ورق موقف: "الهدنة التي تخفي حربًا أكبر... ارتدادات مكلفة وأكثر" صادرة عن مؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير
المقدمة:
تأتي هذه الورقة في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها مسارات الصراع العسكري مع التحولات الجيوسياسية والاقتصادية، في بيئة تدار فيها المواجهات ضمن منظومات مركبة تمتد من الميدان إلى الاقتصاد، ومن الأمن إلى الطاقة، ومن الإقليم إلى النظام الدولي.
فما يبدو على السطح بوصفه "هدنة مؤقتة" بين أطراف متصارعة، لا يعكس بالضرورة انتهاءً فعليًا لحالة الصراع، بقدر ما يشير إلى إعادة تموضع استراتيجي، وإعادة توزيع للأدوار داخل مشهد إقليمي يتسم بارتفاع منسوب اللايقين، وتراجع قدرة الأطر التقليدية على ضبط التوازنات.
وتزداد تعقيدات هذا المشهد مع تصاعد أدوار القوى الدولية والإقليمية، وتداخل ملفات الطاقة والمضائق البحرية والأمن الإقليمي، بما يجعل من الشرق الأوسط مساحة اختبار مفتوحة لإعادة تشكيل موازين القوة، وليس مجرد ساحة نزاع محدود.
وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذه الورقة إلى تفكيك بنية هذا الصراع المركّب، عبر قراءة متعددة المستويات تشمل الأبعاد السياسية، والأمنية، والاقتصادية، مع التركيز على موقع الدول العربية - وفي مقدمتها الأردن - ضمن هذه التحولات، وحدود قدرتها على التكيّف أو التأثير في مسارها.
الفصل الأول: ارتدادات الجيوبوليتيك المشتعل على الأردن
لا يتحرك المجال السياسي الوطني في فراغ معزول، فهو يتشكّل ضمن حقل قوى متشابك، تتقاطع فيه الجغرافيا مع الاستراتيجية، ويتداخل فيه المحلي مع العابر للحدود. وفي هذا السياق، تبدو اللحظة الراهنة في الإقليم أقرب إلى حالة "سيولة صراعية مركّبة"، حيث لم تعد الحروب تُخاض إلا كامتدادات متراكمة لصراع عميق طويل الأمد يعيد إنتاج نفسه بأشكال متعددة.
الحرب الأخيرة، التي اندلعت بين محور تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، تقرأ بوصفها تفجّرًا مرحليًا لـ"أزمة توازن مزمنة" داخل النظام الإقليمي. فهي لم تنشأ إلا من تراكم احتكاكات استراتيجية ممتدة، تتعلق بإعادة توزيع النفوذ، وضبط المجال الحيوي، وإعادة تعريف من يمتلك حق الفعل داخل الإقليم.
ورغم توقف العمليات العسكرية عند هدنة مؤقتة، فإن توصيفها كـ"نقطة تهدئة" يظل توصيفًا مضللًا؛ إذ إن ما جرى أقرب إلى "تعليق اشتباك" لا إلى تسوية. فالمؤشرات الصلبة – من استمرار الحشد العسكري، إلى تصاعد الخطاب التهديدي، إلى فشل جولات التفاوض في إنتاج أرضية مشتركة – تكشف أن الفضاء الإقليمي انتقل من طور المواجهة المباشرة إلى طور إعادة التموضع العملياتي.
في هذا الإطار، تتبدى إشكالية مركزية تتعلق بطبيعة إدارة الصراع، حيث طغت "فرضيات الحسم السريع" على حساب تقديرات الاستنزاف طويل الأمد. فقد بدا أن بعض الفاعلين الدوليين انطلقوا من تصورات مبسّطة لطبيعة الخصم، وافترضوا إمكانية تفكيك بنيته خلال زمن قياسي، غير أن مسار الأحداث كشف عن اختلال في تقدير المرونة الاستراتيجية للطرف المقابل، وقدرته على امتصاص الصدمة وإعادة إنتاج تماسكه الداخلي.
