>

ورقة موقف: الأردن في قلب التحولات الفلسطينية... احتلال مزاجي متشدد يتقدم، إقليم يعاد تقويض صلاحياته، وقضية تبحث عن أكثر من مجرد تعاطف صادرة عن مؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير

المقدمة

تقف القضية الفلسطينية اليوم أمام واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا وحساسية منذ عقود، في ظل تحولات عميقة تمتد إلى طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي، وتوازنات الإقليم، وإعادة تعريف الأولويات الدولية. كما أن القضية الفلسطينية أصبحت جزءًا من صراع أوسع على الجغرافيا، والديموغرافيا، والشرعية، والرواية السياسية.

في الضفة الغربية تحديدًا، تتسارع التحولات الميدانية بفعل توسع الاستيطان، وتصاعد نفوذ التيارات الإسرائيلية الأكثر تطرفًا، ومحاولات فرض وقائع جديدة تهدف إلى تقويض إمكانية قيام كيان فلسطيني قابل للحياة. وفي المقابل، يواجه الفلسطينيون تحديات داخلية عميقة تتمثل في استمرار الانقسام السياسي، وتراجع فاعلية المؤسسات، وأزمة الشرعية، وغياب مشروع وطني جامع قادر على التعامل مع المتغيرات المتلاحقة.

ولا يمكن قراءة المشهد الراهن بمعزل عن التحولات داخل إسرائيل نفسها، حيث شهد المجتمع الإسرائيلي انتقالًا تدريجيًا نحو مزاج سياسي أكثر يمينية وتشددًا، الأمر الذي أعاد تعريف طبيعة الصراع، من خلاف سياسي حول التسوية إلى مواجهة مع مشروع يسعى إلى تكريس الأمر الواقع وتغيير قواعد اللعبة على الأرض.

وفي الجانب الفلسطيني، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة شاملة لمسار العمل السياسي، ليس بهدف التخلي عن الحقوق التاريخية، وإنما بهدف إعادة بناء أدوات المواجهة السياسية والقانونية والدبلوماسية، ما يعني أن استمرار الانقسام الداخلي أصبح عاملًا مؤثرًا في القدرة على التأثير الإقليمي والدولي، ويمنح الاحتلال مساحة أوسع للتحرك وفرض الوقائع.

كما أن التحولات الدولية الأخيرة، بما فيها تنامي الاعترافات بالدولة الفلسطينية واتساع التعاطف الشعبي العالمي مع الحقوق الفلسطينية، تفتح نوافذ سياسية جديدة، لكنها تبقى محدودة ما لم تُستثمر ضمن استراتيجية فلسطينية موحدة، قادرة على تحويل الدعم الدولي من موقف أخلاقي إلى فعل سياسي مؤثر.

تأتي أهمية هذه الورقة من محاولة قراءة هذه التحولات المتداخلة، من خلال تحليل واقع الضفة الغربية، وطبيعة التحول السياسي الإسرائيلي، وأزمة المشروع الفلسطيني، ودور الأردن والدول العربية في الحفاظ على مركزية القضية الفلسطينية، وصولًا إلى استشراف السيناريوهات المحتملة لمستقبل الصراع في مرحلة تتسم بإعادة تشكيل واسعة للمنطقة.

الفصل الأول: الضفة الغربية على حافة التحول... الأردن في مواجهة تداعيات الجغرافيا السياسية

تشهد الضفة الغربية مرحلة غير مسبوقة من التصعيد الإسرائيلي، تتجاوز في طبيعتها العمليات العسكرية التقليدية إلى ممارسات تستهدف تقويض مقومات الحياة اليومية للفلسطينيين، وإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي على الأرض. ففي ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين، التي باتت تتخذ طابعًا أكثر تنظيمًا واستمرارية، امتد المشهد ليشمل استهداف مصادر المياه، والاعتداء على الممتلكات الزراعية والثروة الحيوانية، ومحاولات ترهيب السكان ودفعهم إلى مغادرة أراضيهم، بما يعكس انتقال المشروع الاستيطاني من سياسة فرض الأمر الواقع إلى استراتيجية تستهدف تفريغ الأرض من سكانها وإعادة هندسة المجال الجغرافي الفلسطيني.

