك الإسرائيلي القائم على استثمار اللحظات الإقليمية لإعادة تشكيل الوقائع على الأرض.
في المقابل، يُسلّط الضوء على نمط آخر من التعقيد يتمثل في "اقتصاد الابتزاز"، حيث تتحول الأزمات إلى أدوات لإعادة توزيع الأعباء المالية، خصوصًا على دول الخليج، في سياق ترتيبات ما بعد الصراع. هذه الديناميات لا تنفصل عن تصريحات صادرة عن البيت الأبيض، تشير إلى توقعات بمساهمات مالية من حلفاء إقليميين، ما يعكس تحول الصراع إلى منصة لإعادة هندسة العلاقات الاقتصادية والسياسية في آن واحد.
أما على المستوى العسكري الاستراتيجي، فيُطرح احتمال أن تعيد إيران، في حال تجاوزها المرحلة الحالية، ترتيب أولوياتها، عبر التركيز على أدوات النفوذ غير التقليدية، بدلًا من الاعتماد الحصري على القوة الصاروخية، وهو ما قد يعيد تفعيل جبهات مثل جنوب لبنان أو اليمن، ضمن مقاربة "الضغط غير المباشر".
غير أن النقاش يعود إلى الداخل الأردني، حيث يُعاد التأكيد على مركزية "الهوية الوطنية" كخط دفاع أول، في مواجهة محاولات الاستقطاب أو الاختراق. فالتحدي يكمن في منع تحويل التهديدات الخارجية إلى أدوات لإعادة إنتاج الانقسام الداخلي، سواء عبر خطاب التخوين أو عبر استدعاء ثنائيات تبسيطية مثل "الموالي" و"المعارض".
وفي هذا السياق، تُطرح إشكالية "الدفاع العربي المشترك" بوصفها مفهومًا فقد كثيرًا من فاعليته العملية، في ظل تباين أولويات الدول العربية، ما يدفع نحو البحث عن صيغ بديلة أكثر مرونة، قائمة على تحالفات إقليمية وظيفية، لا على شعارات جامعة غير قابلة للتفعيل.
أخيرًا، يعيد هذا الفصل قراءة الجغرافيا السياسية للأردن، التي لطالما وُصفت بأنها عبء استراتيجي، لتظهر - في ظل التحولات الراهنة - كأحد مصادر القوة. فالموقع الذي كان يُنتج الضغوط، بات اليوم يتيح فرصًا لإعادة التموضع، خصوصًا في ظل مشاريع الربط الإقليمي، سواء في الطاقة أو التجارة، ما يعزز من دور الأردن كحلقة وصل لا يمكن تجاوزها.
الفصل السادس: ما بعد الضجيج... تفكيك مآلات الصراع وإعادة تعريف نقاط الارتكاز الأردنية
ينتقل هذا الفصل من توصيف لحظة الصراع إلى محاولة استشراف مآلاتها العميقة، عبر قراءة تتجاوز النتائج العسكرية المباشرة نحو ما يمكن تسميته بـ"التحولات الصامتة"، فالحرب تقاس بقدرتها على إعادة تشكيل قواعد الاشتباك، وإعادة توزيع مراكز القوة، وإعادة تعريف مفاهيم الردع والتحالف.
في هذا السياق، تُطرح فرضية مفادها أن غياب الحسم العسكري بين إيران وإسرائيل، المدعومة من الولايات المتحدة، قد لا يعني توازنًا بقدر ما يشير إلى انتقال الصراع إلى مستوى أكثر تعقيدًا، حيث تتحول "اللا حسم" إلى حالة دائمة تعيد إنتاج نفسها. وضمن هذا الإطار، يُتوقع أن تُترجم هذه النتيجة إلى تعزيز الثقة الذاتية الإيرانية، بما يدفع نحو توسيع هامش الفعل الإقليمي، وهو ما يثير مخاوف مرتبطة بالأمن القومي العربي، ويفتح الباب أمام سباق تسلح غير تقليدي.
هذا السباق يفهم على أنه تحول في الذهنية الاستراتيجية العربية، التي قد تجد نفسها للمرة الأولى أمام إعادة نظر جذرية في القيود المفروضة عليها تاريخيًا، سواء فيما يتعلق بامتلاك التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، أو في إعادة تشكيل تحالفاتها خارج الإطار التقليدي الذي حكم علاقاتها مع الغرب. وفي هذا السياق، تبرز احتمالات تشكّل تحالفات إقليمية مرنة، قد تتقاطع مع قوى دولية مثل روسيا والصين، في سياق انتقال تدريجي من نظام دولي أحادي القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب.