بالتوازي، بات يحمل الصراع سمات "تعدد مراكز القرار داخل الفاعل الواحد". فالتباين بين الأجندات السياسية والعسكرية، وبين الحسابات الداخلية والامتدادات الخارجية، يطرح تساؤلات حول من يقود الصراع فعليًا: هل هي مؤسسات الدولة العميقة، أم النخب الحاكمة، أم تحالفات أيديولوجية عابرة للحدود؟.
هذه الضبابية في تعريف الفاعل تُنتج بدورها ضبابية موازية في استشراف المآلات، حيث يصبح الإقليم محكومًا بمنطق "اللاحسم المديد"؛ أي حالة لا تنتصر فيها الأطراف بشكل حاسم، ولا تنهزم بصورة نهائية، وإنما تستمر في إنتاج جولات متتالية من الاشتباك تحت سقف مرتفع من المخاطر.
بالنسبة للأردن، فالمملكة تقع ضمن نطاق تأثر مباشر بمسارات الطاقة، وسلاسل الإمداد، والتوازنات العسكرية، ما يجعلها عرضة لارتدادات أي تصعيد، سواء عبر تهديد الممرات الحيوية، أو من خلال إعادة تشكيل خرائط النفوذ في محيطها الإقليمي.
كما أن تصاعد النزعات الأحادية في إدارة الصراع، وتآكل المرجعيات القانونية الدولية، يدفع الإقليم نحو نمط أقرب إلى "الفوضى المُقنّنة"، حيث تُدار التفاعلات وفق موازين القوة لا وفق قواعد النظام الدولي. وفي مثل هذا السياق، تصبح الدول متوسطة الحجم، كالأردن، أمام معادلة دقيقة: كيف تحافظ على استقرارها الداخلي دون أن تنزلق إلى تداعيات صراعات لا تملك التحكم بمساراتها؟
الأكثر تعقيدًا أن مآلات الصراع لا تنحصر في سيناريو النصر أو الهزيمة، وإنما تمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بـ"شكل النظام الإقليمي القادم". فإضعاف أحد الفاعلين الكبار قد يفتح المجال أمام تمدد غير منضبط لفاعلين آخرين، بما يعيد إنتاج حالة عدم التوازن بصيغة أكثر حدة.
في ضوء ذلك، يغدو المشهد الإقليمي أقرب إلى "مرحلة إعادة تشكّل غير مكتملة"، حيث تتكسر البنى القديمة دون أن تستقر بدائل واضحة. وهذا ما يفرض على الأردن مقاربة حذرة، تسعى إلى بناء تموضع استراتيجي مرن، قادر على التكيف مع تحولات سريعة، دون التفريط بثوابت الاستقرار.
وعليه، فإن أي قراءة للتحولات الداخلية، بما فيها مسارات التحديث السياسي أو أنماط المشاركة العامة، تظل قراءة منقوصة ما لم تُدرج ضمن هذا السياق الأوسع. فالتفاعلات الداخلية ليست سوى انعكاس جزئي لبيئة إقليمية مضطربة، تُعيد تعريف أولويات الدولة، وتفرض عليها إيقاعًا مختلفًا في إدارة التحول السياسي.
الفصل الثاني: المصلحة الوطنية الأردنية وإعادة تعريف التموضع الاستراتيجي
ينطلق هذا الفصل من فرضية مركزية مفادها أن البيئة الإقليمية المحيطة بالأردن أصبحت تدار ضمن منطق "السيولة الجيوسياسية" التي تتداخل فيها الجبهات العسكرية مع مسارات التفاوض، وتتقاطع فيها أدوات القوة الصلبة مع أنماط الضغط الاقتصادي والأمني غير المباشر. وفي هذا السياق، يغدو سؤال المصلحة الوطنية الأردنية سؤالًا مفتوحًا على إعادة تعريف مستمرة، لا على إجابات نهائية ثابتة.
