ورقة موقف: "الانتخابات الإسرائيلية وإعادة تشكيل المشروع الصهيوني... حدود التغيير السياسي مقابل خيارات الأردن مع إعادة تعريف أدوات المواجهة"
مقدمة
تُعدّ الانتخابات الإسرائيلية إحدى أكثر المحطات السياسية استقطابًا للانتباه في الإقليم، ليس فقط لما تفرزه من تغييرات في تركيبة الحكومات، وإنما لما تثيره من رهانات متكررة حول إمكانية إحداث تحول في السياسات الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية. غير أن اختزال مستقبل الصراع بنتائج الانتخابات أو بشخصية رئيس الحكومة يغفل حقيقة أكثر عمقًا، تتمثل في أن إسرائيل تشهد منذ سنوات تحولًا متسارعًا في بنيتها السياسية،
والاجتماعية، والأمنية، تجاوز حدود التنافس الحزبي ليطال طبيعة المشروع الصهيوني ذاته، وأدوات إدارته، وموقعه داخل البيئة الإقليمية والدولية. تزداد أهمية هذه القراءة في ضوء التحولات التي أعقبت السابع من تشرين الأول/أكتوبر، والتي أعادت تشكيل أولويات المجتمع الإسرائيلي، ورسخت حضور التيارات القومية والدينية، وأعادت تعريف العقيدة الأمنية للدولة، بما انعكس على طبيعة الخطاب الانتخابي، وحدود التباين بين الأحزاب، ومستقبل
العلاقة مع الفلسطينيين. وفي المقابل، كشفت هذه التحولات عن تحديات موازية تواجه الساحة الفلسطينية والعربية، تتصل باستمرار الانقسام الفلسطيني، وحدود فعالية المقاربات العربية التقليدية، ومستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة، وإمكانات بناء استراتيجيات أكثر قدرة على التعامل مع المتغيرات الإقليمية المتسارعة. وتنطلق هذه الورقة من فرضية رئيسة مفادها أن الانتخابات الإسرائيلية، على أهميتها، لم تعد تمثل العامل الحاسم في
تحديد مستقبل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، بقدر ما أصبحت إحدى أدوات إدارة مشروع سياسي واستراتيجي أكثر رسوخًا واستمرارية من الحكومات والأشخاص. ومن ثم، تسعى الورقة إلى تحليل التحولات العميقة التي يشهدها الداخل الإسرائيلي، وقراءة انعكاساتها على القضية الفلسطينية، واستشراف الخيارات المتاحة أمام الفلسطينيين والأردن والعالم العربي في ظل بيئة إقليمية تشهد إعادة تشكيل مستمرة لموازين القوة وأدوات الصراع.
الفصل الأول: المشهد الانتخابي الإسرائيلي مقابل الأزمات العميقة داخل الساحة الفلسطينية
لا يمكن مقاربة الانتخابات الإسرائيلية بمعزل عن البيئة الإقليمية والدولية التي تتشكل في محيطها، إذ تتداخل مع مجموعة من المتغيرات السياسية والاستراتيجية التي تعيد رسم موازين القوى في المنطقة. فالتطورات تتقاطع مع استحقاقات انتخابية فلسطينية وأميركية، إلى جانب تحركات إقليمية متسارعة تشمل إعادة بناء التحالفات الأمنية، وإعادة تموضع القوى الفاعلة في عدد من الساحات العربية، بما يجعل الانتخابات الإسرائيلية جزءًا من مشهد جيوسياسي أوسع، لا حدثًا سياسيًا منفصلًا.
وفي هذا السياق، برزت الانتخابات الإسرائيلية بوصفها محطة مؤثرة في مستقبل السياسات الإسرائيلية تجاه الأراضي الفلسطينية، وإن لم تُعدَّ العامل الوحيد المحدد لمسار الصراع. فالفارق بين بقاء بنيامين نتنياهو وخروجه من المشهد السياسي يمتد إلى طبيعة الأدوات المستخدمة في إدارة المشروع الإسرائيلي. إذ يُنظر إلى استمرار نتنياهو باعتباره تكريسًا لنهج أكثر تشددًا، يقوم على توسيع الاستيطان، وتعزيز نفوذ التيار الديني القومي المتطرف، وإعادة إنتاج التحالفات السياسية التي مكّنته من الهيمنة على الحياة السياسية الإسرائيلية طوال السنوات الماضية.
وربطت الطروحات هذا المسار بمحاولات نتنياهو إعادة صياغة البنية السياسية الإسرائيلية بما يضمن استدامة نفوذه حتى في حال تراجع حضوره الانتخابي، من خلال إعادة تشكيل مراكز القوة داخل حزب الليكود، وإقصاء الشخصيات العسكرية والأمنية التي برزت بعد أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر، بما يعكس انتقال مركز الثقل من المؤسسة الأمنية إلى القيادة السياسية، في إطار استراتيجية تستهدف الحفاظ على النفوذ السياسي وتفادي الملاحقات القضائية المرتبطة بقضايا الفساد التي ما تزال تلاحقه.
وفي المقابل، اعتُبر احتمال صعود تحالفات سياسية منافسة فرصة لإحداث تغيير في أسلوب إدارة الصراع، دون أن يعني ذلك تحولًا جذريًا في الثوابت الاستراتيجية للدولة الإسرائيلية. فالتقديرات المطروحة تشير إلى أن البدائل السياسية، وإن اختلفت في أدواتها وخطابها، لا تتخلى عن المرتكزات الأساسية للمشروع الإسرائيلي، وإنما قد تعتمد مقاربات أقل صدامية وأكثر قابلية للتسويق دوليًا، بما يحافظ على الأهداف ذاتها بوسائل مختلفة.
