>

ورقة تحليل: الضفة الغربية والانهيار الكبير... ما لا ترونه صادرة عن مؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير

الباحثة غير المقيمة في مؤسسة مسارات مها غازي

إضاءات الفصل الأول: من التصعيد العارض إلى البنية اليومية - جينالوجيا الانهيار 

1.  76 فلسطينيًا استشهدوا منذ مطلع 2026 وحدها، 18 منهم أطفال مقابل 3 إسرائيليين فقط. فما الذي يجعل هذه المعادلة تتكرر شهرًا بعد شهر؟

2.  أكثر من 1430 حادثة عنف استيطاني موثقة منذ بداية العام، طالت 260 تجمعًا فلسطينيًا. رقم واحد يكفي لنسف فكرة أن العنف "محدود النطاق".

3.  3800 فلسطيني هُجّروا خلال 2026 وحدها، نصفهم تقريبًا أطفال لم يختاروا أن يكونوا جزءًا من هذه المعادلة.

4.  منذ كانون الثاني 2023: 127 تجمعًا فلسطينيًا شهد نزوحًا، 47 منها أُخلي بالكامل ولم يعد إليها أحد. القصة الكاملة تكشف كيف يتحول النزوح الجزئي إلى مصير نهائي.

5.  هجوم واحد على قرية "تل" في 24 تموز أشعل موجة ارتدادية طالت قرى عوريف وسرة، وأسفر عن استشهاد 4 فلسطينيين وعنصرين إسرائيليين. كيف تنتقل شرارة واحدة لتحرق قرى بأكملها؟

6.  العنف لم يعد حبيس المنطقة "ج" وحدها؛ إنه يزحف الآن إلى المنطقتين "أ" و"ب" المناطق التي كانت تُعد الأكثر أمانًا للفلسطينيين.

7.  حين يتكرر الاعتداء، يتغير سؤال الأسرة الفلسطينية من "هل وقع اعتداء اليوم؟" إلى سؤال أكثر قسوة تكشفه الورقة بالتفصيل.

8.  البيت، الطريق، الأرض الزراعية... عناصر الحياة اليومية البسيطة تتحول إلى "نقاط تهديد" قائمة بذاتها. كيف حدث هذا التحول بالضبط؟

9.  "الحلقة المفرغة ذاتية التغذية": كلما ضعفت المؤسسات الفلسطينية، ازداد العنف، وكلما ازداد العنف، ازداد ضعف المؤسسات. آلية مقلقة تشرحها الورقة خطوة بخطوة.

10.  الأمم المتحدة لا تتحدث عن حدث متوقع، وإنما عن حالة قائمة بالفعل. فما الذي يعنيه أن يكون "الانهيار" واقعًا يوميًا لا سيناريو مستقبليًا؟

الفصل الأول: من التصعيد العارض إلى البنية اليومية - جينالوجيا الانهيار 

يكتسب التحذير الأممي من اقتراب الضفة الغربية من "نقطة الانهيار" وقعًا يتجاوز حدود البيان الدبلوماسي المعتاد، ليقترب من توصيف إكلينيكي لحالة مجتمعية آخذة في الاحتضار البطيء. فالمقصود هنا هو أن البيئة القائمة أكثر قابلية للاشتعال وأعجز عن احتواء لهيبه. وحين تتضافر الخسائر البشرية مع النزوح، وتدمير الممتلكات مع تراجع الخدمات، وتآكل السلطة السياسية مع انسداد الأفق، ينتقل الملف من عنوان "الأزمة الأمنية" الضيق إلى عنوان "الأزمة المركّبة" التي تنخر بنية المجتمع من الداخل.

إن هذا التدهور المتسارع يعد محصّلة لعقود متتابعة من الصراع أسهمت، طبقة فوق طبقة، في تعميق الاحتلال، وتفريغ السلطة الفلسطينية من مضمونها، وتقويض أي أفق لقيام دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة وذات سيادة فعلية لا اسمية.

فلانهيار، بحكم طبيعته، لا يُعلن عن نفسه لحظة سقوط نظام أو اندلاع مواجهة شاملة، إذ يسبقه دومًا تفكك صامت لمنظومة حماية المجتمع، وتراجع تدريجي للثقة بالمؤسسات، واتساع مطّرد لدائرة العنف، وغياب للإحساس الجمعي بانسداد الأفق السياسي. ومن هذه الزاوية بالتحديد، يمكن قراءة الراهن الفلسطيني بوصفه محطة متقدمة في مسار تراكمي طويل، ازدادت ملامحه وضوحًا خلال عام 2026 مع تسارع المؤشرات الميدانية على نحو غير مسبوق في حدّته وتزامنه.

وتكشف الأرقام التي عرضها المسؤول الأممي حجم هذا التدهور بلغة لا تحتمل التأويل؛ إذ استشهد 76 فلسطينيًا في الضفة الغربية منذ مطلع عام 2026، بينهم 18 طفلًا، على أيدي القوات الإسرائيلية أو المستوطنين، مقابل مقتل ثلاثة إسرائيليين، بينهم مدني وعنصران من القوات الإسرائيلية، خلال مواجهات مع فلسطينيين أو في حادث دهس يُنسب إلى منفذ فلسطيني. وبمعزل عن قراءة كل واقعة في سياقها الخاص، تكمن الدلالة الأعمق لهذه الأرقام في ورودها ضمن نسيج أوسع تتشابك فيه العمليات العسكرية مع الاعتداءات الاستيطانية، حتى تغدو حياة المدني الفلسطيني عرضة لمصادر خطر متزامنة لا مصدر واحد.

غير أن حساب الضحايا، مهما بلغت دقته، يظل عاجزًا عن اختزال المشهد بكامل طبقاته؛ إذ اللافت على نطاق أرحب هو اتساع جغرافيا العنف المرتبط بالمستوطنين تحديدًا. فقد وثّقت الأمم المتحدة أكثر من 1430 حادثة منذ مطلع العام، أسفرت عن إصابات أو أضرار في الممتلكات أو كليهما معًا، طالت نحو 260 تجمعًا فلسطينيًا. وهذا الرقم وحده كافٍ لنسف أي تصور يختزل العنف في "ظاهرة هامشية محدودة النطاق"؛ فقد غدا نمطًا ذا انتشار أفقي واسع، قادرًا على النفاذ إلى أوسع رقعة ممكنة من التجمعات الفلسطينية.