فالمسألة لم تعد تتعلق بتحديد موقع الأردن من صراع بعينه، بقدر ما تتعلق بكيفية بناء "مناعة استراتيجية" قادرة على امتصاص الارتدادات المتتالية لصراعات لا تقع داخل حدوده، لكنها تؤثر في عمق بيئته السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهذا ما يفرض انتقالًا مفاهيميًا من منطق "التموضع السياسي التقليدي" إلى منطق "إدارة المخاطر الوطنية المركبة".
في هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى مقاربة مراجعة شاملة للسياسات العامة ذات الصلة بالبيئة الإقليمية، تقوم على تفكيك الفجوة بين تقدير الموقف الرسمي وبين ديناميكيات التحول الفعلي في الإقليم. فالتجارب الأخيرة أظهرت أن التغيرات تأتي ضمن تراكمات استراتيجية تؤدي إلى إعادة تشكيل تدريجي لمعادلات القوة والنفوذ والضغط.
كما أن أحد الإشكالات العميقة يتمثل في اتساع المسافة بين الخطاب الطمأنة الرسمي وبين مستوى التعقيد الحقيقي للمشهد الإقليمي، ما يخلق حالة من "التفسير الأحادي" لبيئة متعددة الطبقات. وهذا يستدعي تطوير خطاب تحليلي أكثر تركيبًا، يدمج بين اعتبارات الأمن القومي والاقتصاد السياسي والاجتماع السياسي في آن واحد.
ومن زاوية أخرى، تكشف التحولات الإقليمية عن تصاعد أثر التفاعلات غير المباشرة على الداخل الأردني، سواء عبر ضغط الملفات الاقتصادية المرتبطة بالطاقة والتجارة، أو عبر انعكاسات الأمن الإقليمي على بنية الاستقرار الداخلي، أو عبر تداعيات الاستقطاب السياسي والفكري في الفضاء العام.
وعليه، فإن أي مقاربة مستقبلية للمصلحة الوطنية الأردنية ينبغي أن تنطلق من إعادة بناء أدوات التقدير الاستراتيجي، بحيث تصبح قادرة على قراءة التحولات الإقليمية بوصفها منظومة مترابطة، لا أحداثًا منفصلة، وبما يسمح بصياغة سياسات أكثر مرونة، وأقل انكشافًا أمام تقلبات الإقليم.
وفي المحصلة، التحدي الأساسي يكمن في القدرة على بناء إطار وطني مرن لإدارة "اللايقين الاستراتيجي"، بما يضمن الحفاظ على تماسك الدولة، وتعزيز قدرتها على التكيف دون فقدان بوصلتها السيادية.
الفصل الثالث: سيناريوهات ما بعد الهدنة
ينطلق هذا الفصل من فرضية مفادها أن الهدنة التي أعقبت المواجهة الإقليمية شكّلت "نقطة إعادة تموضع استراتيجي" ضمن صراع مفتوح على تعريف النصر وإعادة توزيع أوراق القوة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، وبمشاركة غير مباشرة لعدد من الفاعلين الإقليميين والدوليين.
فالمشهد الراهن لا يمكن قراءته إلا بوصفه انتقالًا إلى طور أكثر تعقيدًا من "إدارة الصراع المؤجل"، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية مع أدوات الضغط الاقتصادي، وتتراجع الحروب التقليدية لصالح أنماط مركبة من الردع غير المباشر، والضغط الاقتصادي، والتصعيد الانتقائي.
وتُظهر ديناميكيات التفاوض أن الجولة الأولى من المسار التفاوضي أبقت قنوات الاتصال مفتوحة ضمن بيئة ضغط سياسي عالي الكثافة. كما أن تعدد مستويات المشاركة الدولية - بما في ذلك أدوار صينية وروسية وخليجية وإقليمية مراقِبة - يشير إلى أن الملف تجاوز كونه ثنائي البعد، ليصبح ملفًا "متعدد الطبقات التفاوضية" تحكمه توازنات دولية متشابكة.