كما تناولت النقاشات طبيعة العلاقة التي سادت خلال السنوات الماضية بين حكومة نتنياهو وحركة حماس، من خلال توصيفها بوصفها نمطًا من "التعايش الوظيفي" الذي أتاح لكل طرف تحقيق مكاسب سياسية تخدم أجندته الخاصة. فوفق هذا التصور، أسهمت حالة الانقسام الفلسطيني واستمرار سيطرة حماس على قطاع غزة في تعزيز الخطاب الأمني الذي استفاد منه نتنياهو انتخابيًا، بينما وجدت الحركة في استمرار هذا الواقع ما يحدّ من فرص تقدم مسار التسوية السياسية مع السلطة الفلسطينية. إلا أن أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر مثّلت، وفق الطرح، نقطة انهيار لهذا النمط من العلاقة، ودفعت إلى إعادة صياغة أولويات السياسة الإسرائيلية بصورة مختلفة.
وفي السياق ذاته، أثيرت إشكالية التمثيل السياسي للعرب داخل إسرائيل، في ظل الانقسامات التي تشهدها الأحزاب العربية، وما نتج عنها من تراجع القدرة على تشكيل كتلة انتخابية مؤثرة في معادلات تشكيل الحكومات. كما أُشير إلى أن الانقسامات الفكرية والتنظيمية بين مكونات التيار العربي، إلى جانب تباين المواقف من المشاركة السياسية والتحالفات الممكنة، أسهمت في إضعاف الوزن التفاوضي للقوائم العربية، وجعلتها أقل قدرة على التأثير في مخرجات العملية السياسية الإسرائيلية.
ولم يقتصر التحليل على المشهد الإسرائيلي الداخلي، إذ امتد إلى انعكاسات الانقسام الفلسطيني المستمر، سواء داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة أو بين القوى السياسية الفلسطينية، بوصفه أحد العوامل التي تؤثر بصورة مباشرة في البيئة الانتخابية الإسرائيلية، وفي قدرة الفلسطينيين على توحيد موقف سياسي قادر على مواجهة التحولات الجارية. كما طُرحت تساؤلات حول أثر غياب الانتخابات الفلسطينية واستمرار الانقسام المؤسسي والتنسيق الأمني على مستقبل القضية الفلسطينية، وعلى توازنات المشهد السياسي في الداخل الإسرائيلي.
وفي المحصلة، تبرز الانتخابات الإسرائيلية باعتبارها متغيرًا مؤثرًا في إدارة الصراع، لكنها ليست العامل الحاسم في تحديد مستقبله؛ إذ إن نتائجها تتفاعل مع منظومة أوسع من التحولات الإقليمية والدولية، ومع الأزمات العميقة داخل الساحة الفلسطينية، بما يجعل مستقبل المنطقة رهينًا بتشابك هذه المسارات أكثر من ارتباطه بنتائج صندوق الاقتراع وحدها.
الفصل الثاني: التحولات العميقة في البيئة السياسية والأمنية الإسرائيلية بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر وانعكاساتها على معادلات الصراع
توسعت قراءة الانتخابات الإسرائيلية لتشمل جملة من التحولات العميقة التي أعادت تشكيل البيئة السياسية والأمنية في إسرائيل عقب أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر، بوصفها حدثًا مفصليًا تجاوز آثاره حدود المواجهة العسكرية المباشرة، ليمتد إلى إعادة تعريف أولويات الدولة الإسرائيلية، وإعادة صياغة طبيعة المجتمع الإسرائيلي، وتعديل أنماط التعاطي مع الصراع الفلسطيني -الإسرائيلي، فضلًا عن انعكاساته على البيئة الإقليمية المحيطة.
وفي هذا السياق، أثيرت تساؤلات حول انعكاسات استمرار الانقسام الفلسطيني وغياب العملية الانتخابية الفلسطينية على المشهد الإسرائيلي، ومدى تأثير غياب الفاعل الفلسطيني الموحد في تعزيز قدرة الحكومات الإسرائيلية على المضي في سياساتها تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة. وانطلقت هذه الطروحات من فرضية مفادها أن استمرار حالة التعطل السياسي الفلسطيني سينعكس بصورة مباشرة على البيئة الانتخابية الإسرائيلية، من خلال إضعاف قدرة الفلسطينيين على إنتاج رؤية سياسية موحدة قادرة على التأثير في مسار الصراع أو الحد من السياسات الإسرائيلية الرامية إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، وفي مقدمتها مشاريع الضم والتوسع الاستيطاني.
وبالتوازي مع ذلك، برز نقاش واسع حول طبيعة التحول الذي شهده المجتمع الإسرائيلي بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وما إذا كانت تلك الأحداث قد دفعت المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين بصورة غير مسبوقة، أم أنها سرّعت مسارًا كان قائمًا بالفعل قبل ذلك التاريخ. وفي هذا الإطار، اتجهت التقديرات إلى أن المجتمع الإسرائيلي كان يشهد منذ سنوات عملية انتقال تدريجي نحو التيارات القومية والدينية الأكثر تشددًا، إلا أن التطورات الأمنية الأخيرة أسهمت في تسريع هذا المسار، وتعزيز حضوره داخل المجالين السياسي والاجتماعي، بما انعكس على الخطاب العام وعلى أولويات الناخب الإسرائيلي، وأدى إلى تراجع حضور التيارات التي كانت تُصنف سابقًا ضمن معسكر اليسار أو الوسط، لتتبنى بدورها مواقف أكثر تشددًا في القضايا الأمنية، الأمر الذي أفضى إلى تضييق الفوارق الأيديولوجية بين مكونات الطيف السياسي الإسرائيلي في كل ما يتصل بإدارة الصراع مع الفلسطينيين.
وانطلاقًا من ذلك، تناولت النقاشات التحول الذي طرأ على العقيدة الأمنية الإسرائيلية، حيث جرى تأكيد انتقال إسرائيل تدريجيًا من تبني سياسة الردع بوصفها الإطار الناظم لعلاقاتها مع محيطها الإقليمي، إلى تبني مقاربة تقوم على مفهوم الحسم العسكري المباشر، سواء في تعاملها مع الفاعلين من غير الدول، أو مع القوى الإقليمية المناوئة. وارتبط هذا التحول بقناعة متنامية داخل المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية بأن سياسة الردع لم تعد كافية لضمان الأمن القومي، الأمر الذي دفع باتجاه تبني استراتيجيات أكثر هجومية تستهدف إنهاء مصادر التهديد بدل الاكتفاء باحتوائها.