وحين يتحول الاعتداء إلى احتمال متكرر لا إلى واقعة استثنائية، يتمدد أثره متجاوزًا لحظة وقوعه ليطال إيقاع حركة الناس، وأنماط استخدامهم للأراضي، وقرارهم بإرسال أبنائهم إلى المدرسة من عدمه، وقدرتهم على بلوغ مصادر المياه والعمل والخدمة، بل وحتى قدرتهم الوجودية على البقاء في مكان إقامتهم أصلًا.

ومن رحم هذا المنطق تكتسب عمليات التهجير القسري ثقلها المضاعف بوصفها أحد أفدح المخرجات الاجتماعية والأمنية لهذا العنف المتصاعد؛ فقد تعرّض نحو 3800 فلسطيني، نصفهم تقريبًا من الأطفال، للتهجير خلال عام 2026 وحده، جراء عنف المستوطنين وعمليات الهدم والإخلاء. ولا يجوز، اختزال هذه الأرقام في "انتقال جغرافي" عابر للسكان؛ فالتهجير، في بيئة مثقلة أصلًا بوطأة الاحتلال والاستيطان وتقييد الحركة، يعني في جوهره تفكيكًا فعليًا لعلاقة السكان بمحيطهم الاجتماعي والاقتصادي والجغرافي، وقطعًا لجذور راسخة في أرض ليست مجرد تراب بل امتداد للهوية.

ويزداد المشهد وضوحًا لدى استقراء السجل الممتد منذ كانون الثاني/يناير 2023؛ إذ شهد 127 تجمعًا فلسطينيًا عمليات نزوح جزئية أو كاملة، من بينها 47 تجمعًا أُخلي بالكامل، بما أثّر على أكثر من 6390 فلسطينيًا. وترسم هذه الأرقام مسارًا متدرجًا لا يخطئه ناظر: يبدأ الاعتداء، يتولد الخوف، تغدو الحياة اليومية مسارًا شاقًا بامتياز، يتراجع حضور السكان تدريجيًا، إلى أن يتحول النزوح الجزئي، في محطة لاحقة، إلى إخلاء كامل ونهائي لا رجعة فيه.

وهذا بالتحديد ما يجعل "العنف الاستيطاني المتكرر" مغايرًا جوهريًا في طبيعته عن أي حادث أمني منفرد؛ فالحدث المنفرد ينقضي بانقضاء واقعته، أما العنف المتكرر فيعيد إنتاج نفسه بوصفه بيئة معيشية دائمة، لا استثناءً طارئًا. 

وتبرز محافظة نابلس، في هذا السياق تحديدًا، أنموذجًا لهذا النمط المتصاعد؛ إذ إن الهجوم الذي شنّه مستوطنون على قرية تل في 24 تموز/يوليو، وما تلاه من تصعيد متسلسل أسفر عن استشهاد 4 فلسطينيين واثنين من عناصر القوات الإسرائيلية، قبل أن تمتد الاعتداءات كموجة ارتدادية إلى قرى أخرى، من بينها عوريف وسرة، حيث سُجلت إصابات وأضرار واسعة طالت الممتلكات الفلسطينية.

ولا تكمن قيمة هذه الوقائع في تفاصيلها المحلية بمعزل عن سياقها، وإنما في كونها تكشف "آلية العدوى الجغرافية" التي ينتقل بها التصعيد من نقطة إلى أخرى؛ فالعنف حين يغدو متكررًا وقابلًا للانتقال، يتحول إلى عامل ضغط متصل يُضعف قدرة المجتمعات المحلية على استعادة إيقاعها الطبيعي في الفاصل الزمني بين حادثة وأخرى.

والأكثر إثارة للقلق أن هذا العنف لم يعد حبيس المنطقة "ج"، التي تشكّل أصلًا مساحة شديدة الحساسية بفعل السيطرة الإسرائيلية الواسعة عليها، إذ بات يُسجَّل على نحو متصاعد في المنطقتين "أ" و"ب" كذلك. ويُوسّع هذا التطور دائرة الخطر لتنتقل من مناطق اعتادت أصلًا الاحتكاك، إلى مناطق كان يُفترض أن تسود فيها درجة مغايرة من الحماية والسيطرة الفلسطينية الفعلية.

وبذلك، يعكس المشهد الراهن تآكلًا تدريجيًا وصامتًا للحدود الفاصلة بين "المجال المدني" و"المجال الأمني"؛ فالبيت لم يعد مجرد بيت، والطريق لم يعد مجرد ممر، والأرض الزراعية لم تعد مجرد مصدر رزق؛ إذ باتت هذه العناصر جميعها، في ظل هذا التحول، قابلة للانقلاب إلى نقاط احتكاك ومصادر تهديد قائمة بذاتها.

وفي المقابل، يضيف إضعاف السلطة الفلسطينية بُعدًا إلى هذه الأزمة متعددة الطبقات؛ فالسلطة التي تجابه أزمة مالية متفاقمة تغدو أعجز عن توفير الخدمات الأساسية، وأكثر انكشافًا أمام الضغط السياسي والاجتماعي، فيما يفضي استمرار الاحتلال والتوسع الاستيطاني إلى تضييق الهامش الذي يمكنها أن تمارس ضمنه وظائفها السيادية المتبقية.

وهنا تتشكل معادلة بالغة الخطورة، أقرب إلى "الحلقة المفرغة الذاتية التغذية": فكلما ازداد العنف، تعاظمت الحاجة إلى مؤسسات قادرة على الحماية وتقديم الخدمات، وكلما ضعفت هذه المؤسسات، غدت المجتمعات أكثر انكشافًا أمام العنف وتداعياته. وهذه الحلقة، ما لم تُكسر عند أحد مفاصلها، تحوّل "نقطة الانهيار" من توصيف سياسي مجرد إلى واقع إجرائي مُعاش يوميًا.