وفي هذا الإطار، يمكن رصد ثلاثة سيناريوهات كبرى تحكم مسار المرحلة المقبلة:
أولًا: سيناريو إعادة تفعيل المسار التفاوضي تحت ضغط متبادل
يقوم هذا السيناريو على فرضية استمرار الهدنة بشكل غير مستقر، مع العودة التدريجية إلى طاولة المفاوضات، ولكن ضمن بيئة "إكراه تفاوضي" لا تسمح لأي طرف بامتلاك هامش مناورة واسع. ويُفهم ضمن هذا السياق أن بعض الانسحابات أو التصعيدات الدبلوماسية ليست إلا أدوات ضغط لإعادة تشكيل شروط التفاوض.
ثانيًا: سيناريو التصعيد العسكري متعدد الطبقات
يفترض هذا المسار عودة الاشتباك العسكري ضمن نمط "حرب مركبة" تستخدم أدوات تتجاوز السلاح التقليدي إلى منظومات أعلى تعقيدًا من حيث التأثير والانتشار، بما في ذلك أسلحة دقيقة التوجيه، وأدوات ضغط استراتيجي تستهدف البنية التحتية الحيوية، ومسارات الطاقة، وخطوط الإمداد.
وفي هذا السياق، يُطرح مفهوم "التصعيد دون نووي" كإطار محتمل، أي استخدام أدوات تدميرية عالية التأثير دون الوصول إلى العتبة النووية المباشرة، مع بقاء خيار الردع النووي التكتيكي حاضرًا في خلفية المشهد دون تفعيله الكامل، لما له من آثار إقليمية كارثية.
كما أن استخدام منظومات قصف خارقة للتحصينات يعكس تحولًا في طبيعة الحرب نحو استهداف "البنية التحتية العميقة" بدل الأهداف التقليدية، بما يعزز منطق الحرب الطويلة متعددة الجولات.
ثالثًا: تجميد الصراع دون اتفاق شامل
يقوم هذا السيناريو على استمرار حالة "اللاحرب واللاسلم"، حيث يتم تثبيت وقف إطلاق النار دون الوصول إلى اتفاق سياسي نهائي، مع انتقال الأطراف إلى مرحلة إعادة تموضع عسكري واستخباري واقتصادي، تمهيدًا لجولة لاحقة من الصراع.
ويُفهم هذا السيناريو ضمن منطق "إعادة إنتاج التوازن بالقوة الناعمة والخشنة"، حيث يتم توزيع الخسائر والمكاسب بشكل يسمح بإعادة إنتاج الردع دون حسم نهائي.
البعد الاقتصادي والطاقي: الطاقة كأداة ضغط استراتيجي
يتقاطع هذا المشهد مع تحولات في بنية الاقتصاد السياسي للطاقة، حيث أصبحت الموارد أداة مركزية في صياغة الصراع. وفي هذا السياق، تبرز مبادرات محلية في بعض الدول، ومنها الأردن، لتعزيز الاكتفاء الجزئي في قطاع الطاقة عبر مشاريع تحويل الموارد الأولية إلى منتجات طاقية محلية، بما يعكس توجهًا نحو "تقليل الهشاشة الطاقية" في بيئة إقليمية مضطربة.
ورغم محدودية هذه المشاريع من حيث الحجم النسبي، إلا أنها تحمل دلالة استراتيجية مهمة تتعلق بمحاولة بناء "هامش استقلال طاقي تدريجي" في ظل ارتفاع منسوب المخاطر الجيوسياسية على سلاسل الإمداد التقليدية.
إعادة تعريف معادلات الصراع الإقليمي
تشير المعطيات إلى أن جوهر الصراع أعاد تشكيل معادلات الردع بين القوى الكبرى والإقليمية، حيث تتداخل الاعتبارات الأمريكية المتعلقة بأمن الحلفاء، مع أولوية ضمان استقرار أسواق الطاقة العالمية، في مقابل سعي الأطراف الإقليمية إلى توسيع هامش المناورة الاستراتيجية.
وفي هذا الإطار، تصبح المنطقة ساحة لإعادة إنتاج التوازنات، لا لحسمها، ما يجعل من الاستقرار الحالي استقرارًا هشًا وقابلًا للاهتزاز عند أي نقطة احتكاك جديدة.