وربطت المناقشات بين هذا التحول وبين ما قد يترتب عليه من تداعيات استراتيجية بعيدة المدى، سواء على صورة إسرائيل في البيئة الدولية، أو على طبيعة علاقاتها مع الدول العربية والإقليمية، في ضوء احتمالات تصاعد سياسات القوة الخشنة، وما قد تفضي إليه من إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، ورفع مستويات التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة.
وفي سياق متصل، أثيرت إشكالية مستقبل بنيامين نتنياهو في حال خروجه من المشهد السياسي، حيث طُرحت فرضية مفادها أن خسارته المحتملة قد توفر للدولة الإسرائيلية فرصة لإعادة إنتاج صورتها الخارجية، عبر تحميله المسؤولية السياسية والأخلاقية عن الحرب وما رافقها من مجازر وانتهاكات وعزلة دولية متزايدة، بما يسمح للمؤسسة الإسرائيلية بتقديم نفسها أمام المجتمع الدولي باعتبارها دخلت مرحلة سياسية جديدة منفصلة عن إرث المرحلة السابقة، دون أن ينعكس ذلك بالضرورة على الثوابت الاستراتيجية التي تحكم سياساتها تجاه القضية الفلسطينية.
وفي المقابل، امتد النقاش على الداخل الإسرائيلي، إلى التطورات المتسارعة في الضفة الغربية، في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين واتساع نطاق العمليات العسكرية الإسرائيلية، وما رافق ذلك من عمليات حرق للمنازل، وتهجير للفلسطينيين، وتكثيف الضغوط الأمنية على مختلف المناطق الفلسطينية. وفي هذا الإطار، طُرحت تساؤلات حول ما إذا كانت هذه السياسات مرشحة لإحداث انفجار واسع في الضفة الغربية، أم أنها تمثل جزءًا من استراتيجية طويلة الأمد تستهدف دفع الفلسطينيين نحو الهجرة التدريجية وإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي في الأراضي المحتلة.
كما تناولت المداخلات أثر هذه التطورات على الأردن، باعتباره الطرف الأكثر تأثرًا بالتحولات الجارية في الضفة الغربية، سواء من الناحية الأمنية أو السياسية أو الديمغرافية، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وتصاعد النشاط الاستيطاني، الأمر الذي يفرض تحديات متزايدة على صانع القرار الأردني، ويعيد طرح التساؤلات المتعلقة بحدود الخيارات المتاحة لمواجهة التحولات المتسارعة، ومدى قدرة الأردن على توظيف أدواته السياسية والدبلوماسية والإقليمية للحفاظ على مصالحه الوطنية في بيئة إقليمية تتجه نحو مزيد من التعقيد.
وفي امتداد لهذا الطرح، برزت إشكالية التحولات العميقة التي شهدها المجتمع الإسرائيلي عقب السابع من تشرين الأول/أكتوبر، حيث اعتُبر أن تلك الأحداث أسهمت في إعادة تشكيل هوية الدولة ذاتها، عبر تكريس مفهوم "الدولة الأمنية" باعتباره الإطار المرجعي الحاكم لصناعة القرار الإسرائيلي. ووفق هذا التصور، أصبح الأمن يمثل المحدد الأعلى في صياغة السياسات العامة، بما انعكس على مجمل القضايا المرتبطة بالصراع، وفي مقدمتها الحفاظ على التفوق العسكري النوعي، ورفض أي ترتيبات قد تُفضي إلى قيام كيان فلسطيني مستقل، وتعزيز السيطرة على الضفة الغربية، وإعادة تعريف مكانة القدس والمسجد الأقصى ضمن المنظور الأمني والأيديولوجي للدولة الإسرائيلية، بما يعكس تعمق النزعات الدينية والقومية داخل البنية الفكرية والسياسية الإسرائيلية، وانتقال الصراع من مجرد إدارة للأزمة إلى إعادة تعريف شاملة لطبيعته وأهدافه، سواء في مواجهة الفلسطينيين أو في إطار العلاقة مع البيئة العربية والإقليمية المحيطة.
الفصل الثالث: خيارات الأردن وإشكاليات التفاعل مع التحولات الإسرائيلية بين إعادة تعريف أدوات المواجهة واستمرار التحولات العميقة في الصراع
في امتداد للنقاش المتعلق بالتحولات التي يشهدها الداخل الإسرائيلي، اتجهت المقاربات إلى مناقشة البيئة الإقليمية المحيطة، ولا سيما الموقف الأردني، بوصفه أحد أكثر الأطراف تأثرًا بالسياسات الإسرائيلية المتسارعة في الضفة الغربية والقدس. وانطلقت هذه الطروحات من فرضية مفادها أن الأردن اعتمد خلال العقود الماضية مقاربة قائمة على إدارة المخاطر واحتواء التداعيات الناجمة عن التحولات الإسرائيلية، إلا أن التطورات التي أعقبت السابع من تشرين الأول/أكتوبر أعادت طرح تساؤلات جوهرية حول مدى كفاية هذه المقاربة في التعامل مع مرحلة تتسم بتغيرات حازمة تتجاوز حدود الأزمات الظرفية، وتتجه نحو إعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية في الإقليم بصورة أكثر تعقيدًا.
وفي هذا السياق، طُرحت تساؤلات حول الخيارات الفعلية المتاحة أمام الأردن في مواجهة هذا الواقع المتغير، وما إذا كانت الأدوات التقليدية ما تزال قادرة على تحقيق أهدافها في ظل انتقال إسرائيل إلى سياسات أكثر حسمًا وأقل قابلية للضبط والاحتواء. كما برز نقاش حول عناصر القوة التي يمكن للأردن البناء عليها، سواء من خلال توسيع شبكة تحالفاته الإقليمية والدولية، أو عبر توظيف مكانته السياسية والدبلوماسية في الدفاع عن القضية الفلسطينية، بما يحد من التداعيات التي قد تفرضها مشاريع الضم والتوسع الاستيطاني على الأمن الوطني الأردني.
