>

ورقة موقف بعنوان: الشرق الأوسط وإعادة إنتاج الفوضى: مقاربة في تداخل القوة والجغرافيا والمعرفة والهوية صادرة عن مؤسسة مسارات الاردنية للتنمية والتطوير

مقدمة

يشهد الشرق الأوسط واحدة من أكثر لحظاته التاريخية تعقيدًا منذ نشوء النظام الإقليمي الحديث، إذ تتقاطع في هذه المرحلة تحولات عميقة تتجاوز حدود الصراعات التقليدية، لتلامس جوهر شكل الدولة، وطبيعة التحالفات، وموازين القوة، ومستقبل الأدوار الإقليمية والدولية.

المنطقة دخلت مرحلة من السيولة الاستراتيجية التي تتسم بتراجع بعض مراكز القوة التقليدية، وصعود فاعلين جدد، وانتقال الصراع من نمط حروب الوكلاء إلى مواجهات أكثر مباشرة بين القوى الكبرى والإقليمية.

وفي قلب هذه التحولات، تبرز إسرائيل بوصفها أحد أهم محددات إعادة تشكيل الإقليم، ليس فقط بفعل تفوقها العسكري وعلاقتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وإنما بسبب سعيها إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، وإعادة تعريف حدود الأمن والنفوذ في محيطها. وفي المقابل، تواصل إيران لعب دور مركزي في معادلات المنطقة من خلال شبكات النفوذ التي بنتها خلال العقود الماضية، رغم تعرض مشروعها لضغوط عسكرية وسياسية واقتصادية متزايدة.

وبالتوازي مع ذلك، تشهد دول مثل سوريا، والعراق، ولبنان، والسودان، وليبيا تحولات عميقة مست جوهر الدولة الوطنية، وأظهرت هشاشة بعض البنى السياسية أمام التدخلات الخارجية والصراعات الداخلية. الأمر الذي يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل مفهوم الدولة في المنطقة، وحدود قدرة المجتمعات على إعادة إنتاج كيانات سياسية مستقرة بعيدًا عن منطق التفكك والهويات الفرعية.

ولا يمكن فهم هذه التحولات بمعزل عن البعد المعرفي والثقافي للصراع؛ إذ إن الشرق الأوسط يخوض معركة حول إنتاج الرواية وتشكيل الوعي، فكما أشار إدوارد سعيد في نقده للاستشراق، فإن المعرفة ليست منفصلة عن القوة، وأن من يمتلك القدرة على تعريف الآخر يمتلك جزءًا من القدرة على التحكم في موقعه داخل النظام العالمي.

ومن هذا المنطلق، تسعى ورقة الموقف هذه إلى تقديم قراءة تحليلية لمسارات إعادة تشكيل الشرق الأوسط، من خلال بحث طبيعة القوى الفاعلة، وتحولات مفهوم القوة، وأثر الصراعات الجارية على مستقبل الدولة الوطنية، إضافة إلى استكشاف دور الهوية، والمعرفة، والسرديات السياسية في تحديد ملامح المرحلة المقبلة.

الفصل الأول: السياق الإقليمي وتحولات البيئة المعقدة المحيطة بالأردن

يشهد الإقليم العربي والشرق الأوسط مرحلة تُعد من أكثر المراحل اضطرابًا منذ إعادة تشكيل النظام الإقليمي عقب الحرب الباردة، إذ لم تعد الأزمات المتلاحقة تمثل أحداثًا منفصلة يمكن احتواؤها ضمن حدودها الوطنية، وإنما أصبحت تشكل حالة معقدة ممتدة تُعيد إنتاج نفسها بصورة مستمرة، بحيث باتت الحرب، وعدم اليقين، والسيولة الجيوسياسية، سماتٍ دائمة للنظام الإقليمي أكثر من كونها استثناءات عابرة.

وتشير القراءة المتأنية لمسار الأحداث إلى أن المنطقة تقف أمام عملية إعادة بناء شاملة لموازين القوة، وأنماط التحالفات، والخرائط الوظيفية للدول، في ظل تصاعد التنافس بين القوى الدولية والإقليمية على إعادة صياغة النظام الشرق أوسطي وفق اعتبارات استراتيجية جديدة تتجاوز المفاهيم التقليدية للأمن القومي والسيادة الوطنية.

وفي هذا السياق، تبدو الدول المحيطة بالأردن غارقة في مسارات مختلفة من عدم الاستقرار، وإن اختلفت أسبابها وأشكالها.

ففي سوريا، وعلى الرغم من التحولات السياسية التي أعقبت سقوط النظام السابق، لا تزال الدولة تواجه تحديات مركبة تتعلق بإعادة بناء مؤسساتها، واستعادة سيادتها الكاملة على أراضيها، وتحقيق الاستقرار الأمني والاقتصادي. كما أن استمرار التدخلات الخارجية، وتعدد الفاعلين المسلحين، وتضارب المصالح الإقليمية والدولية، يجعل من مستقبل الاستقرار السوري رهينًا بمعادلات تتجاوز الإرادة الوطنية وحدها، الأمر الذي يطيل أمد المرحلة الانتقالية ويجعلها عرضة لانتكاسات متكررة.

أما لبنان، فما يزال يعيش تداعيات الحرب مع إسرائيل، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الجنوب اللبناني، وغياب قدرة ردعية قادرة على فرض معادلة توازن جديدة، الأمر الذي يعكس خللًا متزايدًا في بنية الأمن الإقليمي، ويشير إلى أن الحدود الدولية لم تعد تمثل ضمانة كافية لحماية سيادة الدول في ظل اختلال موازين القوة.

وفي العراق، تتداخل الأزمات السياسية مع ملفات الفساد المزمنة، والصراعات الداخلية، ومحاولات إعادة بناء الدولة بعد أكثر من عقدين على التغيير السياسي الذي شهده عام 2003. وما تزال تداعيات تلك المرحلة تلقي بظلالها على مؤسسات الدولة، في وقت تتصاعد فيه المطالب الشعبية بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، واستعادة الثقة بالمؤسسات العامة، ومحاسبة شبكات الفساد التي استنزفت الموارد الوطنية لعقود.

وفي المقابل، لم تعد دول الخليج العربي بمنأى عن هذه التحولات، فرغم ما تتمتع به من استقرار سياسي نسبي وإمكانات اقتصادية كبيرة، فإنها تواجه تحديات متزايدة ترتبط بتقلبات الاقتصاد العالمي، والتحولات في أسواق الطاقة، وتصاعد التهديدات الأمنية العابرة للحدود، فضلًا عن الحاجة المستمرة لإعادة صياغة نماذجها الاقتصادية بما يضمن استدامة التنمية وتقليل الاعتماد على الموارد التقليدية.

وانطلاقًا من هذا المشهد المركب، يجد الأردن نفسه في قلب بيئة إقليمية تتسم بدرجة غير مسبوقة من التعقيد، إذ تحيط به بؤر أزمات متعددة الاتجاهات، تمتد من الشمال إلى الشرق والغرب، في وقت تتداخل فيه التهديدات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية، والتحديات السياسية، والمخاطر المرتبطة بأمن الحدود، وحركة اللجوء، وسلاسل الإمداد، وأمن الطاقة، والأمن الغذائي.

وعلى الرغم من تمكن الدولة الأردنية خلال السنوات الماضية من الحفاظ على مستوى مرتفع من الاستقرار السياسي والأمني مقارنة بمحيطها الإقليمي، فإن هذا الاستقرار لا ينبغي النظر إليه باعتباره حالة مكتملة أو معطى دائمًا، بقدر ما يعد إنجازًا يتطلب إدارة استراتيجية مستمرة، وقدرة عالية على التكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وفي ضوء التصعيد الإقليمي الأخير، برزت مجموعة من التحولات الاستراتيجية التي تستحق الوقوف عندها.

أول هذه التحولات يتمثل في إعادة ترتيب الأولويات الأمنية لدى دول المنطقة، حيث انتقلت المقاربة الأمنية من التركيز على حماية الحدود البرية فقط، إلى مفهوم أكثر شمولًا للأمن الوطني، يدمج أمن الحدود مع أمن المجال الجوي، وأمن الممرات التجارية، وأمن الطاقة، والأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية الحيوية، باعتبارها جميعًا مكونات متكاملة للأمن القومي.

أما التحول الثاني، فيتمثل في تراجع الثقة بالمظلة الأمنية الأمريكية التي شكلت لعقود الركيزة الأساسية لمنظومة الأمن الإقليمي، وهو ما دفع العديد من الدول إلى إعادة تقييم خياراتها الاستراتيجية، والبحث عن شراكات وتحالفات أكثر تنوعًا، بما يقلل من مخاطر الاعتماد على طرف دولي واحد في إدارة التوازنات الأمنية.

وفي السياق ذاته، أخذت المنطقة تشهد مؤشرات أولية على تشكل أنماط جديدة من التنسيق الإقليمي بين عدد من القوى المؤثرة، لا سيما مصر، وتركيا، والسعودية، وباكستان، في إطار تفاهمات مرنة تستند إلى تقاطع المصالح أكثر من استنادها إلى تحالفات تقليدية صلبة. ورغم أن هذه الترتيبات لا تزال في طور التشكل، فإنها تعكس إدراكًا متزايدًا لدى القوى الإقليمية بضرورة امتلاك دور فاعل في رسم التوازنات المستقبلية، بدلاً من الاكتفاء بالتفاعل مع مخرجاتها.

إلا أن نجاح مثل هذه الترتيبات سيظل مرهونًا بجملة من المحددات، أبرزها تضارب الأولويات الوطنية، واستمرار التدخلات الدولية، والموقف الإسرائيلي الرافض لظهور أي تكتل إقليمي قد يحد من هامش تفوقه الاستراتيجي في المنطقة.

وفي المقابل، تشير هذه التحولات إلى أن قدرة الدول على التعامل مع البيئة الإقليمية الجديدة ترتبط بامتلاك مرونة استراتيجية تسمح بتنويع الشراكات الدولية، وتعزيز الاستقلالية في اتخاذ القرار، والاستثمار في الاقتصاد المعرفي، والتكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، وأمن الطاقة، والأمن السيبراني، بما يقلل من قابلية الدولة للتأثر بالصدمات الخارجية.

وبالنسبة للأردن، فإن العامل الأكثر حسمًا في مواجهة هذه البيئة الإقليمية المضطربة يتمثل في تعزيز تماسك الجبهة الداخلية، بوصفها خط الدفاع الأول عن الأمن الوطني. فكلما ازدادت قدرة الدولة على بناء الثقة بين مؤسساتها ومواطنيها، وتعزيز المشاركة السياسية، وترسيخ سيادة القانون، وتحقيق العدالة الاقتصادية، ورفع كفاءة الخدمات العامة، ازدادت قدرتها على امتصاص الارتدادات الإقليمية وتحويل التحديات إلى فرص للتكيف والتنمية.

وعليه، فإن المشهد الإقليمي الراهن يمثل تحولًا استراتيجيًا طويل الأمد يفرض على الأردن إعادة قراءة البيئة المحيطة باستمرار، وتطوير سياسات استباقية قادرة على إدارة المخاطر قبل تحولها إلى تهديدات مباشرة، بما يحافظ على استقرار الدولة ويعزز قدرتها على حماية مصالحها الوطنية في بيئة إقليمية تتسم بدرجة عالية من السيولة وعدم اليقين.

الفصل الثاني: تحولات القوة الإقليمية وإشكالية الدولة الوطنية في الشرق الأوسط

تتجاوز التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط حدود النزاعات العسكرية التقليدية، لتطال البنية السياسية للدولة الوطنية، وأنماط توزيع القوة، وإعادة تعريف مراكز النفوذ الإقليمي. فالمشهد الراهن يعكس عملية أكثر عمقًا تتعلق بإعادة صياغة البيئة الإقليمية، بما يشمل إعادة توزيع الأدوار، وتغيير معادلات الردع، وإعادة تشكيل موازين التأثير في الإقليم.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن تحليل التحولات الجارية بمعزل عن الأهداف الاستراتيجية التي تحكم سلوك القوى الدولية والإقليمية الفاعلة. فالصراع يمتد إلى التأثير في شكل النظام الإقليمي المقبل، وهو ما يجعل المنطقة مسرحًا لتنافس متعدد المستويات، تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية والعسكرية مع الأبعاد الاقتصادية، والتكنولوجية، والديموغرافية، والثقافية.

وفي هذا السياق، يبرز الدور الإسرائيلي بوصفه أحد أهم الفاعلين المؤثرين في إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط، سواء من خلال سياساته الأمنية، أو تحالفاته الدولية، أو سعيه إلى إعادة بناء منظومة الردع الإقليمي بما ينسجم مع رؤيته لمستقبل الإقليم. وقد أفرزت الحرب في غزة، والتصعيد مع إيران، والتطورات في لبنان وسوريا، بيئة جديدة أعادت ترتيب أولويات الأمن الإقليمي، وأوجدت وقائع ميدانية وسياسية سيكون لها أثر ممتد في مستقبل المنطقة.

وفي المقابل، فإن فهم هذه التحولات لا يكتمل دون استحضار السياق التاريخي الذي تشكلت في ظله الدولة الوطنية العربية، فالكثير من الدراسات في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي تشير إلى أن خرائط المنطقة الحديثة ارتبطت إلى حد كبير بتوازنات القوى الاستعمارية في مطلع القرن العشرين، الأمر الذي جعل العديد من الدول العربية تنشأ ضمن ترتيبات سياسية لم تستند دائمًا إلى اعتبارات الهوية الوطنية أو التكامل الاقتصادي أو الاجتماعي، بقدر ما ارتبطت بحسابات النفوذ الدولي آنذاك.

ومع استمرار التحولات الإقليمية الراهنة، عاد الجدل مجددًا حول مستقبل الدولة الوطنية في المنطقة، ومدى قدرتها على المحافظة على تماسكها في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية. إذ تواجه العديد من الدول تحديات تتعلق بتراجع فاعلية المؤسسات، وتصاعد الانقسامات المجتمعية، وتزايد تأثير الفاعلين غير الحكوميين، بما يفرض ضغوطًا متنامية على نموذج الدولة التقليدية.

وفي هذا الإطار، فإن التحدي يتمثل في احتمالات إعادة رسم الحدود الجغرافية، وإعادة تشكيل وظائف الدولة ذاتها، وحدود سيادتها، وطبيعة العلاقة بين السلطة المركزية والمجتمع، وهو ما يجعل مفهوم "التفكك الوظيفي للدولة" أكثر حضورًا من مفهوم التقسيم الجغرافي المباشر في كثير من الحالات.

كما تكشف التجارب الإقليمية أن إضعاف مؤسسات الدولة لا يحدث بالضرورة عبر التدخل العسكري المباشر، إذ قد ينتج أيضًا عن استدامة الأزمات الاقتصادية، واستقطاب المجتمعات على أسس طائفية أو عرقية أو مناطقية، وتآكل الثقة بالمؤسسات العامة، وهي عوامل تؤدي تدريجيًا إلى تقليص قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية.

ومن زاوية أخرى، فإن التحولات الجارية أعادت طرح سؤال جوهري يتعلق بمفهوم القوة في النظام الدولي، ذلك أن التجارب الحديثة أثبتت أن امتلاك القدرات العسكرية، على أهميته، لم يعد وحده معيار النفوذ أو القدرة على التأثيرن إذ أصبحت القوة الاقتصادية، والقدرة الصناعية، والتفوق التكنولوجي، والابتكار، والسيطرة على سلاسل الإمداد، عناصر لا تقل أهمية عن القوة العسكرية في تحديد مكانة الدول داخل النظام الدولي.

وتبرز التجربة الآسيوية، ولا سيما الصين، بوصفها نموذجًا يعكس هذا التحول؛ إذ استطاعت، خلال عقود قليلة، الانتقال من دولة نامية تعتمد على المساعدات والتكنولوجيا الخارجية إلى قوة اقتصادية وتكنولوجية عالمية، عبر الاستثمار طويل الأمد في التعليم، والتصنيع، والبحث العلمي، والبنية التحتية، وهو ما يؤكد أن بناء النفوذ يبدأ من بناء القدرات الوطنية قبل الانخراط في المنافسات الجيوسياسية.

وفي المقابل، ما تزال العديد من دول المنطقة تعاني أنماطًا مختلفة من الاعتماد الاقتصادي والتكنولوجي، الأمر الذي يحد من قدرتها على امتلاك هامش مستقل في صناعة القرار الاستراتيجي، فكلما ارتفعت مستويات التبعية الاقتصادية والتكنولوجية، تقلصت قدرة الدولة على المناورة السياسية، وأصبحت أكثر تأثرًا بالتحولات الخارجية.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام الدول العربية يتمثل في كيفية بناء عناصر القوة الذاتية التي تمكنها من التحول من موقع التلقي إلى موقع الفعل. ويشمل ذلك تطوير الاقتصاد الوطني، وتعزيز الإنتاجية، والاستثمار في المعرفة والابتكار، ورفع كفاءة المؤسسات العامة، وبناء رأس مال بشري قادر على قيادة التحولات المستقبلية.

وبالنسبة للأردن، فإن هذه المتغيرات تفرض ضرورة تبني رؤية استراتيجية طويلة المدى تتجاوز إدارة الأزمات الآنية، لتنتقل إلى بناء مقومات الصمود الوطني المستدام. فتعزيز القدرة الاقتصادية، وتطوير الصناعات الوطنية، وتحديث منظومة التعليم، والاستثمار في التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، لم تعد مجرد خيارات تنموية، بل أصبحت جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن الوطني الشامل.

وعليه، فإن الحفاظ على استقرار الدولة الأردنية في بيئة إقليمية متغيرة يرتبط بقدرتها على بناء نموذج تنموي قادر على تقليص الاعتماد الخارجي، وتعزيز التماسك المجتمعي، ورفع جاهزية الدولة للتعامل مع سيناريوهات إقليمية تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين، بما يحافظ على استقلالية القرار الوطني ويعزز مكانة الأردن في النظام الإقليمي المتشكل.

الفصل الثالث: الفاعلون الجدد ومآلات التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط

تكشف التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط عن انتقال المنطقة من مرحلة الصراعات التقليدية ذات الأطر الواضحة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تتسم بتعدد الفاعلين، وتداخل مستويات التأثير، وتراجع القدرة على تفسير الأحداث من خلال ثنائيات سياسية جامدة أو اصطفافات تقليدية. فالمشهد الراهن أصبح ساحة مفتوحة لتنافس دولي وإقليمي متعدد الأبعاد، تتقاطع فيه المصالح وتتشابك فيه التحالفات بصورة غير مسبوقة.

وفي هذا السياق، تبرز حقيقة أساسية مفادها أن موازين القوة في المنطقة غدت جزءًا من معادلة دولية أوسع تتداخل فيها اعتبارات الأمن، والطاقة، والتجارة، والتكنولوجيا، والاقتصاد العالمي. ومن ثم، فإن أي محاولة لفهم التحولات الجارية تستوجب قراءة العلاقة المركبة بين الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين، بدلًا من اختزال المشهد في طرف واحد أو عامل منفرد.

ومن الملاحظ أن السنوات الأخيرة شهدت انتقالًا تدريجيًا من نمط "حروب الوكلاء" إلى نمط أكثر مباشرة يتمثل في انخراط القوى الدولية والإقليمية الكبرى في إدارة الصراعات بصورة أكثر وضوحًا. فبعد عقود من الاعتماد على الفاعلين المحليين والجماعات الحليفة لإدارة التنافسات الإقليمية، أضحت العديد من القوى الكبرى أكثر حضورًا في المشهد السياسي والعسكري، سواء عبر التدخل المباشر أو عبر إدارة التوازنات الأمنية والاقتصادية بصورة أكثر انكشافًا.

ويعكس هذا التحول تغيرًا جوهريًا في طبيعة الصراعات الإقليمية؛ إذ أصبحت النزاعات مرتبطة مباشرة بإعادة ترتيب موازين القوى الدولية والإقليمية، وبالصراع على النفوذ داخل النظام الدولي المتغير.

وفي ضوء ذلك، تبدو المنطقة وكأنها تمر بمرحلة "سيولة استراتيجية" تتراجع خلالها البنى التقليدية لصالح ترتيبات جديدة لم تتبلور بصورة نهائية بعد. فالكثير من مراكز القوة القديمة تعرضت للاهتزاز، في حين لم تستقر بعد مراكز القوة الجديدة، الأمر الذي يخلق حالة ممتدة من عدم اليقين السياسي والأمني.

ومن جهة أخرى، تشير التطورات الأخيرة إلى أن مفهوم القوة نفسه يشهد تحولًا متسارعًا. فالقوة العسكرية، رغم استمرار أهميتها، لم تعد العامل الوحيد الحاسم في رسم النفوذ. وقد أظهرت التجارب الحديثة أن القدرة على الصمود الاقتصادي، وامتلاك التكنولوجيا المتقدمة، وتطوير منظومات الحماية السيبرانية، وتعزيز المرونة المؤسسية، أصبحت جميعها عناصر أساسية في معادلة الأمن القومي.

كما برهنت بعض الدول على أن بناء منظومات دفاعية متطورة، واستثمار الموارد في البنية التحتية الأمنية والتكنولوجية، يمكن أن يرفع من قدرتها على امتصاص الصدمات والتعامل مع التهديدات المعاصرة، وهو ما يبرهن على أن الأمن الوطني أصبح يشمل الاقتصاد، والطاقة، والمعلومات، والتكنولوجيا، والمجتمع.

وفي الإطار ذاته، يمكن رصد مجموعة من الفاعلين الإقليميين الذين باتوا يمتلكون أدوارًا مؤثرة في رسم معالم المرحلة المقبلة. فإسرائيل تواصل تعزيز موقعها بوصفها لاعبًا رئيسيًا في معادلات الأمن الإقليمي، مستفيدة من شبكة واسعة من التحالفات الدولية ومن قدرتها على التأثير في العديد من الملفات الإقليمية.

وفي المقابل، تبرز تركيا بوصفها قوة إقليمية تسعى إلى توسيع حضورها السياسي والاقتصادي والأمني عبر عدد من الساحات الإقليمية، مستندة إلى موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية والاقتصادية، وإلى سعيها المستمر لتعزيز نفوذها في محيطها الإقليمي.

أما إيران، فرغم الضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجهها، فإنها ما تزال تمثل أحد أهم الفاعلين الإقليميين المؤثرين، نظرًا لشبكة علاقاتها الإقليمية، وقدرتها على توظيف أدوات نفوذ متعددة تتجاوز الأبعاد العسكرية المباشرة.

كما برزت المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة بوصفها فاعلًا إقليميًا متصاعد التأثير، عبر تبنيها مقاربة أكثر انخراطًا في الملفات الإقليمية والدولية، وسعيها إلى لعب أدوار وسيطة في عدد من القضايا الاستراتيجية.

إلى جانب ذلك، تستعيد مصر تدريجيًا مكانتها كركيزة أساسية في التوازنات الإقليمية، مستندة إلى ثقلها السكاني والجغرافي والسياسي، وإلى دورها التقليدي في إدارة العديد من الملفات العربية والإقليمية.

ولا يمكن إغفال الحضور المتنامي لقوى أخرى بدأت تفرض نفسها بصورة أكثر وضوحًا، وعلى رأسها باكستان التي تمتلك مقومات استراتيجية مهمة تجعلها مرشحة للعب أدوار أكبر مستقبلًا، خصوصًا في ظل تنامي أهمية التحالفات العابرة للأقاليم وازدياد الترابط بين ملفات الأمن والطاقة والاقتصاد.

وعلى المستوى الدولي، تشير المؤشرات إلى أن الشرق الأوسط يتجه نحو التفاعل مع نظام عالمي أكثر تعددية. فبينما تواصل الولايات المتحدة احتفاظها بموقعها بوصفها الفاعل الدولي الأكثر تأثيرًا في المنطقة، فإن الصين تتقدم تدريجيًا عبر أدوات النفوذ الاقتصادي والاستثماري والتنموي، في حين تسعى روسيا إلى المحافظة على مواقع نفوذها من خلال أدواتها السياسية والأمنية والعسكرية.

ويعني ذلك أن المنطقة تتأثر بصورة متزايدة بمنطق التعددية القطبية، وهو ما يمنح الدول متوسطة الحجم فرصًا أوسع للمناورة وتنويع الشراكات، لكنه يفرض عليها في الوقت ذاته تحديات أكثر تعقيدًا في إدارة توازناتها الخارجية.

ومن زاوية أخرى، تشهد المنطقة تحولات اجتماعية وسياسية عميقة ترتبط بصعود أجيال جديدة تمتلك أدوات مختلفة للتأثير والمشاركة العامة. فقد أصبحت المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي فضاءات فاعلة في تشكيل الرأي العام وصناعة الأجندات السياسية والاجتماعية، إلى درجة باتت تؤثر بصورة مباشرة في عملية صنع القرار وفي اتجاهات النقاش العام داخل العديد من الدول.

وتحول تأثير هذه المنصات إلى عنصر ضاغط قادر على إعادة ترتيب الأولويات العامة، وإثارة القضايا المجتمعية، وتوجيه النقاشات الوطنية، بما يعكس نشوء أنماط جديدة من التأثير السياسي تختلف عن الأشكال التقليدية للتمثيل والمشاركة.

وفي المقابل، تواجه الحركات الأيديولوجية بمختلف اتجاهاتها تحديات متزايدة في التكيف مع التحولات الجديدة. فالتغيرات الاقتصادية، والاجتماعية، والتكنولوجية تفرض أسئلة جديدة تتجاوز الخطابات التقليدية، وتدفع نحو إعادة تقييم العديد من الأطروحات الفكرية والسياسية التي هيمنت على المجال العام خلال العقود الماضية.

وبالنسبة للأردن، فإن هذه التحولات تفرض ضرورة تطوير رؤية استراتيجية تستند إلى فهم عميق لموازين القوى المتغيرة، ولطبيعة التحولات الاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة. فالتعامل مع بيئة إقليمية ودولية تتسم بالتعددية والسيولة يتطلب تعزيز المرونة المؤسسية، وتنويع الشراكات الدولية، وتطوير القدرات الوطنية في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والأمن المعرفي.

وعليه، فإن مستقبل الأردن في البيئة الإقليمية الجديدة يتحدد بقدرته على استباق التحولات القادمة، وتحويل موقعه الجيوسياسي إلى عنصر قوة، وبناء نموذج تنموي قادر على تعزيز الاستقرار الداخلي ورفع كفاءة الدولة في مواجهة بيئة إقليمية ودولية شديدة التقلب والتعقيد.

الفصل الرابع: إعادة بناء الوعي الاستراتيجي وتجاوز أسر التاريخ في قراءة التحولات الإقليمية

تفرض التحولات المتسارعة في الشرق الأوسط ضرورة إعادة النظر في الأدوات الفكرية والمنهجية المستخدمة في تحليل الواقع الإقليمي، إذ لم تعد المقاربات التقليدية القائمة على التفسيرات الأحادية قادرة على استيعاب حجم التعقيد الذي يميز المشهد الراهن. ففهم التحولات السياسية يحتاج إلى مقاربة متعددة التخصصات تجمع بين التاريخ، والسياسة، والاقتصاد، وعلم الاجتماع، ودراسة الأفكار والهويات.

وفي هذا الإطار، يبرز مفهوم "تشكيل الوعي" بوصفه أحد المفاهيم الأساسية لفهم الصراعات المعاصرة؛ فالمنافسة بين القوى امتدت إلى المجال الرمزي والمعرفي، حيث أصبحت السيطرة على الرواية، وصناعة الصورة الذهنية، وتوجيه الإدراك العام، أدوات مؤثرة في إدارة الصراع وصياغة المواقف السياسية.

وقد شكلت المدرسة الاستشراقية، وما أثارته من نقاشات فكرية واسعة، نموذجًا مهمًا في دراسة العلاقة بين المعرفة والقوة. فطرح المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد حول الاستشراق أشار إلى أن إنتاج المعرفة عن الشرق لم يكن منفصلًا عن علاقات القوة السياسية والتاريخية بين الغرب والشرق، وأن بعض التصورات الغربية عن الشرق ساهمت في إنتاج صورة نمطية عنه.

وفي المقابل، أثارت هذه الأطروحة نقاشات نقدية واسعة داخل الأوساط الأكاديمية، حيث رأى بعض الباحثين أن صورة الغرب عن الشرق لم تكن دائمًا أحادية أو مرتبطة بالهيمنة، مستشهدين بدور بعض المدارس الاستشراقية، ومنها الاستشراق الألماني، في تحقيق وترجمة ودراسة جوانب مهمة من التراث العربي والإسلامي. ويكشف هذا الجدل أهمية التعامل مع الأفكار الكبرى بوصفها موضوعات للبحث والنقد، لا مجرد قوالب جاهزة للتبني أو الرفض.

ومن هنا، فإن بناء الوعي الاستراتيجي يتطلب التحرر من القراءات المبسطة التي تختزل العالم في ثنائيات ثابتة؛ شرق مقابل غرب، أو حضارة مقابل أخرى، أو تحالفات قائمة على الهوية وحدها. فالدول في النظام الدولي الحديث تتحرك وفق حسابات المصالح الوطنية، والقدرة على تحقيق الأمن والتنمية وتعظيم النفوذ.

وفي هذا السياق، فإن مفهوم الدولة ومصالحها يمثل نقطة مركزية في فهم العلاقات الدولية، كما أن التجارب التاريخية لفتت إلى أن التحالفات غالبًا ما تُبنى على تقاطع المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية. ولذلك، فإن قراءة العلاقات بين الدول العربية أو الإقليمية يجب ألا تنطلق من العاطفة أو التصورات المثالية، وإنما من تحليل المصالح الفعلية، وأدوات التأثير، وحسابات القوة.

كما أن التعامل مع التاريخ يحتاج إلى مقاربة مختلفة؛ فالتاريخ هو مصدر للتعلم واستخلاص الدروس، واستدعاء الأحداث التاريخية الكبرى، بما تحمله من خلافات وانقسامات، لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لتعميق الاستقطاب المعاصر، بقدر ما يجب أن يغدو وسيلة لفهم أسباب التحولات وكيفية بناء نماذج سياسية أكثر قدرة على الاستقرار.

ومن أبرز التحديات التي تواجه المنطقة اليوم استمرار التعامل مع الماضي بوصفه مرجعية صراعية أكثر من كونه تجربة معرفية. إذ يؤدي الإفراط في استدعاء التاريخ دون قراءة نقدية إلى إعادة إنتاج الانقسامات القديمة، في الوقت الذي تحتاج فيه المجتمعات إلى بناء رؤى مستقبلية تستند إلى المعرفة والمؤسسات والتنمية.

وفي هذا السياق، فإن التحولات التي شهدتها بعض الدول العربية خلال السنوات الماضية تكشف أهمية فهم طبيعة التغير السياسي بعيدًا عن الاختزالات. فالتغيرات الداخلية والإقليمية تعد نتاج تفاعل معقد بين الظروف الاجتماعية والاقتصادية، والتدخلات الخارجية، وتوازنات القوى المحلية والإقليمية.

أما بالنسبة للملف السوري، فإنه يمثل نموذجًا واضحًا لتعقيد التحولات الإقليمية؛ إذ تداخلت فيه العوامل الداخلية مع التنافسات الدولية والإقليمية، وأصبح مستقبل سوريا مرتبطًا بتوازنات متعددة تشمل الأمن، وإعادة بناء المؤسسات، والعلاقات مع دول الجوار، وطبيعة الترتيبات الإقليمية القادمة.

وفي هذا الإطار، فإن أي قراءة مستقبلية لسوريا يجب أن تنطلق من فهم موقعها ضمن شبكة المصالح الإقليمية، وليس فقط من خلال الأحداث الداخلية. فالدولة السورية تمثل نقطة تقاطع بين ملفات أمنية وجيوسياسية عديدة، ما يجعل مسارها المستقبلي مرتبطًا بدرجة كبيرة بالتفاهمات الإقليمية والدولية التي ستتبلور خلال المرحلة المقبلة.

ومن جهة أخرى، فإن استمرار حالة الصراع غير المحسوم بين القوى الإقليمية الكبرى يفرض على الدول المتوسطة والصغيرة، ومنها الأردن، تبني سياسة تقوم على إدارة المخاطر وتعزيز المرونة الاستراتيجية. فالبقاء في مناطق التوتر بين مشاريع متنافسة يتطلب امتلاك أدوات داخلية قوية، وقدرة على الحفاظ على التوازنات، وتطوير الاقتصاد الوطني، وتعزيز الاستقلالية في صناعة القرار.

كما أن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة تعريف مفهوم القوة الوطنية؛ فالقوة مرتبطة بقدرة الدولة على إنتاج المعرفة، وبناء الاقتصاد، وتطوير التكنولوجيا، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع. فالدول التي تمتلك مؤسسات قوية واقتصادات منتجة تكون أكثر قدرة على مواجهة الضغوط الخارجية مهما كانت طبيعتها.

وفي هذا السياق، فإن بناء القدرة الذاتية يصبح شكلًا من أشكال المقاومة الاستراتيجية، إذ لا يمكن لأي دولة أن تحقق استقلالية حقيقية في القرار السياسي دون امتلاك قاعدة اقتصادية ومعرفية ومؤسسية قوية. فالتجارب الدولية الحديثة تشير إلى أن النفوذ يُبنى عبر الاستثمار طويل الأمد في الإنسان والمؤسسات والإنتاج.

ومن جانب آخر، يشهد المجال العام العربي تحولًا واضحًا بفعل صعود الأجيال الجديدة ووسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت فضاءً رئيسيًا لتشكيل الرأي العام وصناعة النقاش السياسي. فقد تجاوز تأثير المنصات الرقمية حدود التعبير الاجتماعي، وأصبحت لاعبًا مؤثرًا في توجيه السياسات العامة، وإعادة ترتيب الأولويات، وخلق أنماط جديدة من المشاركة السياسية.

وهذا التحول يفرض على الدول إعادة التفكير في نماذج المشاركة والتمثيل السياسي، إذ لم تعد المؤسسات التقليدية وحدها قادرة على احتكار إنتاج الخطاب العام، في ظل وجود فضاءات رقمية قادرة على التأثير السريع والواسع في اتجاهات المجتمع.

وعليه، فإن التحدي الأكبر أمام الأردن والمنطقة يكمن في بناء وعي استراتيجي جديد قادر على قراءة التحولات بموضوعية، والانتقال من موقع الاستجابة للأحداث إلى موقع صناعة الخيارات.

الفصل الخامس: الأردن... بناء قدرة وطنية استباقية وإعادة تعريف عناصر القوة

يمكن قراءة موقع الأردن في خضم التحولات الجارية في الإقليم باعتباره دولة تقع في مركز جغرافي وسياسي شديد الحساسية، تتقاطع عند حدوده مصالح إقليمية ودولية متنافسة، وتنعكس عليه بصورة مباشرة معظم التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة. فالأردن لا يعيش خارج دوائر الصراع، بل يقع في قلبها؛ جغرافيًا بحكم موقعه بين بؤر التوتر الأساسية، وسياسيًا بحكم ارتباطه بملفات مركزية مثل القضية الفلسطينية، وأمنيًا بحكم مجاورته لدول شهدت انهيارات أو تحولات عميقة في بنية الدولة والنظام السياسي.

إن خصوصية الحالة الأردنية تكمن في أنها تقوم على معادلة دقيقة تجمع بين الاستقرار الداخلي، والمرونة السياسية، والقدرة على إدارة الأزمات الخارجية، إلا أن استمرار هذه المعادلة يتطلب الانتقال من منطق إدارة المخاطر إلى منطق بناء القدرة؛ أي التحول من الاستجابة للتحديات بعد وقوعها إلى تطوير أدوات استباقية قادرة على قراءة الاتجاهات المستقبلية وصناعة الخيارات قبل أن تفرضها التطورات الإقليمية.

أولًا: ضرورة بناء تصور أردني مستقل للمتغيرات الإقليمية

أظهرت التحولات الأخيرة أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة لم تعد فيها القواعد التقليدية لإدارة الصراع قادرة على تفسير المشهد بشكل كامل. فلم تعد القوة العسكرية وحدها معيارًا حاسمًا للنفوذ، كما لم تعد التحالفات التقليدية ثابتة بالدرجة التي كانت عليها خلال العقود الماضية. فالنظام الإقليمي يتحرك نحو حالة من السيولة الاستراتيجية؛ حيث تتغير التحالفات، وتظهر قوى جديدة، وتتراجع أدوار قوى أخرى.

وفي هذا السياق، يحتاج الأردن إلى تطوير مقاربة استراتيجية تقوم على فهم عميق لمصالحه الوطنية، بعيدًا عن الانخراط في استقطابات إقليمية حادة. فالمصلحة الأردنية لا تكمن في الانحياز إلى محاور متصارعة بقدر ما تكمن في امتلاك هامش حركة واسع يسمح له بالحفاظ على علاقاته الدولية والإقليمية، وتنويع شراكاته، وتعزيز قدرته على المناورة السياسية.

إن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة تعريف مفهوم الاستقلال الاستراتيجي للدول الصغيرة والمتوسطة؛ ذلك أن المقصود هو امتلاك قدرة وطنية تجعل الدولة شريكًا قادرًا على التأثير وليس مجرد طرف ينتظر نتائج صراعات الآخرين.

ثانيًا: تعزيز الجبهة الداخلية باعتبارها خط الدفاع الأول

أثبتت تجارب الدول التي تعرضت لهزات كبرى أن العامل الحاسم في صمود الدول لا يرتبط فقط بقوة مؤسساتها الأمنية والعسكرية، وإنما بمتانة جبهتها الداخلية وقدرتها على إنتاج الثقة بين الدولة والمجتمع.

وفي الحالة الأردنية، فإن بناء المناعة الوطنية يتطلب التعامل مع التحديات الداخلية باعتبارها جزءًا من الأمن القومي الشامل، وليس ملفات منفصلة عن البيئة الإقليمية. فالأمن مرتبط بالاقتصاد، والتعليم، والتنمية، والهوية الوطنية، والقدرة على مواجهة التضليل الإعلامي والحروب الرقمية.

ومن هنا، فإن تسريع مسارات الإصلاح السياسي والاقتصادي يعد عنصرًا أساسيًا في تعزيز قدرة الدولة على مواجهة مرحلة إقليمية تتسم بعدم اليقين.

فكلما كانت العلاقة بين الدولة والمجتمع أكثر تماسكًا، أصبحت الدولة أكثر قدرة على مواجهة محاولات الاختراق أو التأثير أو استثمار الأزمات.

ثالثًا: الحاجة إلى نموذج اقتصادي أردني أكثر مرونة

تكشف التحولات العالمية والإقليمية أن الاقتصاد أصبح أحد أهم أدوات القوة والنفوذ، وأن الدول التي تعتمد على نماذج اقتصادية هشة أو مرتبطة بالمساعدات والمنح تكون أكثر عرضة للتأثر بالأزمات الخارجية.

ومن هنا، فإن الأردن بحاجة إلى تطوير نموذج اقتصادي خاص يأخذ بعين الاعتبار خصوصيته الجغرافية والديموغرافية والموارد المتاحة لديه. 

ويتطلب ذلك الانتقال نحو اقتصاد قائم على:

  1. المعرفة والابتكار.
  2. الصناعات ذات القيمة المضافة.
  3. الأمن الغذائي والمائي.
  4. الطاقة المتجددة.
  5. التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
  6. تعزيز دور القطاع الخاص.
  7. تطوير رأس المال البشري.

الدول التي استطاعت بناء قوتها، فعلت ذلك عبر تحويل المعرفة والتنظيم والإدارة إلى مصادر قوة استراتيجية.

رابعًا: تنويع الشراكات الدولية وبناء شبكة مصالح متعددة

أحد أبرز دروس المرحلة الراهنة أن الاعتماد على شريك دولي واحد لم يعد خيارًا مضمونًا في عالم يتجه نحو التعددية القطبية. فالصعود الصيني، واستمرار الدور الروسي، وتحولات السياسة الأمريكية، كلها مؤشرات على انتقال العالم من نظام الهيمنة المنفردة إلى نظام أكثر تعقيدًا وتنافسية.

وعليه، فإن الأردن بحاجة إلى توسيع شبكة علاقاته الدولية على أساس المصالح المتبادلة، بما يحافظ على تحالفاته التقليدية، وفي الوقت ذاته يفتح المجال أمام شراكات جديدة في مجالات الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والاستثمار.

إن تنويع الشراكات لا يعني تغيير التحالفات، هو فقط يؤكد أهمية تعزيز القدرة الوطنية على الاختيار، وعدم ارتباط الخيارات الوطنية بمسار قوة دولية واحدة.

خامسًا: تطوير مفهوم الأمن الوطني الأردني في ظل التهديدات الجديدة

لم تعد الحدود الجغرافية وحدها هي مجال الأمن الوطني، فقد أظهرت الصراعات الحديثة أن التهديدات يمكن أن تأتي عبر الفضاء الإلكتروني، أو الاقتصاد، أو الإعلام، أو شبكات النفوذ غير التقليدية.

وعليه، فإن مفهوم الأمن الوطني الأردني يحتاج إلى مقاربة شاملة تتضمن:

  1. تعزيز الأمن السيبراني.
  2. تطوير القدرة على مواجهة الحروب الإعلامية والمعلوماتية.
  3. حماية الأمن الاقتصادي.
  4. تعزيز أمن الطاقة والمياه.
  5. تطوير القدرات الاستخباراتية والتحليلية.
  6. بناء منظومة وطنية لاستشراف المستقبل.

سادسًا: القضية الفلسطينية باعتبارها عنصرًا مركزيًا في الأمن الوطني الأردني

لا يمكن فصل مستقبل الأردن الاستراتيجي عن تطورات القضية الفلسطينية، باعتبارها القضية الأكثر تأثيرًا في البيئة السياسية والأمنية المحيطة به.

إن التحولات التي تشهدها الضفة الغربية، وتصاعد مشاريع التوسع والاستيطان، ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض، تجعل من الملف الفلسطيني، ملفًا مرتبطًا مباشرة بالأمن الوطني الأردني.

ولهذا، فإن التعامل مع هذه التطورات يتطلب مقاربة تقوم على الجمع بين الدور الدبلوماسي والسياسي، وتعزيز العلاقات الدولية الداعمة للموقف الأردني، والحفاظ على قدرة الدولة على مواجهة أي سيناريوهات محتملة.

سابعًا: الانتقال من موقع انتظار الأحداث إلى موقع صناعة السيناريوهات

ربما يكون الدرس الأهم من المرحلة الحالية أن الدول التي تمتلك القدرة على قراءة المستقبل هي الأكثر قدرة على حماية مصالحها. فالعالم ينتظر من يمتلك القدرة على التخطيط والتكيف، لا من يملك القوة فقط.

ومن هنا، فإن الأردن بحاجة إلى الاستثمار في مراكز التفكير، والدراسات المستقبلية، وتحليل المخاطر، وبناء قواعد بيانات وطنية تساعد صانع القرار على الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة الاستراتيجية.

الفصل السادس: بين الاستشراق وصناعة الوعي وإعادة تعريف القوة في الشرق الأوسط

في سياق استكمال النقاش حول مستقبل المنطقة، أُثيرت مسألة الإسلام السياسي بوصفه أحد الفاعلين المؤثرين في المشهد الإقليمي، حيث جرى التأكيد على أن التعامل مع هذه الظاهرة ينبغي أن يكون ضمن قراءة أوسع لطبيعة التحولات الدولية والإقليمية.

فالإسلام السياسي، وفق هذا الطرح، تيارات متعددة تتفاوت في مرجعياتها وأدواتها وأدوارها السياسية. كما أن بعض أشكاله ارتبط تاريخيًا بحسابات دولية وإقليمية؛ إذ جرى توظيف بعض الحركات السياسية ذات الخلفية الإسلامية ضمن سياقات الصراع والنفوذ، سواء عبر الاحتواء أو المواجهة أو إعادة التوجيه، بحسب مقتضيات المصالح الدولية.

وفي هذا السياق، فإن الحديث عن القوى الفاعلة في الإقليم يستوجب قبل كل شيء إعادة تعريف مفهوم "الفاعلية". فليس كل طرف يمتلك حضورًا سياسيًا أو عسكريًا يمكن اعتباره قوة مقررة في النظام الإقليمي. فهناك فرق جوهري بين الدولة التي تؤثر في مسارات الأحداث، والدولة التي تتكيف مع الأحداث التي يصنعها الآخرون.

وعليه، فإن تصنيف الولايات المتحدة والصين وروسيا كقوى فاعلة أمر مختلف عن الحديث عن بعض القوى الإقليمية؛ إذ إن مفهوم الفاعلية هنا يرتبط بامتلاك أدوات التأثير، والقدرة على إنتاج القرار، وليس فقط القدرة على الاستجابة للقرارات التي يصنعها الآخرون.

الدولة العربية بين الواقع والحلم

وفي معرض النقاش حول فكرة الدولة العربية والوحدة العربية، جرى التأكيد على أن فكرة الوحدة تستند إلى عناصر موضوعية نادرة؛ فاللغة والتاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة تشكل أرضية يمكن البناء عليها.

إلا أن السؤال المركزي يبقى: لماذا لم تتحول هذه المقومات إلى مشروع سياسي موحد؟

الإجابة، وفق هذا التحليل، لا ترتبط فقط بعوامل داخلية، وإنما أيضًا بتدخلات خارجية حالت دون تشكل كتلة عربية سياسية موحدة قادرة على امتلاك استقلالية القرار. فالقوى الاستعمارية تاريخيًا لم تكن ترى في قيام كيان عربي موحد مصلحة تتوافق مع منظومة النفوذ الدولية، ولذلك عملت على تكريس التجزئة وإدامة حالة الانقسام السياسي.

غير أن الإشكالية لا تكمن في وجود الدول العربية بوصفها كيانات قائمة، وإنما في هشاشة مشروعها السياسي المشترك، وفي استمرار حالة الاعتماد والتبعية التي جعلت كثيرًا من هذه الدول تتحرك ضمن هوامش رسمتها قوى خارجية أكثر مما تتحرك وفق رؤية استراتيجية ذاتية.

الاستشراق: من دراسة الشرق إلى صناعة صورته

وفي محور آخر من النقاش، تم التوقف عند مشروع المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد ومفهوم الاستشراق، مع التأكيد على أن هذا المفهوم يتجاوز القراءة السطحية التي تختزله في مجرد دراسة الغرب للشرق.

فالاستشراق، وفق منظور سعيد، يمثل علاقة مركبة بين المعرفة والسلطة؛ إذ إن إنتاج المعرفة عن الشرق لم يكن منفصلًا عن علاقات القوة التي حكمت العالم خلال الحقبة الاستعمارية. وعلى ذلك، أصبح "الشرق" مفهومًا أنتجته المخيلة الغربية ضمن منظومة معرفية رسمت صورة معينة عنه، وحددت خصائصه وصفاته وموقعه في النظام العالمي.

ومن هنا، فإن السؤال ليس فقط: كيف درس الغرب الشرق؟ بل أيضًا: كيف أثرت تلك الدراسات في الطريقة التي أصبح الشرق يرى بها ذاته؟

فالخطابات التي تنتجها مراكز القوة تساهم في تشكيل الواقع؛ إذ تتحول المعرفة إلى أداة لصناعة الوعي، والوعي بدوره يتحول إلى إطار يحدد طريقة فهم الشعوب لأنفسها وللعالم من حولها.

التاريخ: عبء أم مصدر قوة؟

وفيما يتعلق بمسألة التاريخ، فقد دار نقاش حول مقولة إن التاريخ يمثل عبئًا على المجتمعات العربية، حيث جرى توضيح أن المشكلة ليست في التاريخ ذاته، وإنما في طريقة توظيفه، ذلك أن التاريخ لا يصبح عبئًا إلا عندما يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسامات، واستدعاء الصراعات القديمة، وإحياء الهويات الفرعية على حساب الهوية الجامعة، أما حين يُقرأ التاريخ بوصفه مخزونًا معرفيًا وتجربة إنسانية قابلة للتحليل والاستفادة، فإنه يتحول إلى مصدر قوة وبناء.

ومن هنا، المشكلة تكمن في طريقة استخدام التاريخ؛ فبعض القوى توظف الماضي لتفكيك المجتمعات، بينما تستخدم أمم أخرى تاريخها لتعزيز وحدتها وصناعة مستقبلها، فالولايات المتحدة، رغم حداثة تجربتها التاريخية مقارنة بالحضارات القديمة، استطاعت بناء سردية وطنية جامعة، كما أن الاتحاد الأوروبي، رغم الحروب الطويلة بين مكوناته، اختار مشروع الوحدة بدل إعادة إنتاج الصراعات التاريخية.

وهنا تبرز المفارقة: الأزمات تنشأ من الطريقة التي يُعاد بها إنتاج التاريخ سياسيًا.

المعرفة والسلطة وصناعة المستقبل

إن جوهر الصراع في المنطقة يمتد نحو مجال إنتاج المعرفة وصناعة الوعي، فمن يمتلك القدرة على صياغة الرواية يمتلك جزءًا كبيرًا من القدرة على التأثير. ولذلك فإن معركة المستقبل هي  معركة أفكار، ومفاهيم، ونماذج تفسيرية.

ومن هنا فإن إعادة تموضع المنطقة تتطلب تجاوز حالة الاستلاب الفكري والسياسي، والانتقال من موقع المستجيب للأحداث إلى موقع الفاعل في صناعتها.

خاتمة

تكشف القراءة المتأنية للتحولات المتسارعة في الشرق الأوسط أن المنطقة لا تمر تعيش لحظة انكشاف تاريخي تتفكك فيها البنى القديمة قبل أن تتبلور ملامح النظام الجديد. إنها مرحلة انتقالية تتسم بما يمكن وصفه بـ "السيولة الجيوسياسية"؛ حيث تتراجع قواعد الاستقرار التقليدية، وتتداخل مستويات الصراع المحلي والإقليمي والدولي، وتصبح الحدود بين الأمن والسياسة والاقتصاد والمعرفة أكثر ضبابية من أي وقت مضى.

من يمتلك القدرة على إنتاج النظام، ومن يكتفي بالتكيف مع نظام يصنعه الآخرون، وهو ما يرسم المشهد الراهن، فالقوة في عالم اليوم أصبحت مزيجًا مركبًا من القدرة على صناعة القرار، والتحكم في تدفقات الاقتصاد، وإدارة السرديات، وإنتاج المعنى السياسي الذي يمنح الأفعال شرعيتها.

وفي خضم هذه العملية، تظهر خطورة تفكك الدولة الوطنية بوصفها الإطار الوحيد القادر على تنظيم التعدد الاجتماعي وحماية المجال العام. فحين تضعف الدولة، لا ينشأ فراغ سياسي محايد، وإنما تتقدم قوى بديلة تحمل هويات فرعية أو مشاريع عابرة للحدود، فتتحول الانقسامات الاجتماعية والثقافية إلى أدوات سياسية قابلة للتوظيف ضمن صراعات النفوذ.

غير أن قراءة الواقع لا ينبغي أن تقود إلى استنتاج حتمي مفاده أن المنطقة محكومة بالتفكك؛ فالتاريخ يعد  مجالًا مفتوحًا للصراع بين قوى التفكيك وقوى إعادة البناء. فالهوية، رغم تعرضها لمحاولات التوظيف السياسي، يمكن أن تتحول من أداة انقسام إلى قاعدة لإنتاج مشروع جامع، إذا ارتبطت بمؤسسات حديثة ودولة عادلة وقادرة.

فكما أن السيطرة على الأرض تمنح النفوذ الجغرافي، فإن السيطرة على الرواية تمنح النفوذ الرمزي؛ ومن يمتلك القدرة على تعريف المفاهيم ــ كالإرهاب، والمقاومة، والأمن، والدولة، والشرعية ــ يمتلك جزءًا أساسيًا من القدرة على توجيه مسار الأحداث.

وعليه، فإن السؤال الذي يواجه الشرق الأوسط يتمحور حول من سيمتلك القدرة على إنتاج نموذج سياسي قادر على تجاوز هذه المرحلة؟.

إن المنطقة تقف أمام مفترق حاسم بين خيارين متناقضين: إما الاستمرار في منطق الارتهان للدوران داخل مدارات القوى الخارجية، حيث تصبح شعوبها موضوعًا لصراعات الآخرين؛ أو الانتقال نحو مرحلة جديدة تستعيد فيها قدرتها على المبادرة وصناعة القرار.

صادرة عن مؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير

14/7/2026