شكل الشرق الأوسط المقبل قاسٍ على الجميع
تحليل خاص يقدمه من الولايات المتحدة الأمريكية، الباحث المتخصص في الشؤون السياسية والاجتماعية الدكتور علي النظامي، لمؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير
تشير المؤشرات العسكرية والتصريحات الصادرة عن القيادة العسكرية في إسرائيل إلى أن الحرب الجارية في المنطقة تقف على أعتاب تحوّل نوعي قد يُدخلها في طور جديد أكثر اتساعًا وخطورة، فالمعطيات الميدانية الراهنة توحي بأن الصراع يتجه نحو ما يمكن وصفه بالمرحلة الثالثة من الحرب؛ وهي مرحلة يُرجّح أن تتسم بارتفاع منسوب العمليات العسكرية، وانتقالها من نطاق الضربات المركّزة إلى فضاء المواجهات متعددة الجبهات.
التحشيد العسكري كإشارة استراتيجية
إعلان الجيش الإسرائيلي عن استدعاء ما يقارب 450 ألف جندي من قوات الاحتياط يمثل مؤشرًا بالغ الدلالة في الحسابات العسكرية. فمثل هذا الحجم من التعبئة لا يرتبط عادة بعمليات تكتيكية محدودة، فهو يشير إلى استعدادات لسيناريوهات عملياتية ممتدة زمنيًا ومتشعبة جغرافيًا.
ومن المعروف أن قوات الاحتياط في الجيش الإسرائيلي تشكّل العمود الفقري لأي عملية برية واسعة، إذ تضم تشكيلات المشاة والدروع والمدفعية ووحدات الدعم اللوجستي والطبي. وبالتالي فإن استدعاء هذا العدد الكبير يعكس انتقال المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من مرحلة إدارة الاشتباك المحدود إلى مرحلة التحضير لحرب مركبة تجمع بين العمليات الجوية والبرية على نطاق أوسع.
قراءة في دلالات التعبئة
إن هذا التحشيد العسكري يعكس جملة من الاعتبارات الاستراتيجية. أولها أن القيادة العسكرية الإسرائيلية تتوقع معركة قد تمتد لأسابيع وربما لأمد أطول، ما يستدعي توفير بنية لوجستية ضخمة تضمن استدامة العمليات القتالية. وثانيها أن الجيش الإسرائيلي يسعى إلى إعادة توزيع قدراته العسكرية بما يسمح له بفتح أكثر من محور عملياتي في وقت متزامن.
كما أن هذا الاستدعاء الواسع يشير إلى أن القيادة العسكرية تعمل على تأمين فائض القوة الذي يسمح لها بالتحرك في أكثر من جبهة دون المخاطرة بإضعاف الجبهة الداخلية أو استنزاف القوات النظامية.
مركز الثقل في إدارة الحرب
رغم المتابعة الدولية المكثفة لدور الولايات المتحدة في هذه الحرب، إلا أن مركز الثقل العملياتي الفعلي يبدو متمركزًا في تل أبيب، حيث تُصاغ الخطط العسكرية وتُحدَّد إيقاعات التصعيد. فالقيادة العسكرية الإسرائيلية باتت تعلن عن كثير من تحركاتها وتقديراتها بشكل شبه مباشر، لا كما في السابق، وميلها للغموض الاستراتيجي.
هذا التحول في الخطاب العسكري يعكس ثقة نسبية بقدرة الجيش على إدارة الصراع، لكنه في الوقت ذاته يشير إلى أن إسرائيل تسعى إلى تهيئة البيئة السياسية والإعلامية لمرحلة تصعيدية جديدة.
الجبهة اللبنانية كاحتمال عملياتي
ضمن السيناريوهات الأكثر تداولًا في الأوساط العسكرية احتمال انتقال العمليات إلى الجبهة اللبنانية، بما قد يفتح الباب أمام مواجهة برية واسعة على الحدود مع لبنان. فالمعطيات المتوافرة توحي بأن هذا الخيار بات مطروحاً بجدية في دوائر القرار العسكري الإسرائيلي.
وإذا ما جرى تنفيذ هذا السيناريو، فإن الحرب قد تتجاوز نمط الاشتباكات المحدودة لتتحول إلى صراع إقليمي متعدد المسارح، خاصة إذا تداخلت فيه قوى إقليمية أو انخرطت فيه أطراف غير مباشرة عبر جبهات إضافية.
إعادة تشكيل البيئة الإقليمية
لا يمكن قراءة هذه التحركات العسكرية بمعزل عن السياق الأوسع للصراع في الشرق الأوسط. فالحرب الجارية قد تشكل حلقة في عملية أوسع لإعادة صياغة توازنات القوة والنفوذ في المنطقة.
ومن هذا المنظور، فإن العمليات العسكرية الحالية قد تكون جزءًا من مسار استراتيجي يسعى إلى إعادة ترتيب الخرائط الجيوسياسية في الشرق الأوسط، سواء من خلال تحجيم قوى إقليمية معينة أو إعادة تعريف معادلات الردع والتحالفات.
منطقة على حافة الاشتعال
في ضوء هذه المؤشرات، تبدو المنطقة أمام لحظة مفصلية تتسم بدرجة عالية من السيولة الاستراتيجية. فالتصعيد العسكري الجاري قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر اضطرابًا، خاصة إذا تزامن مع توسع جغرافي للعمليات العسكرية أو مع انخراط أطراف جديدة في الصراع.
وعليه، فإن المرحلة المقبلة قد تحدد مسار الحرب الحالية من جانب، وملامح التوازن الإقليمي في الشرق الأوسط لسنوات قادمة من جانبٍ آخر.