إن أخطر ما في الوضع الراهن هو أن هذا العنف بدأ يعمل كـ"آلية لإعادة إنتاج الواقع" ذاته؛ فالتهجير يعيد تشكيل التركيبة المكانية، والاستيطان يعيد توزيع السيطرة على الأرض، والعنف يمارس ضغطًا متواصلًا على السكان، والأزمة المالية تُنهك المؤسسات، وكل ذلك يجري بالتوازي مع غياب أفق سياسي قادر على كبح هذا المسار التصاعدي أو عكس اتجاهه.

ومن ثم، ينبغي قراءة التحذير الأممي من الاقتراب من نقطة الانهيار بوصفه إنذارًا من تراكم عميق، لا تحذيرًا من حدث بعينه ينتظر أن يقع؛ فالمجتمع الذي يتعرض لعنف متكرر، ويشهد نزوحًا متزايدًا، وتضعف قدرته المؤسسية، ويرزح تحت توسع استيطاني متواصل، لا يحتاج بالضرورة إلى حدث جلل كي ينتقل إلى مرحلة جديدة من اللااستقرار؛ إذ يكفي أن تتراكم الضغوط إلى الحد الذي تفقد معه آليات الاحتواء فاعليتها بالكامل.

وبهذا المعنى، تقف الضفة الغربية أمام مرحلة يستحيل فيها الفصل بين الأمن والسياسة، أو بين الاستيطان والتهجير، أو بين التدهور الإنساني والأزمة المؤسسية؛ فالمشهد برمّته يتحرك ضمن مسار واحد متصل الحلقات، تتغذى عناصره بعضها من بعض، وتدفع مجتمعةً نحو بيئة أكثر هشاشة وأدنى قابلية للحفاظ على ما تبقى من الوضع القائم.

إضاءات الفصل الثاني: من السيطرة الزاحفة على الأرض إلى الضم الصامت

1.  12,360 وحدة استيطانية جديدة أُقرّت أو تم التقدم بها منذ مطلع 2026 فقط — رقم يعيد رسم خريطة الضفة الغربية بصمت.

2.  431 مليون دولار خُصصت لإنشاء 34 مستوطنة جديدة. هذا ليس نشاطًا عشوائيًا، وإنما مشروع مموَّل ومؤسَّس بالكامل.

3.  5160 وحدة استيطانية — نحو نصف الوحدات الجديدة — تتركز في القدس الشرقية وحدها. لماذا تحديدًا هذه المدينة؟

4.  صلاحيات إدارة الأراضي تنتقل بهدوء من الجيش الإسرائيلي إلى الإدارة المدنية. خطوة بيروقراطية تبدو شكلية، لكنها تحمل أخطر تحول في طبيعة السيطرة.

5.  مصطلح "الحقائق الجديدة": كيف يتم الضم دون إعلان سياسي واحد، فقط عبر تراكم إجراءات صغيرة لا يلحظها أحد؟

6.  نمط متكرر ومقلق: فلسطينيون يُهجَّرون من أرضهم، ثم يستولي المستوطنون على الأرض ذاتها التي أُخليت. مسار مزدوج تكشف الورقة تفاصيله.

7.  "الضم الفعلي" يسبق "الضم الرسمي" بأشواط. الأرض تتغير أولًا، والإدارة ثانيًا، والقانون يأتي أخيرًا ليوثّق ما حدث بالفعل.

8.  كل توسع استيطاني جديد يقتطع مساحة من إمكانية قيام كيان فلسطيني متصل جغرافيًا. فهل ما زال هذا الكيان ممكنًا أصلًا؟

9.  الزمن ليس عنصرًا محايدًا: كل سنة تمر تعني مزيدًا من الطرق والبؤر والنزوح، وتجعل التراجع عن الواقع الجديد أكثر استحالة.

10.  السيطرة لم تعد تُمارَس بالجيش فقط، وإنما بالخرائط وقوانين التخطيط وسجلات الأراضي. كيف تحوّلت الأوراق إلى أداة سيطرة أشد فتكًا من السلاح؟

الفصل الثاني: من السيطرة الزاحفة على الأرض إلى الضم الصامت

إذا كان العنف المتصاعد يمثّل الوجه الأكثر بروزًا وظهورًا للأزمة في الضفة الغربية، فإن الاستيطان يمثّل وجهها الأعمق، والأقدر على إعادة صياغة الجغرافيا والسياسة معًا في آنٍ واحد. فالعنف، مهما اتسعت رقعته، يبقى حدثًا يمكن رصده في لحظة زمنية محددة قابلة للتأريخ، بينما يعمل الاستيطان بمنطق مغاير كليًا: تغلغل صامت، وتغييرات يصعب عكسها كلما طال بها الزمن.

إن إسرائيل تُسرّع أنشطة الاستيطان وتوسّع سيطرتها على الضفة الغربية بوتيرة متصاعدة، ويكتسب هذا التحذير ثقله الفعلي من هول الأرقام المعلنة؛ إذ تقدّمت أو أُقرّت خطط لنحو 12 ألفًا و360 وحدة استيطانية منذ مطلع عام 2026، منها 7200 وحدة في المنطقة "ج" و5160 وحدة في القدس الشرقية.

ولا يجوز، التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها مجرد بيانات جافة؛ فكل وحدة استيطانية جديدة تعني، في سياق الضفة الغربية تحديدًا، إعادة ترتيب قسرية لعلاقة السكان بالأرض والطرق والبنية التحتية ومصادر المياه والمجال الجغرافي المحيط بأسره. وحين يترافق إنشاء الوحدات الاستيطانية مع شق الطرق وتوسيع البؤر وتثبيت السيطرة على الأراضي، تنقلب العملية من توسع سكاني محض إلى ما يمكن وصفه بـ"إعادة الهندسة الجيوسياسية" للمجال بأكمله.

ومن هنا، يتعلق جوهر القضية بالتحولات التي تطرأ على إمكانية قيام كيان فلسطيني متصل جغرافيًا وقابل للحياة أصلًا؛ ذلك أن كل توسع استيطاني يقتطع مساحة جديدة من المجال المتاح، وكل بؤرة ناشئة قابلة لأن تتحول إلى نواة لشبكة أوسع من الطرق والبنى التحتية ومناطق النفوذ الممتدة.

