نحو أي عالم نتجه؟... تحليل خاص يقدمه الباحث والمحلل السياسي الدكتور منذر الحوارات
يطل علينا الباحث والمحلل السياسي الدكتور منذر الحوارات في حديث خاص مع مؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير حول الشكل الذي سيكون عليه العالم، قائلًا إن النظام الدولي الراهن يشهد حالةً مركّبة من السيولة السياسية، لا يمكن اختزالها في توصيفات عابرة من قبيل "الفوضى" أو "الانتقال"، بقدر ما تمثل طورًا تاريخيًا فاصلًا تتآكل فيه مرتكزات النظام الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية، وتعززت قواعده بعد انتهاء الحرب الباردة، دون أن تتبلور بعدُ ملامح نظام بديل قادر على فرض توازنات مستقرة أو قواعد اشتباك واضحة. نحن، عمليًا، أمام لحظة مخاض جيوسياسي عسير، تتسم بارتفاع منسوب اللايقين، واتساع الهوة بين القدرة على إدارة الأزمات والقدرة على حسمها.
في هذا السياق، لا تبدو الولايات المتحدة الأمريكية في حالة تراجع خطّي أو انسحاب استراتيجي نهائي من موقع القيادة العالمية، فهي في طور إعادة صياغة دورها الإمبراطوري على أسس أقل كلفة وأكثر انتقائية. فواشنطن، التي شكّلت لعقود مركز الثقل في النظام الدولي، باتت تنظر إلى إدارة العالم وفق قواعده السابقة باعتبارها عبئًا استنزافيًا سياسيًا، واقتصاديًا، وعسكريًا. غير أن هذا الإدراك لم يفضِ إلى التخلي عن الهيمنة، وإنما إلى إعادة تعريفها من خلال ما يمكن توصيفه بـ"الهيمنة المرنة" أو "القيادة عبر إدارة الفوضى".
وانطلاقًا من هذا المنظور، تمارس الولايات المتحدة انسحابًا تكتيكيًا من بعض الساحات، يقابله تدخل انتقائي وقاسٍ في ساحات أخرى، مع الحرص على إبقاء بؤر التوتر مفتوحة وقابلة للاشتعال، بدل الذهاب نحو تسويات نهائية. هذا النمط السلوكي يفسّر بقاء الأزمات الكبرى عالقة بلا حسم: من غزة إلى أوكرانيا، ومن البحر الأحمر إلى إيران، مرورًا بتايوان، ووصولًا إلى ملفات جيوسياسية مستحدثة مثل غرينلاند وفنزويلا، فالولايات المتحدة تدير هذه الملفات بمنطق الضبط والتحكم، بما يمنع نشوء وقائع استراتيجية مستقرة قد تُفضي إلى إعادة توزيع حقيقي للقوة على المستوى الدولي.
وعليه، فإن الفوضى الراهنة ليست بالضرورة تعبيرًا عن عجز مطلق، ذلك أنها قد تكون، في جانب معتبر منها، فوضى مُدارة، تُستخدم كأداة لإطالة أمد الانتقال ومنع تبلور نظام دولي بديل، في لحظة تاريخية تدرك فيها واشنطن أن أي انتقال غير مضبوط قد يفضي إلى تآكل غير قابل للعكس في مكانتها العالمية.
ضمن هذه السيولة، تبرز العلاقة الأمريكية - الإيرانية بوصفها نموذجًا دقيقًا لصراع حاد بلا حرب شاملة. فقد وصلت هذه العلاقة إلى مستوى متقدم من الانسداد الاستراتيجي، يقوم على توازن ردع هش، تُدرك فيه واشنطن أن الانخراط في حرب كبرى مع إيران سيكون عالي الكلفة وغير مضمون النتائج، خاصة في ظل سيناريوهات اليوم التالي، واحتمالات تفكك الدولة الإيرانية، وما قد يستتبع ذلك من انفجارات أهلية واضطرابات إقليمية عميقة، لا سيما في أسواق الطاقة. وفي المقابل، تدرك طهران أن الحرب المباشرة تهدد بقاء النظام ذاته، وتفتح الباب أمام انهيارات داخلية يصعب التحكم بمساراتها.