غير أن هذا التحول يتغذى على تراكمات سابقة، تعود جذورها إلى هجمات 7 أكتوبر 2023، التي شكّلت - وفق هذا التحليل - زلزالًا سياسيًا أعاد ترتيب أولويات الفاعلين، وأطلق سلسلة من التفاعلات المتتالية، من إعادة تموضع المشاريع الإقليمية، إلى تصدّع بعض الأنماط التقليدية للتحالف.
في المقابل، يُعاد تفكيك الفرضية القائلة بأن الهدف الأمريكي هو إسقاط النظام الإيراني، حيث يُطرح تصور بديل يرى أن الهدف الحقيقي قد يكون "إعادة ضبط السلوك" لا "إسقاط النظام"، وهو ما يفسر غياب الاستثمار في أدوات التغيير الداخلي، مقابل التركيز على أدوات الضغط الخارجي. هذا الفهم يعزز فكرة أن الصراع قد ينتهي بصيغة "لا غالب ولا مغلوب"، تتيح لكل طرف إعلان انتصارٍ رمزي، دون تغيير جذري في موازين القوة.
غير أن هذه النتيجة الظاهرية تخفي خلفها تحولات أكثر خطورة، أبرزها إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في الخليج، بما في ذلك الصراع على الجزر الاستراتيجية، وما يرتبط بها من إعادة توزيع للنفوذ البحري، فضلًا عن تداعيات اقتصادية قد تمتد إلى دول مثل باكستان، التي تلعب أدوارًا وسيطة في بعض مسارات التفاوض غير المعلنة.
وفي هذا السياق، تتسع دائرة التأثير لتشمل الدول العربية، التي قد تجد نفسها أمام كلفة مزدوجة تتمثل في كلفة المشاركة غير المباشرة في الصراع، وكلفة الترتيبات التي تليه، خصوصًا في ظل ما يمكن تسميته بـ"اقتصاد التسويات"، حيث تُعاد صياغة الأعباء المالية والسياسية وفق مخرجات التفاوض.
أما على المستوى الأردني، فيُعاد التأكيد على أن موقع الأردن في هذه المعادلة يحدد بقدرته على استثمار ما يمكن تسميته بـ"نقاط الارتكاز الاستراتيجية"، والتي تتبلور في ثلاثة محاور رئيسية:
أولًا، الموقع الجيوسياسي، الذي تحوّل من عبء تاريخي إلى فرصة استراتيجية، في ظل تحوّل الأردن إلى عقدة ربط إقليمية لا يمكن تجاوزها في مسارات الطاقة والتجارة.
ثانيًا، المنعة المجتمعية والثقافية، التي تشكّل خط الدفاع الأول في مواجهة محاولات الاختراق، سواء من قبل المشروع الإيراني أو الإسرائيلي، حيث يُظهر المجتمع الأردني تماسكًا نسبيًا يستند إلى سردية وطنية جامعة، وإلى ارتباط تاريخي بالقضية الفلسطينية بوصفها جزءًا من الأمن القومي.
ثالثًا، التوازن السياسي، الذي تمثله الدبلوماسية الأردنية في قدرتها على إدارة علاقات متشابكة مع قوى متعارضة، دون الانزلاق إلى اصطفافات حادة، وهو ما يمنح الأردن هامش مناورة حيويًا في بيئة إقليمية مضطربة.
وفي هذا الإطار، يُعاد التأكيد على أن الصراع القائم، صراع نفوذ طويل الأمد، تُشكّل كل معركة فيه تمهيدًا لما يليها. وعليه، فإن السؤال الحقيقي لا يتمثل في "من سينتصر؟”"، وإنما في "كيف نستعد لمرحلة ما بعد الانتصار- أيا كان صاحبه؟".
الخاتمة:
في المحصلة، قدمت ورقة الموقف قراءة مركّبة ترى في المرحلة الراهنة لحظة انتقالية، لا يمكن اختزالها في نتائج آنية، إذ يجب فهمها كجزء من مسار طويل يعيد تشكيل الإقليم، وفيما يتعلق بالأردن، فهو يقف أمام اختبار مزدوج: الحفاظ على تماسكه الداخلي، وتعظيم قدرته على المناورة الخارجية، عبر توظيف نقاط ارتكازه، لا الارتهان لمتغيرات لا يملك التحكم بها.
مؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير
6/ 4/ 2026





