>

صدمة مما يحدث داخل إيران... ومفاجأة مما تروج له مناهجها الدراسية

 

قال مدير برنامج الدراسات الإيرانية في مركز الدراسات الإقليمية الأستاذ الدكتور نبيل العتوم إن الرسائل التي يسعى الحرس الثوري الإيراني إلى تمريرها في هذا التوقيت الحرج ليست عفوية، فهي تأتي ضمن استراتيجية مركّبة تهدف إلى تثبيت صورة "الانتصار" داخليًا، رغم ما وصفه بـ"التراجعات الواقعية" التي يواجهها النظام.

وأوضح في حديثه لمؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير أن هذه الاستعراضات تعكس سعي الجناح العسكري الأمني لإعادة تكريس هيمنته على مفاصل القرار في إيران، وربما التمهيد للعب دور يتجاوز حتى موقع علي خامنئي في ظل الغموض المحيط بمركز القرار.

وبيّن العتوم أن ما يجري لا يمكن فصله عن أدوات "تغييب الوعي الجمعي"، ذلك أن حجب الإنترنت داخل إيران أسهم في خلق بيئة معلوماتية مغلقة، تُدار فيها الرواية الرسمية بشكل أحادي، بما يسمح بإعادة تشكيل الإدراك الشعبي وتوجيهه نحو تقبّل أي مخرجات تفاوضية بوصفها "انتصارًا سياديًا".

وأشار إلى أن أخطر ما يواجه النظام الإيراني حاليًا هو التشققات داخل النخبة ذاتها، موضحًا أن تسريبات صدرت عن تيارات متشددة قريبة من مراكز القرار طالبت بإثباتات مباشرة حول وضع القيادة، وهو ما اعتبره مؤشرًا استخباريًا بالغ الدلالة على اهتزاز "احتكار الرواية" داخل بنية الحكم.

وفي سياق متصل، أوضح العتوم أن طهران لم تعد تمتلك ترف المناورة الزمنية كما في السابق، مبينًا أن الضغوط الاقتصادية المتصاعدة، خاصة مع استهداف منابع التمويل المرتبطة بالاقتصاد العسكري، تُكبّد إيران خسائر يومية كبيرة، في ظل تراجع القدرة على امتصاص الصدمات، وارتفاع معدلات الفقر إلى مستويات مقلقة، مع تآكل شبه كامل للطبقة الوسطى.

وأضاف أن الرهان على كسب الوقت تحول إلى عبء استراتيجي، في ظل تضييق الخناق على أوراق القوة الإيرانية، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي انتقل – وفق تقديره – من ورقة ضغط بيد طهران إلى عنصر توظيف بيد واشنطن.

وأشار إلى أن بنية التفكير الأمني الإيراني تقوم على عقيدة أعمق ترتكز إلى "نقل المعركة إلى الداخل المعادي"، موضحًا أن هذه الفلسفة تُدرّس بشكل ممنهج ضمن المناهج التعليمية، من خلال مواد تتعلق بالاستخبارات، وحرب المدن، وبناء الشبكات، وتدريب الأفراد على العمل ضمن بيئات صراعية ممتدة.

وأضاف العتوم أن هذه المقاربة تُنتج ما وصفه بـ"العقل الاستراتيجي الجمعي"، الذي يرى في المحيط الإقليمي، وخاصة العربي، فضاءً للصراع المستمر، لا للتكامل، ما يفسر – بحسب قوله – نمط السلوك الإيراني القائم على بناء الوكلاء، وتشكيل الخلايا، واعتماد استراتيجيات الاستنزاف طويل الأمد.
وخلص إلى أن ما نشهده اليوم يمثل صراعًا على تشكيل الوعي، وإعادة صياغة الإدراك الجمعي، حيث تُخاض المعركة الحقيقية في"العقول" قبل أن تُحسم في الميدان.