>

المنطقة وإفراز اللاعبين الجدد... الأردن ما له وما عليه

 

إن إطالة أمد الحرب الحالية يعكس حالة انطباعية تشكّلت لدى الرأي العام، بأن النزاعات العميقة من هذا النوع غالبًا ما تمتد لسنوات، نظرًا لتشابك جذورها التاريخية وتعقيد بيئاتها السياسية والأمنية.

هذه المواجهة تأتي في سياق صراع ممتد منذ عقود بين إيران والولايات المتحدة، مرورًا بحالة الاشتباك غير المباشر مع إسرائيل، والتي كانت محكومة سابقًا بقواعد اشتباك ضمنية، قبل أن تؤدي تطورات غزة إلى تفكيك هذه القواعد والدفع نحو تصعيد مفتوح ومتعدد المسارات.

كما أن الانطباع السائد بقصر أمد الحرب في بدايتها كان نتيجة تقديرات أمريكية - إسرائيلية بإمكانية الحسم السريع، استنادًا إلى قراءة تفيد بضعف الداخل الإيراني، إلا أن الواقع الميداني أثبت أن الحروب ليست عمليات محسوبة بالكامل، وأن عنصر المفاجأة وعدم اليقين يبقى حاضرًا بقوة.

لذلك، فإن ميزان القوى العسكري يميل بوضوح لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أن إيران لجأت إلى توظيف أدوات غير تقليدية لتعويض هذا الخلل، وعلى رأسها الجغرافيا الاستراتيجية، خاصة مضيق هرمز، بهدف رفع الكلفة الاقتصادية والسياسية على خصومها، بدلًا من المواجهة العسكرية المباشرة.

نمط التصعيد شهد تحولًا نوعيًا، حيث انتقل من "تصعيد الحسم" في بدايات الحرب إلى "تصعيد المساومة"، وهو نمط تستخدمه الأطراف لتحسين شروطها التفاوضية، عبر خلق أوراق ضغط ميدانية تُترجم لاحقًا إلى مكاسب سياسية.

وفي سياق الحديث عن المفاوضات، يتبنى الطرفان ظاهريًا مواقف صفرية، إلا أن الواقع يشير إلى انخراط وساطات إقليمية فاعلة تقودها قوى مثل السعودية ومصر وتركيا وباكستان، مدفوعة برغبة مزدوجة تتمثل في احتواء التصعيد من جهة، وضمان دور مؤثر في ترتيبات ما بعد الحرب من جهة أخرى.

وهذه الدول تسعى إلى إعادة تشكيل توازنات الإقليم، في ظل مخاوف من هيمنة إسرائيلية متصاعدة، وفي الوقت ذاته القلق من الدور الإيراني وتداعياته، ما يخلق بيئة تنافسية لإعادة توزيع النفوذ الإقليمي.

هذا يعني أن الحرب، رغم كلفتها العالية، تفتح في الوقت ذاته نوافذ لإعادة التموضع الاستراتيجي، حيث تسعى مختلف الأطراف إلى استثمار نتائجها في تعزيز حضورها السياسي والأمني في المنطقة.

وفيما يتعلق بالأردن، اتسمت الاستراتيجية الأردنية بالوضوح والثبات، من خلال التأكيد على عدم الانخراط في الحرب، ورفض انتهاك السيادة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على شبكة علاقاته الاستراتيجية مع مختلف الأطراف، بما يخدم المصلحة الوطنية العليا.

وأثبت الأردن خلال هذه الأزمة أنه لاعب عقلاني متوازن، قادر على إدارة علاقاته الدولية بمرونة، دون التفريط بثوابته، وأن هذه الحرب كشفت عن الأهمية الجيوسياسية المتزايدة للأردن كركيزة استقرار في الإقليم.

ما بعد هذه الحرب لن يشبه ما قبلها، سواء على مستوى بنية النظام الإقليمي أو طبيعة التحالفات، كما أن المنطقة تتجه نحو مرحلة إعادة تشكيل شاملة، ستفرز توازنات جديدة، وتعيد تعريف أدوار الفاعلين فيها.