وهذا ما يفسر تعامل الأمم المتحدة مع الاستيطان بوصفه عنصرًا مرتبطًا ارتباطًا عضويًا بمستقبل الحل السياسي، لا ملفًا فرعيًا يُدرج على الهامش؛ فالاستيطان يعيد تعريف الوقائع على الأرض قبل أن تتبلور أي تسوية سياسية منشودة، بحيث يغدو "الواقع الميداني" سابقًا زمنيًا لأي عملية تفاوضية محتملة، لا لاحقًا لها.

وتزداد الصورة تعقيدًا مع الإشارة إلى تخصيص نحو 431 مليون دولار لدعم إنشاء 34 مستوطنة جديدة؛ أي أن المسألة هنا مرتبطة بوجود بنية تمويلية مؤسسية مرصودة خصيصًا لتعزيز هذا النشاط وترسيخه. ويمثّل هذا التمويل، في هذه الحالة، أحد أعمدة "استدامة المشروع الاستيطاني"؛ إذ يُحوّله من مبادرات متناثرة عشوائية إلى مسار مُمأسَس قادر على الاستمرار والتوسع الممنهج.

بيد أن الأخطر، ربما، يكمن في التحول الإداري والمؤسسي الموازي، الأقل ظهورًا والأشد أثرًا، إذ إن هناك إجراءات تنقل مزيدًا من صلاحيات التخطيط وإدارة الأراضي والتراث من الإدارة العسكرية إلى السلطات المدنية الإسرائيلية. وتحمل هذه الخطوة دلالة تتجاوز الترتيب البيروقراطي الشكلي؛ لأنها تعني، في جوهرها، إعادة صياغة الطريقة التي تُدار بها الأرض الفلسطينية الواقعة تحت الاحتلال من أساسها.

ومن هنا تنبثق عبارة "الحقائق الجديدة" التي استخدمتها الأمم المتحدة ؛ فالحقيقة الجديدة قد تتشكل عبر حزمة من الإجراءات الصغيرة المتلاحقة التي تجعل الواقع على الأرض مغايرًا جوهريًا لما كان عليه قبل سنوات قليلة فحسب. فإذا تبدّلت الملكية أو الاستخدام، وتوسعت المستوطنات، وشُقّت الطرق، وتغيرت آليات التخطيط، وغادر السكان الفلسطينيون بعض المناطق، فإن المحصّلة النهائية تكون واقعًا جديدًا فرض حضوره حتى دون إعلان سياسي مباشر يواكبه.

وهنا يتجلى الترابط بين الاستيطان والتهجير على نحو أكثر جلاءً؛ إذ تعرّض نحو 3800 فلسطيني للتهجير خلال عام 2026، نصفهم تقريبًا من الأطفال، جراء عنف المستوطنين وعمليات الهدم والإخلاء. كما شهد 127 تجمعًا فلسطينيًا، منذ كانون الثاني/يناير 2023، عمليات نزوح جزئية أو كاملة، من بينها 47 تجمعًا أُخلي بالكامل، بما أثّر على أكثر من 6390 فلسطينيًا.

وتكشف قراءة هذه الأرقام إلى جانب بيانات الاستيطان عن "مسار مزدوج متقابل" لافت للانتباه: ففي طرفه الأول سكان يغادرون قسرًا، وفي طرفه الثاني مستوطنون يتقدمون باطراد، وبين هذين المسارين المتقابلين تُعاد رسم الخريطة خطًا بعد خط.

وقد اشير إلى نمط متكرر يتمثل في نزوح الفلسطينيين من قرى ومناطق مختلفة، يعقبه مباشرة استيلاء المستوطنين على الأراضي التي أُخليت. فإذا كان خروج السكان يفضي في نهاية المطاف إلى انتقال السيطرة على الأرض إلى جهة أخرى، فإن التهجير يغدو جزءًا لا يتجزأ من دينامية "إعادة تشكيل المكان"؛ وهنا تتخطى المسألة حدود الأمن الضيقة لتطال السياسة والجغرافيا والديموغرافيا معًا، في معادلة واحدة متشابكة الأطراف.

ولا يمكن، في هذا المقام، إغفال القدس الشرقية؛ إذ تشير البيانات إلى أن 5160 وحدة استيطانية من أصل 12,360 وحدة تقدّمت أو أُقرّت منذ مطلع العام تقع فيها تحديدًا. ويعكس ذلك استمرار الضغط الممنهج على المدينة بوصفها إحدى أكثر النقاط حساسية في الصراع بأسره، لرمزيتها الدينية والسياسية المتفردة من جانب، ولموقعها المحوري في أي تصور مستقبلي محتمل للحل من جانب آخر.

وبالموازاة، يضيف نقل صلاحيات التخطيط وإدارة الأراضي والتراث بُعدًا مؤسسيًا إضافيًا إلى التوسع الاستيطاني؛ فالسيطرة على الأرض ترسخ عبر البناء المادي، والسيطرة على "الأدوات الناظمة" التي تحدد أين يمكن البناء، وكيف تُستخدم الأرض، ومن يقرر مستقبلها، وما هي المرجعيات الإدارية التي تحكمها من خلف الستار.

وهكذا، قد يتقدّم "الضم الفعلي" على "الضم الرسمي" بأشواط؛ وهذه نقطة جوهرية في فهم التحولات الجارية، إذ ليس من الضروري أن يسبق التغيير القانوني كل تغيير ميداني، وما يحدث قد يكون العكس تمامًا في أغلب الأحيان: تتغير الأرض أولًا، وتتغير الإدارة ثانيًا، ويتغير توزيع السكان ثالثًا، ليغدو الاعتراف السياسي بالواقع الجديد مجرد خطوة ختامية تُستكمل بها صورة سبق رسمها بالكامل.

ومن هذه الزاوية، يغدو الحديث عن "الضم الفعلي" وصفًا لمسار متدرج صامت؛ فالضم يتحقق عمليًا حين تصبح أجزاء من الضفة مرتبطة على نحو متزايد بالمنظومة الإدارية، والاقتصادية، والجغرافية الإسرائيلية، بينما تتراجع بالتوازي قدرة المؤسسات الفلسطينية على ممارسة وظائفها أو الحفاظ على اتصال جغرافي متماسك بين أطرافها.

وهنا تبرز أزمة السلطة الفلسطينية بوصفها جزءًا من هذا المشهد المركّب، لا عاملًا طارئًا منفصلًا عنه؛ فكلما توسعت السيطرة الإسرائيلية على الأرض، تقلّص المجال المتاح أمام السلطة، وكلما تقلّص هذا المجال، تعاظمت صعوبة أداء وظائفها الأساسية، وكلما ضعفت قدرتها، غدا المجتمع الفلسطيني أكثر انكشافًا أمام الضغوط الناجمة عن الاحتلال والاستيطان معًا، في حلقة تُغذّي بعضها بعضًا دون انقطاع.

وهذه الدائرة المتصلة تجعل الاستيطان مسألة تتجاوز الأرض بمعناها المادي الضيق، لتطال مستقبل الحكم الفلسطيني ذاته في جوهره؛ فالسلطة السياسية تحتاج إلى أرض تمارس عليها وظائفها، ومجتمع قادر على الوصول إلى الخدمات، وموارد مالية تمكّنها من دفع الرواتب، ومجال جغرافي يتيح تقديم الخدمات بانتظام واطراد. وإذا تآكلت هذه العناصر مجتمعة بالتوازي مع التوسع الاستيطاني، فإن النتيجة الحتمية تكون إضعافًا تدريجيًا متراكمًا للقدرة المؤسسية الفلسطينية بأكملها.

ومن هنا يمكن فهم التحذير الأممي من أن المسار الحالي يُضعف الحكم الفلسطيني ويدفع باتجاه الضم الفعلي للضفة الغربية، فالاستيطان يعيد رسم الجغرافيا، والتهجير يعيد توزيع السكان، والعنف يمارس ضغطًا متواصلًا على المجتمعات، والأزمة المالية تُنهك المؤسسات، ونقل الصلاحيات يعيد تعريف الإدارة من جذورها، والمحصّلة التراكمية لكل هذه المسارات مجتمعة هي واقع سياسي وجغرافي جديد، يفرض نفسه تدريجيًا بمنطق الأمر الواقع لا بمنطق التفاوض.

ولذلك، فإن أخطر ما يمكن هو أن يغدو هذا الواقع الجديد "طبيعيًا" بمرور الوقت، متجذّرًا في الوعي العام وكأنه لم يكن يومًا استثناءً، فالزمن، في مثل هذه العمليات، ليس عنصرًا محايدًا بحال من الأحوال؛ إذ تعني كل سنة إضافية مزيدًا من البناء، ومزيدًا من الطرق، ومزيدًا من البؤر، ومزيدًا من النزوح، ومزيدًا من الاعتماد على واقع يزداد استعصاء التراجع عنه يومًا بعد آخر.

وبهذا المعنى، تواجه الضفة الغربية عملية "إعادة تشكيل صامتة" ومتدرجة، لا تحتاج بالضرورة إلى إعلان دراماتيكي كي تحقق نتائجها كاملة؛ فحين تتراكم التغييرات الصغيرة المتلاحقة، يمكن أن تُنتج في نهاية المطاف تحولًا جوهريًا في بنية المكان بأسره، دون أن يلحظ أحد اللحظة الفارقة التي عبرت فيها الأمور نقطة اللاعودة.

إن المعطيات الواردة لا تسمح، بأي منطق، بالنظر إلى الاستيطان بوصفه ملفًا عمرانيًا منفصلًا، ولا إلى التهجير بوصفه نتيجة إنسانية عابرة؛ إذ تكشف عن تفاعل محكم بين الاثنين ضمن مسار أوسع يعيد ترتيب السيطرة على الأرض من جذورها. وفي ظل استمرار هذه الدينامية، يغدو الحديث عن مستقبل الدولة الفلسطينية مرتبطًا ارتباطًا مباشرًا وحتميًا بقدرتها على الحفاظ على الأرض والسكان والمؤسسات معًا، في آنٍ واحد لا يقبل التجزئة.

إضاءات الفصل الثالث: بيداغوجيا الخوف... تصدع السلطة والثمن الذي يدفعه الجيل الأصغر

1.  إسرائيل تحتجز نحو 6 مليارات دولار من أموال المقاصة الفلسطينية. كيف تشل هذه الأموال المحتجزة قدرة السلطة على الوقوف على قدميها؟

2.  تهديد مالي جديد يلوح في الأول من أيلول: احتمال وقف البنوك الإسرائيلية معالجة معاملات الشيكل بالكامل. ماذا يعني هذا لحياة كل موظف وأسرة؟

3.  174 طفلًا فلسطينيًا استُشهدوا بين 2024 و2026 بمعدل يفوق طفلًا واحدًا كل أسبوع دون انقطاع.

4.  أكثر من 1500 طفل أُصيبوا، نصفهم تقريبًا بالذخيرة الحية. أرقام تتجاوز أي تصور عن "أضرار جانبية".

5.  قصة جدة فلسطينية غطّت نوافذ منزلها بألواح معدنية بعد أن أُلقيت عبوة حارقة داخل مطبخها وأحفادها بالداخل. تفصيل إنساني واحد يلخص مأساة آلاف الأسر.

6.  المنزل والمدرسة والشارع — الأماكن التي يُفترض أن تمنح الطفل الأمان — باتت مقترنة في وعيه بالخوف. كيف يعاد تشكيل جيل كامل نفسيًا؟

7.  انتخابات تشريعية مقررة في 28 تشرين الثاني وسط كل هذا الانهيار. هل يمكن بناء شرعية سياسية فوق أرض تتصدع بهذا الشكل؟

8.  انتهاكات موثقة أمميًا: إطلاق نار، ضرب، طعن، رش فلفل، وتدمير ممنهج للبنية التحتية للمياه. سجل لا يقتصر على العنف الجسدي فقط.

9.  "الاستنزاف التراكمي": لا يظهر في حدث واحد صادم، وإنما في آلاف الوقائع الصغيرة المتناثرة يوميًا. لماذا هذا النمط أخطر من أي حرب معلنة؟

10.  أربعة ضغوط متزامنة — على الأرض، والسكان، والمؤسسات، والإنسان — تتقاطع في لحظة واحدة. الورقة تكشف كيف يمكن لهذا التقاطع أن يعيد تشكيل مستقبل جيل بأكمله.

الفصل الثالث: بيداغوجيا الخوف... تصدع السلطة والثمن الذي يدفعه الجيل الأصغر

لا تكتمل صورة التدهور في الضفة الغربية عند حدود الأرض والعنف والاستيطان وحدها؛ إذ يتجلى الوجه الأكثر قسوة لهذا المسار في تآكل القدرة المؤسسية الفلسطينية من جهة، وفي اتساع الكلفة الإنسانية التي يتكبدها السكان، ولا سيما الأطفال، من جهة أخرى. فالأزمة السياسية تغدو أكثر خطورة حين تتحول إلى أزمة قدرة على توفير الخدمات، والأزمة الأمنية تزداد عمقًا حين تعيد تشكيل حياة الأطفال اليومية من أساسها، والأزمة الاقتصادية تشتد حدة حين تهدد قدرة المؤسسات على دفع الرواتب وتقديم الخدمات الأساسية للمواطن العادي.

وفي هذا السياق، هناك استمرار الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية، ذلك أن إسرائيل تحتجز، وفق ما تفيد به السلطة، نحو 6 مليارات دولار من أموال المقاصة. وتكتسب هذه المسألة أهمية استثنائية كون أموال المقاصة تعد عنصرًا أساسيًا وحيويًا في قدرة السلطة على الوفاء بالتزاماتها تجاه موظفيها وتوفير خدماتها الأساسية للمجتمع بأسره.

وحين تتعطل الموارد المالية على هذا النحو، لا تتوقف آثار ذلك عند حدود الميزانية العامة المجردة؛ فالراتب المتأخر ينعكس مباشرة على استقرار الأسرة، والخدمة المتراجعة تنعكس على تماسك المجتمع، والمؤسسة التي تفقد قدرتها التشغيلية تفقد معها جزءًا لا يُستهان به من ثقة المواطنين بها. ومع استمرار هذه الأزمة دون حل، قد تنتقل المشكلة من كونها ضائقة مالية عابرة إلى كونها أزمة قدرة مؤسسية بنيوية يصعب تجاوزها.

ويزداد هذا الضغط اطرادًا مع التهديد المالي المستجد المرتبط باحتمال إنهاء البنوك الإسرائيلية المراسِلة ترتيبات معالجة المعاملات بالشيكل اعتبارًا من الأول من أيلول/سبتمبر. ومهما تكن طبيعة التداعيات التفصيلية لهذا الإجراء وحجمها الفعلي، فإن مجرد وروده ضمن المشهد المالي الفلسطيني يضيف طبقة جديدة من عدم اليقين إلى بيئة تعاني أصلًا من هشاشة موارد متراكمة عبر سنوات.

فالاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية لا يعمل، بأي حال، في فراغ مستقل عن بيئته السياسية والأمنية المحيطة؛ وإذا كانت الحركة الاقتصادية تتأثر بالقيود الجغرافية والأمنية المفروضة عليها، فإن قدرة المؤسسات على إدارة هذا الاقتصاد تغدو بدورها مرهونة رهنًا كاملًا باستمرارية التدفقات المالية. ومن ثم، تتقاطع الأزمة المالية للسلطة تقاطعًا مباشرًا لا التباس فيه مع الأزمة الأوسع التي تشهدها الضفة برمّتها.

وفي المقابل، برزت التحضيرات للانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر بوصفها تطورًا سياسيًا بالغ الأهمية وسط هذا الركام من الأزمات؛ إذ دعا المسؤول الأممي إلى ضمان عملية انتخابية شاملة وشفافة وذات مصداقية، تتيح لجميع الناخبين الفلسطينيين المؤهلين ممارسة حقوقهم كاملة غير منقوصة.

وتكتسب الانتخابات، في هذا السياق تحديدًا، أهمية تتجاوز كونها إجراءً شكليًا دوريًا؛ لأنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بسؤال الشرعية السياسية والمؤسسية في جوهره. فالسلطة التي تواجه أزمة مالية وضغوطًا ميدانية متصاعدة تحتاج، في سياقها السياسي، إلى قاعدة شرعية قادرة على إسناد مؤسساتها ودعمها في مواجهة هذا التحدي المزدوج. غير أن هذه الشرعية لا تنفصل عن البيئة التي تجري فيها الانتخابات، ولا عن قدرة المؤسسات على العمل بعدها، ولا عن قدرة المجتمع على ممارسة حقوقه في ظل واقع أمني وجغرافي بالغ التعقيد والتشابك.

ومن ثم، لا يمكن الفصل بين المسار السياسي والمسار الإنساني؛ فالانتخابات، مهما بلغت أهميتها الرمزية والفعلية، لا تعمل بمعزل عن الواقع الميداني المحيط بها، كما أن معالجة هذا الواقع لا يمكن أن تستغني بحال عن مؤسسات فلسطينية قادرة على ممارسة وظائفها كاملة دون انتقاص.

لكن إذا كانت الأزمة المالية والمؤسسية تمثّل وجهًا واحدًا من وجوه هشاشة السلطة المتعددة، فإن الأطفال يمثّلون الوجه الأشد إنسانية، والأكثر دلالة على عمق التحول الذي تشهده الحياة الفلسطينية في جوهرها الحميم.

إن تصاعد العنف يعيد تشكيل الحياة اليومية للأطفال الفلسطينيين، بحيث غدت أماكن يُفترض أن توفر لهم الأمان، كالمنزل والمدرسة والشارع، مقترنة في وعيهم الغض بالخوف والعنف بدلًا من الطمأنينة والألفة.

وتختصر هذه العبارة، تحولًا اجتماعيًا عميقًا؛ فالطفل يختبر الواقع السياسي حسيًا عبر تفاصيل حياته اليومية المباشرة والملموسة. فالمنزل بالنسبة إليه ينبغي أن يكون مساحة أمان مطلقة، والمدرسة مساحة تعلّم آمنة، والشارع مساحة حركة حرة، لكن حين تنقلب هذه الأماكن ذاتها إلى مصادر اقتران بالخطر، يتجاوز الأثر حدود الإصابة الجسدية المباشرة إلى إعادة تشكيل الإحساس بالأمان في جوهره الوجداني العميق.

وقد نقل موظفو "يونيسف" شهادة عن جدة فلسطينية باتت تخشى حتى مغادرة منزلها لإلقاء القمامة، بفعل هجمات المستوطنين شبه اليومية المحيطة بها. وفي حادثة أخرى موثقة، أُلقيت عبوة حارقة بدائية داخل مطبخ منزلها، ما أدى إلى اشتعال النار فيه بينما كان أحفادها في الداخل، الأمر الذي دفعها إلى تغطية نوافذ المنزل بألواح معدنية، سعيًا محمومًا لحماية أسرتها من خطر بات مقيمًا لا زائرًا.

وتنطوي هذه التفاصيل اليومية، على صغرها الظاهري، على أهمية بالغة؛ لأنها تكشف طبيعة العنف على نحو تعجز الأرقام المجردة وحدها عن الإفصاح عنه بكامله. فالإحصاء يفيد بوجود آلاف المتضررين، لكن قصة الأسرة الواحدة توضح فعليًا، بلغة الجسد والمكان، ماذا يعنيه هذا الضرر في نسيج الحياة اليومية الملموس.

فحين تضطر أسرة إلى تغطية نوافذ منزلها بألواح معدنية، يفقد المنزل جزءًا جوهريًا من وظيفته الطبيعية بوصفه ملاذًا. وحين تخشى الجدة الخروج لرمي النفايات، تنكمش مساحة الحركة اليومية المتاحة لها إلى حدودها الدنيا. وحين يغدو الطريق إلى المدرسة أو الأرض الزراعية مصدر قلق دائم لا استثناء عابر، يتحول العنف إلى عامل يعيد تنظيم حياة الأسرة برمتها من جذورها العميقة.

وتزداد خطورة هذا الواقع جسامة عند استقراء البيانات الممتدة؛ إذ استشهد 174 طفلًا فلسطينيًا بين كانون الثاني/يناير 2024 ونهاية تموز/يوليو 2026 في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، بمعدل يفوق طفلًا واحدًا كل أسبوع دون انقطاع، فيما أُصيب أكثر من 1500 طفل آخر في الفترة ذاتها.

وتشير البيانات إلى أن نحو نصف الأطفال المصابين تعرضوا لإصابات بالذخيرة الحية تحديدًا، في حين قُتل ثلاثة أطفال إسرائيليين وأُصيب 15 آخرون خلال الفترة الزمنية ذاتها.

غير أن البعد الأخطر لا يقتصر على عدد القتلى والمصابين وحده، مهما بلغت جسامته؛ فالأطفال الذين ينجون من الإصابة الجسدية المباشرة لا يخرجون بالضرورة من دائرة الأثر النفسي الخفي. إذ يمكن للعيش الدائم في بيئة يكثر فيها العنف أن يترك أثرًا ممتدًا وعميقًا على الإحساس بالأمان، وعلى العلاقة بالمدرسة والمجتمع والحركة اليومية على حد سواء، لسنوات قادمة.

وهنا يغدو العنف أداة فعلية لإعادة تشكيل جيل بأكمله، لا فرد بعينه؛ فالطفل الذي يكبر وهو يرى المنزل عرضة للاقتحام أو الحرق، والطريق عرضة للاعتداء، والأرض الزراعية عرضة للهجوم، والمدرسة محاطة بمخاطر أمنية دائمة، يتشكل وعيه الوجودي ضمن بيئة مغايرة جذريًا للبيئة الطبيعية التي كان يُفترض أن ينشأ فيها بسلام.

ولذلك، لا تُعد حماية الأطفال قضية إنسانية هامشية تُذكر عرضًا في سياق هذه الأزمة، فهي مؤشر دال بامتياز على طبيعة الأزمة نفسها في جوهرها؛ فالمجتمع الذي يعجز عن توفير الحد الأدنى من الأمان لأطفاله يواجه إشكالية وجودية تتجاوز الأمن المباشر لتطال مستقبله بأسره في المدى البعيد.

وقد واصلت الأمم المتحدة توثيق الانتهاكات الجسيمة بحق الأطفال، بما في ذلك إطلاق النار عليهم في ظروف لم يشكّلوا فيها تهديدًا وشيكًا بأي معيار، إلى جانب انتهاكات مرتبطة بعنف المستوطنين، كالضرب والطعن ورش الفلفل، ومهاجمة المنازل وسبل العيش وتدمير البنية التحتية للمياه بشكل ممنهج.

وتكتسب هذه الأخيرة أهمية خاصة تستحق التوقف عندها؛ لأن استهداف البنية التحتية للمياه أو سبل العيش يضرب في الصميم قدرة الأسرة على الاستمرار والصمود. فالماء والعمل والسكن والأرض عناصر أساسية راسخة في استقرار أي مجتمع، وكلما تضررت هذه العناصر مجتمعة، تعاظمت هشاشة الأسر، وغدا النزوح احتمالًا مرجّحًا لا استثناءً بعيدًا.

ومن هنا يمكن فهم العلاقة الوثيقة، بل المتجذرة، بين الأطفال والتهجير؛ فالطفل الذي يُهجَّر من منزله قد يفقد معه مدرسته وبيئته الاجتماعية وروتينه اليومي المألوف وشبكة الحماية المحيطة به بأكملها دفعة واحدة. وكل انتقال قسري يحمل معه سلسلة متتالية من التغييرات التي تتجاوز حدود المكان المادي إلى صميم البنية النفسية والاجتماعية للطفل ذاته.

ويربط هذا كله بصورة مباشرة ومحكمة بين الفصول الثلاثة السابقة؛ إذ يفضي العنف إلى التهجير، ويغيّر التهجير الجغرافيا، ويستفيد الاستيطان من إعادة تشكيل هذا المجال المتحرر قسرًا، وفي الوقت ذاته تفضي الأزمة المالية والمؤسسية إلى تقليص قدرة المجتمع على امتصاص هذه الصدمات المتراكمة والمتلاحقة.

ومن هذه الزاوية، تعمل السلطة الفلسطينية داخل بيئة تتعرض فيها الأرض للضغط المستمر، والسكان للنزوح المتزايد، والأطفال للعنف المباشر، والمؤسسات للاستنزاف المتواصل دون هوادة.