الفصل الرابع: مضيق هرمز... "عنق الزجاجة" للطاقة العالمية
يتبلور هذا الفصل ضمن إطار قراءة تصعيدية للمعادلات الإقليمية، حيث يتحول مضيق هرمز إلى نقطة ارتكاز مركزية في بناء الضغط الاستراتيجي على دول الخليج العربي، بما يتجاوز البعد العسكري المباشر إلى توظيفه كأداة إكراه جيو-اقتصادي عالي التأثير. وفي هذا السياق، باتت واشنطن - وفق التحولات في سوق الطاقة - تمارس نفوذها عبر إدارة خطوط الإمداد والتأثير على نقاط الاختناق البحرية، وعلى رأسها هرمز، بوصفه "عنق الزجاجة" للطاقة العالمية.
وعليه، فإن الدخول الأمريكي في مسارات التفاوض - كما في حالة الوفد الرفيع المستوى - لا يبدو موجّهًا نحو إنهاء الحرب بقدر ما يعكس محاولة لإعادة ضبط معادلة أمن المضائق البحرية، باعتبارها العقدة الأكثر حساسية في توازنات الردع الإقليمي. ومن هنا، فإن فرضية "نهاية الحرب" تبدو، في جوهرها، أقرب إلى إعادة توزيع أدوات الاشتباك منها إلى تفكيك بنية الصراع ذاتها، خصوصًا في ظل الاقتناع المتزايد بأن هذا الصراع يتجاوز الأشخاص والحكومات، ليتصل بطبيعة النظام السياسي القائم في إيران.
في هذا الإطار، يبرز تمييز تحليلي مهم بين "الدولة الإيرانية" ككيان جغرافي سياسي مكوَّن، وبين "النظام السياسي الإيراني" بوصفه منظومة أيديولوجية تأسست بعد 1979، تحمل مشروعًا ثوريًا عابرًا للحدود، يتداخل فيه البعد العقائدي مع أدوات النفوذ غير التقليدي، بما في ذلك الشبكات الميليشياوية في الإقليم. وهذا التمييز يُستخدم لتفسير حالة استعصاء التسوية، حيث يصبح الصراع بنيويًا لا ظرفيًا، ما يجعل فكرة "نهاية الحرب" غير قابلة للتحقق الكامل، طالما بقيت بنية النظام كما هي.
من هنا، تتبلور ثلاثة سيناريوهات استراتيجية رئيسية:
أولًا، سيناريو استمرار الاستنزاف المحدود عبر ضربات موضعية إسرائيلية داخل العمق الإيراني، بما يحافظ على حالة إنهاك مستمر دون انزلاق إلى حرب شاملة، ويُستخدم فيه العامل النفسي والاجتماعي كأداة ضغط على الداخل الإيراني، عبر محاولة خلق فجوة بين النظام والمجتمع.
ثانيًا، سيناريو إعادة إنتاج التغيير من الداخل، وهو الأكثر ترجيحًا ضمن الأدبيات الاستخبارية الغربية، حيث يُعوَّل على تفكيك البنية الداخلية للنظام عبر أدوات اختراق عميقة داخل مؤسسات الدولة، بما في ذلك الحرس الثوري والنخب الأمنية والسياسية، بهدف دفع مسار "تغيير ذاتي" للنظام من الداخل بدل إسقاطه من الخارج.
ثالثًا، سيناريو الحرب المركبة طويلة الأمد، والذي يجمع بين الضغط العسكري غير المباشر، والعقوبات الاقتصادية، والحصار المالي، ومحاولات خنق الاقتصاد الإيراني تدريجيًا، على غرار نماذج الضغط القصوى التي طُبقت في تجارب دولية سابقة، مع إبقاء احتمال التصعيد العسكري قائمًا كأداة ردع مرنة.
وفي المقابل، يبرز تقدير استراتيجي مفاده أن الولايات المتحدة، في هذه المرحلة، تميل إلى تقليل انخراطها العسكري المباشر، والانتقال إلى نموذج "القيادة من الخلف"، مع تفويض العمليات الأكثر حساسية إلى إسرائيل، بوصفها الذراع العملياتي الأكثر استعدادًا للانخراط في حرب منخفضة الكلفة السياسية أمريكيًا.
