هل تدخل سوريا أخطر مراحلها؟
هل تدخل سوريا أخطر مراحلها؟
تحليل خاص لمؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير
أحمد بدر
تشير القراءة التحليلية للمشهد السوري إلى أن البلاد تقف عند منعطف بالغ الحساسية، تتجاوز فيه مرحلة الحرب التقليدية إلى طور أكثر تعقيدًا، تتداخل فيه الحسابات الأمنية مع التوازنات الإقليمية والدولية، فيما تُعاد صياغة مراكز النفوذ داخل الدولة المقبلة. فالتجارب التاريخية تؤكد أن التحولات الكبرى تُحسم داخل غرف القرار، حيث يتحول الحليف السابق إلى مصدر تهديد يفوق في خطورته الخصم التقليدي، وتصبح إعادة توزيع القوة مقدمة لإعادة تشكيل النظام السياسي بأكمله.
المشهد السوري أصبح يقرأ باعتباره بداية صراع جديد يتمحور حول الجهة التي ستحتكر صناعة القرار داخل الدولة المقبلة، وليس فقط الشخصية التي ستتولى قيادتها. وفي هذا السياق، تكتسب الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي إلى واشنطن أهمية استثنائية، باعتبارها محطة قد تسهم في إعادة رسم ملامح الإقليم، في ظل المفاوضات الأمريكية الإيرانية المتعثرة، والضغوط المتصاعدة على حزب الله، والمساعي الجارية لإعادة تعريف الموقع الجيوسياسي لسوريا ضمن النظام الإقليمي الجديد.
الدولة قد تعود... لكن السلطة لا تزال تبحث عن توازنها
إن استعادة مؤسسات الدولة لا تعني بالضرورة استقرار السلطة، لأن الأخيرة لا تُقاس بوجود الوزارات والأجهزة الرسمية، وإنما بمنظومة موازين القوى التي تتحكم بعملية اتخاذ القرار. وفي الحالة السورية، تبدو هذه المنظومة أكثر هشاشة من أي وقت مضى، بعدما أفرزت سنوات الحرب شبكة معقدة من الفاعلين تتداخل فيها مراكز القرار العسكري، والأجهزة الأمنية المستحدثة، والفصائل المحلية، والتشكيلات الأجنبية، وشبكات التمويل، والقوى الاقتصادية الصاعدة، إلى جانب النفوذ التركي، والحضور الأمريكي، والمصالح الخليجية، والاعتبارات الإسرائيلية، والملف الإيراني الذي ما يزال يحتفظ بحضوره المؤثر.
كما أن هذا التشابك يجعل الدولة تتحرك فوق توازنات دقيقة أكثر من استنادها إلى مؤسسات راسخة، الأمر الذي يرفع احتمالات انتقال بؤرة الصراع من الأطراف إلى قلب السلطة نفسها.
الاغتيال السياسي يبدأ قبل إطلاق الرصاص
إن الاغتيال يسبقه مسار طويل من التفكيك السياسي والمؤسسي، يبدأ بعزل الشخصية المستهدفة عن محيطها، وتجريدها تدريجيًا من مصادر قوتها، وتفكيك تحالفاتها، وإغراقها بالمعلومات المضللة، ودفعها إلى قرارات خاطئة، وزرع الشكوك داخل دائرتها الضيقة، حتى يصبح سقوطها نتيجة طبيعية لمسار استنزاف طويل، لا حدثًا مفاجئًا.
وانطلاقًا من ذلك، لا يُستبعد أن تدخل سوريا مرحلة الاغتيالات السياسية المؤسسية، التي تقوم على إعادة تشكيل مراكز النفوذ من الداخل، عبر تفكيك البنية السياسية القائمة، بدلاً من اللجوء إلى المواجهة العسكرية المباشرة.
حين يصبح الحليف أكثر خطورة من الخصم
الأنظمة الخارجة من الثورات أو الحروب غالبًا ما تتعرض للاهتزاز بفعل صراعات شركائها أكثر من خصومها الخارجيين، كما حدث في تجارب الثورة الفرنسية، والثورة الروسية، والعراق بعد عام 2003، وليبيا، وأفغانستان، وغيرها.