غير أن هذا الردع المتبادل يبدو اليوم أقرب إلى نقطة التشبع القصوى. فالولايات المتحدة تستخدم الحشود العسكرية في البحار المحيطة بإيران كأداة ضغط قصوى، هدفها دفع طهران إلى طاولة التفاوض "بالقوة لا بالإكراه"، أي عبر خلق شعور دائم بقرب المواجهة دون اتخاذ قرار الحرب. إلا أن خطورة هذا المسار تكمن في أن فشل الضغوط قد يجعل المواجهة الخيار المتبقي، بما يفتح الباب أمام سلسلة من الأسئلة المفتوحة حول طبيعة الصدام، وحدوده، وتداعياته الإقليمية والدولية.
في المقابل، تتجاوز الحرب الإسرائيلية على غزة إطارها التقليدي بوصفها مواجهة مع فصيل مسلح، لتغدو مشروعًا استراتيجيًا واسع النطاق لإعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية الفلسطينية برمتها. فإسرائيل تسعى إلى كسر فكرة المقاومة ذاتها، وتفكيك غزة ككيان سياسي، وفصلها عن الضفة الغربية، وفرض وقائع ميدانية وقانونية تحول دون قيام دولة فلسطينية مستقبلًا. وحتى اللحظة، تبقى نتائج هذا المشروع معلّقة على مسار طويل، تتداخل فيه القدرة العسكرية مع الإرادة السياسية، ومع تفاعلات البيئة الإقليمية والدولية.
الأكثر خطورة في المشهد الكلي يتمثل فيما يمكن تسميته بـ"الفراغ الاستراتيجي المُدار"، الناتج عن قوة عظمى لا ترغب في الحسم، لكنها في الوقت ذاته لا تسمح بتشكّل بدائل مستقلة. هذا الفراغ أفسح المجال أمام صعود قوى إقليمية متوسطة - كتركيا وإيران وإسرائيل - تسعى إلى توسيع نطاق نفوذها وملء المساحات المتروكة، دون امتلاك أطر مرجعية دولية ضابطة أو شرعية نظامية جامعة، ما يجعل الإقليم عرضة لتنافس صفري، وصراعات مفتوحة، وحسابات خاطئة عالية الكلفة.
ويترافق ذلك مع تراجع ملموس لدور القانون الدولي، وتحوله من إطار ناظم إلى أداة انتقائية تُستخدم وفق موازين القوة. في هذا السياق، تحوّل الاقتصاد إلى سلاح، والطاقة إلى أداة ابتزاز جيوسياسي، والممرات البحرية إلى أوراق ضغط استراتيجية، بما يعكس انتقال الصراع من مستواه العسكري التقليدي إلى مستويات هجينة أكثر تعقيدًا وتشابكًا.
أما على مستوى بنية النظام الدولي، فلا يمكن الجزم بأن العالم خرج نهائيًا من الأحادية القطبية، لكنه بالتأكيد لم يعد مستقرًا داخلها. نحن أمام مرحلة بينية شديدة الهشاشة، تتسم بتعدد مراكز التأثير دون توازنات راسخة. فالصين، المرشحة الأبرز للتحول إلى قطب عالمي، لا تزال تركز على تثبيت هيمنتها الإقليمية في بحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان، دون استعداد كامل للانتقال إلى دور عالمي مفتوح، في ظل سعي أمريكي حثيث لعرقلة هذا المسار. وروسيا، رغم قدراتها العسكرية، تفتقر في وضعها الراهن إلى الأدوات الاقتصادية والسياسية التي تؤهلها للعب دور قطبي متكامل. أما أوروبا، فعلى الرغم من مظاهر الانكفاء، فإنها لا تزال تمتلك عناصر قوة استراتيجية هائلة، غير أن الولايات المتحدة نجحت - حتى الآن - في تعطيل تحولها إلى قوة سياسية موحدة ذات قرار مستقل.
في المحصلة، يقف العالم على عتبة مرحلة تاريخية شديدة التعقيد: إما أن تنجح الولايات المتحدة في إعادة إنتاج هيمنتها بصيغة أقل كلفة، بما يعيد ترسيخ نموذج القطب الواحد، أو أن تتراكم التحولات تدريجيًا نحو نظام دولي مختلف، لم تتبلور ملامحه بعد. وحتى تتضح وجهة هذا المسار، ستظل مرحلة السيولة الجيوسياسية والفوضى المُدارة هي السمة الغالبة، بما تحمله من مخاطر استراتيجية عميقة على الاستقرار العالمي، وعلى الأقاليم الهشة في مقدمتها الشرق الأوسط.