غير أن هذا المسار لا ينفصل عن بعد آخر أكثر تعقيدًا، يتمثل في أن استقرار الصراع أو انفجاره لا يرتبط فقط بإيران وإسرائيل، حيث يتداخل مع معادلة أوسع تشمل أمن الطاقة العالمي، واستقرار الأسواق، وتوازنات القوة بين الولايات المتحدة والصين، حيث تتحول المنطقة إلى ساحة تقاطع بين الصراع الجيو-اقتصادي الكامن وصراعات النفوذ الإقليمي التقليدية.
ومن زاوية أكثر اتساعًا، فإن أي محاولة لفهم مستقبل هذا الصراع بمعزل عن القضية الفلسطينية تظل قراءة ناقصة؛ إذ إن استمرار غياب حل سياسي جذري لهذه القضية يُبقي مستويات التوتر في حالة إعادة إنتاج دائمة، ويحول دون الوصول إلى "نقطة إطفاء استراتيجية" شاملة للصراع في المنطقة.
الفصل الخامس: صحوة استراتيجية عربية
تتجاوز ديناميات الصراع حدود المواجهة العسكرية المباشرة، لتندرج ضمن هندسة أوسع لإعادة تشكيل مراكز الثقل الجيوسياسي والاقتصادي في الإقليم، مع تركيز متزايد على البعد الصيني بوصفه أحد المتغيرات البنيوية في معادلة التوازن الدولي.
فمن منظور استراتيجي، يمكن رصد ما يشبه تسلسلًا وظيفيًا في استهداف عقد الطاقة المرتبطة بالصين، سواء بصورة مباشرة أو عبر تعطيل خطوط الإمداد العالمية التي تعتمد عليها بكين في استقرار نموها الصناعي. وفي هذا السياق، لا تبدو التحركات الغربية معزولة عن سياقها الكلي، فهي تتصل بمحاولة أوسع لـإعادة هندسة سلاسل الإمداد العالمية وتقليص هوامش النفوذ الصيني في مناطق الطاقة الحيوية، لا سيما في الشرق الأوسط.
وفي موازاة ذلك، تكشف التصريحات الإقليمية المتصاعدة - خصوصًا من بعض دول الخليج - عن تحولات في إيقاع الخطاب السياسي الأمني، بما يعكس إدراكًا متزايدًا لحجم إعادة التموضع الجارية، ولطبيعة المخاطر التي باتت تمتد إلى منظومة الأمن الإقليمي ككل. وهنا، يبرز سؤال مركزي: هل نحن أمام إعادة تموضع دفاعي للدول، أم أمام انكشاف استراتيجي يفرض إعادة تعريف قواعد الاشتباك؟
أما على المستوى التفاوضي، فإن التذبذب في التصريحات الأمريكية - خاصة ما يتعلق بادعاءات قرب عودة الأطراف إلى طاولة التفاوض - يكشف عن حالة إدارة أزمة أكثر من كونها مسار تسوية، حيث يتم توظيف الخطاب السياسي كأداة ضغط متزامنة مع تحريك الملفات الاقتصادية والأمنية، وليس كإشارة إلى نضج شروط الحل النهائي.
وفي هذا الإطار، يبرز طرح أكثر عمقًا يتعلق بإمكانية تشكل صحوة استراتيجية عربية، تعيد تعريف موقع المنطقة من كونها ساحة استهلاك للمنح والمساعدات إلى فاعل إنتاجي مستقل في معادلة الاقتصاد والسياسة الإقليمية. إلا أن هذا الطرح يصطدم بإشكالية بنيوية تتمثل في استمرار الاعتماد على الخارج، وضعف القدرة على إنتاج مشروع إقليمي عربي متماسك قادر على إدارة الصراعات بدل التكيف مع نتائجها.
