بين وهم محو إيران وحقيقة الانفجار الكبير... التفاوض بالنار على حافة الهاوية
حديث خاص مع المحلل السياسي الدكتور منذر الحوارات
1. مصطلح "محو إيران" يثير تساؤلات جوهرية حول قابلية التحقق، وطبيعة المنطق الاستراتيجي الذي يحكمه
2. "التفاوض بالإكراه"... حيث تُستخدم القوة - أو التهديد بها - لإعادة تشكيل شروط التفاوض
3. التصريحات الأمريكية تهدف إلى تبرير أي تصعيد لاحق عبر تحميل الطرف الآخر مسؤولية الانزلاق إليه
4. بقاء الدولة قائمة شكليًا مع فقدان القدرة على أداء وظائفها الأساسية يسمى "الشلل الاستراتيجي"
5. لا يمكن إسقاط إيران بضربة واحدة، كما لا يمكن تحييد قدرتها على الرد
6. أي تصعيد أحادي المسار غير قابل للاحتواء قد يقابل بتفاعل متبادل يتجاوز الحسابات الأولية
7. تتحول العمليات العسكرية أو التلويح بها إلى وسيلة لإنتاج نتائج سياسية
8. أي خلل في تقدير النوايا، أو سوء قراءة لحدود الرد، قد يدفع الأطراف نحو تصعيد غير قابل للضبط
9. إيران تواجه خطر الوصول إلى نقطة تُفرض عليها فيها ضربة قاسية إذا لم تُبدِ مرونة تفاوضية
10. الولايات المتحدة نفسها أمام معضلة مصداقية، فاستمرار التهديد دون ترجمة قد يضعف أثره، بينما تحويله إلى فعل قد يفتح بابًا لتصعيد لا يمكن احتواؤه
تُثير التصريحات التي أطلقها الرئيس الأمريكي دولاند ترامب بشأن "محو إيران" تساؤلات جوهرية تتعلق بمدى قابليتها للتحقق من جانب، وبطبيعة المنطق الاستراتيجي الذي يحكمها، وحدود التداخل بين التهديد العسكري والأداة السياسية في إدارة الأزمات الدولية. فهذه التصريحات، على الرغم من صيغتها القصوى، لا يمكن قراءتها بوصفها إعلانًا تقليديًا عن نية التدمير الشامل، بقدر ما تمثل نموذجًا متقدمًا لما يمكن تسميته بـ "التفاوض بالإكراه"، حيث تُستخدم القوة - أو التهديد بها - لإعادة تشكيل شروط التفاوض.
من الناحية السياسية، يعكس هذا الخطاب انتقالًا من الدبلوماسية التدرجية إلى دبلوماسية الضغط الأقصى المقرون بزمن حرج؛ إذ يسعى إلى خلق لحظة مفصلية تُدفع فيها إيران نحو خيارين لا ثالث لهما: إما القبول بشروط تفاوضية تُفرض تحت الضغط، أو مواجهة مسار تصعيدي غير مسبوق في شدته. وفي هذا السياق، تُوجَّه الرسالة إلى مستويات متعددة؛ فهي تستهدف أولًا النخبة الحاكمة في إيران - بمختلف تفرعاتها السياسية والعسكرية - في محاولة لكسر تماسكها الداخلي، وتسريع اتخاذ قرار استراتيجي قبل فقدان القدرة على التحكم بالمشهد. وفي الوقت ذاته، تخدم هذه التصريحات هدفًا داخليًا أمريكيًا يتمثل في إبراز الحزم القيادي، وتبرير أي تصعيد لاحق عبر تحميل الطرف الآخر مسؤولية الانزلاق إليه.
