>

لماذا اختير الشرق الأوسط نموذجًا للفوضى؟... تحليل من وجهة نظر سوسيولوجية يقدمها الدكتور بدر الماضي

تحليل خاص يضعه أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور بدر الماضي في حديث مع مؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير

باتت الفوضى في النظام الدولي وفق أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور بدر الماضي في حديث حصري مع مؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير، ناتجة عن اختلال عميق في توازن المصالح، وتآكل المرجعيات الضابطة للعلاقات الدولية، وتراجع قدرة القوة المهيمنة على إنتاج الاستقرار الذي برّر قيادتها للنظام العالمي لعقود. وفي هذا السياق، يمكن قراءة المشهد الدولي الراهن بوصفه نتاجًا لتنازع مركّب بين المصالح الاستراتيجية، والعسكرية، والاقتصادية، والديموغرافية، والثقافية، حيث أصبحت الصراعات تتغذى على هشاشة المعنى، وغياب اليقين، وانكسار الثقة بالنظام الدولي ذاته.

الفوضى كنتاج لتنازع المصالح لا كخلل عابر

ينطلق التحليل السوسيولوجي السياسي للدكتور الماضي من فرضية أساسية مفادها أن عدم الاستقرار العالمي نتيجة طبيعية لتنازع المصالح بين الفاعلين الدوليين. فكلما اشتد الصراع على الموارد، والنفوذ، والهوية، أعيد إنتاج الفوضى كأداة لإعادة تشكيل موازين القوى. تاريخيًا، لم تنشأ التحولات الكبرى في النظام الدولي إلا في سياقات اضطراب حاد، حيث تُعاد صياغة العلاقات بين الدول على أنقاض أطر قديمة فقدت قدرتها على الضبط والتنظيم.

من ثنائية القطبية إلى هيمنة أحادية مأزومة

بعد الحرب العالمية الثانية، تشكّل نظام دولي ثنائي القطبية قاده كلٌّ من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، قبل أن ينهار أحد طرفيه، ليدخل العالم مرحلة الأحادية القطبية بقيادة أمريكية. غير أن هذه الهيمنة استندت إلى نموذج اجتماعي اقتصادي قدّم للإنسان الغربي، ومن ثم للعالم، وعودًا بالرفاه، والحريات، والرعاية الاجتماعية، وسيادة القانون. ومع أفول البديل الأيديولوجي السوفيتي، بدا وكأن العالم قد حسم خياره لصالح النموذج الغربي، لا بوصفه خيارًا قسريًا، بل باعتباره النموذج الأكثر قابلية للاستدامة.

رغم هذا الاستقرار الظاهري، بقيت مناطق رخوة في النظام الدولي، وعلى رأسها الشرق الأوسط، حيث تداخلت قضايا الهوية، والاستعمار، والصراع على الموارد، وفي القلب منها القضية الفلسطينية، بوصفها جرحًا مفتوحًا في جسد النظام العالمي. هذه المناطق كانت جزءًا من تناقضات النظام الداخلية، تُدار لا تُحل، وتُؤجَّل لا تُفكك، ما جعلها بؤرًا دائمة لإنتاج عدم الاستقرار.

ترامب والفوضى المُدارة

مع وصول دونالد ترامب إلى السلطة، دخلت الولايات المتحدة طورًا جديدًا من السلوك الدولي، يقوم على إثارة النزاعات لا احتوائها، وخلخلة العلاقات حتى مع الحلفاء التقليديين. من منظور علم الاجتماع السياسي، يمكن قراءة هذه السياسات باعتبارها محاولة لإعادة إنتاج المركزية الأمريكية عبر الفوضى، لا عبر الاستقرار؛ أي خلق أزمات متعددة تُضعف الجميع، ثم تقديم واشنطن نفسها بوصفها الفاعل الوحيد القادر على إعادة التوازن. غير أن هذه المقاربة انطوت على مخاطرة كبرى، تمثلت في خروج الفوضى عن السيطرة، وتحولها من أداة إلى حالة عامة.

غياب البديل العالمي وأزمة القيادة

تكمن خطورة اللحظة الراهنة في غياب قوة دولية قادرة على ملء الفراغ القيادي. فروسيا، رغم طموحها، لا تمتلك مقومات القيادة العالمية خارج نطاقها الإقليمي. والصين، على الرغم من صعودها الاقتصادي، لا تعرض نموذجًا قيميًا أو سياسيًا بديلًا، فهي تفضّل التركيز على مصالحها الاقتصادية وتجنب كلفة القيادة العالمية. أما أوروبا، فرغم امتلاكها عناصر قوة اقتصادية ومؤسسية، فإنها لا تزال مكبّلة بانقساماتها الداخلية، وبعلاقتها المعقّدة مع الولايات المتحدة، التي تعمل على عرقلة تحولها إلى قطب مستقل.

الشرق الأوسط كنموذج للفوضى المتراكبة

في الشرق الأوسط، تتجسد الفوضى بأكثر صورها تعقيدًا. إيران تستمر في توظيف الأيديولوجيا والتوسع الإقليمي على حساب التنمية الداخلية، فيما تشعر إسرائيل بأنها بلغت ذروة التفوق في ظل ضعف الخصوم، مستندة إلى دعم أمريكي وأوروبي شبه مطلق. وفي المقابل، تتحول الصراعات الإقليمية إلى ساحات تصفية حسابات دولية، دون أفق واضح للحسم، ما يعمّق حالة اللااستقرار ويعيد إنتاجها.

نحو نظام عالمي معلّق بين الانهيار وإعادة التشكل

يشير هذا المشهد إلى أن العالم يعيش مرحلة بينية خطرة، لا هو استقر على أحادية قطبية فاعلة، ولا هو انتقل إلى تعددية أقطاب واضحة المعالم. هذه المرحلة، وفق علم الاجتماع السياسي، تُعد من أخطر مراحل التاريخ، لأنها تحمل في طياتها احتمالات تصدّع غير محسوبة، وانزلاقات كبرى قد تُعيد تشكيل النظام الدولي بثمن إنساني واقتصادي باهظ.

الفوضى كسؤال مفتوح

في المحصلة، تبدو الفوضى العالمية الراهنة، أزمة عميقة في معنى النظام الدولي ذاته. ويبقى السؤال وفقًا للدكتور بدر الماضي متمحورًا حول ما إذا ستنجح الولايات المتحدة في إعادة إنتاج قيادتها للعالم بصيغة جديدة أكثر توافقًا مع المصالح المشتركة، أم أن النظام الدولي يتجه نحو مرحلة طويلة من السيولة وعدم اليقين، حيث تُدار الأزمات بلا حلول، وتُنتج الفوضى بوصفها القاعدة لا الاستثناء؟