وفي موازاة ذلك، أثيرت فرضيات تتعلق بالمرتكزات التي تستند إليها السياسة الأردنية في إدارة علاقتها مع إسرائيل، غير أن هذه الطروحات اقترنت بتساؤلات أكثر عمقًا حول حدود فاعلية هذه الأدوات، ومدى قدرتها على توفير ضمانات حقيقية في ظل التحولات التي تشهدها العقيدة الأمنية الإسرائيلية، الأمر الذي يفتح المجال أمام مراجعة شاملة للأدوات السياسية والاستراتيجية التي تحكم إدارة العلاقة مع إسرائيل في المرحلة المقبلة.
وفي المقابل، تناولت المداخلات الرهان المتكرر على صمود الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة باعتباره أحد محددات الأمن الوطني الأردني، إلا أنها أشارت إلى أن استمرار تحميل الفلسطينيين وحدهم أعباء المواجهة لا يمثل مقاربة قابلة للاستدامة، في ظل الضغوط السياسية، والأمنية، والاقتصادية، والإنسانية التي يتعرضون لها بصورة متزايدة. وانطلاقًا من ذلك، برز اتجاه يدعو إلى الانتقال من سياسة رد الفعل وإدارة الأزمات إلى بناء استراتيجية أكثر شمولًا، تستند إلى تكامل الأدوات السياسية، والدبلوماسية، والإعلامية، بما يعزز القدرة على التعامل مع التحولات الإسرائيلية المتسارعة بصورة أكثر فاعلية.
وفي سياق متصل، بحثت المقاربات التحولات التي طرأت على البيئة السياسية في الولايات المتحدة، ولا سيما ما يتعلق بتراجع التأثير التقليدي للوبي الإسرائيلي مقارنة بمراحل سابقة، في ضوء تصاعد الانتقادات الدولية للسياسات الإسرائيلية، واتساع مساحة الجدل داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأميركية. وفي هذا الإطار، لم يقتصر النقاش على توصيف هذا التراجع، وإنما امتد إلى البحث في الكيفية التي يمكن من خلالها توظيفه فلسطينيًا وأردنيًا، سواء عبر إعادة بناء الخطاب السياسي والإعلامي، أو من خلال تنشيط أدوات الضغط داخل المؤسسات الأميركية، بما يسمح بإحداث توازن أكبر في الرواية المتعلقة بالصراع، ويحد من احتكار إسرائيل لمساحات التأثير داخل دوائر صنع القرار.
وبموازاة ذلك، تطرقت المقاربات إلى المشروع الاستيطاني، مع التأكيد على ضرورة مقاربته باعتباره أحد الأعمدة المركزية للمشروع الإسرائيلي، وليس مجرد ملف يرتبط بتحسين الخدمات أو الاعتبارات الاقتصادية داخل المستوطنات. وفي هذا السياق، أُثيرت ملاحظات نقدية تجاه الطروحات التي تناولت الاستيطان من زاوية خدمية أو تنموية، باعتبار أن هذا المنظور يغفل الأبعاد السياسية والأمنية للاستيطان، بوصفه أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية، وترسيخ سياسات الضم، وفرض وقائع ديمغرافية تحول دون قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. وعليه، اعتُبر أن قراءة الاستيطان بوصفه مشروعًا استراتيجيًا أكثر انسجامًا مع طبيعته الحقيقية من اختزاله في اعتبارات اقتصادية أو إدارية.
وفي امتداد لهذا الطرح، تناولت المناقشات انعكاسات المواجهة الإيرانية–الإسرائيلية على مستقبل القضية الفلسطينية، وعلى التحولات الجارية داخل إسرائيل والولايات المتحدة. فقد طُرحت تساؤلات حول مدى تأثير هذه المواجهة في إعادة ترتيب أولويات المؤسسة الإسرائيلية، وفي إعادة توجيه الاهتمام الأميركي نحو الملفات الأمنية الإقليمية على حساب القضية الفلسطينية، فضلًا عن تأثيرها في المزاج العام داخل المجتمع الإسرائيلي، وفي طبيعة الخطاب السياسي الذي بات يمنح الاعتبارات الأمنية أولوية متقدمة على حساب أي مقاربات سياسية أو تفاوضية.
وفي السياق ذاته، عادت المناقشات إلى مفهوم "التعايش الوظيفي" الذي تناول العلاقة بين إسرائيل وحركة حماس خلال السنوات الماضية، غير أنها وسعت دائرة النقاش لتشمل أداء السلطة الفلسطينية أيضًا. فقد طُرحت تساؤلات حول مدى نجاح خيار التنسيق الأمني في الحد من الاعتداءات الإسرائيلية في الضفة الغربية، في ظل استمرار عمليات الاقتحام والاستيطان والتهجير، الأمر الذي أفضى إلى طرح تساؤل أكثر جوهرية يتعلق بما إذا كانت طبيعة السلوك الإسرائيلي ترتبط فعلًا بطبيعة الشريك الفلسطيني، أم أنها تستند إلى محددات استراتيجية ثابتة لا تتغير بتغير الحكومات الفلسطينية أو أشكال العلاقة معها. ووفق هذا الطرح، فإن استمرار السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، رغم اختلاف أنماط العلاقة مع الأطراف الفلسطينية، يشير إلى أن جوهر السياسة الإسرائيلية يتجاوز الاعتبارات المرتبطة بالتنسيق أو المواجهة، ويرتبط في المقام الأول بالأهداف البنيوية للمشروع الإسرائيلي ذاته.
وفي موازاة ذلك، نوقش ما يُعرف بسياسة "الهجرة الناعمة"، بوصفها أحد المسارات التي أثيرت خلال المرحلة الأخيرة، من خلال الإشارة إلى التسهيلات المرتبطة باستخدام مطار رامون، وإلى إنشاء أطر إدارية داخل المؤسسة الإسرائيلية تُعنى بملف الهجرة، وما إذا كانت هذه الإجراءات ما تزال تمثل جزءًا من سياسة إسرائيلية تستهدف تشجيع الفلسطينيين على المغادرة بصورة تدريجية، أم أنها فقدت فاعليتها في ضوء المتغيرات الأمنية الأخيرة. ولم تحسم المناقشات هذه الفرضية، إلا أنها أكدت أن إثارة هذا الملف تعكس تنامي المخاوف من توظيف الأدوات الإدارية والأمنية والديمغرافية لإحداث تغييرات طويلة الأمد في البنية السكانية الفلسطينية.