أما من الناحية العسكرية، فإن توصيف "محو إيران" لا يصمد أمام الفحص الاستراتيجي الدقيق، إذ لا يشير إلى سيناريو إبادة شاملة بقدر ما يُحيل إلى نموذج عملياتي يقوم على تفكيك البنية الوظيفية للدولة عبر الشلل الاستراتيجي. ويعتمد هذا النموذج على استهداف ممنهج ومتدرّج للبنية التحتية الحيوية، بدءًا من شبكات النقل - كالطرق السريعة والسكك الحديدية - بهدف قطع الترابط الجغرافي، مرورًا بالموانئ والمنشآت النفطية، وصولًا إلى شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات، بما يؤدي إلى إرباك الحياة اليومية ورفع كلفة الاستمرار الداخلي على الدولة والمجتمع.
وفي موازاة ذلك، يُركّز هذا النمط من العمليات على استهداف مراكز القيادة، والسيطرة، ومنظومات الدفاع، بما يُضعف قدرة الدولة على اتخاذ القرار وإدارة مواردها، دون الانخراط في احتلال مباشر للأرض. والنتيجة المتوقعة لهذا المسار هي إنتاج حالة من العجز الوظيفي الشامل، حيث تبقى الدولة قائمة شكليًا، لكنها تفقد قدرتها على أداء وظائفها الأساسية، وهو ما يُعرف في الأدبيات الاستراتيجية بمفهوم "الشلل الاستراتيجي".
غير أنّ هذه المقاربة، رغم ما تمتلكه الولايات المتحدة من أدوات لتنفيذها، تظلّ محكومة بسقف واقعي واضح؛ فإيران، بوصفها دولة ذات عمق جغرافي وبشري كبير، لا يمكن إسقاطها بضربة واحدة، كما لا يمكن تحييد قدرتها على الرد. فامتلاكها أدوات متعددة، من القدرات الصاروخية إلى أوراق التأثير الإقليمي، يجعل من أي تصعيد أحادي المسار غير قابل للاحتواء بسهولة، ويحوّله إلى تفاعل متبادل قد يتجاوز الحسابات الأولية.
وعليه، فإن ما نشهده لا يندرج ضمن منطق الحرب الشاملة بقدر ما يعكس حالة من التفاوض القسري عبر أدوات عسكرية، حيث تتحول العمليات العسكرية أو التلويح بها إلى وسيلة لإنتاج نتائج سياسية. غير أنّ هذا النمط، بطبيعته، يحمل في طياته مخاطر عالية؛ إذ إن أي خلل في تقدير النوايا، أو سوء قراءة لحدود الرد، قد يدفع الأطراف نحو تصعيد غير قابل للضبط.
لذلك، لا يبدو أن الهدف الفعلي يتمثل في "محو إيران" ككيان، وإنما في إخضاع سلوكها الاستراتيجي عبر الضغط المركّب. إلا أن نجاح هذه المقاربة يبقى رهينًا بقدرتها على تحقيق مكاسب سياسية قبل بلوغ نقطة الانفجار، وهي نقطة، إن تم تجاوزها، قد تعيد تشكيل الإقليم بأسره على إيقاع صراع مفتوح يتجاوز حدود السيطرة التقليدية.
ويثير التساؤل حول مدى قوة إيران، في سياق التصعيد الراهن، إشكالية تتجاوز التقدير العسكري المباشر إلى مستوى أعمق يتعلق بطبيعة الدولة، وبنيتها الصلبة، وقدرتها على امتصاص الصدمات وإعادة إنتاج توازنها الداخلي. فإيران، في التحليل الاستراتيجي، تمثل بنية مركّبة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها الجغرافيا الواسعة، والكتلة السكانية الكبيرة، والهوية الوطنية المتجذّرة، مع منظومة من القدرات العسكرية وغير المتناظرة التي تمنحها قابلية عالية للاستمرار تحت الضغط.