تأتي هذه التطورات في سياق إقليمي بالغ الحساسية، إذ إن الضفة الغربية تشكل امتدادًا مباشرًا للأمن الوطني الأردني بحكم الجوار الجغرافي، وتشابك المصالح، والارتباط التاريخي والسياسي بين الضفتين. ومن ثم، فإن أي تحول ديموغرافي أو أمني أو سياسي في الضفة الغربية سينعكس بصورة مباشرة على البيئة الاستراتيجية للمملكة الأردنية الهاشمية، بما يفرض مقاربة تتجاوز البعد الإنساني للصراع نحو إدراك أبعاده الجيوسياسية بعيدة المدى.

وانطلاقًا من هذه المعطيات، تكتسب قراءة المشهد الفلسطيني أهمية مضاعفة، خاصة في ظل حالة السيولة السياسية التي تعيشها الساحة الإسرائيلية، وما يرافقها من تنافس داخلي حاد بين مكونات المشهد السياسي الإسرائيلي، وتباينات متصاعدة بين المؤسسة التنفيذية ومراكز القوة الأخرى. فهذه التحولات الداخلية تمثل أحد المتغيرات المؤثرة في رسم السياسات الإسرائيلية تجاه الأراضي الفلسطينية، وفي تحديد طبيعة المرحلة المقبلة، سواء على صعيد الاستيطان، أو إدارة الصراع، أو مستقبل العلاقة مع السلطة الفلسطينية.

وفي المقابل، يبرز سؤال جوهري يتعلق بقدرة السلطة الوطنية الفلسطينية على إدارة هذه المرحلة شديدة التعقيد، في ظل الضغوط السياسية والأمنية والاقتصادية التي تواجهها، والتحديات المرتبطة بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وقدرته على التعامل مع التحولات المتسارعة التي يشهدها الإقليم.

ومن هذا المنطلق، هناك حاجة ملحة لقراءة تحليلية شاملة تستند إلى رؤية الفاعلين السياسيين والخبراء الاستراتيجيين، بهدف استشراف السيناريوهات المحتملة لمسار الضفة الغربية، وتقدير انعكاساتها على الأردن، وعلى مجمل معادلات الاستقرار الإقليمي، في ضوء تداخل العوامل المحلية والإقليمية والدولية التي باتت تتحكم بمستقبل القضية الفلسطينية.

الفصل الثاني: بين الشرعية الدولية وتآكل الفعل الفلسطيني... مأزق اللحظة وتحديات استعادة المبادرة

دخلت القضية الفلسطينية دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا تتقاطع فيها الضغوط الميدانية مع التحولات السياسية الإقليمية، في وقت تتراجع فيه القضية تدريجيًا على سلّم أولويات المجتمع الدولي بفعل الأزمات المتلاحقة التي تعصف بالشرق الأوسط. ومع اتساع نطاق الحروب الإقليمية، وتنامي الاهتمام الدولي بأمن الطاقة والممرات البحرية، بات الاحتلال الإسرائيلي أكثر قدرة على فرض وقائع جديدة على الأرض مستفيدًا من انشغال القوى الكبرى بملفات أخرى، الأمر الذي يفرض إعادة النظر في آليات إدارة الصراع، وفي قدرة النظام السياسي الفلسطيني على استثمار ما تحقق من مكاسب دبلوماسية قبل أن تبتلعها التحولات الجيوسياسية المتسارعة.

ورغم ما شهدته الساحة الدولية من تطورات مهمة، تمثلت في اتساع دائرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وما رافق ذلك من مواقف أوروبية ودولية غير مسبوقة أعادت تأكيد مركزية حل الدولتين، فإن هذا التحول بقي محصورًا في إطاره السياسي والرمزي، دون أن ينعكس بصورة ملموسة على الواقع الميداني. فإسرائيل، في المقابل، تعاملت مع هذا المسار باعتباره تحديًا ينبغي احتواؤه عبر خلق وقائع جديدة تفرغ الاعترافات الدولية من مضمونها العملي، مستثمرةً حالة السيولة الإقليمية والانشغال الدولي بالحروب المتلاحقة لتوسيع الاستيطان، وتعميق السيطرة على الأرض، وإعادة رسم الجغرافيا الفلسطينية بما يجعل أي تسوية مستقبلية أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للتطبيق.