وفي الحالة السورية، تبدو احتمالات هذا السيناريو أكثر ترجيحًا، لأن السلطة الجديدة لم تتأسس بعد على قاعدة مؤسسات مستقرة، وإنما على شبكة واسعة من التفاهمات المرحلية التي تحمل في داخلها بذور أزمات مؤجلة، بحيث يتحول أي اختلال في توازناتها إلى مدخل لصراع داخلي جديد.
إسرائيل وإدارة موازين القوة داخل دمشق
إن العقيدة الأمنية الإسرائيلية شهدت تحولًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، إذ لم يعد إسقاط الأنظمة هدفًا بحد ذاته، بقدر ما أصبح التركيز منصبًا على إدارة البيئة الأمنية المحيطة ومنع نشوء أي مركز قوة مستقل يمكن أن يغيّر موازين القوى مستقبلًا.
ومن هذا المنطلق، تنظر إسرائيل إلى سوريا من زاوية تركز على أسئلة أكثر عمقًا تتعلق بمن يمتلك القرار العسكري، ومن يسيطر على الحدود، ومن يدير العلاقة مع إيران، ومن يتحكم بملف الجنوب السوري، ومن يرسم مستقبل العلاقة مع لبنان، وهو ما يجعل أي إعادة ترتيب داخل دمشق تخضع لمراقبة إسرائيلية دقيقة لضمان عدم إنتاج قوة إقليمية يصعب احتواؤها لاحقًا.
واشنطن ونتنياهو... إعادة تشكيل الشرق الأوسط
هناك رابط بين زيارة نتنياهو المرتقبة إلى واشنطن وبين مشروع أوسع لإعادة تشكيل الإقليم، ذلك أن المنطقة تشهد في الوقت الراهن أربع مسارات تفاوضية متزامنة، تشمل الحوار الأمريكي الإيراني، وإعادة تعريف وظيفة سوريا، وإعادة ترتيب الساحة اللبنانية، وصياغة توازنات ما بعد المواجهة الإسرائيلية الإيرانية، بما يجعل الملف السوري جزءًا من معادلة أمنية أشمل تتعلق بشكل المشرق العربي خلال العقد المقبل.
الدولة الوظيفية... السيناريو الأكثر ترجيحًا
إن القوى الدولية لا تبدو معنية بانهيار سوريا الكامل، كما أنها لا ترغب في عودتها لاعبًا إقليميًا يمتلك فائض قوة، ما يرجح تبني نموذج يمكن وصفه بـ"الدولة الوظيفية منخفضة المخاطر"، وهي دولة تحتفظ بمؤسساتها، لكن ضمن سقف من التوازنات المقيدة، وجيش قائم دون قدرة على التحول إلى قوة إقليمية، وحدود مستقرة تخضع عمليًا لرقابة دولية غير معلنة، بما يحقق الحد الأدنى من الاستقرار دون السماح بقيام مشروع سياسي مستقل.
الأردن... استقرار دمشق ضرورة أمنية لا خيار سياسي
وفيما يتعلق بالأردن، إن المسألة السورية تتجاوز الاعتبارات السياسية لتصبح قضية أمن قومي مباشر، إذ إن هشاشة مركز القرار في دمشق تعني ارتفاع احتمالات عودة اقتصاد التهريب، واتساع شبكات تجارة السلاح والمخدرات، ونشاط الجماعات المسلحة، واضطراب الحدود، وتراجع قدرة الدولة السورية على فرض سيادتها الأمنية.
ومن هنا، فإن المصلحة الأردنية، وفق التحليل، لا تكمن في دعم طرف على حساب آخر، وإنما في وجود دولة سورية مستقرة تمتلك قرارًا سياديًا موحدًا، وقادرة على ضبط حدودها ومنع تحويل أراضيها إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
صراع بلا خطوط فاصلة
إن أخطر ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الحدود التقليدية للصراع، إذ إن الخصم قد يكون جزءًا من المعسكر نفسه، أو يجلس إلى الطاولة ذاتها، أو يتبنى الخطاب السياسي ذاته، الأمر الذي يجعل التحدي الحقيقي أمام سوريا اليوم يتمثل في احتمال تفكك السلطة من داخلها تحت وطأة تضارب المصالح، وتعدد الولاءات، وإعادة بناء مراكز القرار بما يخدم خرائط النفوذ الإقليمية والدولية، في مرحلة قد تكون الأخطر منذ اندلاع الأزمة السورية.