وعلى هذا الأساس، فإن توصيف إيران كدولة قابلة للانكسار السريع يفتقر إلى الدقة؛ إذ تمتلك طهران أدوات رد متشعّبة، تبدأ من قدراتها الصاروخية، ولا تنتهي عند امتداداتها الإقليمية، مرورًا بموقعها الجيوسياسي الحاكم في ممرات الطاقة العالمية. فسيطرتها الفعلية على التأثير في مضيق مضيق هرمز، وقدرتها غير المباشرة على تعطيل الملاحة في باب المندب عبر حلفائها، تمنحها ورقة ضغط استثنائية، تمتد إلى الاقتصاد العالمي، عبر رفع كلفة الطاقة، وتهديد سلاسل الإمداد، ودفع بعض الاقتصادات الهشّة نحو حافة الشلل.
غير أن هذه القوة، بقدر ما تمنح إيران قدرة على الردع، فإنها تحمل في طياتها مخاطر تصعيدية عالية؛ إذ إن توظيف هذه الأدوات في لحظة توتر قصوى قد يفتح الباب أمام ديناميات تصعيد غير قابلة للضبط، خاصة في ظل تعدد الفاعلين، وتداخل الساحات، واحتمالات سوء التقدير. وهنا تحديدًا، تتجلّى خطورة اللحظة الراهنة، التي يمكن توصيفها بأنها لحظة كسر إرادات متزامن، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى فرض شروطها عبر رفع سقف الضغط، في حين ترفض إيران الانحناء تحت هذا الضغط، ما يخلق معادلة صدامية مفتوحة على احتمالات متعددة.
وفي هذا السياق، يتحوّل الزمن ذاته إلى عنصر فاعل في الصراع، بل إلى أداة ضغط استراتيجية قائمة بذاتها؛ فكلما ضاق الهامش الزمني، ازدادت كلفة التردد، وتقلّصت مساحة المناورة أمام الطرفين. فإيران تواجه خطر الوصول إلى نقطة تُفرض عليها فيها ضربة قاسية إذا لم تُبدِ مرونة تفاوضية، في حين تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معضلة مصداقية: فاستمرار التهديد دون ترجمة قد يضعف أثره، بينما تحويله إلى فعل قد يفتح بابًا لتصعيد لا يمكن احتواؤه.
وعلى الرغم من هذا التصعيد اللفظي والميداني، لا يمكن الجزم بأننا أمام حرب شاملة وشيكة؛ إذ لا تزال هناك مساحة - وإن كانت ضيقة - لإعادة توجيه المسار نحو التفاوض. فالمؤشرات تفيد بأن القيادة الأمريكية، ممثلة بالرئيس دولاند ترامب، لم تتخذ قرارًا نهائيًا بتوسيع العمليات إلى مستوى الحرب المفتوحة، كما أنها تواصل استخدام القوة بوصفها أداة ضغط تفاوضي، تهدف إلى انتزاع تنازلات سياسية قبل بلوغ لحظة الانفجار.
وبذلك، فإن ما يجري لا يمكن فهمه ضمن ثنائية "حرب أو سلام" التقليدية، ويمكن أن يندرج ضمن نموذج أكثر تعقيدًا يمكن تسميته بـ "التفاوض بالنار ضمن هامش الردع"؛ حيث تُستخدم العمليات العسكرية المحدودة، أو التهديد بها، كوسيلة لإعادة تشكيل موازين التفاوض. غير أن هذا النموذج، رغم ما يتيحه من فرص لتجنب الحرب الشاملة، يظلّ محفوفًا بمخاطر الانزلاق، خاصة إذا فشل في تحقيق نتائجه السياسية ضمن الإطار الزمني الضاغط.
في المحصلة، تقف المنطقة أمام مفترق حرج: إما أن ينجح الضغط الأقصى في إنتاج تسوية سياسية تُجنّب الأطراف الانزلاق إلى مواجهة واسعة، أو أن يتحوّل هذا الضغط ذاته إلى شرارة تصعيد غير محسوب. وبين هذين المسارين، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الأطراف على إدارة التوتر دون تجاوز عتبة اللاعودة، وهي مهمة تزداد صعوبة كلما اقتربت "الساعة الصفر" من الاكتمال.



