>

تحليل خطاب أحمد الشرع بعد عام في الحكم... الإنجازات والتحديات

 

 تحليل الباحث مصطفى صالح

بعد عام على توليه رئاسة الجمهورية العربية السورية، قدّم الرئيس أحمد الشرع خطابًا موجّهًا إلى السوريين سعى من خلاله إلى رسم صورة شاملة لمسار عام من الحكم، جامعًا بين استحضار الرمزية الوطنية، وعرض جملة من الإجراءات والإنجازات، مع الإقرار بتحديات داخلية وخارجية لا تزال تضغط على مسار الدولة. 

يكتسب هذا الخطاب أهميته من كونه يصدر في لحظة مفصلية، تتقاطع فيها رهانات إعادة بناء الدولة مع ضرورات الاستقرار، وإعادة تعريف العقد الاجتماعي بين السلطة والمجتمع.

أولًا: البعد الخطابي... إعادة إنتاج الشرعية السياسية

انطلق الرئيس الشرع في خطابه من استدعاء الذاكرة الجمعية للسوريين، عبر التأكيد على تضحياتهم وصبرهم، وهو توظيف سياسي مدروس للرمزية الوطنية، يهدف إلى إعادة إنتاج شرعية الحكم على أساس المشاركة المعنوية لا القهر السلطوي، كما ربط بين المستقبل والعدالة والاستقرار والتنمية، في محاولة لتجاوز الثنائية التقليدية بين الأمن والحرية، وتقديم رؤية تكاملية ترى في العدالة شرطًا للاستقرار، وفي التنمية مدخلًا للتماسك الوطني.

غير أن هذا البعد الخطابي، على أهميته في إعادة بناء الثقة، يبقى محكومًا بمدى تحوّله إلى سياسات عامة مؤسسية، خاصة في ظل إرث ثقيل من القطيعة بين الدولة والمجتمع، وارتفاع منسوب الشك الشعبي تجاه الخطابات الرسمية.

ثانيًا: الاقتصاد السياسي... تحولات هيكلية أم استجابات ظرفية؟

في الشق الاقتصادي، أشار الرئيس الشرع إلى جملة من الخطوات المفصلية، أبرزها رفع العقوبات، وفتح أبواب الاستثمار الخارجي، واستعادة حقول نفط كانت خارج سيطرة الدولة، إلى جانب سنّ تشريعات لحماية الاستثمار وتشجيعه. وتمثل هذه الإجراءات، في مجموعها، اختراقًا مهمًا في بنية الاقتصاد السوري الذي عانى طويلًا من العزل والانكماش.

إلا أن القراءة التحليلية تقتضي التمييز بين تحرير الإمكانات الاقتصادية وبين تحقيق التعافي الفعلي؛ فرفع العقوبات وعودة الاستثمار يشكلان شرطًا لازمًا، لكنه غير كافٍ، ما لم يترافقا مع إصلاح إداري عميق، وضبط للفساد، وإعادة هيكلة للمالية العامة، فضلًا عن ضمان توزيع عادل لعوائد النمو. وعليه، فإن نجاح هذا المسار سيُقاس بقدرته على الانعكاس المباشر على مستوى معيشة المواطنين، لا بمجرد تحسن المؤشرات الكلية.

ثالثًا: الشأن الداخلي... وحدة الدولة وإدارة التعددية

أولى الرئيس الشرع اهتمامًا واضحًا لملف وحدة الدولة، مؤكدًا إقرار حقوق جميع المكونات الدينية والقومية، وفتح المجال أمام الإعلام ضمن إطار من "الحرية المنضبطة"، إلى جانب إطلاق مشاريع للإسكان والبنية التحتية وإعادة الإعمار، ويعكس هذا الطرح محاولة واعية للانتقال من منطق الهيمنة المركزية إلى منطق الدولة الجامعة.

غير أن التحدي الجوهري هنا يتمثل في إدارة التعددية بوصفها عنصر قوة لا مصدر تهديد، وهو ما يتطلب آليات دستورية وقانونية تضمن المشاركة السياسية المتوازنة، وتكفل المساواة أمام القانون، وتمنع توظيف التنوع في صراعات النفوذ أو مشاريع الانفصال.

رابعًا: السياسة الخارجية... فك العزلة وإعادة التموضع الإقليمي

في المجال الدبلوماسي، أشار الرئيس إلى استعادة العلاقات التي انقطعت في المرحلة السابقة، وإعادة سوريا إلى محيطها العربي، وطرحها كعامل استقرار إقليمي. وتمثل هذه الخطوات مؤشرًا على نجاح نسبي في إعادة تموضع سوريا ضمن الإقليم، وكسر العزلة السياسية التي رافقتها لسنوات.

إلا أن هذا المسار يبقى هشًا ما لم يُدعَّم بسياسة خارجية متوازنة، قادرة على تحييد سوريا عن صراعات المحاور، وربط الانفتاح الدبلوماسي بإصلاحات داخلية تعزز مصداقية الدولة أمام شركائها الإقليميين والدوليين.

خامسًا: ملف الحريات... انتقال من الضبط الأمني إلى الإطار القانوني

من أكثر ما لفت في إعلان الرئيس الشرع عن استعادة حرية السوريين، ومحو أسماء نحو ثمانية ملايين مواطن من قوائم الترقب، والإفراج عن أي موقوف دون سند قانوني. وتشير هذه الخطوات، إذا ما نُفذت بشكل شامل ومستدام، إلى تحوّل في فلسفة الحكم، من أولوية الأمن إلى سيادة القانون.

غير أن التحدي الحقيقي يتمثل في مأسسة الحريات، أي نقلها من قرارات سياسية إلى منظومة قانونية وقضائية مستقلة تضمن عدم الارتداد عنها تحت ضغط الأزمات أو التهديدات الأمنية.

سادسًا: التحديات المفصلية... الدولة أمام اختبارات السيادة

أقر الرئيس الشرع بجملة من التحديات المفصلية، تشمل التربص الخارجي بالأراضي السورية، ووجود دعاوى انفصالية داخلية، والحاجة إلى إعادة بناء جيش وطني موحد، وتعزيز قدرات القوات المسلحة والأمنية لوجستيًا وتقنيًا. وتكشف هذه التحديات عن طبيعة المرحلة الانتقالية، حيث لا يزال مفهوم السيادة قيد الاستكمال، وتبقى الدولة مطالبة بإعادة احتكار العنف المشروع ضمن إطار وطني جامع.

الخلاصة

يعكس ما قدمه الرئيس أحمد الشرع ملامح محاولة جدية لإعادة بناء الدولة السورية على أسس مختلفة عن المرحلة السابقة، مع تسجيل إنجازات لا يمكن إنكارها، لا سيما في ملفات العقوبات، والدبلوماسية، والحريات. في المقابل، لا تزال الفجوة قائمة بين الخطاب والواقع، وبين التعهدات السياسية ومتطلبات التحول البنيوي العميق.

وعليه، فإن العام الحالي سيشكّل اختبارًا حاسمًا لقدرة السلطة على الانتقال من إدارة المرحلة إلى تأسيس الدولة، ومن القرارات الاستثنائية إلى السياسات العامة المستدامة، بما يضمن استقرارًا طويل الأمد، ويعيد سوريا تدريجيًا إلى موقعها الطبيعي إقليميًا ودوليًا.