ومن هنا، أصبح الاعتراف الدولي أصبح نقطة انطلاق تتطلب مشروعًا سياسيًا فلسطينيًا قادرًا على البناء عليه وتحويله إلى مسار دبلوماسي مستدام، يراكم الإنجازات القانونية والسياسية، ويعيد القضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندة الدولية. فالمكاسب الدبلوماسية، مهما بلغت أهميتها، تفقد قيمتها إذا لم تُترجم إلى أدوات ضغط سياسية وقانونية وإعلامية تفرض نفسها على دوائر صنع القرار العالمي، وتمنع الاحتلال من الاستفراد بالمشهد واحتكار روايته أمام المجتمع الدولي.

غير أن المعضلة الأكثر عمقًا لا تكمن في البيئة الدولية وحدها، وإنما في البنية السياسية الفلسطينية ذاتها، حيث أصبح الانقسام الداخلي أحد أهم مصادر استنزاف القوة الوطنية، إذ إن الانقسام امتد إلى داخل الأطر التنظيمية نفسها، بما يعكس أزمة بنيوية تتعلق بتعدد مراكز القرار، وتباين الرؤى، وغياب المرجعية الوطنية الجامعة القادرة على توحيد الفعل السياسي الفلسطيني. وفي ظل هذا الواقع، تتراجع القدرة على إنتاج خطاب وطني موحد، كما تتقلص فرص استثمار أي دعم خارجي بصورة فاعلة، الأمر الذي يمنح الاحتلال هامشًا أوسع للمناورة وتعزيز مشروعه الاستيطاني.

ويزداد هذا المشهد تعقيدًا مع استمرار التغيرات الجغرافية والديموغرافية التي تشهدها الضفة الغربية، حيث تحول الاستيطان إلى استراتيجية متكاملة لإعادة تشكيل المجال الفلسطيني عبر تفتيت المدن والقرى، وربط الكتل الاستيطانية ببنية تحتية مستقلة، وفرض وقائع أمنية وإدارية تجعل إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا أكثر صعوبة من أي وقت مضى. وبذلك، فإن الاحتلال يعمل بصورة منهجية على إعادة هندسة الجغرافيا السياسية بما يخدم رؤيته بعيدة المدى.

وفي مقابل هذا التحول، تبرز الحاجة إلى مراجعة عميقة للأدوات السياسية العربية والفلسطينية، ليس من خلال التخلي عن المبادرات القائمة، وإنما عبر إعادة مواءمتها مع الوقائع الجديدة التي فرضها الاحتلال على الأرض. فالمبادرات السياسية تقاس بقدرتها على التكيف مع المتغيرات، واستحداث أدوات أكثر قدرة على مواجهة الاستراتيجيات الإسرائيلية التي تتطور بوتيرة أسرع من أدوات المواجهة التقليدية.

كما أن استمرار الاحتلال في تحقيق مكاسب تدريجية لا يعني بالضرورة حسم الصراع لصالحه، بقدر ما يعكس اختلالًا مؤقتًا في موازين القوى، نتج عن ضعف البيئة العربية والفلسطينية أكثر مما نتج عن تفوق المشروع الإسرائيلي ذاته. فالتاريخ السياسي للصراعات الممتدة يبين أن الوقائع التي تُفرض بالقوة يمكن أن تتغير متى ما توفرت الإرادة السياسية، والرؤية الاستراتيجية، والقدرة على إعادة توحيد عناصر القوة الوطنية ضمن مشروع جامع يتجاوز الحسابات الفصائلية الضيقة.

وعليه، فإن مستقبل القضية الفلسطينية سيتحدد بقدرة الفلسطينيين على إعادة بناء منظومة القرار الوطني، واستثمار التحولات الدولية، وتطوير أدوات الدبلوماسية والقانون الدولي، بما يحول الاعترافات السياسية إلى مسار تراكمي يفرض نفسه على المجتمع الدولي، ذلك أن المعركة في هذه المرحلة أصبحت معركة سردية، وشرعية، وإدارة للوعي الدولي، وهي معركة لا تقل أهمية عن المواجهة على الأرض، بل قد تكون أكثر تأثيرًا في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

الفصل الثالث: التحولات داخل المشهد الفلسطيني بين أزمة الشرعية وإعادة بناء المسار السياسي

في ظل تصاعد نفوذ التيار اليميني المتطرف في إسرائيل، يبرز تساؤل جوهري حول إمكانية ظهور تيار إسرائيلي أكثر اعتدالًا قادر على التعامل مع الوجود الفلسطيني باعتباره حقيقة سياسية وجغرافية لا يمكن تجاوزها أو محوها. فالمشهد الإسرائيلي الراهن يشير إلى صعود خطاب سياسي يقوم على الإقصاء ورفض أي صيغة تعترف بالحقوق الفلسطينية، الأمر الذي يفرض البحث في طبيعة التحولات الداخلية الإسرائيلية، وما إذا كانت هناك مساحات سياسية يمكن أن تسمح بإعادة إنتاج خطاب أكثر واقعية بعيدًا عن منطق الهيمنة والإلغاء.

وفي المقابل، يواجه الواقع الفلسطيني حالة من السكون الاستراتيجي مقابل حركة إسرائيلية متسارعة على الأرض، سواء عبر التوسع الاستيطاني، أو تغيير الوقائع الديموغرافية والجغرافية، أو إضعاف المؤسسات الفلسطينية. هذا الجمود السياسي بدأ يترك تداعيات مباشرة على مكانة القضية الفلسطينية إقليميًا ودوليًا، إذ تراجعت الفاعلية الفلسطينية في التأثير على مسارات القرار الدولي، في وقت تسعى فيه إسرائيل إلى تكريس واقع جديد يتجاوز أي إمكانية لقيام مشروع سياسي فلسطيني متماسك.

وتبرز هنا إشكالية الشرعية السياسية للسلطة الوطنية الفلسطينية، إذ إن الاعتراف الدولي القائم بها لا يكفي وحده لضمان قدرتها على الاستمرار أو مواجهة التحديات المتصاعدة. فهناك حاجة متزايدة إلى إعادة تجديد هذه الشرعية عبر أدوات ديمقراطية حقيقية، وفي مقدمتها الانتخابات، باعتبارها مدخلًا لإعادة بناء الثقة الداخلية وإعادة إنتاج التمثيل السياسي الفلسطيني، خصوصًا في ظل محاولات إسرائيلية واضحة لإضعاف المؤسسات الفلسطينية وإنهاء أي حضور سياسي فلسطيني منظم.

كما أن الأزمة الفلسطينية الداخلية لا ترتبط فقط بالخلاف بين تيارين سياسيين تقليديين؛ أحدهما يميل إلى مسار التسوية السياسية، والآخر يتبنى خيار المواجهة، فهي تتجاوز ذلك إلى أزمة أعمق تتمثل في غياب مشروع وطني جامع قادر على استيعاب التناقضات الداخلية، كما أن القضية الفلسطينية تحتاج في هذه المرحلة إلى تيار سياسي يمتلك قدرة على الجمع بين الواقعية السياسية والحفاظ على الثوابت الوطنية، بعيدًا عن ثنائية التخوين والإقصاء التي أضعفت القدرة على بناء موقف فلسطيني موحد.

وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة تعريف مفهوم البراغماتية السياسية الفلسطينية؛ باعتبارها أداة لإدارة الصراع في مرحلة شديدة التعقيد، بما يضمن الحفاظ على المكتسبات السياسية والقانونية، وفتح مساحات جديدة للحركة في البيئة الدولية المتغيرة.

ومن جانب آخر، فإن استمرار الانقسام الفلسطيني يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه مستقبل القضية، إذ بات الانقسام عاملًا تستفيد منه إسرائيل سياسيًا واستراتيجيًا، عبر إضعاف القدرة الفلسطينية على صياغة موقف موحد. فالقوة الفلسطينية الأساسية في هذه المرحلة تكمن في القدرة على تحقيق وحدة وطنية حقيقية تجمع مختلف مكونات الشعب الفلسطيني ضمن رؤية مشتركة.

غير أن تحقيق هذه الوحدة يتطلب استعدادًا حقيقيًا لتقديم التنازلات المتبادلة من مختلف الأطراف، سواء داخل منظمة التحرير الفلسطينية أو حركة حماس أو بقية الفصائل، لأن استمرار منطق المصالح الفئوية والشخصية سيبقي الشعب الفلسطيني وحده يتحمل كلفة الانقسام والاحتلال.

وفي ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، وتصاعد الإجراءات في الضفة الغربية، من اقتحامات وتدمير للبنية التحتية وتضييق على حركة الفلسطينيين، تتضح صورة صراع يتجاوز حدود الجغرافيا الفلسطينية ليصبح جزءًا من إعادة تشكيل إقليمية واسعة. 

إلى ذلك، تتحرك إسرائيل ضمن مشروع سياسي يسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، مستفيدة من حالة الانشغال الإقليمي والدولي بالأزمات المتعددة.

كما أن الواقع الميداني في الضفة الغربية يكشف عن فجوة متزايدة بين معاناة الفلسطينيين اليومية وبين قدرة المؤسسات السياسية على الاستجابة لهذه التحولات. فالحواجز، وتقسيم الجغرافيا، والقيود على الحركة، والتوسع الاستيطاني، كلها عوامل تعيد تشكيل حياة الفلسطينيين وتزيد من تعقيد المشهد السياسي والاجتماعي.

وعليه، فإن مستقبل القضية الفلسطينية يرتبط بقدرة الفلسطينيين على تجاوز أزمتهم الداخلية، وإعادة بناء شرعية سياسية متجددة، وصياغة مشروع وطني قادر على التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية، لأن غياب الوحدة السياسية سيبقى أكبر ثغرة يمكن أن تستثمرها المشاريع التي تسعى إلى تفكيك القضية وتحويلها من قضية سياسية عادلة إلى ملف إنساني وإداري محدود.

الفصل الرابع: إعادة تشكيل المشهد الفلسطيني بين أزمة الشرعية ومتطلبات التحول السياسي

لا يمكن قراءة التحولات الراهنة في القضية الفلسطينية بمعزل عن حقيقة مركزية تتمثل في أن إسرائيل، باعتبارها قوة احتلال تمتلك تفوقًا عسكريًا وسياسيًا واسعًا، تعمل وفق مشروع طويل الأمد يهدف إلى إعادة صياغة الواقع الجغرافي والديموغرافي في الضفة الغربية، وصولًا إلى تقويض إمكانية قيام كيان فلسطيني قادر على ممارسة سيادته. وفي مقابل هذا المسار المتسارع، تبدو الأزمة الأعمق داخل البيت الفلسطيني نفسه، حيث أصبح الانقسام الداخلي أحد أبرز العوامل التي تحد من القدرة على مواجهة التحولات المتسارعة واستثمار المتغيرات الإقليمية والدولية.

إن المسؤولية الفلسطينية في هذه المرحلة تتطلب الانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة بناء المشروع السياسي الفلسطيني على أسس جديدة. فالوقت لم يعد يعمل لصالح الفلسطينيين، إذ إن استمرار حالة الجمود السياسي، وتأجيل استحقاقات الإصلاح الداخلي، وغياب التوافق الوطني، يمنح إسرائيل مساحة أوسع لتكريس الوقائع على الأرض وتحويلها إلى حقائق يصعب تجاوزها مستقبلًا.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة تجديد الشرعية السياسية الفلسطينية من خلال انتخابات نزيهة وشفافة، بإشراف دولي يضمن نزاهتها واستقلاليتها، بما يسمح بإعادة إنتاج قيادة سياسية جديدة قادرة على التعامل مع المرحلة المقبلة، فالمشهد الفلسطيني يعاني من أزمة تجدد سياسي، إذ توجد طاقات وقيادات في المستويات الثانية والثالثة قادرة على تحمل مسؤولية المرحلة إذا أُتيحت لها الفرصة ضمن إطار سياسي شرعي.

وفي قراءة التحولات داخل إسرائيل، فإن المشهد السياسي لم يعد كما كان خلال مرحلة ما بعد مؤتمر مدريد، حين كان بالإمكان الحديث عن وجود تيارات سياسية متعددة بين اليمين والوسط واليسار، كما أن التحول الأبرز اليوم يتمثل في صعود يمين إسرائيلي أكثر تشددًا، أصبح انعكاسًا لتحول أعمق في المزاج الشعبي الإسرائيلي وفي البنية الديموغرافية للمجتمع الإسرائيلي، مع تنامي تأثير التيارات ذات الخلفيات القومية والدينية المتشددة.

هذا التحول يتصل بحسابات داخلية إسرائيلية، وبمحاولات بعض القيادات السياسية المحافظة على حضورها ونفوذها عبر توظيف المخاوف الأمنية والصراعات الإقليمية، وفي ذات السياق، يعكس المشهد الإسرائيلي الحالي انتقالًا من صراع بين رؤى سياسية مختلفة إلى هيمنة خطاب يقوم على فرض الأمر الواقع، وتقليص مساحة النقاش حول الحقوق الفلسطينية.

إلى ذلك، يجب أن يكون التعامل التعامل مع إسرائيل من خلال فهم التحولات البنيوية داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، لأن صعود اليمين المتطرف لم يعد مرتبطًا بشخص أو حكومة محددة، وإنما أصبح جزءًا من تحول أوسع في طبيعة الخطاب السياسي والاجتماعي.

أما على المستوى الدولي، فإن الاعتراف المتزايد بالدولة الفلسطينية من قبل عدد كبير من الدول يمثل تحولًا مهمًا في إطار القانون الدولي، لكنه يبقى بحاجة إلى استراتيجية فلسطينية قادرة على تحويل هذا الاعتراف الرمزي إلى أدوات سياسية وقانونية عملية.

غير أن قدرة الفلسطينيين على استثمار هذه التحولات تبقى مرتبطة بإنهاء الانقسام الداخلي، إذ لا يمكن لأي مشروع سياسي أن يحقق نتائج في ظل تعدد المرجعيات وتضارب الرؤى. فالقضية الفلسطينية بحاجة إلى إطار وطني جامع يعيد تعريف الأولويات ويضع المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الفصائلية أو التنظيمية.

وفي هذا الإطار، فإن الانقسام الفلسطيني يمثل أزمة أعمق تتعلق بغياب رؤية مشتركة لمستقبل المشروع الوطني. ولذلك فإن تجاوز هذه الأزمة يتطلب استعدادًا حقيقيًا من جميع الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة، لأن استمرار حالة الاستقطاب لن يؤدي إلا إلى إضعاف المجتمع الفلسطيني وتعميق قدرة إسرائيل على استثمار الانقسامات الداخلية.

كما أن مستقبل القضية الفلسطينية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بطبيعة التحولات الإقليمية والدولية الجارية. فالمنطقة تعيش مرحلة إعادة تشكيل واسعة، تتداخل فيها الحروب والصراعات والتحالفات الجديدة، الأمر الذي جعل القضية الفلسطينية تفقد جزءًا من مركزيتها في الأجندة الدولية، رغم استمرار عدالتها السياسية والقانونية.

وفي ظل انشغال القوى الكبرى بصراعاتها الخاصة، سواء بين الولايات المتحدة والصين، أو روسيا وأوروبا، أو الملفات الأمنية في الشرق الأوسط، باتت الحاجة أكبر إلى امتلاك مشروع فلسطيني وعربي قادر على التأثير، لا الاكتفاء برد الفعل تجاه التحولات التي يصنعها الآخرون.

ومن زاوية أخرى، فإن التحولات الأخيرة في الرأي العام العالمي تجاه القضية الفلسطينية، خصوصًا بعد الحرب على غزة، كشفت عن تغيرات مهمة في الصورة النمطية لإسرائيل داخل العديد من المجتمعات الغربية. فقد بدأت تظهر مساحات جديدة للتعاطف مع الحقوق الفلسطينية، وتراجعت قدرة بعض جماعات الضغط التقليدية على احتكار الخطاب السياسي والإعلامي حول الصراع.

غير أن تحويل هذا التحول الشعبي والدولي إلى مكاسب سياسية يحتاج إلى رؤية استراتيجية فلسطينية وعربية تستثمر هذه اللحظة التاريخية، بدل أن تتركها تمر دون بناء مسار سياسي وقانوني واضح.

وفي المحصلة، فإن مستقبل القضية الفلسطينية يقف أمام مفترق طرق حاسم: إما إعادة بناء المشروع الوطني على أساس الوحدة والتجديد السياسي والقدرة على المناورة الدولية، أو استمرار حالة الجمود التي تمنح إسرائيل مزيدًا من الوقت لفرض واقع جديد على الأرض. فالصراع في جوهره أصبح صراعًا على الشرعية، وعلى القدرة على إنتاج رواية سياسية قادرة على الصمود في عالم سريع التحول.

الفصل الخامس: بين الاعتراف الدولي بفلسطين وحدود التأثير

رغم التحولات المتسارعة في المواقف الدولية تجاه القضية الفلسطينية، فإن الاعترافات المتزايدة بالدولة الفلسطينية ما تزال تواجه تحديًا أساسيًا يتمثل في الفجوة بين الاعتراف السياسي الرمزي وبين القدرة على إنتاج أثر عملي على الأرض. فالكثير من هذه الاعترافات، رغم أهميتها السياسية والقانونية، لا تزال تحمل طابعًا تضامنيًا وتعاطفيًا أكثر من كونها خطوات تنفيذية حاسمة تُترجم إلى إجراءات ضاغطة، سواء عبر قطع العلاقات الدبلوماسية، أو فرض قيود سياسية واقتصادية على إسرائيل، أو اتخاذ مواقف دولية قادرة على تغيير قواعد الاشتباك القائمة.

ويعود جزء من هذا التعقيد إلى قدرة المشروع الصهيوني، عبر شبكات التحالفات السياسية، والاقتصادية، والإعلامية التي راكمها تاريخيًا، على بناء منظومة نفوذ واسعة داخل العديد من العواصم المؤثرة، بما انعكس على طبيعة التعامل الدولي مع القضية الفلسطينية. فبينما يتزايد التعاطف الشعبي العالمي مع الحقوق الفلسطينية، لا تزال مراكز القرار السياسي في العديد من الدول تتحرك ضمن حسابات المصالح والتحالفات الاستراتيجية، الأمر الذي يجعل الانتقال من مستوى التعاطف الشعبي إلى مستوى الفعل السياسي الرسمي تحديًا قائمًا.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور الدبلوماسي الأردني في إبقاء القضية الفلسطينية ضمن أولويات الأجندة الدولية، من خلال التحرك في المحافل السياسية والقانونية، وبناء شبكة من المواقف العربية والدولية الداعمة للحقوق الفلسطينية. فالأردن، بحكم موقعه الجغرافي والسياسي وارتباطه المباشر بالضفة الغربية، ينظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها ملفًا يتجاوز البعد الخارجي ليشكل امتدادًا مباشرًا لأمنه الوطني واستقراره الإقليمي.

وقد أسهمت التحركات الأردنية، إلى جانب جهود عربية أخرى، في الحفاظ على حضور القضية الفلسطينية في النقاشات الدولية، خصوصًا في ظل محاولات دفعها إلى هامش الاهتمام العالمي بفعل تعدد الأزمات الإقليمية والدولية. كما أن التنسيق مع دول عربية مؤثرة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ومصر، يمثل عنصرًا مهمًا في تشكيل موقف عربي قادر على التأثير في البيئة الدولية، رغم تفاوت أدوار الدول العربية واختلاف مستويات انخراطها في هذا الملف.

غير أن التحرك الدبلوماسي الخارجي، مهما بلغت أهميته، يبقى محدود التأثير إذا لم يرافقه مشروع فلسطيني داخلي واضح ومتماسك. فالتحدي الأكبر لا يرتبط فقط بقدرة الفلسطينيين على كسب التأييد الدولي، وإنما بقدرتهم على إنتاج رؤية سياسية موحدة قادرة على تحويل الدعم الخارجي إلى مسار عملي. إذ إن استمرار الانقسام بين الفصائل، وغياب المرجعية السياسية الجامعة، يضعفان القدرة على إدارة الصراع بكفاءة ويحدّان من إمكانية استثمار التحولات الدولية لصالح القضية الفلسطينية.

إن المرحلة الراهنة تتطلب تجاوز حالة الانتظار السياسي والانتقال نحو إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني على أسس جديدة، تقوم على الوحدة الداخلية، وتجديد الشرعية، وتوحيد أدوات العمل السياسي والدبلوماسي. فالعالم قد يمنح الاعتراف، وقد يوفر الدعم، لكنه لا يستطيع أن يعوض غياب الرؤية الفلسطينية المشتركة أو أن يبني مشروعًا وطنيًا نيابة عن أصحاب القضية.

وفي ختام هذا المسار، فإن المعركة الدائرة حول فلسطين أصبحت معركة متعددة المستويات تشمل الشرعية الدولية، والرواية السياسية، والقدرة على التأثير في الرأي العام العالمي، وإنتاج مشروع قادر على الصمود أمام محاولات التصفية أو الاختزال. وبينما يواصل الأردن وعدد من الدول العربية جهودهم للحفاظ على مركزية القضية الفلسطينية، يبقى العامل الحاسم مرتبطًا بقدرة الداخل الفلسطيني على تجاوز أزماته وبناء إطار سياسي موحد يستجيب لحجم التحديات التاريخية الراهنة.

الخاتمة

تكشف قراءة المشهد الفلسطيني الراهن أن القضية الفلسطينية تقف أمام لحظة تاريخية تتجاوز كونها أزمة سياسية عابرة، لتصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأطراف المعنية على إعادة تعريف أدوات الصراع وإنتاج استجابات تتناسب مع حجم التحولات الجارية. تحركات إسرائيل تتم وفق مشروع سياسي يسعى إلى إعادة هندسة الواقع الجغرافي والديموغرافي في الضفة الغربية، مستفيدًا من تحولات داخلية إسرائيلية ومن بيئة إقليمية ودولية مثقلة بالأزمات.

في المقابل، فإن استمرار حالة الانقسام الفلسطيني وغياب المشروع السياسي الموحد يمثلان التحدي الأكثر إلحاحًا أمام الحفاظ على حضور القضية وفاعليتها. فالقضايا التاريخية لا تُحسم فقط بعدالة الموقف، وإنما بامتلاك القدرة على تحويل هذه العدالة إلى مشروع سياسي منظم يمتلك الشرعية والأدوات والرؤية. ومن هنا فإن إعادة بناء البيت الفلسطيني أصبحت شرطًا أساسيًا لمنع تحول القضية من صراع على الحقوق إلى مجرد ملف إنساني يُدار ضمن حدود الأزمات المتكررة.

إن الاعتراف الدولي المتزايد بفلسطين، رغم أهميته، يظل بحاجة إلى ترجمة عملية عبر استراتيجية فلسطينية وعربية قادرة على استثمار التحولات في النظام الدولي، خصوصًا مع تراجع احتكار بعض القوى التقليدية للرواية السياسية حول الصراع، وظهور تغيرات ملموسة في الرأي العام العالمي تجاه الحقوق الفلسطينية.

وفي هذا السياق، يبقى الدور الأردني أحد العناصر المحورية في معادلة الاستقرار الإقليمي، بحكم الجغرافيا والتاريخ والارتباط المباشر بالضفة الغربية، إلا أن فاعلية هذا الدور، وأدوار الدول العربية الأخرى، تحتاج إلى أن تتكامل مع وجود شريك فلسطيني قادر على توحيد الرؤية وإعادة إنتاج الشرعية السياسية.

وبناءً عليه، فإن مستقبل القضية الفلسطينية لن يتحدد فقط بما تفرضه إسرائيل على الأرض، ولا بما تنتجه التحولات الدولية، وإنما بقدرة الفلسطينيين على الانتقال من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة الفعل السياسي المنظم، ومن إدارة الانقسام إلى بناء الوحدة، ومن استهلاك التاريخ إلى صناعة المستقبل.