وتأسيسًا على ما تقدم، برزت قراءة تربط مجمل هذه السياسات بالإطار الفكري الذي تتبناه قطاعات واسعة من اليمين الإسرائيلي، والقائم على ترسيخ مشروع "إسرائيل الكبرى"، باعتباره المرجعية التي تفسر استمرار رفض قيام الدولة الفلسطينية، وتوسيع النشاط الاستيطاني، وفرض السيطرة على الضفة الغربية، بصرف النظر عن طبيعة الطرف الفلسطيني أو شكل العلاقة معه. ووفق هذا التصور، فإن استمرار الاستيطان، ورفض الانسحاب من الأراضي المحتلة، والتشدد في قضايا الحدود والقدس، لا يمثل استجابة لاعتبارات أمنية ظرفية فحسب، وإنما يعكس رؤية أيديولوجية متجذرة تسعى إلى إعادة تشكيل المجال الجغرافي والسياسي بما يتوافق مع أهداف المشروع الإسرائيلي بعيدة المدى.
وفي المحصلة، تكشف مجمل هذه المقاربات أن التحولات التي يشهدها المشهد الإسرائيلي تجاوزت حدود التنافس الانتخابي أو تبدل الحكومات، لتؤشر إلى إعادة تشكيل عميقة للعقيدة السياسية والأمنية الإسرائيلية، تقوم على تعظيم الاعتبارات الأمنية، وترسيخ نفوذ التيارات القومية والدينية، وإعادة تعريف أدوات إدارة الصراع مع الفلسطينيين والإقليم. وفي المقابل، تبرز الحاجة إلى مراجعة فلسطينية وأردنية شاملة تستند إلى قراءة استراتيجية لهذه التحولات، وتعيد بناء أدوات الفعل السياسي والدبلوماسي والإعلامي، بما يواكب البيئة الإقليمية الجديدة، ويحول دون تحول الوقائع التي تفرضها إسرائيل إلى حقائق دائمة يصعب تغييرها في المستقبل.
الفصل الرابع: مستقبل المشروع الصهيوني بين مركزية التحولات البنيوية وحدود تأثير التغيير الانتخابي
انصرف الحديث في هذا المحور إلى مناقشة حدود تأثير الانتخابات الإسرائيلية في مستقبل المشروع الصهيوني، وما إذا كان التغيير المحتمل في قيادة الحكومة يمكن أن ينعكس على جوهر السياسات الإسرائيلية، أم أن المتغيرات العميقة التي يشهدها المجتمع الإسرائيلي باتت أكثر تأثيرًا من نتائج العملية الانتخابية نفسها. وانطلقت هذه الطروحات من قراءة تعتبر أن التحولات التي أعقبت السابع من تشرين الأول/أكتوبر لم تقتصر على إعادة ترتيب الأولويات السياسية، وإنما أعادت تشكيل الوعي الجمعي الإسرائيلي، ورسخت حضور الاعتبارات الأمنية والقومية باعتبارها المحدد الرئيس للسلوك الانتخابي وصناعة القرار.
وفي هذا السياق، أُشير إلى أن الخطاب الانتخابي الإسرائيلي شهد تراجعًا ملحوظًا في حضور القضايا الاقتصادية والاجتماعية، مقابل تصاعد غير مسبوق للخطاب الأمني والقومي، سواء في مواقف بنيامين نتنياهو أو لدى شركائه في الائتلاف الحكومي، ولا سيما ممثلي التيار الديني القومي. ووفق هذا التصور، لم تعد الانتخابات تُدار على أساس البرامج الاقتصادية أو السياسات الاجتماعية، وإنما باتت تتمحور حول مفاهيم الأمن، والهوية، وإدارة الحرب، الأمر الذي يعكس انتقال الأولويات داخل المجتمع الإسرائيلي من معالجة القضايا الداخلية إلى التعامل مع ما يُنظر إليه باعتباره تهديدًا وجوديًا.
وربطت المداخلات هذا التحول بالسياق النفسي والاجتماعي الذي يرافق المجتمعات المنخرطة في الحروب، حيث اعتُبر أن تصاعد النزعة القومية والتشدد الأمني يمثل استجابة طبيعية للشعور بالخطر، بما يدفع قطاعات واسعة من الرأي العام إلى الالتفاف حول القوى السياسية التي تقدم نفسها بوصفها الأكثر قدرة على حماية الدولة وإدارة الصراع. وفي المقابل، تتراجع فرص القوى التي تتبنى مقاربات أكثر اعتدالًا أو تميل إلى تقديم حلول سياسية، باعتبارها أقل قدرة على تلبية متطلبات الأمن في أوقات الأزمات، وهو ما يفسر الميل المتزايد نحو الأحزاب اليمينية والدينية خلال المرحلة الراهنة.
وفي امتداد لهذا الطرح، أثير نقاش حول شخصية بنيامين نتنياهو ودوره في الحياة السياسية الإسرائيلية، حيث طُرحت وجهات نظر متباينة بشأن إرثه السياسي. فمن جهة، أشارت بعض المداخلات إلى أن نتنياهو نجح خلال سنوات حكمه في ترسيخ مكانة إسرائيل إقليميًا ودوليًا، وإدارة الدولة بصورة مكّنته من الحفاظ على حضوره السياسي لفترة طويلة، بما جعله أحد أكثر رؤساء الحكومات تأثيرًا في التاريخ الإسرائيلي الحديث. ومن جهة أخرى، برزت قراءة مغايرة اعتبرت أن نتنياهو يمثل نموذجًا للأزمة الأخلاقية والسياسية داخل النظام الإسرائيلي، وأن مسيرته ارتبطت بالفساد، والاستقطاب الداخلي، وتغليب الاعتبارات الشخصية على المصالح العامة، الأمر الذي سيجعل تقييمه التاريخي محل جدل حتى داخل المجتمع الإسرائيلي.
وفي السياق ذاته، جرى الربط بين مستقبل نتنياهو ومستقبل القضية الفلسطينية، حيث اعتُبر أن استمرار بقائه في السلطة من شأنه تعميق الأزمات الإنسانية والسياسية في الأراضي الفلسطينية، في ضوء السياسات التي انتهجتها حكوماته المتعاقبة تجاه الضفة الغربية وقطاع غزة. وانطلقت هذه الرؤية من فرضية مفادها أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى توسيع نطاق المواجهة، وتعزيز السياسات القائمة على القوة العسكرية والاستيطان، بما يفاقم من تعقيدات المشهد الإقليمي ويحد من فرص العودة إلى أي مسار سياسي في المستقبل المنظور.
وفي مقابل التركيز على دور نتنياهو، اتجهت المداولات إلى التشكيك في فرضية أن خروجه من المشهد السياسي سيؤدي تلقائيًا إلى تغيير السياسات الإسرائيلية، حيث جرى التأكيد على أن المشروع الصهيوني يتجاوز الأشخاص والأحزاب، ويستند إلى رؤية استراتيجية ممتدة يجري تنفيذها بصورة تراكمية عبر الحكومات المتعاقبة، بصرف النظر عن الاختلافات الحزبية أو الشخصية بين قادتها. واستند هذا الطرح إلى قراءة تاريخية تعتبر أن أهداف المشروع الصهيوني نُفذت على مراحل متعاقبة، وأن كل حكومة أسهمت في استكمال ما بدأته الحكومات السابقة، بما يجعل التنافس الانتخابي يدور في إطار إدارة المشروع لا في إطار إعادة تعريفه.
وفي هذا الإطار، استُحضرت قراءات تاريخية للمشروع الصهيوني، أشارت إلى أن النقاشات الفكرية داخل إسرائيل، بما في ذلك تلك التي تبناها بعض المؤرخين والباحثين الإسرائيليين، لم تنفِ وجود مسار استهدف توسيع السيطرة على الأرض وإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والجغرافي. وانطلاقًا من ذلك، اعتُبر أن ما تشهده الضفة الغربية وقطاع غزة في المرحلة الراهنة لا يمثل تحولًا استثنائيًا، بقدر ما يعكس استمرارًا لمسار طويل يقوم على فرض وقائع جديدة بصورة تدريجية، بما يخدم الأهداف الاستراتيجية للمشروع الإسرائيلي.
وتناول النقاش كذلك الواقع الميداني في الضفة الغربية، حيث جرى توصيفه باعتباره يعكس توسعًا متواصلًا في المشروع الاستيطاني، سواء من خلال ازدياد أعداد المستوطنات والبؤر الاستيطانية، أو عبر اتساع رقعة السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية. ووفق هذا التصور، بات المشهد الجغرافي في الضفة الغربية يشهد درجة عالية من التشظي، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على فرص إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا، ويجعل الوقائع الميدانية أكثر تأثيرًا من الطروحات السياسية المتعلقة بالتسوية.
وفي موازاة ذلك، ناقشت المداولات مواقف الشخصيات والقيادات السياسية والعسكرية التي تُطرح بوصفها بدائل محتملة لنتنياهو، حيث أُشير إلى أن عددًا من هذه الشخصيات، بما في ذلك بعض القيادات المحسوبة على التيار الوسطي، أعلنت بصورة صريحة أو ضمنية رفضها لفكرة إقامة الدولة الفلسطينية، أو تبنت مواقف لا تختلف جوهريًا عن مواقف اليمين في القضايا المرتبطة بالأمن والحدود والسيادة. كما لوحظ أن هذه الشخصيات تتجنب تبني مواقف قد تؤدي إلى خسارة القاعدة الانتخابية اليهودية، الأمر الذي يعكس حجم التحول الذي شهده المزاج العام داخل المجتمع الإسرائيلي، ويشير إلى أن هامش الاختلاف بين الأحزاب بات يتركز في أساليب إدارة الصراع أكثر من تمركزه في أهدافه النهائية.
وتأسيسًا على ذلك، خلصت المقاربات إلى أن المجتمع الإسرائيلي لا يُظهر في المرحلة الراهنة ديناميكيات سياسية واجتماعية تسمح بتشكيل ائتلاف واسع يتبنى مشروع سلام يقوم على الحد الأدنى المقبول فلسطينياً، حتى وفق الطروحات التي تستند إلى حل الدولتين. فالتوازنات الحزبية، والتحولات الفكرية، وتصاعد نفوذ التيارات القومية والدينية، جميعها أسهمت في تقليص المساحة السياسية المتاحة أمام القوى المؤيدة للتسوية، بما يجعل أي حكومة إسرائيلية مقبلة، مهما اختلفت تركيبتها، مقيدة بسقف سياسي يرفض تقديم تنازلات جوهرية في القضايا المرتبطة بالدولة الفلسطينية، والقدس، والاستيطان.
وفي المحصلة، تكشف هذه القراءة أن مستقبل الصراع لا يتحدد بشخص بنيامين نتنياهو أو بنتائج الانتخابات الإسرائيلية فحسب، وإنما تحكمه تحولات أعمق تتصل بطبيعة المجتمع الإسرائيلي، وبالعقيدة السياسية والأمنية التي باتت تؤطر سلوك الأحزاب والناخبين على حد سواء. ومن ثم، فإن الرهان على التغيير الحكومي باعتباره مدخلًا لإحداث تحول جوهري في السياسات الإسرائيلية يظل محدود الجدوى، ما لم يقترن بتحولات داخلية تعيد تشكيل التوازنات الفكرية والسياسية في إسرائيل، وهو ما لا تشير إليه المؤشرات الراهنة، التي توحي باستمرار المشروع الصهيوني في التقدم عبر مسارات متراكمة، وإن اختلفت الأدوات والوجوه التي تتولى إدارته.
الفصل الخامس: آفاق المواجهة وإعادة بناء المقاربة العربية في ظل التحولات الإسرائيلية وحدود الرهان على المتغير الانتخابي
اتجهت المقاربات من توصيف المشهد الإسرائيلي إلى استشراف آفاق التعامل معه، من خلال إعادة تقييم الفرضيات التي حكمت مقاربة الصراع خلال العقود الماضية، سواء فيما يتعلق بطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة، أو بآليات دعم الفلسطينيين، أو بحدود الرهان على نتائج الانتخابات الإسرائيلية. وانطلقت هذه الطروحات من فرضية أساسية مفادها أن جوهر الإشكالية لم يعد يكمن في الداخل الإسرائيلي وحده، وإنما في البيئة الإقليمية والدولية التي تسمح باستمرار السياسات الإسرائيلية، وتوفر لها مظلة سياسية واستراتيجية تحول دون تعرضها لضغوط حقيقية تدفعها إلى مراجعة سياساتها.
وفي هذا السياق، برزت قراءة نقدية لطبيعة المقاربة العربية تجاه الولايات المتحدة، حيث اعتُبر أن العواصم العربية تتعامل مع واشنطن من خلال أولويات متباينة ومقاربات متناقضة، الأمر الذي أضعف قدرتها على التأثير في صناعة القرار الأميركي، وحال دون تشكيل موقف عربي موحد قادر على إعادة صياغة طبيعة العلاقة مع الإدارة الأميركية. ووفق هذا التصور، فإن استمرار التعامل مع الولايات المتحدة بصورة فردية يمنحها هامشًا أوسع للحفاظ على سياساتها التقليدية تجاه إسرائيل، في ظل غياب ضغوط جماعية تدفعها إلى إعادة النظر في مواقفها. ومن ثم، طُرحت فرضية مفادها أن أي تحول في السياسة الأميركية يظل مرهونًا بقدرة الدول العربية على الانتقال من إدارة علاقاتها مع واشنطن بصورة منفردة إلى تبني مقاربة جماعية تستند إلى توحيد الأولويات، وربط الشراكات السياسية والاقتصادية والأمنية بمواقف أكثر توازنًا تجاه القضية الفلسطينية.
وبالتوازي مع ذلك، نوّهت المقاربات إلى أن الرهان على صمود الفلسطينيين، رغم أهميته، لا يمكن أن يشكل استراتيجية قائمة بذاتها، إذ إن استمرار بقاء الفلسطينيين على أرضهم يتطلب الانتقال من خطاب الإشادة بالصمود إلى بناء منظومة عربية فاعلة لتمكينهم اقتصاديًا وسياسيًا ومؤسسيًا. وفي هذا الإطار، اعتُبر أن ما أظهره الفلسطينيون، ولا سيما في قطاع غزة، من قدرة استثنائية على الصمود في مواجهة الحرب والدمار، يمثل عنصرًا جوهريًا في معادلة الصراع، إلا أن استدامة هذا الصمود تبقى مرتبطة بتوفير بيئة عربية داعمة، قادرة على تعزيز مقومات البقاء، وتخفيف الأعباء الاقتصادية والإنسانية، بما يحول دون تحول الصمود إلى عبء يفوق قدرة المجتمع الفلسطيني على احتماله.
وفي سياق متصل، توقفت المقاربات عند إحدى النتائج التي أفرزتها الحرب، والمتمثلة في اتساع الفجوة بين امتلاك القوة العسكرية والقدرة على تحقيق مكاسب سياسية. فقد أشارت النقاشات إلى أن إسرائيل والولايات المتحدة تمتلكان قدرات عسكرية وتدميرية فائقة، إلا أن توظيف هذه القوة لم ينجح، حتى الآن، في ترجمة الإنجازات العسكرية إلى نتائج سياسية حاسمة، سواء في قطاع غزة، أو في لبنان، أو في المواجهة مع إيران. وانطلاقًا من ذلك، إذ إن الاستخدام المتكرر للقوة العسكرية يخضع في نهاية المطاف يخضع لمنطق تناقص العائد الاستراتيجي، بحيث تتراجع قدرة القوة على إنتاج مكاسب سياسية كلما استُنفدت أدواتها، دون تحقيق أهدافها الأساسية.
وتأسيسًا على هذه القراءة، برز اتجاه يدعو إلى إعادة النظر في التصورات التي تنطلق من افتراض أن الولايات المتحدة أو إسرائيل تمثلان قدرًا سياسيًا لا يمكن تغييره، حيث أشارت النقاشات إلى أن موازين القوى، رغم اختلالها، لا تلغي إمكانية بناء أدوات مواجهة جديدة، تقوم على الصبر الاستراتيجي، والعمل التراكمي، وإعادة بناء عناصر القوة السياسية والدبلوماسية والإعلامية. كما شددت على أن بلورة هذه المقاربات تستوجب فتح نقاش عربي وفلسطيني أكثر عمقًا، بعيدًا عن منطق التخوين أو الإقصاء، وبما يسمح بتبادل الرؤى المختلفة في إطار حوار يستند إلى البحث عن أفضل السبل لإدارة الصراع.
وفي هذا الإطار، عادت المناقشات إلى مفهوم "التعايش الوظيفي" الذي سبق طرحه خلال الجلسة، حيث جرى تأكيد ضرورة تناول هذه المفاهيم في إطار التحليل السياسي، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو الاتهامات، إذ أُشير إلى أن بعض المحطات التاريخية، ولا سيما الانتخابات الإسرائيلية عام 1996، أظهرت كيف أسهمت التطورات الأمنية والعمليات العسكرية آنذاك في إعادة تشكيل المزاج الانتخابي داخل إسرائيل، بما أدى إلى صعود اليمين وإضعاف فرص استمرار مسار التسوية. وانطلاقًا من ذلك، اعتُبر أن ثمة تقاطعًا موضوعيًا، وإن اختلفت الدوافع، بين القوى التي سعت إلى تعطيل عملية السلام، الأمر الذي أفضى إلى تعزيز نفوذ التيارات الأكثر تشددًا داخل الساحة الإسرائيلية.
ومن زاوية أخرى، تناولت المداخلات حدود قدرة الفلسطينيين على إدارة مشروعهم الوطني بصورة منفردة، حيث جرى تأكيد ضرورة إقامة الدولة الفلسطينية، إلا أن ذلك لا يمكن أن يتحقق اعتمادًا على الإمكانات الفلسطينية وحدها، مهما بلغت أهمية صمود الفلسطينيين وتمسكهم بأرضهم. وفي المقابل، برزت دعوات إلى تبني استراتيجية عربية أكثر فاعلية لدعم الفلسطينيين، تقوم على تعزيز مقومات بقائهم في الضفة الغربية، وتوفير الدعم الاقتصادي والمؤسسي اللازم لهم، وفتح الأسواق أمام المنتجات الفلسطينية، إلى جانب تطوير آليات التعاون مع السلطة الوطنية الفلسطينية بما يعزز قدرتها على تثبيت الوجود الفلسطيني في مواجهة سياسات التهجير والاستيطان.
كما تناولت النقاشات خصوصية التكوين الديمغرافي والسياسي للشعب الفلسطيني، حيث أُشير إلى أن الفلسطينيين لم يعودوا يشكلون كتلة اجتماعية وسياسية متجانسة، إذ باتوا موزعين بين تجمعات تختلف في ظروفها وأولوياتها؛ ففلسطينيو الداخل يواجهون تحديات تتصل بحقوق المواطنة والخدمات والتمثيل السياسي داخل إسرائيل، بينما يواجه فلسطينيو الضفة الغربية تحديات الاحتلال والاستيطان، في حين يعيش قطاع غزة واقعًا إنسانيًا وأمنيًا مختلفًا، إلى جانب الفلسطينيين في الشتات الذين يتحركون ضمن سياقات سياسية وقانونية متباينة. وعليه، اعتُبر أن اختلاف هذه البيئات يفرض تبني مقاربات نضالية وسياسية متعددة، تراعي خصوصية كل تجمع فلسطيني، دون الإخلال بوحدة القضية الفلسطينية وأهدافها الوطنية.
وفي مقابل هذه الرؤية، طُرحت وجهة نظر أخرى ربطت مستقبل الضفة الغربية بصورة مباشرة بنتائج الانتخابات الإسرائيلية، معتبرة أن خروج بنيامين نتنياهو، ومعه رموز اليمين الديني المتشدد، من السلطة قد يؤدي إلى تقليص الدعم السياسي والمالي الذي تحظى به الحركة الاستيطانية، بما ينعكس على مستقبل البؤر الاستيطانية ويحد من قدرتها على الاستمرار بالتوسع. وانطلاقًا من هذا التصور، جرى تأكيد أهمية المشاركة السياسية للعرب داخل إسرائيل، باعتبارها إحدى الأدوات التي يمكن أن تسهم في التأثير في نتائج الانتخابات وإبعاد اليمين المتشدد عن الحكم، بما يفتح المجال أمام مرحلة سياسية مختلفة، حتى وإن ظلت الخلافات قائمة حول حدود تأثير هذا السيناريو في تغيير الثوابت الاستراتيجية للدولة الإسرائيلية.
وفي المحصلة، تكشف هذه المقاربات أن مستقبل الصراع الفلسطيني -الإسرائيلي لا يتوقف على نتائج الانتخابات الإسرائيلية وحدها، ولا على التحولات الداخلية في المجتمع الإسرائيلي فحسب، إذ يتأثر بمجموعة متشابكة من المحددات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها طبيعة العلاقة العربية مع الولايات المتحدة، ومستوى الدعم العربي المقدم للفلسطينيين، وقدرة الفلسطينيين على تطوير أدوات نضال تتناسب مع خصوصية كل ساحة من ساحات وجودهم. وبينما تباينت الآراء بشأن مدى تأثير خروج نتنياهو من المشهد السياسي، فقد اتفقت النقاشات على أن إدارة المرحلة المقبلة تستدعي مراجعة شاملة للمقاربات التقليدية، والانتقال من إدارة تداعيات الصراع إلى بناء استراتيجيات عربية وفلسطينية أكثر تكاملًا، تستند إلى توظيف عناصر القوة السياسية والاقتصادية والدبلوماسية، بما يعزز القدرة على التعامل مع التحولات العميقة التي باتت تحكم مسار الصراع ومستقبل المنطقة.
الخاتمة
تكشف هذه الورقة أن التركيز على نتائج الانتخابات الإسرائيلية بوصفها المحدد الرئيس لمستقبل القضية الفلسطينية ينطوي على قدر من التبسيط، إذ تشير مجمل المؤشرات إلى أن إسرائيل انتقلت إلى مرحلة جديدة أصبحت فيها التحولات العميقة داخل المجتمع والدولة أكثر تأثيرًا من تغير الحكومات أو تبدل الائتلافات الحاكمة. فقد أفضى صعود التيارات القومية والدينية، وإعادة تعريف العقيدة الأمنية، وتراجع التيارات المؤيدة للتسوية، إلى تضييق هامش الاختلاف بين القوى السياسية الإسرائيلية في القضايا الجوهرية المرتبطة بالاستيطان، والدولة الفلسطينية، وإدارة الصراع.
في المقابل، تُبرز الورقة أن مواجهة هذه التحولات لا يمكن أن تستند إلى الرهان على المتغير الإسرائيلي الداخلي وحده، وإنما تتطلب إعادة بناء مقاربة فلسطينية وعربية أكثر تكاملًا، تقوم على تعزيز صمود الفلسطينيين من خلال سياسات التمكين لا الاكتفاء بخطاب الصمود، وتطوير أدوات العمل السياسي والدبلوماسي والإعلامي، وإعادة صياغة العلاقة مع القوى الدولية، بما يسمح بتحويل عناصر القوة الكامنة إلى تأثير سياسي مستدام.
وبذلك، فإن السؤال يتمحور في كيفية إدارة المشروع الصهيوني، وما هي الأدوات القادرة على التعامل مع تحولاته العميقة؟، والإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد مستقبل الصراع خلال السنوات المقبلة، أكثر بكثير من نتائج أي انتخابات أو تغير في الوجوه السياسية.
صادرة عن مؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير
5/8/2026