وبالعودة إلى الحالة الأردنية، فإن مقاربة الرواية الرسمية - رغم ما تحمله من منطق مؤسسي مشروع في إدارة التوازنات - تواجه تحديًا يتمثل في فجوة الإدراك بين الدولة والشارع، حيث تبدو الحاجة ملحة لإعادة ضبط "بوصلة الخطاب السياسي" بما يعزز وضوح الصورة العامة، ويقلل من مساحات الالتباس في تفسير المواقف والتحولات.
ومن زاوية أخرى، لا يمكن إغفال أن الأردن يقف في قلب معادلة جيو-أمنية حساسة، تجمع بين تهديدات شمالية وشرقية، وتضعه في موقع العمق الأمني التفاعلي لدول الخليج، ما يمنحه دورًا مركزيًا في منظومة الاستقرار الإقليمي، لكنه في الوقت ذاته يرفع مستوى التعقيد في إدارة التوازن بين الأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية.
وعليه، فإن السؤال الاستراتيجي لم يعد مرتبطًا فقط بطبيعة التهديدات، وإنما بمدى امتلاك الدولة لرؤية شاملة لإدارة ما بعد الصدمة الإقليمية: هل هناك جاهزية مؤسسية لإعادة تعريف الأولويات؟... وهل يمكن الانتقال من منطق الاستجابة إلى منطق المبادرة في صياغة الدور الإقليمي؟.
في المقابل، يبرز عنصر بالغ الأهمية يتمثل في صعود دور الصين وروسيا كقوى موازنة داخل النظام الدولي، حيث تتحرك هذه القوى ضمن منطق "التموضع الانتقائي"، عبر الاستثمار في نقاط التوتر، وإعادة توجيه مسارات الاقتصاد العالمي نحو أقطاب جديدة، بما في ذلك السيطرة غير المباشرة على الموانئ وسلاسل الإمداد.
كما يكتسب ملف الموارد الاستراتيجية النادرة - ومنها غاز الهيليوم المستخدم في الصناعات الدقيقة والتكنولوجية - بعدًا إضافيًا في معادلة الصراع، باعتباره أحد عناصر القوة الصامتة التي ستعيد تشكيل خرائط النفوذ الاقتصادي في المستقبل، خاصة في المناطق الغنية بالموارد غير التقليدية.
وفي الخلاصة، يمكن القول إن هذا الفصل يعكس انتقال الصراع من مستوى إدارة النفوذ التقليدي إلى مستوى إعادة تعريف النظام الاقتصادي-السياسي العالمي، حيث تتداخل فيه الحسابات الأمريكية والصينية والروسية، مع التوترات الإقليمية، في بنية واحدة شديدة التعقيد، تجعل من أي قراءة أحادية الاتجاه قراءة ناقصة بطبيعتها.
الخاتمة:
في ضوء ما تم استعراضه، يتضح أن الإقليم يقف أمام مرحلة انتقالية لإعادة تعريف شكل الصراع وحدوده وأدواته. فالهدنة القائمة - بقدر ما تبدو استراحة مؤقتة - تحمل في داخلها مؤشرات إعادة إنتاج التوتر، وليس تفكيكه، ما يجعل المستقبل مفتوحًا على سيناريوهات متعددة، تتراوح بين التصعيد المحدود، والحروب بالوكالة، وإعادة التموضع الاستراتيجي للقوى الكبرى.
كما يتبين أن مركز الثقل في الصراع لم يعد محصورًا في البعد العسكري، إذ امتد ليشمل المضائق البحرية، وسلاسل الإمداد العالمية، والطاقة، والتنافس الدولي بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، وهو ما يجعل من المنطقة عقدة مركزية في النظام الدولي الناشئ.
أما على المستوى العربي، فإن التحدي الأبرز يكمن في القدرة على إنتاج رؤية استراتيجية مشتركة تعيد تعريف المصالح، وتقلل من الانكشاف البنيوي، وتحوّل موقع الدول من متلقٍ للصدمة إلى فاعل في صياغة التوازنات.
صادرة عن مؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير





