ورقة تحليل بعنوان: بين ملامح انهيار نظام دولي قديم و ولادة نظام دولي جديد: لماذا تمثل الفوضى الدولية فرصة استراتيجية للدول؟
المقدمة
إذا امعنا النظر في ولادة الانظمة الدولية الجديدة، نلاحظ عادة انها تتشكل غالبا في الفترات التي تتسم بالاضطراب او الفوضى وإعادة ترتيب موازين القوى، وليس في لحظات الاستقرا،ر فالتاريخ الدولي يوضح لنا أن التحولات الكبرى لا تأتي مفاجئة، بل يسبقبها مراحل من التراجع في قدرات النظام القائم على ضبط ما يحدث في الساحه الدوليه، من ضبط للتفاعلات الدوليه، وتزايد الصراعات حول النفوذ، وظهور قوى تسعى إلى تعديل قواعد اللعبة أو إعادة تعريف دورها داخلها.
العالم اليوم يشهد مرحلة تتسم بدرجة عالية من ما يسمى ب )السيولة الاستراتيجية(، حيث تتراجع في هذه المرحلة قدرة أغلب المؤسسات الدولية على فرض قواعدها، وتتزايد الانتقائية في تطبيق القانون الدولي، بينما تعود القوة الصلبة لتحتل موقعًا متقدمًا في إدارة العلاقات بين الدول،هذا السلوك الملاحظ مؤخرا، وفي ظل ضعف فاعلية المؤسسات المعنية بحفظ السلم والأمن الدوليين، وتزايد التنافس بين القوى الكبرى، تبدو الساحة الدولية وكأنها تنتقل من مرحلة نظام واضح المعالم إلى مرحلة ضبابية لم تتحدد فيها بعد ملامح التوازن الجديد.
ومع ذلك الفوضى الدولية لا تعني بالضرورة غياب النظام بصورة كاملة، بل المقصود أنه قد تمثل مرحلة انتقالية بين نظامين، مرحلة تتراجع فيها قواعد النظام القديم قبل أن تستقر قواعد النظام الجديد. وهذه المرحلة، رغم ما تحمله من مخاطر وصراعات، قد تتحول إلى فرصة استراتيجية للدول القادرة على قراءة التحولات الجارية والاستثمار فيها. فالدول لا تصنع مكانتها الدولية فقط بعد استقرار النظام، بل غالبًا ما تحُدد هذه المكانة خلال الفترات التي تسبق ولادته.
وتكشف التجارب التاريخية أن لحظات الفوضى والتحول كانت دائمًا ما تشكل نقاطًا فاصلة في تحديد مستقبل الدول. فبعد الحروب النابليونية)1803-1815(، شهدنا أن القوى الكبرى رسمت خارطة أوروبا وأسست نظامًا سياسيًا استمر لعقود.
وشهدنا أيضا أن الحرب العالمية الثانية، لم تقتصر التحولات فيها على انتهاء الحرب، بل شهد العالم تأسيس مؤسسات وقواعد جديدة شكلت النظام الدولي لعقود لاحقة. وانهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة 1991 أدت بلا شك لانتقال النظام العالمي نحو مرحلة الهيمنة الأمريكية، قبل أن تبدأ ملامح التنافس على شكل النظام القادم بالظهور خلال السنوات الأخيرة.
ومن هنا، فإن الفوضى الدولية لا ينبغي أن ننظر إليها باعتبارها أزمة فقط تنتظر الدول انتهاءها، بل باعتبارها مرحلة )استثمار استراتيجي( تمتلك خلالها الدول فرصة لإعادة تعريف مصالحها، وأيضا بناء قدراتها، وإعادة تشكيل تحالفاتها ،وتحديد موقعها في النظام الذي لم يولد بعد. فالدول التي تدرك طبيعة هذه المرحلة وتتحرك خلالها قد تصبح من المشاركين في صياغة قواعد النظام الجديد، بينما الدول التي تختار الانتظار حتى انتهاء التحولات قد تجد نفسها أمام واقع دولي تشكل دون مشاركتها.
أهمية هذه المرحلة بالنسبة للدول العربية بشكل خاص ،تبرزفي التحولات الكبرى الحاصلة في النظام الدولي ، والذي يفتح مجالًا لإعادة التفكير في موقع المنطقة داخل المعادلات القادمة، ليس فقط من خلال الاستجابة للأزمات القائمة، وإنما عبر بناء تصورات استراتيجية طويلة المدى تقوم على تنويع الشراكات، وتعزيز عناصر القوة، وإعادة تقييم الأولويات الوطنية والمصالح الإقليمية. فالفترات الانتقالية لا تمنح الفرص لمن ينتظر نتائجها، وإنما لمن يستعد لصناعة جزء من تلك النتائج.
إن الفكرة الأساسية التي تنطلق منها هذه الورقة هي أن الفوضى ليست نهاية النظام، بل قد تكون الفرصة الأخيرة للدول لتحديد موقعها قبل أن يغُلق باب تشكيل النظام الدولي الجديد. فحين تستقر قواعد النظام القادم، تصبح مساحة المناورة أقل، وتتحول الدول من فاعلين في صياغة القواعد إلى متلقين لها. ولذلك السؤال الأكثر أهمية ليس: متى ينتهي النظام الدولي الحالي؟ بل: من هي الدول التي تستعد منذ الآن لتكون فاعل مهم في النظام الذي سيأتي بعده؟
أو الا: حين يفقد النظام الدولي قدرته على الضبط: هل تبدأ الفوضى أم يبدأ التشكل؟
استقرار النظام الدولي لا يعتمد فقط على وجود المؤسسات والقوانين، وإنما على وجود توافق نسبي بين القوى الكبرى حول قواعد إدارة التنافس وحدود استخدام القوة. وعندما يتراجع هذا التوافق، تبدأ مرحلة انتقالية تصبح فيها قواعد النظام القديم أقل فاعلية قبل ظهور قواعد جديدة تحظى بقبول دولي أوسع.
منذ تأسيس النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية عام 1945، مثلّت الأمم المتحدة ومؤسسات بريتون وودز، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، محاولة لبناء نظام يقوم على تنظيم الصراع عبر قواعد ومؤسسات متعددة الأطراف بدلًا من الاعتماد الكامل على منطق القوة .لكن العقود الأخيرة كشفت عن تراجع قدرة هذه المؤسسات على إدارة الأزمات الدولية بسبب تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، واستخدام حق النقض )الفيتو( في مجلس الأمن، وتباين تطبيق قواعد القانون الدولي، ففي شباط/فبراير 2025، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف التمويل الأمريكي لوكالة الأونروا ،إلى جانب تعليق أو مراجعة الدعم المقدم لعدد من المنظمات التابعة للأمم المتحدة ،مما أثربشكل أساسي على دور المؤسسات الدولية وفاعليتها1.
ضعف النظام القائم لا يعني انهياره الفوري، بل مرحلة انتقالية تتنافس فيها القوى الدولية على إعادة تعريف قواعد النظام .
فكما يوضح منظرو الواقعية في العلاقات الدولية، فإن النظام الدولي يظل مرتبطًا بتوازنات القوة بين الدول، خاصة في ظل غياب سلطة مركزية عالمية كما هو الواقع اليوم، قادرة على فرض قواعد ملزمة على الجميع.
وتوضح التجارب التاريخية أن التحولات الكبرى غالبًا ما تسبقها فترات من عدم الاستقرار. فبعد هزيمة الحروب النابليونية، انعقد مؤتمر فيينا لإعادة تنظيم التوازن الأوروبي وإنشاء نظام سياسي حافظ على قدر من الاستقرار حتى منتصف القرن التاسع عشر. وبعد الحرب العالمية الثانية عام 1945، لم يكن انتهاء الحرب مجرد نهاية لصراع عسكري ،بل بداية لنظام عالمي جديد قائم على مؤسسات دولية وتوازنات قوة مختلفة. أما انهيار الحرب الباردة عام 1991 وتفكك الاتحاد السوفيتي، فقد أدى إلى انتقال الولايات المتحدة إلى موقع القوة المهيمنة عالميًا خلال مرحلة عُرفت بالأحادية القطبية.
ومن هنا يمكن القول إن الفوضى الدولية لا تبدأ فقط عند انهيار النظام، بل عندما يفقد النظام القائم قدرته على استيعاب
التحولات الجديدة. ففي هذه المرحلة تبدأ الدول بإعادة تقييم مواقعها، وبناء تحالفاتها، واستثمار الفرص الناتجة عن تغير موازين القوة.
وتشير التطورات الراهنة إلى أن النظام الدولي يمر بمرحلة إعادة تشكيل تتجاوز الأزمات المنفردة إلى صراع أوسع حول النفوذ والقواعد. من تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين، إلى الحرب الروسية الأوكرانية منذ عام 2022، وتزايد الأزمات الإقليمية، فقد مثلّ هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما تبعه من حرب في قطاع غزة اختبارًا جديداً لقدرة النظام الدولي على تطبيق قواعد القانون الدولي وإدارة الصراعات، كما كشف استمرار التباين بين مواقف القوى الكبرى تجاه قضايا الأمن وحقوق الإنسان عن عمق الأزمة التي تواجه المؤسسات الدولية. كذلك أضاف التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى بعد عام 2024–حتى اليوم بعُداً جديداً إلى التنافس الإقليمي، انعكس على توازنات الشرق الأوسط، وعلى موقع لبنان الذي أصبح ساحة لتداخل الصراعات الإقليمية وحسابات النفوذ بين القوى المختلفة.
1 دونالد ترامب، الأمر التنفيذي رقم 14199: الانسحاب من بعض منظمات الأمم المتحدة وإنهاء التمويل لها ومراجعة الدعم الأمريكي للمنظمات الدولية، البيت الأبيض ،4 شباط/فبراير 2025،
[1] قناة الجزيرة، "من يملك القطب الشمالي؟ غرينلاند تشعل سباق النفوذ ،"29 حزيران/يونيو 2026، -https://www.aljazeera.net/video/rest-of-the
/story/2026/6/29من-يملك-القطب-الشمالي-غرينلاند-تشعل
[2] " الصين: تايوان تسعى للتنازل عن صناعة الرقائق لأميركا"، CNBCعربية ،26 فبراير/شباط 2025 .
https://www.cnbcarabia.com/134816/2025/26/02/%D8%A7%
[3] الجزيرة نت، "إلى أين يمضي أحمد الشرع بسوريا؟ ،"3 شباط/فبراير 2025، /https://www.aljazeera.net/politics/2025/2/3إلى-أين-يمضي-أحمد-الشرع-بسوريا.
[4] Christopher S. Chivvis, Alper Coşkun, and Beatrix Geaghan-Breiner, Türkiye in the Emerging World Order, Carnegie
Endowment for International Peace, October 31, 2023.https://carnegieendowment.org/russia eurasia/research/2023/10/turkiye-in-the-emerging-world-order?utm_source=chatgpt.com
[5] The Guardian, “How Taiwan secured semiconductor supremacy – and why it won’t give it up,” 19 July 2024. https://www.theguardian.com/world/article/2024/jul/19/taiwan-semiconductor-industry-booming
ونلاحظ أنه لم يعد التنافس الدولي مقتصرًا على المجالات العسكرية والسياسية التقليدية، بل امتد إلى المناطق ذات الأهمية الجيوسياسية الجديدة، كما يظهر في تصاعد الاهتمام الدولي بمنطقة القطب الشمالي وسباق النفوذ حول )غرينلاند[1]( بسبب موقعها الاستراتيجي ومواردها الطبيعية المحتملة، والصراع بين واشنطن وبكين حول تكنولوجيا أشباه الموصلات وشركة (TSMC) التايوانية[2]، هذا مثال صارخ على أن السيطرة على التكنولوجيا المتقدمة هي التي ستحدد من يقود النظام الدولي القادم، وتكشف هذه التطورات أن التحولات الحالية لا تتعلق فقط بإدارة أزمات قائمة، وإنما بإعادة تعريف مجالات النفوذ وموازين القوة في النظام الدولي القادم.
ثانياا: الفوضى الدولية كمرحلة لإعادة التموضع الاستراتيجي: كيف تصنع الدول موقعها في النظام القادم؟
تتمثل أهمية هذه المرحلة في أن النظام الدولي لا يتشكل بعد انتهاء الفوضى فقط، بل ترُسم ملامحه الأساسية خلالها. لذلك تسعى الدول القادرة على قراءة التحولات إلى استثمار هذه اللحظة، لكن هذه الفرصة لا تكون متاحة لجميع الدول بالدرجة نفسها، فالفوضى تكافئ الدول التي تمتلك رؤية بعيدة المدى وقدرة على الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة المبادرة .
أما الدول التي تنتظر استقرار النظام الجديد قبل التحرك، فقد تجد نفسها أمام قواعد لم تشارك في صياغتها.
وتتمثل أدوات إعادة التموضع الاستراتيجي في ثلاثة مسارات رئيسية:
أو الا: إعادة تعريف المصالح الوطنية
تحتاج الدول خلال مراحل التحول إلى مراجعة أولوياتها وتحديد المجالات التي تستطيع من خلالها تعزيز تأثيرها، بدل
الاكتفاء بالحفاظ على سياسات تقليدية قد لا تتناسب مع البيئة الدولية الجديدة،وهنا يبرز التحول الهيكلي في المشهد السوري بقيادة نظام الرئيس أحمد الشرع كنموذج استثنائي لكيفية إعادة تعريف المجموعات أو الكيانات السياسية، حيث نجحت الإدارة الجديدة في الانتقال من مقاربة "الفصيل المسلح الصدامي" إلى مقاربة "الدولة والبراغماتية السياسية"، من خلال تقديم تطمينات للقوى الإقليمية والدولية، والتركيز على التموضع كشريك في مكافحة الإرهاب وحماية الاستقرار الإقليمي ،مما فتح لها نافذة للاعتراف والتعامل الدولي لم تكن متاحة في ظروف سابقة[3].
ثان ايا: بناء تحالفات أكثر مرونة
تمنح التحولات الدولية فرصة لإعادة صياغة الشراكات وفق المصالح المستقبلية، فتنويع العلاقات الخارجية يزيد قدرة الدول على المناورة ويمنحها مساحة أكبر للاستقلالية، ونذكر مثال على ذلك النموذج التركي الذي يناور بمرونة، فهو عضو في الناتو، لكنه ينسق استراتيجياً مع روسيا في مسار أستانا، وينفتح تجارياً على الصين، مما يمنحه قدرة استثنائية على التموضع الحر[4].
ثالثاا: تعزيز عناصر القوة الشاملة
لم تعد مكانة الدول تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل أصبحت مرتبطة بالاقتصاد، والتكنولوجيا، والمعرفة، والقدرة على تحويل الموارد إلى نفوذ سياسي واستراتيجي، وهنا نذكر تايوان كلاعب دولي حاسم لا بسبب جيشها، بل لأنها تحتكر إنتاج الرقائق الإلكترونية المتقدمة عالمياً عبر شركة(TSMC) ، مما جعل أمنها التكنولوجي أداة ردع عالمية تجبر القوى الكبرى على حمايتها[5].
وبذلك فإن الفوضى الدولية لا تمثل تهديداً فقط، بل اختبارًا لقدرة الدول على تحويل التحولات إلى فرصة. فالدول التي تتحرك خلال مرحلة إعادة التشكل تمتلك فرصة أكبر للمشاركة في صياغة النظام القادم، بينما قد تكتفي الدول المتأخرة بالتكيف مع نتائجه.
ثالثا: الدول العربية والتحول الدولي: فرصة تاريخية أم انتظار مكلف؟
لطالما كانت المنطقة العربية إحدى أكثر المناطق تأثرًا بتحولات النظام الدولي، نظرًا لأهميتها الجيوسياسية ،ومواردها الاستراتيجية، وموقعها الذي جعلها عبر التاريخ مجالًا للتنافس بين القوى الكبرى. إلا أن التحولات الدولية الحالية تضع الدول العربية أمام لحظة مختلفة، فالنظام العالمي الذي حكم العلاقات الدولية خلال العقود الماضية يشهد تغيرات متسارعة ،بينما تتراجع بعض قواعد المرحلة السابقة دون أن تتبلور بشكل كامل ملامح النظام القادم.
وفي مثل هذه اللحظات الانتقالية، لا يكون التحدي أمام الدول العربية فقط في كيفية التعامل مع الأزمات القائمة، بل في كيفية استثمار حالة التحول لإعادة تعريف موقعها الاستراتيجي. فالفوضى الدولية قد تمثل خطرًا إذا اكتفت الدول بإدارة تداعياتها، لكنها قد تتحول إلى فرصة إذا تم التعامل معها باعتبارها مرحلة لإعادة بناء القوة وتطوير أدوات التأثير.
وتشير التجارب التاريخية إلى أن الدول لا تحصل على مكانة أكبر في النظام الدولي الجديد لمجرد امتلاكها الموارد أو الموقع الجغرافي، وإنما من خلال قدرتها على تحويل هذه العناصر إلى نفوذ سياسي واقتصادي واستراتيجي. فالثروات الطبيعية، والأسواق، والموقع الجغرافي، لا تتحول تلقائيًا إلى قوة ما لم ترتبط برؤية واضحة لكيفية توظيفها ضمن التحولات الدولية.
ومن هنا، فإن المرحلة الحالية تفرض على الدول العربية الانتقال من منطق الاستجابة للأحداث إلى منطق صناعة الخيارات. فانتظار وضوح صورة النظام الدولي القادم قبل اتخاذ خطوات استراتيجية قد يكون مكلفًا، وعندما تستقر موازين القوة، تصبح فرص إعادة التموضع أكثر صعوبة، وتتحول الدول من شركاء محتملين في صياغة القواعد إلى أطراف تتكيف مع قواعد وضعها الآخرون، فإما أن تستثمر الدول مرحلة الفوضى الدولية لإعادة بناء موقعها
الاستراتيجي، والانتقال من موقع التبعية إلى موقع الفاعل المؤثر في النظام الدولي الجديد، أو تكتفي باستبدال مظلة نفوذ بأخرى، فتنتقل من تبعية لقوة دولية إلى تبعية لقوة أخرى، وهو الخيار الأسهل لكنه الأكثر كلفة على المدى البعيد.
وتتمثل إحدى أهم الفرص أمام الدول العربية في إعادة بناء مفهوم التحالفات والشراكات الدولية. فالتحولات الحالية تفتح المجال أمام تنويع العلاقات الخارجية، وعدم الاعتماد على مسار واحد في السياسة الدولية، بما يمنح الدول مساحة أكبر من الاستقلالية والقدرة على المناورة. فالتحالفات في النظام الدولي المتغير لا ينبغي أن تبُنى فقط على الإرث السياسي، وإنما على قراءة المصالح المستقبلية وقدرة كل طرف على تحقيق مكاسب متبادلة.
كما أن هذه المرحلة تفرض أهمية تعزيز عناصر القوة الذاتية ما يعني القدرة على بناء نظام ردع عربي، فالمكانة الدولية في النظام القادم لن تحُدد فقط بالقدرة العسكرية أو حجم الاقتصاد، بل بامتلاك أدوات متعددة تشمل التكنولوجيا، والأمن الغذائي، والطاقة، والابتكار، والقدرة على إنتاج المعرفة. فالقوة في القرن الحادي والعشرين أصبحت أكثر تعقيداً، والدول الأكثر تأثيرًا هي التي تستطيع الجمع بين مختلف هذه الأدوات وتوظيفها ضمن استراتيجية طويلة المدى.
استثمار هذه الفرصة لا يعني تجاهل التحديات التي تواجه المنطقة العربية، لكن غياب بناء مشروع عربي يحمل رؤية قوية ليس فقط خليجية على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي بل على مستوى كل دول العربية ،سيؤدي لزيادة هذه التحديات لا بل سيحمل المنطقة اقحامها وإغراقها بما ليس لها من تبعات تهدد أمنها الإقليمي، وبتالي من المهم أن تتحول الدول
العربية الى طرف يتأثرويساهم في تشكيل النظام الدولي الجديد ،فالفترات الانتقالية لا تمنح فرصًا متكررة، وقد تمر عقود قبل أن تتكرر لحظة مشابهة تسمح بإعادة تعريف المواقع والأدوار. ولهذا فإن التعامل مع المرحلة الحالية باعتبارها مجرد أزمة مؤقتة قد يؤدي إلى خسارة فرصة استراتيجية مهمة، بينما قد يفتح الاستثمار الواعي فيها المجال أمام بناء دورعربي أكثر تأثيرًا في النظام الدولي القادم.
الخاتمة
إن الخطأ الأكبر الذي قد تقع فيه الدول خلال هذه المراحل هو التعامل مع الفوضى باعتبارها أزمة مؤقتة يجب انتظار انتهائها، بينما تكشف التجارب التاريخية أن هذه الفترات هي الأكثر أهمية من حيث صناعة المستقبل. فالدول التي تدرك طبيعة المرحلة وتستثمرها في إعادة التموضع الاستراتيجي تمتلك فرصة أكبر للمشاركة في صياغة النظام القادم، ولا يعني ذلك أن الفوضى الدولية تمثل فرصة خالية من المخاطر، فهي تحمل في الوقت ذاته تحديات كبيرة قد تهدد الدول التي تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية أو القدرة على التحرك .
وفي هذا السياق، تواجه الدول العربية اختبارًا استراتيجيًا مهمًا، فمرحلة التحول الدولي الحالية قد تكون فرصة لإعادة رسم موقعها بيسدها في النظام العالمي، شرط الانتقال من سياسة التعامل مع الأزمات إلى سياسة بناء الخيارات المستقبلية .
إن النظام الدولي الجديد لن يتشكل بعد انتهاء الفوضى فقط، بل سترُسم ملامحه الأساسية داخل هذه الفوضى نفسها، فالفوضى ليست نهاية النظام، وإنما اللحظة التي تحُدد من سيشارك في كتابة قواعده الجديدة ومن سيكتفي بالتكيف مع نتائجها. وفي عالم تتغير فيه موازين القوة بسرعة، قد تكون القدرة على استثمار لحظة التحول هي العامل الفاصل بين الدول التي تصنع المستقبل والدول التي تنتظر أن يصُنع لها.
ذكرى النعامنه
مختصه في مجال التدريب والتطوير السياسي وتمكين الشباب