وهنا تغدو الأزمة مركّبة على أربعة مستويات متداخلة تتغذى من بعضها بعضًا: مستوى الأرض، ومستوى السكان، ومستوى المؤسسات، ومستوى الإنسان الفرد. فعلى مستوى الأرض، يتوسع الاستيطان وتُنشأ وحدات جديدة وتنتقل صلاحيات التخطيط وإدارة الأراضي من يد إلى أخرى. وعلى مستوى السكان، تتزايد الاعتداءات والتهجير، ويغدو البقاء في بعض التجمعات أكثر وعورة يومًا بعد آخر. وعلى مستوى المؤسسات، تتفاقم الأزمة المالية وتتراجع القدرة على توفير الخدمات الأساسية للمواطن. وعلى مستوى الإنسان، يدفع الأطفال الثمن الأفدح عبر القتل والإصابة والخوف والتهجير واضطراب الحياة اليومية بأكملها.

وتكمن خطورة هذا الترابط المحكم في أنه يجعل معالجة أي عنصر بمعزل عن الآخر محدودة الأثر بالضرورة الحتمية؛ فالأزمة المالية لا يمكن فهمها بمعزل عن واقع الاحتلال والسيطرة على الموارد، والتهجير لا يمكن فصله عن الاستيطان والعنف المتصاعد، والعنف لا يمكن فصله عن البيئة السياسية التي تسمح باستمراره دون رادع، والأثر الإنساني لا يمكن فصله عن قدرة المؤسسات على حماية السكان وتوفير الخدمات الأساسية لهم.

ولهذا، يأخذ التحذير الأممي من "نقطة الانهيار" معناه الأوسع والأعمق في هذا السياق المركّب؛ فالانهيار لا يعني بالضرورة سقوط مؤسسة بعينها أو اندلاع حرب شاملة معلنة، بقدر ما يعني بلوغ المجتمع مرحلة تتراجع فيها قدرة مكوناته المختلفة، مجتمعة ومنفردة، على امتصاص الصدمات المتلاحقة التي لا تكاد تهدأ حتى تتجدد.

فحين يفقد المواطن شعوره بالأمان الأساسي، وتفقد الأسرة قدرتها على حماية أطفالها، وتفقد المؤسسات قدرتها على توفير الخدمات، وتفقد الأرض مزيدًا من مساحتها بفعل الاستيطان الزاحف بلا توقف، ويستمر التهجير دون كابح يردعه، يدخل المجتمع بأسره في حالة من "الاستنزاف التراكمي" الذي يتجمّع رويدًا رويدًا.

ولعل هذا الاستنزاف التراكمي هو أخطر ما في المشهد الراهن على الإطلاق؛ لأنه لا يظهر دائمًا في صورة حدث واحد جلل يستقطب انتباه العالم ويحرك ضميره الجمعي، وإنما يتوزع على آلاف الوقائع اليومية المتناثرة الصغيرة: منزل يتعرض للاعتداء، طفل يُصاب، أسرة تغادر قسرًا، أرض تفقد أصحابها الأصليين، وحدة استيطانية جديدة تُقام على عجل، مؤسسة تتعثر بفعل نقص التمويل المزمن، وخدمة تتراجع تباعًا دون أن يلحظ أحد. ومع مرور الوقت، تتجمّع هذه الوقائع المتناثرة، حبة رمل فوق أخرى، لتُنتج في نهاية المطاف تحولًا أعمق بكثير من مجموعها الحسابي المجرد.

ومن هنا، تقف الضفة الغربية أمام لحظة فارقة تتقاطع فيها الأزمة السياسية مع الأزمة الأمنية، والأزمة الاقتصادية مع الأزمة الإنسانية، والاستيطان مع التهجير، وتآكل المؤسسات مع اتساع الفراغ السياسي المحيط بالجميع؛ وهذه التقاطعات المركّبة، بالذات، هي ما يجعل الوضع الراهن مختلفًا جوهريًا عن أي موجة تصعيد عابرة سبق أن شهدتها المنطقة عبر تاريخها الطويل.

فلم يعد السؤال المطروح مقتصرًا على: كم عدد الاعتداءات المسجلة؟ أو كم عدد الوحدات الاستيطانية الجديدة المقامة؟ أو كم عدد الفلسطينيين الذين نزحوا قسرًا؟ وإنما غدا السؤال الأعمق والأكثر إلحاحًا: ما الذي يحدث فعليًا حين تتراكم هذه المؤشرات جميعها، دفعة واحدة، في بيئة واحدة وضمن الفترة الزمنية ذاتها بالتحديد؟

وتشير المعطيات الواردة كافة إلى أن الإجابة تتجه، بشكلٍ مقلق، نحو واقع فلسطيني أكثر هشاشة يومًا بعد آخر، وأرض أكثر تعرضًا لإعادة التشكيل القسري المتواصل، ومؤسسات أكثر عرضة للاستنزاف المتواصل دون كابح، وجيل أصغر سنًا يتحمل كلفة متزايدة باطراد لصراع لم يصنعه بيده ولم يختره بإرادته.

وعليه، ينبغي فهم "نقطة الانهيار" باعتبارها مسارًا ممتدًا قد تكون الضفة الغربية قد دخلت بالفعل في مراحله المتقدمة؛ مسارًا تتراجع فيه قدرة المجتمع على حماية نفسه بيد واحدة، وتتسع فيه مساحة الوقائع التي يصعب التراجع عنها يومًا تلو آخر، بينما يغدو الأطفال أكثر الفئات تعرضًا لآثاره المباشرة، وأكثرها تحملًا لتبعاته المستقبلية البعيدة المدى.

وفي المحصلة النهائية، يمثّل المشهد الذي ترسمه البيانات الأممية صورة لمجتمع بأسره يتعرض في آن واحد لضغط على الأرض، وضغط على السكان، وضغط على المؤسسات، وضغط على الإنسان في كرامته الأساسية؛ وهي ضغوط أربعة متضافرة، متشابكة الجذور، إن استمرت في اتجاهها الراهن ذاته، فإنها لن تكتفِ بتغيير حاضر الضفة الغربية فحسب، وإنما ستعيد صياغة شروط مستقبلها السياسي والاجتماعي والديموغرافي بأكمله، جيلًا بعد جيل.